دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية
عرض ونقد
تأليف
د. عبد الله بن صالح بن عبد العزيز الغصن
стр. 2
المقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: ١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٧٠ -٧١] .
أما بعد (١) :
стр. 3
فإن من أعظم منن الله على عباده أن بعث فيهم رسلاً مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وهداهم إلى صراطه المستقيم.
ولقد بين الله هذه المنة بقوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ﴾ [آل عمران: ١٦٤] .
وقد بقيت الأمة فترة من الزمن على الجادة السوية، والسيرة المرضية، تعتمد - بمجموعها - على المصدرين الأساسيين: الكتاب والسنة، وتَعُبُّ من منهلهما الروي.
ثم جاء على الأمة الزمن الذي تقاذفت فيه بها الأهواء والبدع، فابتعد فئام عن ذلك المنهل، وبدأ يدب في جسم الأمة الضعف والمهانة، وذلك وفق ما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ من افتراق الأمة، كما افترقت اليهود والنصارى، حتى جاء زمان على الأمة كانت سوق البدعة فيه رائجة، وكاد ينطفئ نور السنة، إذ كانت الدولة على خلاف السنة، فكانت الكلمة لأهل الأهواء، والسلطة بأيديهم، حتى انتشرت كثير من البدع والأهواء عند العامة والضعفاء (١) .
وكان للمبتدعة مصالح ومطامح في ظل البدعة، وغياب السنة، تغيب تلك المصالح إذا قام أئمة السنة بواجبهم، وحذروا من الدخائل على المعتقد والدين، فنهج المبتدعة نهجاً أبعدوا فيه علماء أهل السنة عن ملاقاة الناس، وأقصوهم لئلا يقولوا كلمة الحق، فيفتضح أمرهم ... وكان التاريخ دولاً بين أهل السنة وأهل البدعة، فمرة تكون الغلبة لهؤلاء، ومرة لهؤلاء، وقد تكون السنة أو البدعة في مكان دون مكان.
стр. 4
وكان من قدر الله وتوفيقه أن يبعث على رأس كل قرن من يجدد لهذه الأمة دينها، كما جاء في الحديث الصحيح: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (١) .
ومن هؤلاء الأعلام المجددين: العلامة المجاهد، الإمام الرباني، شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (٦٦١ - ٧٢٨هـ) ﵀؛ ذلك العلامة الفذ الذي لا يملك منصف من الكفار أو من المسلمين، من أعدائه أو من محبيه إلا أن يثني عليه كثيراً حين ذكره، بما يحضر ذلك المثني من صفات وخصائص لابن تيمية ﵀؛ ولأجل أن يكون الكلام عن ابن تيمية ﵀ منصفاً، فسأذكر مثالين لوصفه ﵀ من قِبل معاصريه الذين رأوه، وخالطوه.
فأولهما: قول ابن الزملكاني (٢)
﵀ عنه: (كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحداً لا يعرف مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا من مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يُعرف أنه ناظر أحداً فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم - سواء كان من علوم الشرع أو غيرها - إلا فاق فيه أهله، والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة
стр. 5
والترتيب، والتقسيم والتبيين) (١) .
وثانيهما: قول الإمام الذهبي (٢) ﵀ عنه: (كان يقضى منه العجب، إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف، يستدل ويرجح، ويجتهد، وحق له ذلك، فإن شروط الاجتهاد كانت قد اجتمعت فيه، فإنني ما رأيت أسرع انتزاعاً للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشد استحضاراً لمتون الأحاديث، وعزوها إلى الصحيح أو إلى المسند أو إلى السنن منه، كأن الكتاب والسنن نصب عينيه، وعلى طرف لسانه، بعبارة رشيقة، وعين مفتوحة، وإفحام للمخالف ... وكان قوالاً بالحق، نهاءً عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، ذا سطوة وإقدام، وعدم مداراة الأغيار، ومن خالطه وعرفه قد ينسبني إلى التقصير في وصفه، ومن نابذه وخالفه ينسبني إلى التغالي فيه ... وأنا أقل من أن ينبه على قدره كلمي، أو أن يوضح نبأه قلمي ... ) (٣) .
وكان ابن تيمية ﵀ يواجه التيارات البدعية في عصره، ويناقش ما تحمله من مخالفات عقدية، حريصاً على تصحيح العقيدة في نفوس الناس، وتنقيتها مما شابها من كثير من الانحرافات، إذ يرى ﵀ أن الراد على أهل البدع مجاهد (٤) ، إلا أن من كان شيخ الإسلام يهدم بنيانهم من القواعد، لم يطب لهم صنيعه، فحاولوا بشتى الوسائل تشويه صورته عند كل أحد، وبكل الوسائل، فلم يكونوا يتورعون عن سبه وشتمه، ورموه بالجهل تارة، وبالزندقة أخرى، ونسبوه إلى البدعة، ولم يبق إلا ما هو أعظم منها، ألا وهو التكفير،
стр. 6
وقد فعلوا، فكفروه ﵀ ووجهوا إليه ﵀ تُهماً في شخصه، ومنهجه، وعقيدته، وانتقدوه في مسائل علمية أخرى، فكانت بعض التُّهم والدعاوى قد وجهت إليه في حياته، فأسهم بنصيب وافر في بيان قوله، والاستدلال له وربطه بمنهج السلف ناقلاً عنهم، ومناقشاً شُبه الخصوم، ومبيناً ضعفها وعوارها، مع علمه ﵀ بمناهج المخالفين، وأسباب تلك المخالفة؛ ولذا فقد نظر ﵀ إلى هذه المخالفة من الجانب الإيجابي، مبيناً أن وجود المناوئين والمخالفين لعقيدة السلف، والرد عليهم، هو باب من أبواب ظهور الدين وانتشاره، قال ﵀: (من سنة الله: أنه إذا أراد إظهار دينه أقام من يعارضه، فيحق الحق بكلماته، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) (١) .
واستمرت الردود والدعاوى ضد ابن تيمية ﵀ بعد وفاته إلى هذا العصر، وهذا من سنة الله في الحياة أن يستمر الصراع بين الحق والباطل، ومن صور استمرار هذا الصراع: أن يشكك أهل الباطل بنقلة الحق وأعلامه وأئمته، ثم التشكيك والقدح بما يحملون وما يبلغون من عقائد وعلوم، حتى لا يبقى لأهل الباطل إلا باطلهم، ومن أبرز حملات أهل الباطل على عقيدة السلف: قدحهم في ابن تيمية ﵀ والرد عليه فألفوا المؤلفات، وكتبوا الردود والرسائل، وملؤوا الكتب بالحواشي التي ملؤوا بها زيفهم وضلالهم تجاه هذا العَلَم، وتجاه عقيدة السلف الصالح، واستنفروا شعراءهم، فكان لسلف أهل الباطل تلامذة واصلوا بث الحقد على شيخ الإسلام، وعلى منهجه، وزادوا وأوغلوا في الضلالة، ونشروا بين الناس ما كان مغموراً من ردود ومناقشات بين شيخ الإسلام ﵀ ومخالفيه، وقامت مؤسسات لأهل الباطل، ودور نشر همها الرد على عقيدة السلف، فكان لزاماً على أهل الحق أن يقوموا بواجبهم تجاه أهل الضلال ليردوا كيدهم في نحورهم، وليعيدوهم خائبين، ببيان الحجة، ونقد الشبهة بمنهج علمي معتدل، فكانت هذه الرسالة جهداً من
стр. 7
الجهود التي يقوم بها أهل السنة تجاه المبتدعة، سائلاً الله التوفيق والقبول، كما أسأله سبحانه أن يحفظ هذه الدولة (الدولة السعودية) ، وأن ينصرها ويبارك فيها، حيث وفقها لإحياء ما اندرس من مؤلفات ابن تيمية ﵀، بطبعها، ونشرها، وتوزيعها، لتسهل الاستفادة منها، ولتكون في أيدي الطالبين، وذلك من بداية قيام هذه الدولة؛ إقامة للسنة، وإخماداً للبدعة، فأسأل الله أن يوفق القائمين عليها لكل خير، ويسدد خطاهم، ويعينهم على أمور دينهم ودنياهم إنه سميع مجيب.
أسباب اختيار البحث:
١ - أن الدفاع عن أحد أبرز أئمة أهل السنة، والرد على ما يرمى به من دعاوى، إنما هو دفاع عن المعتقد والمنهج الذي يحمله ذلك الإمام، والدفاع عن المعتقد والمنهج تتعدد صوره، ومنها: الدفاع عن أعلام ذلك المنهج بما يثار حولهم من شبهات.
٢ - بيان ضعف شُبه المبتدعة ضد معتقد أهل السنة والجماعة، وذلك بعرضها، ثم مناقشتها.
٣ - أن التصدي للمبتدعة والرد على شبهاتهم فرض كفاية، فلا بد من قيام طائفة تقوم بهذا الغرض من أهل العلم وطلابه، للتصدي لتلك الشبهات والرد عليها، ثم - أيضاً - إنه نوع من الجهاد، فالراد على المبتدعة مجاهد.
٤ - حرص الباحث على قراءة كتب ابن تيمية ﵀ جميعها، سواء الكتب والرسائل العقدية، أو غيرها، ذلك أن شيخ الإسلام ﵀ يستطرد - أحياناً - في مباحث في غير مظانها، لا توجد هذه المباحث إلا في مثل هذه الاستطرادات.
٥ - تنوع الموضوع، وشموله، فقد فصّل البحث في بعض مباحث الصفات، ومسألة إمكان حوادث لا أول لها وبداية خلق العالم، وأيضاً - فصّل البحث في توحيد الألوهية ببحث مسألة شد الرحل، ومسألة التوسل، ثم بيّن البحث الموقف من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -، ثم انتقل إلى
стр. 8
مبحث من مباحث الإيمان باليوم الآخر وهو: مسألة أبدية النار وعدم فنائها، واجتماع هذه الموضوعات في بحث واحد كفيلة ببيان أهميته، وشموله.
٦ - محاولة إبراز أقوال ابن تيمية ﵀ بصورة جديدة من حيث الترتيب والعرض، ويظهر هذا الأمر في مباحث متعددة من البحث، وبالذات في فصل (إمكان حوادث لا أول لها) .
٧ - تناصر أهل الباطل من أهل البدعة في الأزمان المتأخرة على دحر السنة، وتغييبها في بلدان متعددة من العالم الإسلامي، مما جعل بعض الناس يظن الحق باطلاً، والباطل حقاً، والسنة بدعة، والبدعة سنة، وجعل أهلُ الباطل أبرز أهدافهم، وموضع رمي سهامهم: شيخ الإسلام ﵀، وهذا يوجب على أهل السنة مجاهدة المبتدعة، ومجالدتهم، ومقارعتهم بالحجة والبرهان.
خطة البحث:
تتكون خطة البحث من مقدمات تعريفية بابن تيمية ﵀ ومنهجه، وبالمناوئين، وأقسامهم، ومنهجهم، ودعاواهم حول منهج ابن تيمية ﵀، وهذه استغرقت التمهيد والفصل الأول.
ثم صلب الرسالة: وهو مناقشة المسائل المنتقدة العقدية على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ واستغرق ستة فصول.
ثم خاتمة البحث، والفهارس اللازمة للبحث.
وتفصيل الخطة كالتالي: تتكون الخطة من مقدمة، وتمهيد، وسبعة فصول، وخاتمة، وفهارس.
أما المقدمة فتتضمن:
١ - أهمية البحث، وسبب اختياره.
٢ - خطة البحث.
стр. 9
٣ - منهج البحث.
وأما التمهيد فذكرت فيه:
١ - ترجمة موجزة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
٢ - منهج شيخ الإسلام في تقرير العقيدة، والاستدلال عليها.
الفصل الأول: المناوئون لشيخ الإسلام، ودعاواهم حول منهجه: وفيه مبحثان:
المبحث الأول: المناوئون لشيخ الإسلام: وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: أقسام المناوئين.
المطلب الثاني: المنهج العام للمناوئين.
المطلب الثالث: اعتراف خصومه بقدره.
المبحث الثاني: دعاوى المناوئين حول منهج شيخ الإسلام ابن تيمية.
الفصل الثاني: دعوى التجسيم والتشبيه: وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: قول أهل السنة في مسألة التجسيم والتشبيه.
المبحث الثاني: دعوى أن شيخ الإسلام مجسم ومشبه، ومناقشتها.
المبحث الثالث: دعوى أن شيخ الإسلام أخذ التشبيه ممن قبله، ومناقشتها.
المبحث الرابع: دعوى قوله بالجهة والتحيز، ومناقشتها.
الفصل الثالث: دعوى القول بقدم العالم: وفيه مبحثان:
المبحث الأول: معتقد أهل السنة في إمكان حوادث لا أول لها: وفيه ثلاثة مطالب.
المطلب الأول: التسلسل: تعريفه، أقسامه، حكم كل قسم.
المطلب الثاني: الصفات الاختيارية.
стр. 10
المطلب الثالث: شرح حديث عمران بن حصين (كان الله ولم يكن شيء قبله ... ) .
المبحث الثاني: دعوى الخصوم أن قول شيخ الإسلام بإمكان حوادث لا أول لها يستلزم القول بقدم العالم، ومناقشتها.
الفصل الرابع: دعوى نهي ابن تيمية عن زيارة القبور: وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: عقيدة أهل السنة في شد الرحال، وزيارة القبور.
المبحث الثاني: الزعم بأن شيخ الإسلام ينهى عن زيارة القبور، ومناقشته.
المبحث الثالث: دعوى أن شيخ الإسلام ينتقص من منزلة الرسول ﷺ ، ومناقشتها.
المبحث الرابع: دعوى مخالفة ابن تيمية الصحابة في قولهم بجواز بناء المساجد على القبور، ومناقشتها.
المبحث الخامس: دعوى أن ابن تيمية يساوي في المنزلة بين قبور الأنبياء وقبور غيرهم، ومناقشتها.
الفصل الخامس: مسألة التوسل: وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: عقيدة أهل السنة والجماعة في التوسل.
المبحث الثاني: دعوى جواز التوسل بالأنبياء والصالحين، وأن شيخ الإسلام يحرم ذلك، ومناقشتها.
المبحث الثالث: دعوى أن شيخ الإسلام هو الذي ابتدع القول بعدم جواز التوسل بالنبي ﷺ ، ومناقشتها.
المبحث الرابع: دعوى بغض شيخ الإسلام الأنبياء والصالحين وإهانته لهم، ومناقشتها.
стр. 11
الفصل السادس: موقف شيخ الإسلام من الصحابة: وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة.
المبحث الثاني: دعوى تخطئة شيخ الإسلام الصحابة بما فيهم الخلفاء الأربعة، ومناقشتها.
المبحث الثالث: دعوى تكلف شيخ الإسلام الغمز على أهل البيت وتعمية مناقبهم، ومناقشتها.
المبحث الرابع: دعوى رد الأحاديث الصحيحة في مقام المبالغة في توهين كلام الشيعة، ومناقشتها.
الفصل السابع: مسألة دوام النار: وفيه مبحثان:
المبحث الأول: دلالة نصوص الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة على خلود النار.
المبحث الثاني: دعوى أن شيخ الإسلام يرى فناء النار، ومناقشتها.
الخاتمة: وتتضمن أهم نتائج البحث.
ثم الفهارس اللازمة للبحث.
وقد سرت على منهج في كتابة البحث ، تظهر أبرز ملامحه في الملاحظات التالية:
١ - حرصت - قدر الإمكان - على تركيز المادة العلمية، مع سهولة العرض، وتوضيح العبارة.
٢ - التركيز على ربط القضايا والمسائل التي يتحدث عنها ابن تيمية ﵀ بالكتاب والسنة، ثم بأقوال من تقدمه من سلف الأمة.
٣ - كان مقصد البحث وتركيزه على عرض الدعوى، مع بيان قائلها، والإحالة إلى الكتاب الأصلي لصاحب الدعوى، ثم الرد على الدعوى، ولم يكن من منهج البحث: التتبع التاريخي لكل من قال بهذه الدعاوى،
стр. 12
أو حصر كل من تكلم بهذه الدعوى، ولكني اكتفيت - غالباً - بذكر قول أول من قال بهذه الدعوى؛ لأن البقية نقلة منه - غالباً - وإن كان ثمت زيادة عند المتأخر فإني أذكرها مع ذكر قائلها، والإحالة إلى كتابه، فالغرض هو ثبوت وجود الدعوى؛ لأجل الرد عليها.
٤ - سلكت المنهج الاستقرائي في تتبع أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من كتبه.
٥ - في عرض الدعاوى سلكت منهجاً تميز بما يلي:
أ - فصلت الدعوى عن الرد بمطلب مستقل، وذلك لئلا يختلط الحق بالباطل، ويلتبس في ذهن القارئ الحق بالقول الباطل، خاصة وأن بعض مناوئي الشيخ من العلماء الكبار.
ب - عرضت الشُبه عرضاً مجملاً موجزاً، وأما الرد ففيه البيان والتفصيل - قدر الحاجة - وهذا هو منهج السلف في هذه المسألة.
جـ - نقلت الدعاوى من كتب المناوئين - أنفسهم - ركزت على أن تكون النقول والإحالات من كتب مشهورة عندهم - وإن كانت الشهرة نسبية -، أما الكتب المغمورة، أو المخطوطة، أو الكتب التي لا يثقون هم بها - أيضاً - فلم أنقل منها، ولم أعز إليها.
٦ - إذا ذكرت عن أحد المناوئين مقولة ودعوى، فلا يلزم أن يكون قد قال بكل الدعاوى التي قيلت ضد ابن تيمية ﵀، ولا يلزم أن يقر بها - أيضاً - (١) .
٧ - لم يكن قصد البحث استيفاء جميع جوانب وجزئيات الموضوعات الموجودة عناوينها في الخطة كالموقف من الصفات، وإمكان حوادث لا أول لها، والتوسل، والموقف من الصحابة وغير ذلك، وإنما كان
стр. 13
مقصود البحث: بيان ما أثير حول ابن تيمية ﵀ من شبهات ودعاوى، وفي المقابل بيان مذهب ابن تيمية ﵀ وموقفه مما أثير حوله فقط، وليس موقفه - أيضاً - من جزئيات هذه الموضوعات، ولو فصل البحث في هذه الجزئيات لطال وكثر، ولخرج عن مقصوده.
٨ - عزوت الآيات إلى سورها، وذكرت رقم الآية.
٩ - خرّجت الأحاديث الواردة في البحث، فما كان في الصحيحين، أو في أحدهما، فإني لا أذكر الحكم عليه لصحته، وأما ما كان في غيرهما فإني أنقل حكم أحد أئمة هذا الشأن فيه.
١٠ - عرفت بالفرق التي ورد ذكرها في الرسالة.
١١ - شرحت الكلمات التي تحتاج إلى إيضاح، وعرّفت ببعض المصطلحات العلمية الواردة في البحث.
١٢ - ترجمت للأعلام الوارد ذكرهم في الرسالة، فمن كان مشهوراً اختصرت ترجمته، ومن كان غير ذلك فأترجم له ترجمة مناسبة، وهذا يكون عند أول ورود لهذا العلم، وأما بعد ذلك فإني أتبع العَلَم بذكر تاريخ وفاته.
١٣ - وضعت فهارس في آخر البحث وهي كما يلي:
أ - فهرس الآيات القرآنية.
ب - فهرس الأحاديث النبوية والآثار.
جـ - فهرس الأعلام المترجم لهم.
د - فهرس الفرق والطوائف.
هـ - فهرس المصطلحات والكلمات الغريبة المشروحة.
وفهرس المراجع.
ز - فهرس الموضوعات (١) .
стр. 14
[شكر وتقدير]
هذا، وإن الشكر والحمد لصاحبه ومستحقه الذي أنعم عليّ بنعم كثيرة لا تحصى، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] ، فله سبحانه الحمد والشكر حمداً وشكراً لا منتهى لحده.
وبعد شكر المولى أرى لزاماً علي أن أزجي الشكر الجزيل، والثناء العاطر إلى كل من أعانني على إنجاز هذا العمل.
وأخص بالذكر والدي الكريمين، على ما لقيت منهما من تربية وتوجيه وتعليم، فأسأل الله أن يثقل موازينهما، وأن يعينني على برهما، والإحسان إليهما، وأخص منهما والدي فضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز الغصن، الذي كان فضله علي بعد الله كبيراً، فمنه تلقيت التوجيه والنصح منذ الصغر، والحث على الاستقامة، وطلب العلم الشرعي، وكان يسعى - حفظه الله ورعاه - إلى تفريغي عن كثير من المشاغل الاجتماعية أثناء إعداد الرسالة - فجزاه الله خير الجزاء -.
وفضيلة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله الراجحي، المشرف على هذه الرسالة، الذي أعطاني من وقته الكثير - رغم مشاغله وارتباطاته -، فكان - حفظه الله - نعم المشرف، حيث أفدت من ملحوظاته العلمية والمنهجية.
ثم لا أنسى أن أشكر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ممثلة في كلية أصول الدين، وقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة فيها، على منحي هذه الفرصة لإعداد رسالة الدكتوراه.
وأشكر كل من ساعدني وأمدني بفائدة، أو دلالة على موضع كتاب، أو إعارة كتب، أو غير ذلك، فلهم جميعاً وافر الشكر وجزيله.
وختاماً، فإني لا أدّعي أني وفيت الموضوع حقه، ولا أني أصبت في كل ما قلت وقصدت؛ لأن الخطأ والزلل والنقص من طبيعة البشر، ولكن حسبي أني بذلت جهدي لإخراج هذا البحث على الصورة المرضية، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده ، فله الفضل والمنّ والحمد، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر الله منه.
стр. 15
وأسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، أن يرزقني الإخلاص في القول والعمل، وفي السر والعلن، وأن يبلغني رضاه، وأن يجعل هذا العمل مقبولاً عنده، وأن يريني الحق حقاً ويرزقني اتباعه، وأن يريني الباطل باطلاً ويرزقني اجتنابه، إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. عبد الله بن صالح بن عبد العزيز الغصن
стр. 16
[التمهيد]
стр. 17
ترجمة موجزة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١)
اعتنى بدراسة شخصية شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ القدامى والمحدثون، فكثرت الدراسات عنه، وتنوعت أهداف الدارسين لشخصيته، كل يأخذ منها ما يوافق تخصصه وهدفه، فهناك دراسات في سيرته الذاتية، ودراسات عن عقيدته، ودراسات عن فقهه، ودراسات عن تعمقه وإمامته في الحديث، ودراسات عن منهجه الدعوي، ودراسات عن فكره التربوي والاجتماعي، وغيرها.
وإذا استعرضت كتب التاريخ والرجال للقرن الثامن الهجري: فمن أبرز من يترجم له هو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
وإذا قرأت كتبه المحققة - وهي كثيرة - فإن في مقدمتها - غالباً - ذكر شيء من ترجمته
فشهرته بلغت الآفاق، وتكاد تجمع الكتب على الثناء عليه من القديم والحديث، ولذلك يجد الكاتب في سيرته صعوبة في اختيار المناسب من سيرته لما يبحث فيه، أما التوسع في ذكر سيرته فقد أغنت شهرته عن ذلك كما يقول عنه الحافظ ابن رجب (٢) ﵀: (وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره، والإسهاب في أمره) (٣) .
стр. 18
وسأحيل في نهاية الترجمة - إن شاء الله - إلى أبرز من حاول حصر المؤلفات فيه.
١ - اسمه ونسبه:
هو أحمد تقي الدين أبو العباس بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني (١) .
وذكر مترجموه أقوالاً في سبب تلقيب العائلة بآل (تيمية) منها ما نقله ابن عبد الهادي ﵀ (٢) : (أن جده محمداً كانت أمه تسمى (تيمية) ، وكانت واعظة، فنسب إليها، وعرف بها.
وقيل: إن جده محمد بن الخضر حج على درب تيماء، فرأى هناك طفلة، فلما رجع وجد امرأته قد ولدت بنتاً له فقال: يا تيمية، يا تيمية، فلقب بذلك) (٣) .
٢ - مولده ونشأته:
ولد ﵀ يوم الاثنين، عاشر، وقيل: ثاني عشر من ربيع الأول سنة ٦٦١هـ. في حرّان. (٤)
وفي سنة ٦٦٧هـ أغار التتار على بلده، فاضطرت عائلته إلى ترك حران، متوجهين إلى دمشق (٥) ، وبها كان مستقر العائلة، حيث طلب العلم على أيدي
стр. 19
علمائها منذ صغره، فنبغ ووصل إلى مصاف العلماء من حيث التأهل للتدريس والفتوى قبل أن يتم العشرين من عمره (١) .
ومما ذكره ابن عبد الهادي ﵀ عنه في صغره أنه: (سمع مسند الإمام أحمد بن حنبل مرات، وسمع الكتب الستة الكبار والأجزاء، ومن مسموعاته معجم الطبراني الكبير.
وعني بالحديث وقرأ ونسخ، وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ العربية على ابن عبد القوي (٢) ، ثم فهمها، وأخذ يتأمل كتاب سيبويه (٣) حتى فهم في النحو، وأقبل على التفسير إقبالاً كلياً، حتى حاز فيه قصب السبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك.
هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة، فانبهر أهل دمشق من فُرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه) (٤) .
(وقلّ كتاب من فنون العلم إلا وقف عليه، كأن الله قد خصه بسرعة الحفظ، وإبطاء النسيان لم يكن يقف على شيء أو يستمع لشيء - غالباً - إلا ويبقى على خاطره، إما بلفظه أو معناه، وكان العلم كأنه قد اختلط بلحمه ودمه وسائره.
стр. 20
فإنه لم يكن مستعاراً، بل كان له شعاراً ودثاراً، ولم يزل آباؤه أهل الدراية التامة والنقد، والقدم الراسخة في الفضل، لكن جمع الله له ما خرق بمثله العادة، ووفقه في جميع عمره لأعلام السعادة، وجعل مآثره لإمامته أكبر شهادة) (١) .
وكان ﵀ حسن الاستنباط، قوي الحجة، سريع البديهة، قال عنه البزار (٢) ﵀ (وأما ما وهبه الله تعالى ومنحه من استنباط المعاني من الألفاظ النبوية والأخبار المروية، وإبراز الدلائل منها على المسائل، وتبيين مفهوم اللفظ ومنطوقه، وإيضاح المخصص للعام، والمقيد للمطلق، والناسخ للمنسوخ، وتبيين ضوابطها، ولوازمها وملزوماتها، وما يترتب عليها، وما يحتاج فيه إليها، حتى إذا ذكر آية أو حديثاً، وبين معانيه، وما أريد فيه، يعجب العالم الفطن من حسن استنباطه، ويدهشه ما سمعه أو وقف عليه منه) (٣) .
وكان ﵀ ذا عفاف تام، واقتصاد في الملبس والمأكل، صيناً، تقياً، براً بأمه، ورعاً عفيفاً، عابداً، ذاكراً لله في كل أمر على كل حال، رجاعاً إلى الله في سائر الأحوال والقضايا، وقافاً عند حدود الله وأوامره ونواهيه، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، لا تكاد نفسه تشبع من العلم، فلا تروى من المطالعة، ولا تمل من الاشتغال، ولا تكل من البحث.
قال ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) ﵀ عنه: (ثم لم يبرح شيخنا ﵀ في ازدياد من العلوم وملازمة الاشتغال والإشغال، وبث العلم ونشره، والاجتهاد
стр. 21
في سبل الخير حتى انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل، والزهد والورع، والشجاعة والكرم، والتواضع والحلم والإنابة، والجلالة والمهابة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر أنواع الجهاد مع الصدق والعفة والصيانة، وحسن القصد والإخلاص، والابتهال إلى الله وكثرة الخوف منه، وكثرة المراقبة له وشدة التمسك بالأثر، والدعاء إلى الله وحسن الأخلاق، ونفع الخلق، والإحسان إليهم والصبر على من آذاه، والصفح عنه والدعاء له، وسائر أنواع الخير) (١) .
٣ - عصره:
أولاً: الناحية السياسية:
يستطيع الواصف للحالة السياسية لعصر ابن تيمية ﵀ أن يحدد معالمها بثلاثة أمور رئيسة:
أ - غزو التتار للعالم الإسلامي.
ب - هجوم الفرنجة على العالم الإسلامي.
جـ - الفتن الداخلية، وخاصة بين المماليك والتتار والمسلمين.
وقد ذكر ابن الأثير (٢) ﵀ وصفاً دقيقاً لذلك العصر، وهو من أهله:
فقال: (لقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها
стр. 22
أحد من الأمم: منها هؤلاء التتر: فمنهم من أقبلوا من الشرق ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها.
ومنها: خروج الفرنج - لعنهم الله - من الغرب إلى الشام وقصدهم ديار مصر وامتلاكهم ثغرها - أي دمياط -، وأشرفت ديار مصر وغيرها على أن يملكوها لولا لطف الله تعالى ونصره عليهم.
ومنها: أن السيف بينهم مسلول، والفتنة قائمة) (١) .
فأما التتار: فقد كانوا فاجعة الإسلام والمسلمين في القرن السابع الهجري، في سقوط بغداد - وبها سقطت الخلافة العباسية - سنة (٦٥٦هـ) (٢) وما قبل سقوط بغداد بسنوات (٣) ، وما بعد سقوط بغداد حيث كانت هذه الأحداث قريبة من ولادة شيخ الإسلام ابن تيمية (ولا بد أن يكون قد شاهد آثار هذا الخراب والدمار بأم عينيه، وسمع تفاصيله المؤلمة عمن رأوا مناظره وشهدوها وشاهدوها، فمن الطبيعي أن يتأثر قلبه الغيور المرهف بنكبة المسلمين هذه وذلتهم، وتمتلئ نفسه غيظاً وكراهية لأولئك الوحوش الضواري) (٤) .
وأما ظهور الفرنجة أو (الحروب الصليبية) : فقد كانت ولادة ابن تيمية ﵀ في بداية الدور الرابع لهذه الحروب الذي يمثل دور الضعف الفرنجي وتجدد قوة المسلمين، باسترداد كثير من المدن الشامية الكبرى، وإكمال مسيرة طرد الفرنج من بلاد المسلمين.
стр. 23
وأما الفتن الداخلية: فما كان يحصل بين المماليك وتنازعهم على السلطة وما كان يحصل بينهم وبين التتر المسلمين، وقد كان لابن تيمية ﵀ مشاركة في إصلاح بعض هذا، وفي مقدمة مواقف ابن تيمية ﵀ يذكر المؤرخون قصته مع آخر أمراء المماليك وذلك بتذكيره بحقن دماء المسلمين، وحماية ذراريهم وصون حرماتهم (١) .
ثانياً: الناحية الاجتماعية:
كانت مجتمعات المسلمين خليطاً من أجناس مختلفة، وعناصر متباينة بسبب الاضطراب السياسي في بلادهم.
إذ اختلط التتار - القادمون من أقصى الشرق حاملين معهم عاداتهم وأخلاقهم وطباعهم الخاصة - بالمسلمين في ديار الإسلام الذين هم أقرب إلى الإسلام عقيدة وخلقاً من التتر.
ونوعية ثالثة: ألا وهي أسرى حروب الفرنجة والترك إذ كان لهم شأن في فرض بعض النظم الاجتماعية، وتثبيت بعض العوائد السيئة، والتأثير اللغوي العام على المجتمع المسلم.
إضافة إلى امتزاج أهل الأمصار الإسلامية بين بعضهم البعض بسبب الحروب الطاحنة من التتار وغيرهم، فأهل العراق يفرون إلى الشام، وأهل دمشق إلى مصر والمغرب وهكذا.
كل هذا ساعد في تكوين بيئة اجتماعية غير منتظمة وغير مترابطة، وأوجد عوائد بين المسلمين لا يقرها الإسلام، وأحدث بدعاً مخالفة للشريعة كان لابن تيمية ﵀ أكبر الأثر في بيان الخطأ والنصح للأمة، ومقاومة المبتدعة (٢) .
стр. 24
ثالثاً: الناحية العلمية:
في عصر ابن تيمية ﵀ قل الإنتاج العلمي، وركدت الأذهان، وأقفل باب الاجتهاد وسيطرت نزعة التقليد والجمود، وأصبح قصارى جهد كثير من العلماء هو جمع وفهم الأقوال من غير بحث ولا مناقشة، فألفت الكتب المطولة والمختصرة، ولكن لا أثر فيها للابتكار والتجديد، وهكذا عصور الضعف تمتاز بكثرة الجمع وغزارة المادة مع نضوب في البحث والاستنتاج.
ويحيل بعض الباحثين ذلك الضعف إلى: سيادة الأتراك والمماليك مما سبب استعجام الأنفس والعقول والألسن، إضافة إلى اجتماع المصائب على المسلمين، فلم يكن لديهم من الاستقرار ما يمكنهم من الاشتغال بالبحث والتفكير (١) .
ولا ينكر وجود أفراد من العلماء النابهين أهل النبوغ، ولكن أولئك قلة لا تنخرم بهم القاعدة. وثمة أمر آخر في عصر ابن تيمية أثر في علمه ألا وهو: اكتمال المكتبة الإسلامية بكثير من الموسوعات الكبرى في العلوم الشرعية: من التفسير، والحديث، والفقه، وغيرها.
فالسنة مبسوطة، والمذاهب مدونة، ولم يعد من السهل تحديد الكتب التي قرأها وتأثر بها، ولا معرفة تأثير شيوخه عليه بدقة.
٤ - محن الشيخ:
امتحن الشيخ مرات عدة بسبب نكاية الأقران وحسدهم، ولما كانت منزلة شيخ الإسلام في الشام عالية عند الولاة وعند الرعية وشى به ضعاف النفوس عند الولاة في مصر، ولم يجدوا غير القدح في عقيدته، فطلب إلى مصر، وتوجه إليها سنة ٧٠٥هـ. بعدما عقدت له مجالس في دمشق لم يكن للمخالف فيها حجة (٢) ، وبعد أن وصل إلى مصر بيوم عقدوا له محاكمة كان يظن شيخ
стр. 25
الإسلام ﵀ أنها مناظرة، فامتنع عن الإجابة حين علم أن الخصم والحكم واحد (١) .
واستمر في السجن إلى شهر صفر سنة ٧٠٧هـ، حيث طلب منه وفد من الشام بأن يخرج من السجن، فخرج وآثر البقاء في مصر على رغبتهم الذهاب معهم إلى دمشق.
وفي آخر السنة التي أخرج فيها من السجن تعالت صيحات الصوفية (٢) في مصر، ومطالباتهم في إسكات صوت شيخ الإسلام ﵀ فكان أن خُير شيخ الإسلام بين أن يذهب إلى دمشق أو إلى الإسكندرية أو أن يختار الحبس، فاختار الحبس، إلا أن طلابه ومحبيه أصروا عليه أن يقبل الذهاب إلى دمشق، ففعل نزولاً عند رغبتهم وإلحاحهم.
وما إن خرج موكب شيخ الإسلام من القاهرة متوجهاً إلى دمشق، حتى لحق به وفد من السلطان ليردوه إلى مصر ويخبروه بأن الدولة لا ترضى إلا الحبس.
وما هي إلا مدة قليلة حتى خرج من السجن وعاد إلى دروسه، واكب الناس عليه ينهلون من علمه.
стр. 26
وفي سنة ٧٠٩هـ نفي من القاهرة إلى الإسكندرية، وكان هذا من الخير لأهل الإسكندرية ليطلبوا العلم على يديه، ويتأثروا من مواعظه، ويتقبلوا منهجه، لكن لم يدم الأمر طويلاً لهم، فبعد سبعة أشهر طلبه إلى القاهرة الناصر قلاوون (١) بعد أن عادت الأمور إليه، واستقرت الأمور بين يديه، فقد كان من مناصري ابن تيمية ﵀ وعاد الشيخ إلى دورسه العامرة في القاهرة.
وامتحن شيخ الإسلام بسبب فتواه في مسألة الطلاق (٢) ، وطُلب منه أن يمتنع عن الإفتاء بها فلم يمتنع حتى سجن في القلعة من دمشق بأمر من نائب السلطنة سنة ٧٢٠هـ إلى سنة ٧٢١هـ لمدة خمسة أشهر وبضعة أيام.
وبحث حساده عن شيء للوشاية به عند الولاة فزوروا كلاماً له حول زيارة القبور، وقالوا بأنه يمنع من زيارة القبور حتى قبر نبينا محمد ﷺ ، فكتب نائب السلطنة في دمشق إلى السلطان في مصر بذلك، ونظروا في الفتوى دون سؤال صاحبها عن صحتها ورأيه فيها، فصدر الحكم بحقه في شعبان من سنة ٧٢٦هـ بأن ينقل إلى قلعة دمشق ويعتقل فيها هو وبعض أتباعه واشتدت محنته سنة ٧٢٨هـ حين أُخرج ما كان عند الشيخ من الكتب والأوراق والأقلام، ومنع من ملاقاة الناس، ومن الكتابة والتأليف (٣) .
٥ - وفاته ﵀:
في ليلة الاثنين لعشرين من ذي القعدة من سنة (٧٢٨هـ) توفي شيخ
стр. 27
الإسلام بقلعة دمشق التي كان محبوساً فيها، وأُذن للناس بالدخول فيها، ثم غُسل فيها وقد اجتمع الناس بالقلعة والطريق إلى جامع دمشق، وصُلي عليه بالقلعة، ثم وضعت جنازته في الجامع والجند يحفظونها من الناس من شدة الزحام، ثم صُلي عليه بعد صلاة الظهر، ثم حملت الجنازة، واشتد الزحام، فقد أغلق الناس حوانيتهم، ولم يتخلف عن الحضور إلا القليل من الناس، أو من أعجزه الزحام، وصار النعش على الرؤوس تارة يتقدم، وتارة يتأخر، وتارة يقف حتى يمر الناس، وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها وهي شديدة الزحام (١) .
٦ - مؤلفاته:
مؤلفات الشيخ كثيرة يصعب إحصاؤها، وعلى كثرتها فهي لم توجد في بلد معين في زمانه إنما كانت مبثوثة بين الأقطار كما قال الحافظ البزار (ت - ٧٤٩هـ) ﵀:
(وأما مؤلفاته ومصنفاته، فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها أو يحضرني جملة أسمائها. بل هذا لا يقدر عليه غالباً أحد؛ لأنها كثيرة جداً، كباراً وصغاراً، أو هي منشورة في البلدان فقل بلد نزلته إلا ورأيت فيه من تصانيفه) (٢) .
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي (ت - ٧٩٥هـ) ﵀:
(وأما تصانيفه ﵀ فهي أشهر من أن تذكر، وأعرف من أن تنكر، سارت سير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار، قد جاوزت حدّ الكثرة فلا يمكن أحد حصرها، ولا يتسع هذا المكان لعدّ المعروف منها، ولا ذكرها) (٣) .
стр. 28
وذكر ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) ﵀ أن أجوبة الشيخ يشق ضبطها وإحصاؤها، ويعسر حصرها واستقصاؤها، لكثرة مكتوبه، وسرعة كتابته، إضافة إلى أنه يكتب من حفظه من غير نقل فلا يحتاج إلى مكان معين للكتابة، ويسئل عن الشيء فيقول: قد كتبت في هذا، فلا يدري أين هو؟ فيلتفت إلى أصحابه، ويقول: ردوا خطي وأظهروه لينقل، فمن حرصهم عليه لا يردونه، ومن عجزهم لا ينقلونه، فيذهب ولا يعرف اسمه.
ولما حبس شيخ الإسلام خاف أصحابه من إظهار كتبه، وتفرقوا في البلدان، ومنهم من تسرق كتبه فلا يستطيع أن يطلبها أو يقدر على تخليصها (١) .
ومن أبرز كتبه ما يلي:
١ - الاستقامة: تحقيق د. محمد رشاد سالم. طبع في جزئين.
٢ - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم: تحقيق د. ناصر العقل طبع في جزئين.
٣ - بيان تلبيس الجهمية: حقق في ثمان رسائل دكتوراه، بإشراف شيخنا فضيلة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله الراجحي.
٤ - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: طبع بتحقيق د. علي بن حسن بن ناصر، ود. عبد العزيز العسكر، ود. حمدان الحمدان، وكان في الأصل ثلاث رسائل دكتوراه (٢) .
٥ - درء تعارض العقل والنقل: طبع بتحقيق د. محمد رشاد سالم في عشرة
стр. 29
أجزاء، والجزء الحادي عشر خُصص للفهارس (١) .
٦ - الصفدية: تحقيق د. محمد رشاد سالم، طبع في جزئين.
٧ - منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية: تحقيق د. محمد رشاد سالم، وطبع في ثمانية أجزاء، وخصص الجزء التاسع منه للفهارس (٢) .
٨ - النبوات: مطبوع (٣) .
وله من الكتب والرسائل الكثير جداً مما طبع بعضه مستقلاً، وبعضه في مجاميع كبيرة وصغيرة، والكثير منه لا يزال مخطوطاً سواء كان موجوداً أو في عداد المفقود (٤) .
٧ - بعض ثناء الناس عليه:
قال العلامة كمال الدين بن الزملكاني (ت - ٧٢٧هـ) : (كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحداً لا
стр. 30
يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يعرف أنه ناظر أحداً فانقطع معه ولا تكلم في علم من العلوم، سواء أكان من علوم الشرع أم غيرها إلا فاق فيه أهله، والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة والترتيب والتقسيم (١) والتبيين) (٢) .
وقال أيضاً فيه: (اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها) (٣) .
وكتب فيه قوله:
ماذا يقول الواصفون له ... وصفاته جلّت عن الحصر
هو حجة لله قاهرة ... هو بيننا أعجوبة الدهر
هو آية للخلق ظاهرة ... أنوارها أربت على الفجر (٤)
وقال ابن دقيق العيد ﵀ (٥) :
(لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلاً العلوم كلها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد، ويدع ما يريد) (٦) .
стр. 31
وقال أبو البقاء السبكي (١) : (والله يا فلان ما يبغض ابن تيمية إلا جاهل أو صاحب هوى، فالجاهل لا يدري ما يقول، وصاحب الهوى يصده هواه عن الحق بعد معرفته به) (٢) ، وحين عاتب الإمام الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) الإمام السبكي (٣) كتب معتذراً مبيناً رأيه في شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:
(أما قول سيدي في الشيخ، فالمملوك يتحقق كبر قدره، وزخاره بحره، وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف، والمملوك يقول ذلك دائماً، وقدره في نفسي أعظم من ذلك وأجل، مع ما جمع الله له من الزهادة والورع والديانة، ونصرة الحق والقيام فيه، لا لغرض سواه، وجريه على سنن السلف، وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان بل من أزمان) (٤) .
وأما ثناء الإمام الذهبي على شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فهو كثير، وذِكر ثناء الإمام الذهبي على ابن تيمية هو الغالب على من ترجم لشيخ الإسلام ابن تيمية، وعلى مواضع ترجمة ابن تيمية في كتب الإمام الذهبي،
стр. 32
ولعلي أذكر بعض مقولات الإمام الذهبي في ابن تيمية، ومنها قوله:
(ابن تيمية: الشيخ الإمام العالم، المفسر، الفقيه، المجتهد، الحافظ، المحدث، شيخ الإسلام، نادرة العصر، ذو التصانيف الباهرة، والذكاء المفرط) (١) .
وقوله: (ونظر في الرجال والعلل، وصار من أئمة النقد، ومن علماء الأثر مع التدين والنبالة، والذكر والصيانة، ثم أقبل على الفقه، ودقائقه، وقواعده، وحججه، والإجماع والاختلاف حتى كان يقضى منه العجب إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف، ثم يستدل ويرجح ويجتهد، وحق له ذلك فإن شروط الاجتهاد كانت قد اجتمعت فيه، فإنني ما رأيت أحداً أسرع انتزاعاً للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشد استحضاراً لمتون الأحاديث، وعزوها إلى الصحيح أو المسند أو إلى السنن منه، كأن الكتاب والسنن نصب عينيه وعلى طرف لسانه، بعبارة رشيقة، وعين مفتوحة، وإفحام للمخالف) (٢) .
وقال: (هذا كله مع ما كان عليه من الكرم الذي لم أشاهد مثله قط، والشجاعة المفرطة التي يضرب بها المثل، والفراغ عن ملاذ النفس من اللباس الجميل، والمأكل الطيب، والراحة الدنيوية) (٣) .
ومما قاله في رثائه:
يا موت خذ من أردت أو فدع ... محوت رسم العلوم والورع
أخذت شيخ الإسلام وانقصمت ... عرى التقى واشتفى أولو البدع
غيبت بحراً مفسراً جبلاً ... حبراً تقياً مجانب الشيع
اسكنه الله في الجنان ولا ... زال علياً في أجمل الخلع
مضى ابن تيمية وموعده ... مع خصمه يوم نفخة الفزع (٤)
стр. 33
وقال فيه: (كان قوالاً بالحق، نهاءً عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، ذا سطوة وإقدام، وعدم مداراة الأغيار، ومن خالطه وعرفه قد ينسبني إلى التقصير في وصفه) (١) .
وقال عنه: (لا يؤتى من سوء فهم، بل له الذكاء المفرط، ولا من قلة علم فإنه بحر زخار، بصير بالكتاب والسنة، عديم النظير في ذلك، ولا هو بمتلاعب بالدين، فلو كان كذلك لكان أسرع شيء إلى مداهنة خصومه وموافقتهم ومنافقتهم، ولا هو ينفرد بمسائل بالتشهي، فهذا الرجل لا أرجو على ما قلته فيه دنيا ولا مالاً ولا جاهاً بوجه أصلاً، مع خبرتي التامة به، ولكن لا يسعني في ديني ولا في عقلي أن أكتم محاسنه، وأدفن فضائله، وأبرز ذنوباً له مغفورة في سعة كرم الله تعالى....) (٢) .
وقال الشوكاني ﵀ (٣)
(إمام الأئمة (٤) المجتهد المطلق) (٥) .
стр. 34
رحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية، وأسكننا وإياه في الفردوس الأعلى من جنته (١) .
منهج شيخ الإسلام في تقرير العقيدة والاستدلال عليها:
ابن تيمية ﵀ أحد الأئمة الأعلام، الذين نشروا معتقد السلف ودافعوا عنه، وهو يعد من أكبر شُرّاح اعتقاد السلف، المستدلين لمسائله وجزئياته وتفصيلاته، ما بين رسائل صغيرة، وكتب، ومجلدات ضخمة، ولا يكاد القارئ لكتب ابن تيمية ﵀ يقرأ في كتاب من كتبه التي ألفها في العلوم الأخرى إلا ويجد داخل هذه الكتب بحوثاً نفيسة في الاعتقاد، لما يرى من أهمية نشر الاعتقاد الحق، وبثّه بوسائل مختلفة وطرق شتى.
إن ابن تيمية ﵀ الذي جدد للأمة عقيدتها في القرن الثامن الهجري لم يكن ينصر نحلة معينة، أو يؤيد مذهباً وطريقة غير طريقة السلف الصالح التي معتمدها كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وقد صرّح ﵀ بهذا في مواضع متعددة من كتبه، فمما قاله حين نوظر؛ لأجل العقيدة الواسطية:
(مع أني في عمري إلى ساعتي هذه لم أدع أحداً قط في أصول الدين إلى مذهب حنبلي وغير حنبلي، ولا انتصرت لذلك، ولا أذكره في كلامي، ولا أذكر إلا ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها) (٢) .
وقد كان ﵀ يركز على الاعتقاد؛ لأن أمره خطير عظيم، ولذا لما التمس منه تلميذه البزار (ت - ٧٤٩هـ) أن يؤلف نصاً في الفقه يجمع فيه اختياراته
стр. 35
وترجيحاته، ويكون عمدة في الإفتاء بيّن له ابن تيمية ﵀ أن الفروع أمرها قريب، بخلاف الأصول، إذ كثير من أهل الأهواء الذين أسسوا الطوائف والفرق الضالة، كان قصدهم إبطال الشريعة، فأوقعوا الناس في التشكيك في أصول دينهم.
ولذا قال ﵀: (فلما رأيت الأمر على ذلك بان لي أنه يجب على كل من يقدر على دفع شبههم وأباطيلهم، وقطع حجتهم وأضاليلهم أن يبذل جهده ليكشف رذائلهم....) (١) .
إلى أن قال: (فهذا ونحوه هو الذي أوجب أني صرفت جُلّ همي إلى الأصول، وألزمني أن أوردت مقالاتهم، وأجبت عنها بما أنعم الله تعالى به من الأجوبة العقلية والنقلية) (٢) .
وسأحاول تلمس أبرز معالم منهجه في تقرير العقيدة - إجمالاً -، ثم أبرز معالم منهجه ﵀ في الاستدلال عليها بشيء من الاختصار.
أما منهجه في تقرير العقيدة فيمكن أن يتضح من معالم متعددة أبرزها:
١ - تعظيم نصوص الشريعة، وإجلالها، والصدور عنها، لقول الله ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء: ٦٥] .
وقال : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] .
وقد وصف ﵀ أهل العلم والإيمان بأنهم (يجعلون كلام الله وكلام رسوله هو الأصل الذي يعتمد عليه، وإليه يرد ما تنازع الناس فيه، فما وافقه كان حقاً، وما خالفه كان باطلاً) (٣) .
стр. 36
وجعل ﵀ من طريقة أهل السنة والجماعة: (اتباع آثار رسول الله ﷺ باطناً وظاهراً، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.... ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، ويؤثرون كلام الله على كلام غيره من كلام أصناف الناس ... ) (١) .
فهذه هي طريقته، وهذا هو منهجه: تعظيم النصوص، من الكتاب والسنة، بوجود مهابتها في النفس، والتسليم لها، واستنباط الحكم الشرعي منها وفق القواعد المرعية عند أهل العلم بها.
٢ - دعم النصوص الشرعية، وتأييدها بأقوال سلف الأمة، وعلمائها المعتبرين، ويظهر هذا الأمر من إكثار ابن تيمية ﵀ من النقل عنهم، وجعل أقوالهم حجة يستند إليها في توضيح النص وبيانه.
وقد أخذ ابن تيمية ﵀ على نفسه أن لا يقول بقول إلا وهو مسبوق إليه، فلا ينفرد بقول لم يقل به أحد قبله، فضلاً عن مخالفة إجماع المسلمين في أي مسألة من المسائل.
قال ﵀ عن نفسه: (..أن المجيب - ولله الحمد - لم يقل قط في مسألة إلا بقول سبقه إليه العلماء، فإن كان قد يخطر له ويتوجه له فلا يقوله وينصره إلا إذا عرف أنه قد قاله بعض العلماء.. فمن كان يسلك هذا المسلك كيف يقول قولاً يخرق به إجماع المسلمين، وهو لا يقول إلا ما سبقه إليه علماء المسلمين) (٢) .
وهو ﵀ يسلك هذا المنهج؛ لأنه يرى أن الحق دائماً مع السنة والآثار الصحيحة، فحين تحدث ﵀ عن السلف قال: (الصواب معهم دائماً، ومن وافقهم كان الصواب معه دائماً لموافقته إياهم، ومن خالفهم فإن الصواب معهم
стр. 37
دونه في جميع أمور الدين، فإن الحق مع الرسول، فمن كان أعلم بسنته، وأتبع لها كان الصواب معه، وهؤلاء هم الذين لا ينتصرون إلا لقوله، ولا يضافون إلا إليه، وهم أعلم الناس بسنته وأتبع لها) (١) .
وبين ﵀ أن كلام السلف مؤتلف غير مختلف، فلا يتعارض؛ لوحدة المنهج والمصدر، فإذا اجتمع بعضه إلى بعض زال الإشكال الوارد في الأذهان، ولذا حين تحدث ﵀ عن بعض مسائل الصفات قال: (فكلام أئمة السنة والجماعة كثير في هذا الباب، متفق غير مختلف، وكله صواب، ولكن قد يبين بعضهم في بعض الأوقات ما لا يبينه غيره لحاجته في ذلك) (٢) .
وقال ﵀ مثنياً على كلام السلف، وموافقته النصوص: (ومن تدبر كلام أئمة السنة المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظراً، وأعلم الناس في هذا الباب بصحيح المنقول، وصريح المعقول، وأن أقوالهم هي الموافقة للمنصوص والمعقول، ولهذا تأتلف ولا تختلف، وتتوافق ولا تتناقض، والذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، فلم يعرفوا حقيقة المنصوص والمعقول، فتشعبت بهم الطرق، وصاروا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب) (٣) .
ثم ذكر قول الله ﵎: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦] ، ولذا فإن المعطلة النفاة لا يجدون نصاً واحداً من نصوص السلف والأئمة يؤيد قولهم وينصره، بل أقوال السلف متفقة متحدة على بيان القول الحق قول أهل السنة والجماعة، ورد مذاهب الضلال، وسبل أهل الغواية (٤) ، وصرّح ﵀ في أن المادة العلمية، والترجيحات المرضية في
стр. 38
المسائل العقدية المذكورة في كتبه إنما هي من كتب أئمة السلف، ولم يكتف بهذا الإجمال، بل ذكر هذه الكتب في مواضع متعددة من كتبه ورسائله العقدية (١) ، ومن الكتب التي كان يعتمد عليها: كتب السنة والرد على الجهمية لجمع من السلف، ومنهم عبد الله بن محمد الجعفي (٢) ،
والدارمي (٣) ، وعبد الرحمن بن أبي حاتم (٤) ، وعبد الله بن الإمام أحمد (٥) ، وأبو بكر بن الأثرم (٦) ، وحنبل بن إسحاق (٧) ، والخلال (٨) ،
والإمام
стр. 39
الطبري (١) ، وابن أبي زمنين (٢) ، وابن منده (٣) ، وأبو حفص بن شاهين (٤) ، وأبو ذر الهروي (٥) ، وأبو داود السجستاني (٦) ،
وابن أبي عاصم (٧) .
стр. 40
وكذلك التوحيد لابن خزيمة (١) ، والشريعة للآجري (٢) ، والإبانة لابن بطة (٣) ، وشرح أصول السنة للالكائي (٤) ، واعتقاد السلف أصحاب الحديث للصابوني (٥) .
إضافة إلى كتب التفاسير المعتمدة التي تنقل تفاسير السلف كتفسير عبد الرزاق (٦) ،