← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9610

شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري - الغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (1 172 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الله، وناقة الله، ورسول الله، وعرش الرحمن، وما أشبه ذلك وهذا النوع من إضافة المخلوق إلى خالقه؛ لتفضيلها على غيرها من المخلوقات. وإما إضافة معان، كعلم الله وقدرة الله، وحياة الله، وسمع الله وبصره، وما أشبه ذلك، وهذا النوع لا يكون إلا إضافة صفة إلى من تقوم به؛ لأنها لا تقوم بنفسها كما هو معلوم. ومراد البخاري-﵀ في إيراده هذه الآيات إثبات هذه الصفة لله –تعالى -، والرد على من ينكرها من المعتزلة، ونحوهم ممن عميت بصائرهم، فابتعدوا عن الحق، مغترين بعقولهم. قوله: "قال يحيي: الظاهر على كل شيء علماً، والباطن على كل شيء علماً". قال الحافظ: "يحيي هو ابن زياد الفراء النحوي المشهور، ذكر ذلك في كتاب "معاني القرآن له" (١) . قلت: هو يحيي بن زياد بن عبد الله، بن مروان الديلمي، أبو زكريا، المعروف بالفراء، إمام العربية، وصفه مترجموه بأنه كان متديناً ورعاً، وكان ثقة، له مصنفات كثيرة، ضاع أكثرها، توفي سنة ٢٠٧ سبع ومائتين. وقول الفراء هذا، جزء من معنى هذين الاسمين الكريمين، وقد كان من عادة السلف أنهم يفسرون الشيء بجزء من معناه، وإلا فهو –تعالى- الظاهر على كل شيء ذاتاً، وقوة وقهراً، وعلماً وحكماً، والباطن على كل شيء إحاطة وقرباً وعلماً، وقد صح عن رسول الله – ﷺ – كما في "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة –﵁ –عن النبي – ﷺ – أنه كان يقول: "اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك

стр. 107

شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء" (١) . فهذا أحسن ما يفسر به هذه الأسماء، وأوضحه، وأقربه إلى معنى الكلام، مع كونه من المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، فلا ينبغي العدول عنه إلى كلام الناس، الذي هو عرضة للخطأ.

стр. 108

٩- قوله: "حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله -تعالى-". ابن عمر: هو أبو عبد الرحمن، عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل، القرشي، العدوي،. وأمه: زينب بنت مظعون الجمحية، ولد سنة ثلاث من البعثة النبوية، وهاجر إلى المدينة وهو ابن عشر سنين، وأول مشاهده مع رسول الله ﷺ الخندق، وكان من سادات الصحابة، وعبادهم المجدين، وهو من المكثرين في الحديث عن رسول الله- ﷺ ، عرف بالعزوف عن الدنيا، والاستعداد للآخرة، كما عرف بشدة تمسكه بسنة رسول الله ﷺ ، وتتبع آثاره، له في "الصحيحين" مائتان وثمانون حديثاً، توفي سنة ثلاث وسبعين في مكة، وقد بلغ من العمر سبعاً وثمانين سنة، ﵁ (١) . "قوله: مفاتيح الغيب" ذكر البخاري ذلك الحديث في الاستسقاء بلفظ "مفتاح" وفي بعض النسخ "مفاتح" وفي تفسير سورة الأنعام وسورة الرعد بلفظ "مفاتح" وفي بعض النسخ "مفاتيح". والمفاتح جمع مفتح، بكسر الميم، اسم الآلة التي يفتح بها، مثل منجل، ومناجل، وهي لغة قليلة، والمشهور: مفتاح، وجمعه "مفاتيح"، وقد قرأ بها

стр. 109

ابن السميفع، ويطلق المفتاح على ما كان محسوساً مما يحل غلقاً، كالقفل، وعلى ما كان معنوياً، كما جاء في الحديث الذي صححه ابن حبان: "إن من الناس مفاتيح للخير" الخ (١) . قوله: "مفاتيح الغيب خمس، لا يعلمها إلا الله"، قد بين هذه الخمس، بأنها: ما يغيض من الأرحام - أي ما ينقص-، وما يكون في الغد من الحوادث والأعمال وغيرها، ومجيء المطر، والمكان الذي يموت به الإنسان، ووقت مجيء الساعة. وعبر عن هذه الأمور الخمسة بالمفاتيح، لتقريب الأمر من السامع=؛ لأن كل شيء جعل بينك وبينه حجاب، فقد غيب عنك، والتوصل إلى معرفته في العادة من باب الحجاب، فإذا كان المفتاح الذي لا يمكن الوصول إلى ما في داخل الحجاب إلا بمعرفته لا يعلم، فكيف بما في داخل الحجاب؟ ودل الحديث على أن هذه الأمور ليست هي الغيب، وإنما هي منه؛ وأن علم الغيب من خصائص الله تعالى. وأما ما جاء عن الأنبياء من الأخبار ببعض المغيبات، كإخبار الرسول ﷺ بما يقع بعده من الفتن؛ والفتوح على أمته؛ وبعض أشراط الساعة، وكإخبار عيسى ﵇ بما يأكله بنو إسرائيل، وما يدخرونه في بيوتهم، ونحو ذلك، فإن هذا مما استثناه الله تعالى بقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾ إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴿٢٧﴾ لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ﴾ (٢) ، وهو من معجزاتهم التي تدل على صدقهم.

стр. 110

وبهذا وغيره يتبين ضلال الذين يزعمون أن فريقاً من الناس- ممن يدعون لهم الولاية- أنهم يعلمون الغيب، وكذا الذين يدعون ذلك لرسول الله- ﷺ فإنه لا يعلم الغيب إلا الله -تعالى-، وقد أمره الله أن يعلم الناس أنه لا يعلم الغيب، فقال تعالى: ﴿قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (١) ، فنفى -تعالى- علم الغيب عن الخلق عموماً، من في السماوات كالملائكة، ومن في الأرض كالأنبياء، فكيف يدعى علم ذلك لغيرهم؟ وأما أصحاب الدجل والتمويه، الذين يحتالون على أكل أموال الناس بالباطل، كالذين يزعمون معرفة ما في المستقبل، بواسطة النجوم، أو بقراءة الكف، أو فنجان القهوة، ونحو ذلك، فهؤلاء لا يخفى ضلالهم وكذبهم إلا على أجهل الناس، والمغفلين منهم. وأما الإخبار عما يسمى "بالطقس" أحوال الجو من أمطار، أو رياح أو غيوم أو صحو أو غير ذلك، فهي توقعات مبنية على مقدمات مستفادة من مراصد الأحوال الجوية التي تتأثر بالرطوبة واليبوسة ونحو ذلك، ولهذا كثيراً ما يكون الأمر على خلاف ما قالوا. "وأراد بالغيب في الحديث المذكور: الغيب الحقيقي؛ إذ لبعض الغيوب علامات ومقدمات يستدل بها على شيء من ذلك، وهذا ليس غيباً حقيقياً؛ فالغيب الحقيقي لا يعلمه إلا الله -تعالى-. ثم الغيب نوعان: أحدهما: ما يتعلق بذات الله -تعالى- وحقائق صفاته. والثاني: يتعلق بمخلوقاته، وهي كلها لديه معلومة، وقد قال -تعالى-: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (٢) .

стр. 111

فلما كان كل شيء محصى في كتاب كتبه الله -تعالى- عنده، وعلمه محيط وسابق كل شيء، شبه الرسول- ﷺ ذلك بالمخازن التي لها أبواب، والباب له مفتاح، فإذا كان المفتاح لا يعلمه أحد ولا يصل إليه، فكيف بما وراءه؟ وقد قال -تعالى-: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ (١) ، وحصر ﷺ مفاتيح الغيب بالخمس لأنها تشمل العوامل كلها. فقوله: "ما تغيض الأرحام" إشارة إلى ما يزيد في النفوس، وما ينقص منها؛ وذكر الأرحام؛ لأن للناس عليها عوائد يعرفونها؛ وتجارب أدركوها، وقد قرر عليها أحكام شرعية، ومع ذلك لا يعلم حقيقتها، ومتى تزيد ومتى تنقص إلا الله -تعالى-، فغيرها مما هو أخفى أولى بأن لا يعلمه الخلق. وأشار بقوله: "ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله تعالى" إلى أمور العالم العلوي، فذكر منه المطر؛ لأن له مقدمات، وعلامات يستدل بها عليه عادة، أجراها الله -تعالى-، ومع ذلك لا يعلم حقيقة الحال إلا الله -تعالى-، فكيف بما وراء ذلك مما في السماوات وما بينهما، وما يجد هناك من المخلوقات، والحوادث، والأوامر التي يريدها الله -تعالى-، ويأمر بها؟ وأشار بقوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ (٢) ، إلى الحوادث الأرضية، وذكر موضع الموت من الأرض، مع أن العادة قد جرت في الغالب أن الإنسان يموت في الأرض التي يستقر فيها؛ ومع ذلك لا أحد يتيقن أنه يموت في مكانه الذي يعيش فيه، ولا يدري أين موضعه الذي يوارى فيه. فإذا كان الأمر في مثل هذا غير معلوم، فكيف بالأمور الأخرى التي لا علامات لها، ولا مقدمات يستدل بها عليها؟

стр. 112

وأشار بقوله: "ولا يعلم ما في غد إلا الله" إلى أنواع الزمان، وما فيه من الحوادث والتقلبات الطارئة، وخص منه غداً؛ لأنه أقرب الأزمنة من المخاطب، فإذا خفي ما فيه فما بعده أخفى، وأبعد عن معرفته. وأشار بقوله: " ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله" إلى أمور الدار الآخرة، وذكر منها يوم القيامة؛ لأنه أولها إلى الدنيا، ولا يعلم وقت مجيئه إلا الله، فما بعده أولى بأن لا يعلم، فهذا من أبدع الكلام، وأبلغه، فقد حصر فيه جميع أنواع الغيوب، وأبطل جميع الدعاوى الفاسدة" (١) . ويقصد بالدعاوى الفاسدة: كل من يدعي شيئاً في علم الغيب، وهذا الحديث إيضاح لقوله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢) .

стр. 113

١٠- "حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: من حدثك أن محمداً ﷺ رأى ربه فقد كذب، وهو يقول: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ومن حدثك أنه يعلم الغيب فقد كذب، وهو يقول: (لاَّ يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ) . "كأن سبب هذا القول من عائشة ﵂ ما أخرجه عبد الرزاق في هذا الحديث من طريق مجالد عن الشعبي، قال: لقي ابن عباس كعباً، فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم نقول: إن محمداً رأى ربه مرتين، فكبَّر كعب، وقال: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين موسى ومحمد، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين، قال مسروق: فدخلت على عائشة، فقلت: هل رأى محمد ربه؟ " فذكر الحديث. قال النووي-تبعاً لغيره-: لم تنف عائشة وقوع الرؤية بحديث مرفوع، ولو كان معها لذكرته، وإنما اعتمدت الاستنباط على ما ذكرته من ظاهر الآية، وقد خالفها غيرها من الصحابة، والصحابي إذا قال قولاً، وخالفه غيره منهم، لم يكن ذلك حجة اتفاقاً. والمراد بالإدراك: الإحاطة، وهو لا ينافي الرؤية. وهذا عجيب من النووي ﵀ فإن في "صحيح مسلم" الذي شرحه هو: "قال مسروق: وكنت متكئاً فجلست، فقلت: ألم يقل الله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (١) .

стр. 114

فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: إنما هو جبريل". وأخرجه ابن مردويه بسند مسلم، فقال: "أنا أول من سأل رسول الله ﷺ عن هذا، فقلت: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ فقال: "لا، إنما رأيت جبريل منهبطاً" (١) . قلت: أعجب من كلام النووي ما قاله ابن خزيمة ﵀ فإنه ذكر هذا الحديث بعينه - أعني قول عائشة-: "أنا سألت رسول الله ﷺ عن هذا، قال: "رأيت جبريل نزل في الأفق، على خلقه، وهيئته، ساداً ما بين الأفق" ثم بعد أسطر قال: "إن عائشة لم تحك أن النبي ﷺ أخبرها أنه لم ير ربه" (٢) . فهذا ونحوه هو ما غر النووي ﵀ ودعاه إلى رد قول عائشة من غير تأمل للأدلة؛ والله المستعان. وكثير من العلماء يذكر الخلاف في أن النبي ﷺ رأى ربه ليلة المعراج، "وليس في الأدلة ما يقضي بأنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة صريحاً، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل، كما في "صحيح مسلم"، عن أبي ذر، قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ فقال: "نور أنى أراه" (٣) . وقد قال -تعالى-: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ (٤) ، ولو كان قد رأى ربه بعينه لكان ذكر ذلك أولى، وكذلك قوله -تعالى-: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (٥) ، ولو كان رآه لكن ذكر ذلك أولى.

стр. 115

وفي "الصحيحين" عن ابن عباس، في قوله -تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ﴾ (١) ، قال: هي رؤيا عين، أريها رسول الله ﷺ ليلة أسرى به، وهذه رؤيا الآيات؛ لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم، حيث صدقه قوم، وكذبه قوم، ولم يخبرهم بأنه رأى ربه بعينه، وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه" ا. هـ (٢) . وبهذا تبين أن قول عائشة ﵂ هو الراجح، الذي تؤيده الأدلة -والله أعلم-، وظاهره أن مرادها أنه -تعالى- لا يرى في الدنيا. قوله: "وهو يقول: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ استدلت عائشة ﵂ بظاهر الآية على نفي الرؤية، وقد قال بذلك بعض المفسرين، كما رواه ابن جرير بسنده، عن السدي، قال: "لا يراه شيء وهو يرى الخلائق" (٣) . وذكر ابن كثير ما رواه ابن أبي حاتم بسنده إلى إسماعيل ابن علية أنه قال: "هذا في الدنيا، وعن هشام بن عبيد الله نحوه" (٤) . وذكر السيوطي: أن الحسن قال مثل ذلك، قال: أخرجه أبو الشيخ، والبيهقي في كتاب: الرؤية (٥) . وبهذه الآية تعلق المعتزلة في نفي رؤية الله -تعالى- في الآخرة، ووجه ذلك أنه جعل متعلق الإدراك البصر، فلما نفاه عنه كان ظاهر ذلك نفي الرؤية. والحق ثبوت رؤية المؤمنين لله -تعالى- في الآخرة، كما تواترت النصوص في ذلك.

стр. 116

والجواب عما استدلوا به: أن الرؤية ثبتت في آيات أخر، كقوله-تعالى-: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١) ، وقوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ (٢) ، والأخبار بذلك ثابتة عن رسول الله ﷺ بل متواترة، كما سيأتي، إن شاء الله -تعالى-. فيتعين أن المراد بالإدراك المنفي في الآية هو الإحاطة، وبذلك فسره ابن عباس ﵄ وغيره من السلف. قوله: "ومن حدثك أنه يعلم الغيب فقد كذب، وهو يقول: "ولا يعلم الغيب إلا الله" الضمير في قوله: "إنه يعلم" يعود على محمد ﷺ أي: من زعم أن محمداً ﷺ يعلم الغيب، فقد كذب، لأن علم الغيب يختص بالله -تعالى-، كما قال -تعالى- مخاطباً نبيه ﷺ وأمراً له أن يقول: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ (٣) ، والآيات في هذا كثيرة. وعلم الغيب من خصائص الرب -تعالى- التي بعث رسله وأنزله كتبه لبيانها، ونفي ذلك عمن سواه -تعالى-. وأما قول -تعالى-: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾ إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ) (٤) ، فهي كقوله -تعالى-: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾ (٥) ، فهي تبين أن الله -تعالى يطلع من يشاء من رسله على ما يشاء من المغيبات، وذلك بوحيه إليهم، مثل إخباره عما جرى من الأمم الماضية، وما أصيبوا به من

стр. 117

العذاب وغيره، كما قال -تعالى-: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا﴾ (١) ، وكذلك الإخبار عن المستقبل من المعاد، والجنة والنار، التي أطلع الله عليها رسوله فآمن بها المؤمنون، وعرفوها من كتاب الله تعالى، ومن سنة رسوله ﷺ إجمالاً. وأما الإحاطة بالمعلومات كلياتها وجزئياتها ما كان منها، وما يكون، فهذا إلى الله وحده لا يضاف إلى غيره من الخلق، فمن ادعى شيئاً من ذلك لغير الله -تعالى-، فقد أعظم الفرية على الله -تعالى-، وعلى رسوله ﷺ . "فعلم الغيب لله وحده، ولا يقال لغيره: عالم الغيب، ومن أطلع على شيء منه بواسطة الوحي أو غيره، يقال" أطلعه الله عليه، كالإخبار عن حال البرزخ، والحساب، والجنة والنار، وما أشبه ذلك، وما يدعيه المتصوفة في مشايخهم هو من تلاعب الشيطان بهم، وكذا ما يسمونه الكشوف لا أصل له"ا. هـ (٢) . "وقول الداودي: (ما أظن قوله: "من حدثك أن محمداً يعلم الغيب" محفوظاً، وما أحد يدعي أن رسول الله ﷺ يعلم من الغيب إلا ما علمه الله تعالى) متعقب بأن بعض من لم يرسخ إيمانه يظن ذلك، حتى ظن بعضهم أن صحة النبوة تستلزم إطلاع النبي ﷺ على جميع المغيبات، كما في مغازي ابن إسحاق، أن ناقة النبي ﷺ ضلت، فقال ابن الصليب: يزعم محمد أنه نبي، ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته، فقال النبي ﷺ : "إن رجلاً يقول: كذا وكذا، إني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في شعب كذا، قد حبستها شجرة، فذهبوا فجاؤوا بها " فأخبر ﷺ أنه

стр. 118

لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله" (١) . قلت: قد ادعى كثير من المتصوفة والغلاة أن مشايخهم ومعبوديهم من دون الله -تعالى-، يعلمون الغيوب، وكتبهم مشحونة بذلك، مثل الطبقات الكبرى للشعراني، وجامع الأولياء للنبهاني، وغيرهما من الكتب الخرافية.

стр. 119

قال: باب قول الله -تعالى-: ﴿السَّلامُ الْمُؤْمِنُ﴾ (١) . أي أن ذلك من أسماء الله -تعالى- التي سمي بها نفسه، ومعناه: السالم من كل نقص وعيب. وسيأتي بيان ذلك. "قال ابن بطال: غرضه بهذا الباب: إثبات اسمان من أسماء الله -تعالى-، قال الحافظ: وفيما ذكره نظر، ولو سلم له ذلك، فإن وظيفة الشارح بيان وجه تخصيص هذه الأسماء بالذكر (٢) دون غيرها، وإفرادها بالترجمة، ويمكن أنه أراد بهذا القدر جميع الآيات الثلاث، في آخر سورة الحشر، فإنها ختمت بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ وقد قال في سورة الأعراف: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٣) ، وكأنه ﵀ -تعالى- بعد إثبات القدرة، والقوة، والعلم، أشار إلى أن الصفات السمعية ليست محصورة في عدد معين، بدليل الآية المذكورة. (٤) . أو أراد الإشارة إلى ذكر الأسماء التي تسمى الله -تعالى- بها، وأطلق بعد ذلك على المخلوقين، والسلام ثبت في القرآن (٥) ، وفي الحديث "أنه من أسماء الله -تعالى".

стр. 120

وقد أطلق على التحية الواقعة بين المؤمنين. والمؤمن يطلق على من اتصف بالإيمان، وقد وقعا معاً من غير تخلل بينهما في الآية المشار إليها، فناسب أن يذكرهما في ترجمة واحدة " (١) ا. هـ. قلت: ما ذكره من أن السلام أطلق على المخلوقين، كالتحية الواقعة بين المؤمنين، غير ظاهر؛ لأن السلام الذي جعل تحية للمؤمنين اسم من أسماء الله –تعالى-، كما رواه البخاري –رحمه الله تعالى- في "الأدب المفرد"، من حديث أنس، قال: قال رسول الله – ﷺ : "إن السلام اسم من أسماء الله –تعالى-، وضعه الله في الأرض، فأفشوا السلام بينكم" (٢) ، وإسناده صحيح، وترجم به البخاري في الصحيح فقال: ﴿باب: السلام اسم من أسماء الله –تعالى-﴾ (٣) وفي حديث عبد الله بن مسعود المتفق عليه: "إن الله هو السلام، فإذا جلس أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله ... " وسيذكره في الباب. وقال ابن عباس: "السلام اسم الله، وهو تحية أهل الجنة" أخرجه البيهقي في "الشعب" (٤) . ويدل على ذلك حديث المهاجر بن قنفذ، لما سلم على النبي – ﷺ – لم يرد حتى توضأ، وقال: " إني أن أذكر الله إلا على طهر" رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٥) . قال الحافظ: صححه ابن خزيمة وغيره (٦) .

стр. 121

قال الخطابي: "وفيه دليل على أن السلام الذي يحيي به الناس بعضهم بعضاً اسم من أسماء الله –تعالى-" (١) . وقد اختلف في معناه، فنقل عياض أن معناه: اسم الله، أي: كلاءته عليك وحفظه، كما يقال: الله معك ومصاحبك. وقيل: معناه: أن اسم الله يذكر على الأعمال، توقعاً لاجتماع معاني الخيرات فيها، وانتفاء عوارض الفساد. وقيل: معناه: السلامة، كما قال تعالى: ﴿فَسَلامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ (٢) أن المسلم أعلم من سلم عليه أنه سالم منه، وألا خوف عليه منه (٣) . قلت: هذه المعاني متلازمة؛ لأنه إذا حصل حفظ الله لعبده وكلاءته، وكان معه، فقد حصل له الخير والبركة والسلامة. قال ابن دقيق العيد: " السلام يطلق على معان، منها السلامة، ومنها التحية، ومنها أنه اسم من أسماء الله –تعالى-، قال: وقد يأتي بمعنى التحية محضاً، وقد يأتي بمعنى السلامة محضاً وقد يأتي متردداً بين المعنيين، كقوله –تعالى-.. (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم) (٤) ، فإنه يحتمل التحية والسلامة، وقوله –تعالى-: ﴿وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ﴿٥٧﴾ سَلامٌ قَوْلاً مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ (٥) (٦) ا. هـ.

стр. 122

قلت: يمكن إرجاع هذه الإطلاقات إلى معنى واحد، إذ كلها في الحقيقة تدور على طلب السلامة، والخلاص من الشر والأذى، وهذا ما تضمنته التحية المشروعة بين المسلمين. فالصواب: أن السلام أسم من أسماء الله –تعالى- كما تقدم، وقد أمر المسلمون أن يفشوه فيما بينهم، فعندما يلقي المسلم على أخيه ذلك، فإنه يذكر الله –تعالى-، طالباً منه السلامة، متوسلاً إليه بذكر اسمه- تعالى- المناسب لطلبه، فكأنه يقول: أنا مسالم لك أيها الأخ محب، وداع لك، وطالب حصول البركة والخير، والسلامة من كل مؤذ، ممن يملك ذلك، متوسلاً إليه في حصول ذلك باسمه السلام. فتضمن ذلك ثلاثة أشياء: أحدها: ذكر اسم الله –تعالى-. الثاني: إعلام المسلم عليه: أنه مسالم له لا يناله منه أذى. الثالث: طلب السلامة والخير له، وبهذا يظهر أن قول من قال: إنه يطلق على التحية بين المخلوقين، أنه لا يخالف كونه اسماً من أسماء الله، أي أنه ليس قسيماً له، بل التحية الواقعة بين المؤمنين هي ذكر اسم الله –تعالى-، المطلوب به حصول السلامة، وذلك أن السائل يسأل في كل مطلوب من الله بالاسم المناسب لمطلوبه، كما يعلم ذلك عند تأمل الأدعية الواردة في كتاب الله –تعالى-، وفي أحاديث رسوله – ﷺ ، والله أعلم. والصواب: أن مراد البخاري- رحمه الله تعالى- بهذه الترجمة: تنزيه الله –تعالى- عن مشابهة المخلوق، وأن اشتراكه – تعالى- مع المخلوق في الاسم، أو في معنى من المعاني، لا يكون فيه تشبيه، نحو اليد، والرجل، والاستواء، والمجيء، والضحك، والسخط، والعلم، والسمع، والبصر، وغير ذلك مما أثبته –تعالى- لنفسه، وأثبته له رسوله: لأنه –تعالى – السلام، أي: السالم من كل عيب ونقص يلحق المخلوق.

стр. 123

"قال ابن قتيبة: سمى نفسه سلاماَ؛ لسلامته مما يلحق المخلوق من العيب والنقص والفناء، وقال الخطابي: معناه ذو السلام، والسلام في صفة الله تعالى هو: الذي سلم من كل عيب، وبرأ من كل آفة ونقص يلحق المخلوقين، وقد قيل: هو الذي سلم الخلق من ظلمه"ا. هـ (١) . قلت: هذا القول الأخير لا يخالف الذي قبله، بل كلاهما يدخل في اسمه تعالى: السلام. قال ابن كثير: "السلام من جميع العيوب والنقائص، بكماله في ذاته وصفاته وفي أفعاله" (٢) . فالسلام من الكلمات الجامعة، وحقيقته: البراءة الخلاص والنجاة من الشر والعيوب، وعلى هذا المعنى تدور تصاريف هذا اللفظ، فمن ذلك: سلمك الله، وسلم فلان من الشر، ومنه دعاء الرسل على الصراط: "اللهم سلم سلم" وسلم الشيء لفلان، أي: خلص له وحده من ضرر الشركة فيه، قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِّرَجُلٍ﴾ (٣) أي: خالصاً له وحده لا يملكه معه غيره. والسلم ضد الحرب، قال تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (٤) ؛ لأن كل واحد من المتحاربين يسلم من أذى الآخر ويخلص منه، والقلب السليم هو: النقي من الغل والدغل، الذي قد سلم لله وحده، فخلص من دغل الشرك وغله، ودغل الذنوب والمخالفات، فاستقام على حب الله وحسن معاملته، ولذلك ضمن له النجاة من عذابه، والفوز بكرامته.

стр. 124

والإسلام أخذ من هذا المعنى، فإنه: الاستسلام لله والانقياد له، والتخلص من شوائب الشرك، والبدع المضلة. والجنة دار السلام، أي: دار السلامة من كل آفة ونقص وشر، فإطلاق السلام على الله تعالى اسماً من أسمائه، أولى من هذا كله، وهو أحق بهذا الاسم من كل مسمى به؛ لسلامته تعالى من كل عيب ونقص من كل وجه، فهو –تعالى- السلام الحق بكل اعتبار، سلام في ذاته عن كل عيب ونقص يتخيله وهم. وسلام في صفاته من كل عيب ونقص، وسلام في أفعاله من كل عيب ونقص وشر وظلم وفعل واقع على غير وجه الحكمة، فهو السلام الحق من كل وجه وبكل اعتبار، وهذا هو حقيقة التنزيه الذي نزه به نفسه، ونزهه به رسوله، فهو السلام من الصاحبة والولد، والسلام من النظير والكفء والسمي والمماثل، والسلام من الشريك. ولهذا إذا نظرت إلى أفراد صفات كماله وجدت كل صفة سلاماً مما يضاد كمالها. فحياته –تعالى- سلام من الموت والسنة والنوم، وقيوميته وقدرته سلام من الحاجة والتعب واللغوب، وعلمه سلام من عزوب شيء عنه أو عروض نسيان أو حاجة إلى تذكر أو تفكر، وإرادته –تعالى- سلام من خروجها عن الحكمة والمصلحة، وكلماته –تعالى- سلام من الكذب والخلف والظلم، بل تمت كلماته صدقاً وعدلاً، وغناه – تعالى – سلام من الحاجة إلى غيره في وجه من الوجوه، بل كل ما سواه فقير إليه محتاج، وملكه – تعالى – سلام من منازع فيه أو مشارك، أو معاون مظاهر، أو شافع عنده بدون إذنه، وإلهيته – تعالى – سلام من مشارك له فيها، بل هو الله الذي لا إله إلا هو، وحلمه، وعفوه، وصفحه، ومغفرته، وتجاوزه، سلام من أن تكون عن حاجة، أو ذل، أو مصانعة، كما يكون من غيره، بل هو محض جوده وإحسانه وكرمه.

стр. 125

وكذلك عذابه، وانتقامه، وشده بطشه، وسرعة عقابه، سلام من أن يكون ظلماً، أو تشفياً، أو غلظة أو قسوة، بل هو محض حكمته وعدله، ووضعه الأشياء مواضعها، فهو يستحق عليه الحمد والثناء، كما يستحق على إحسانه ونعمه. وقدره وقضاؤه سلام من العبث والجور والظلم. وشرعه ودينه سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب وعدم مصلحة العباد ورحمتهم" (١) . وهكذا جميع صفاته وأفعاله سلام من كل ما يتوهمه معطل أو يتخيله مشبه، تعالى ربنا السلام عما يضاد كماله. وأما ذكره "المؤمن" مع السلام فلبيان أن ما تسمى الله به، وأطلق على غيره من خلقه، فإنه لا يكون بينه وبين من أطلق عليه مشابهة، فالله – تعالى – سمى نفسه: المؤمن، ومن اتصف بالإيمان من عباده يسمى: مؤمناً، ولكن الله – تعالى – سالم من النقائص والعيوب التي تلزم الخلق؛ لأنه – تعالى – هو السلام. وهكذا كل ما يطلق على غيره –تعالى- مما سمى به نفسه أو اتصف به، نحو العزيز، والكريم، والرؤوف، والرحيم، والسميع، والبصير، والعليم. وهو كثير. فلله- تعالى- ما يليق به من المعاني الكاملة السالمة من النقائص والعيوب، وللمخلوق ما يناسبه ويليق بضعفه، فهو محل كل عيب ونقص. والله أعلم. المؤمن من أسمائه – تعالى- وهو على أحد التفسيرين: المصدق الذي يصدق الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم، فهو الذي صدق رسله وأنبياءه فيما بلغوا عنه، وشهد لهم بأنهم صادقون للدلائل التي دل بها على صدقهم – قضاء وخلقاً – فإنه – سبحانه- أخبر- وخبره الصدق وقوله الحق، أنه لابد أن يري

стр. 126

عباده من الآيات الأفقية والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغته رسله حق، كما قال –تعالى-: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١) فشهد لرسوله أن ما جاء به حق، ووعده أن يري العباد من آياته الفعلية والخلقية: ما يشهد بذلك أيضاً، ثم ذكر ما هو أعظم من ذلك وأجل، وهو شهادته- تعالى- على كل شيء، فإن من أسمائه "الشهيد": الذي لا يغيب عنه شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، بل هو مطلع على كل شيء وشاهد له، عليم بتفاصيله، وهذا استدلال بأسمائه وصفاته، والأول استدلال بقوله وكلماته، والاستدلال بالآيات الأفقية والنفسية استدلال بأفعاله ومخلوقاته " (٢) . وقال ابن الجوزي: "فأما المؤمن ففيه ستة أقوال: أحدها: أنه الذي أمن الناس ظلمه، وأمن من آمن به عذابه. الثاني: أنه المجيب. الثالث: أنه الذي يصدق المؤمنين إذا وحدوه. الرابع: أنه الذي وحد نفسه؛ لقوله –تعالى-: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ (٣) . الخامس: أنه الذي يصدق عباده وعده. السادس: أنه الذي يصدق ظنون عباده المؤمنين؛ ولا يخيب آمالهم"أ. هـ (٤) .

стр. 127

قلت: هذه الأقوال كلها حق، ويدل عليها اسمه –تعالى- "المؤمن" فهو المصدق الذي يصدق رسله بما يقيمه من الدلائل التي تدل على صدقهم فيما جاؤوا به وبلغوه عنه –تعالى-، ويصدقهم وعده بنصره إياهم على عدوهم، وبصدق عباده ما أخبرهم به من توفيتهم ما يستحقونه جزاء أعمالهم، ولا يضيع أجر أحد منهم ويؤمنهم من الظلم، فلا يخافون ظلماً ولا هضماً، فهو الذي يجير عباده وينجيهم من المهالك والمخاوف، وهو الذي شهد لنفسه بأنه لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

стр. 128

١١- قال: " حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا مغيرة، حدثنا شفيق بن سلمة قال: قال عبد الله: كنا نصلي خلف النبي ﷺ فنقول: السلام على الله، فقال النبي- ﷺ : " إن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. عبد الله، هو عبد الله بن مسعود بن غافل، الهذلي، من أهل السوابق، هاجر قديماً إلى الحبشة، وقد شهد مع رسول الله ﷺ جميع غزواته، ولازمه، وخدمه، فكان يقال له: صاحب السواك، والنعل؛ لأنه كان يحمل سواك رسول الله- ﷺ ونعله. وفي "الصحيحين" أن أبا موسى قال: " قدمت أنا وأخي من اليمن، فمكثنا حيناً وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله ﷺ ؛ لما نرى من كثرة دخولهم على رسول الله- ﷺ ولزومهم له". وقال حذيفة: " ما نعلم أحداً أقرب سمتاً ودلاً وهدياً برسول الله- ﷺ من عبد الله بن مسعود، ولقد علم المحظوظون من أصحاب رسول الله- ﷺ أن ابن أم عبد أقربهم إلى الله وسيلة". وهو من علماء الصحابة، وفقائهم، توفي في الكوفة، وقيل: في المدينة، سنة اثنتين- أو ثلاث - وثلاثين، وله بضع وستون وسنة ا. هـ. (١)

стр. 129

قوله: "فنقول: السلام على الله"، كأنهم رأوا السلام من قبيل الحمد، والشكر، فجوزوا ثبوته لله - تعالى -، وهو تعالى السلام، والسلام منه بدأ وإليه يعود، إذ هو -تعالى- واهب السلام لعباده، الذي به يسلمون من شرور أنفسهم، وشرور أعدائهم من الجن والإنس، وهو -تعالى- السالم من كل ما فيه نقص أو شين، فلا يطلب له السلام، ولهذا قال معلم الهدى- ﷺ : " إن الله هو السلام" أي السالم من أن يلحقه حاجة، أو يناله تغير أو آفة، بل هو الكامل في أوصافه العليا، وأسمائه الحسنى، وهو الغني بذاته عن كل ما سواه. وهذا الجزء من الحديث هو محل الشاهد الذي سيق من أجله؛ لأنه يدل على أن الله -تعالى- سالم من جميع العيوب والنواقص التي تلحق الخلق، فإذا سمى نفسه باسم قد يتسمى به بعض خلقه، أو وصف نفسه بصفة قد يتصف بها بعض خلقه، فالمعاني التي يدل عليها اسمه أو صفته تخصه- تعالى- لا يشاركه فيها المخلوق. وكل نقص في المخلوق فهو -تعالى- سالم منه، ومتنزه عنه، كما تقدم، فهو السلام المؤمن. قوله: " التحيات لله، قال في "اللسان": " التحيات لله" معناه" البقاء لله، والسلامة من الآفات كلها التي تلحق العباد من العناء، وأسباب الفناء" (١) . وكذا قال غيره من أهل اللغة. وجيء بلفظ الجمع ليدل على أن الله -تعالى- يستحق جميع الكمالات، من العظمة، والبقاء، والملك، والسلامة من الآفات والنقص، وغير ذلك. قال الخطابي: " لم يكن في تحياتهم شيء يصلح به الثناء على الله -تعالى-،

стр. 130

فلهذا أبهمت ألفاظها، واستعمل منها معنى التعظيم، فقال: " قولوا: التحيات لله" أي: أنواع التعظيم له" ا. هـ. (١) وقوله: " لله" يفيد وجوب الإخلاص في العبادة، أي أن ذلك لا يجوز أن يكون لغير الله منه شيء. "والصلوات" أي جميع العبادات له استحقاقاً بمقتضى العقل، وبالشرع، وذلك مثل الركوع، والسجود، والقيام، والدعاء، وأنواع العبادة له وحده لا شريك له في ذلك. "والطيبات" أي الأعمال الطيبات له - تعالى- يتوسل بها إليه، وهو -تعالى- لا يقبل إلا طيباً، "وما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على الله، دون ما لا يليق بصفاته" (٢) ، والوصف بالطيب يفيد خلوصها من الشرك، وشوائبه، وسلامتها من البدع. "السلام" اسم الله -تعالى- الدال على سلامته من كل نقص وعيب، فيدعى الله -تعالى- به؛ ليسلم من ذكر عليه هذا الاسم الشريف، من المكاره والمخاوف. "عليك أيها النبي" أمرهم أن يفردوه بالسلام، ويقدموه على أنفسهم، لوجوب حقه عليهم، ووجوب محبته التي يجب أن تكون مقدمة على النفس، وما دونها. والأحاديث متقفة على لفظ الخطاب، وذكر حرف النداء "عليك أيها النبي" وقد عدل بعض الصحابة بعد وفاته ﷺ إلى لفظ خطاب الغائب فقالوا: "السلام على النبي" كما ذكره البخاري في الاستئذان (٣) ، وابو عوانة في

стр. 131

مسنده (١) ، وغيرهما. وقال عبد الرزاق: " عن ابن جريج، عن عطاء: أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يسلمون والنبي- ﷺ حي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فلما مات قالوا: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته" (٢) . وبهذا السند أيضاً: " سمعت ابن عباس، وابن الزبير، يقولان في التشهد في الصلاة: التحيات المباركات لله، الصلوات الطيبات لله، السلام على النبي ورحمة الله وبركاته" (٣) . والأولى: اتباع لفظ الحديث كما عليه الجمهور من الصحابة، ومن بعدهم من أهل العلم، وكما أنه لا فرق بين الحاضر معه في وقت حياته، وبين من كان غائباً، فكذلك بعد وفاته. والنداء لطلب استحضار المنادي في القلب، فيخاطبه كأنه شاهد في قلبه، ومثل هذا معروف في كلام العرب، وأشعارهم، يخاطب أحدهم من يتصوره في نفسه، وإن لم يكن في الخارج من يسمع خطابه، قال حسان بن ثابت- ﵁ في رثائه لرسول الله- ﷺ : ما بال عينك لا تنام كأنها ... كحلت مآقيها بكحل الأرمد جزعاً على المهدي أصبح ثاوياً ... يا خير من وطيء الحصى لا تبعد وجهي يقيك لهفي ليتني ... غيبت قبلك في بقيع الغرقد أأقيم بعدك بالمدينة بينهم ... يا ليتني صبحت سم الأسود (٤)

стр. 132

وقال امرؤ القيس: يا أيها الساعي ليدرك مجدنا ... ثكلتك أمك هل ترد قتيلاً (١) وقالت الخنساء في أخيها صخر: ألا يا صخر إن أبكيت عين ... لقد أضحكتني دهراً طويلاً ي بكيتك في نساء معولات ... وكنت أحق من أبدى العويلا دفعت بك الجليل وأنت حي ... فمن ذا يدفع الخطب الجليلا إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا (٢) وهذا كثير جدا، ولا يحتاج إلى ذكر الشواهد عليه؛ لشهرته، وبهذا وأمثاله يتبين ضلال المغرورين الذين يستغيثون بالأنبياء، والأولياء، ويتعلقون بشبه واهية، مثل استدلالهم بلفظ النداء، والخطاب المذكور في هذا الحديث، على حضور النبي ﷺ عند كل من يناديه، ويخاطبه؛ ولذلك جوزوا التوجه إليه، ومناداته، في كل ملمة، فضلوا بذلك وأضلوا كثيراً. مع أن هذه الصيغة هي التي كان النبي- ﷺ يقولها في تشهده والأمة تبع له، تقول مثل ما كان يقول، كما في شرح الآثر للطحاوي بسنده إلى عبد الله بن الزبير، قال: " إن تشهد رسول الله ﷺ الذي كان يتشهد به: بسم الله، وبالله، خير الأسماء، التحيات، الطيبات، الصلوات لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً، ونذيراً، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، اللهم اغفر لي

стр. 133

واهدني" ا. هـ. (١) وهو أيضاً عند البزار (٢) . قال الحافظ: " فإن قيل: لم عدل عن الوصف بالرسالة إلى الوصف بالنبوة، مع أن الوصف بالرسالة أعم في حق البشر؟ أجاب بعضهم: بأن الحكمة فيه أن يجمع له الوصفين؛ لأنه وصفه بالرسالة في آخر التشهد، وإن كانت الرسالة تستلزم النبوة، لكن الجمع بينهما أبلغ" (٣) ، ولأنها وجدت في الخارج مقدمة على الرسالة في الوحي كما في قوله -تعالى-: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (٤) .

стр. 134

قال: "باب قول الله -تعالى-: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ فيه ابن عمر عن النبي ﷺ ". الملك هو: المتصرف بالأشياء حسب إرادته، ومشيئته، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه. وخص الناس؛ لأنهم الذين يملكون بعض الأشياء، وفيهم ملوك فهو- تعالى- ملك من يملك، وملك الملوك، فدخل غيرهم في المعنى، وملكه - تعالى - دائم لا يزول. قال الطبري: أخبر أنه ملك الناس "وهو ملك جميع الخلق، إنسهم وجنهم وغير ذلك، إعلاماً منه بذلك من كان يعظم الناس تعظيم المؤمنين ربهم، أنه ملك من يعظمه، وأن ذلك في ملكه وسلطانه، تجري عليه قدرته، وأنه أولى بالتعظيم، وأحق بالتعبد له ممن يعظمه، وتعبد له من الناس" ا. هـ. (١) قال الراغب: " الملك هو: المتصرف بالأمر والنهي" (٢) . وقال الزجاج: " قال أصحاب المعاني: الملك: النافذ الأمر في ملكه، إذ ليس كل مالك ينفذ أمره وتصرفه فيما يملكه، فالملك أعم من المالك، والله -تعالى- مالك المالكين كلهم، إنما استفادوا التصرف في أملاكهم من جهته -تعالى-" (٣) .

стр. 135

وقال الطبري: " ولا خلاف بين جميع أهل المعرفة بلغات العرب أن الملك من الملك مشتق؛ وأن المالك من الملك (١) مأخوذ، فتأويل قراءة من قرأ "مالك يوم الدين" أن لله الملك يوم الدين خالصاً؛ دون جميع خلقه الذين كانوا قبل ذلك في الدنيا ملوكاً جبابرة، ينازعونه الملك، ويدافعونه الانفراد بالكبرياء والعظمة والسلطان والجبرية، فأيقنوا بلقاء الله يوم الدين أنهم الصغرة الأذلة، وأن له - دونهم ودون غيرهم - الملك والكبرياء، والعزة والبهاء، كما قال- جل ذكره وتقدست أسماؤه -: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٢) ، فأخبر - تعالى ذكره- أنه المنفرد يومئذ بالملك، دون ملوك الدنيا، الذين صاروا يوم الدين من ملكهم إلى ذلة وصغار، ومن دنياهم في معادهم إلى خسار" (٣) . قوله: " فيه ابن عمر" أي يدخل في هذا الباب حديث ابن عمر، وهو كحديث أبي هريرة المذكور في هذا الباب سواء، وسيأتي إن شاء الله - تعالى-.

стр. 136

١٢-قال: " حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد- هو ابن المسيب- عن أبي هريرة ﵁ عن النبي- ﷺ قال: " يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ ". أبو هريرة عرف بكنيته، واختلف في اسمه واسم أبيه اختلافاً كثيراً، وصحح البخاري والنووي وغيرهما من الحفاظ أن اسمه عبد الرحمن بن صخر. قدم على النبي ﷺ مسلماً وهو يقسم غنائم خيبر، ثم لازم رسول الله- ﷺ حضراً وسفراً، فلم يشغله عن ملازمته أهل ولا مال. وهو أحفظ الصحابة، بل أحفظ الأمة، ولهذا صار هدفاً لأهل الإلحاد بسبب كثرة ما يغضبهم من مروياته. قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث دهراً. (١) جاء في "صحيح مسلم" في قصة إسلام أمه، أنه قال: " قلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببني الله أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا؟ فقال النبي ﷺ : اللهم حبب عبدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهما المؤمنين". قال أبو هريرة: " فما خلق الله مؤمناً يسمع بي، ولا يراني، إلا أحبني" (٢) . ولهذا صار حبه علامة الإيمان، وبغضه علامة النفاق والكفر.

стр. 137

توفي- ﵁ في المدينة، وقيل: بالعقيق، سنة سبع- أو تسع - وخمسين عن ثمان وسبعين سنة. (١) قوله: " يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه"، القبض هو: أخذ الشيء باليد وجمعه، والطي هو ملاقاة الشيء بعضه على بعض، وجمعه - ولفه- وهو قريب من القبض، وهذا من صفات الله -تعالى- الفعلية - التي تتعلق بمشيئته وإرادته، وهي ثابتة بآيات كثيرة وأحاديث صحيحة عن رسول الله ﷺ ، وهي مما يجب الإيمان به؛ لأن ذلك داخل في الإيمان بالله - تعالى-، ويحرم تأويلها المخرج لمعانيها عن ظاهرها، وقد دل على ثبوتها لله -تعالى - العقل أيضاً، فإنه لا يمكن لمن نفاها إثبات أن الله هو الخالق لهذا الكون المشاهد، لأن الفعل لا بد له من فاعل، والفاعل لا بد له من فعل، وليس هناك فعل معقول إلا ما قام بالفاعل، سواءً كان لازماً كالنزول والمجيء، أو متعدياً كالقبض والطي، فحدوث ما يحدثه - تعالى - من المخلوقات تابع لما يفعله من أفعاله الاختيارية القائمة به - تعالى -. وهو -تعالى- حي قيوم، فعال لما يريد، فمن أنكر قيام الأفعال الاختيارية به - تعالى- (٢) فإن معنى ذلك أنه ينكر خلقه لهذا العالم المشاهد، وغير المشاهد، وينكر قوله: إنه على كل شيء قدير، فالعقل دل على ما جاء به الشرع. (٣) وما صرح به في هذا الحديث من القبض والطي، قد جاء صريحاً أيضاً في كتاب الله -تعالى-، كما قال -تعالى-: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤)

стр. 138

والأحاديث والآثار عن السلف في صريح الآية، والحديث المذكور في الباب، كثيرة وظاهرة جلية، لا تحتمل تأويلاً ولا تحتاج إلى تفسير، ولهذا صار تأويلها تحريفاً وإلحاداً فيها، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - ذكر ما تيسر من ذلك في باب قوله - تعالى-: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ . وقوله: " ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ " أي: أنه -تعالى- ينفرد بالملك، فهو الملك حقاً الذي لا منازع له، ولا معاون، ولا ظهير، ولا شريك، وفي ذلك اليوم، عندما يقبض الأرض بيده، ويطوي السماوات بيمينه، ويصبح كل شيء في قبضته، ينادي الذين كانوا ينازعونه في الدنيا ملكه، ويتعدون على سلطانه، من المتكبرين، والمتجبرين، من ملوك الدنيا، وقد انفرد مالك الملك الواحد القهار، ذي السلطان - وهو منفرد به في كل آن، غير أنه في ذلك اليوم ينكشف جلياً - فيناديهم بما يتضمن توبيخهم وتهديدهم: أين ملوك الدنيا؟ فهل يستطيعون منعاً أو رداً؟ وهل لديهم قوة أو حيلة أو فدى؟ لقد ذهب منهم كل شيء، وبقيت التبعات والذل والحسرات. قال بعض شراح البخاري: " قوله: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ داخل في معنى التحيات لله، أي: الملك لله، وكأنه ﷺ أمرهم بأن يقولوا التحيات، امتثالاً لأمر ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس ﴿١﴾ مَلِكِ النَّاسِ﴾ ". ثم قال: " وفي الحديث إثبات اليمين صفة لله - تعالى -، من صفات الذات، وليست جارحة خلافاً للمجسمة" (١) . قلت: قوله: " وليست جارحة" من كلام أهل البدع، الذين عدلوا عما جاء في الكتاب والسنة من الألفاظ إلى ما ابتدعوه من الألفاظ الموهمة للنقص -تعالى الله-، توهماً منهم أن تلك الألفاظ الواردة في كتاب الله، وسنة رسوله،

стр. 139

يتضمن ظاهرها التشبيه لصفات الخلق، وهذا من ظن السوء بالله وبكتابه وبرسوله، الذي أرداهم فضلوا سواء السبيل، وأضلوا كثيراً من عباد الله. وقوله: "خلافاً للمجسمة" يقال له: من هم المجسمة الذين تقصدهم؟ وهل تستطيع أن تعين طائفة تؤمن بكتاب الله وسنة رسوله تقول: إن يمين الله جارحة؟ أو أن الله جسم؟ (١) فهؤلاء لا وجود لهم، ولكن مراده: الذين آمنوا بمثل هذا النص على ظاهره، وقالوا: إن لله يدين حقيقتين بدون تأويل، كما هو الواجب على المسلم؛ لأنه صريح النصوص، وأيقنوا أن تأويل اليد واليمين، ونحوها من صفات الله، بالقوة، أو القدرة، أو النعمة، أو ما أشبه ذلك، تحريف كتحريف اليهود الذين حرفوا الكلم عن مواضعه. فهذا الشارح ومن على نهجه إلى اليوم يسمون هؤلاء مجسمة، ظناً منهم أن من أثبت هذه الصفات على ظاهرها، لزمه أن يكون مجسماً لربه، ومشبهاً له بأجسام الخلق، تعالى الله أن يكون له مثل أو شبيه. قال شيخ الإسلام: "وليس هناك من أطلق لفظ الجسم، لكن نفاة الصفات يسمون كل من أثبتها مجسماً، بطريق اللزوم، إذ كانوا يقولون: إن الصفات لا تقوم إلا بالجسم، وذلك أنهم اصطلحوا في معنى الجسم على غير المعنى المعروف في اللغة، فإن الجسم في اللغة هو البدن، وهم يسمون كل ما يشار إليه جسماً، فيلزم على قولهم أن كل ما جاء به الكتاب والسنة وما فطر الله عليه عباده، وما ﴿عليه﴾ سلف الأمة، وأئمتها، تجسيماً، فهم يطلقون لفظ المجسمة والمشبهة، على أتباع السلف" (٢) .

стр. 140

وقال: " لفظ الجسم لم يتكلم به أحد من الأئمة والسلف، في حق الله - تعالى - لا نفياً ولا إثباتاً، ولا ذموا أحداً ولا مدحوه بهذا الاسم، ولا ذموا مذهباً ولا مدحوه بهذا الاسم، وإنما تواتر عنهم ذم الجهمية، الذين ينفون الصفات، وذموا طوائف منهم، مثل المشبهة، وبينوا مرادهم بالمشبهة" (١) . قال الحافظ: " الذي يظهر لي أنه أشار ﴿بهذه الترجمة﴾ إلى ما قاله شيخه نعيم بن حماد: " يقال للجهمية: أخبرونا عن قول الله -تعالى- بعد فناء خلقه، ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ فلا يجيبه أحد، فيرد على نفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ وذلك بعد انقطاع ألفاظ خلقه بموتهم، أفهذا مخلوق؟ " (٢) قلت: يظهر لي أن مراده بهذا الباب كالباب الذي قبله، أن هذا الاسم الكريم (الملك) من أسماء الله الحسنى، وقد أطلق على بعض خلقه، ولم يكن في ذلك تشبيه، إذ المعنى الذي يختص به الله -تعالى- لا يشاركه فيه أحد من خلقه، فهو مالك الملك، وله الملك التام المطلق، وهو الذي يهب للمخلوق الملك، مع أن ملك المخلوق ناقص يناسب نقصه، قال -تعالى-: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣) . وأما التوفيق بين الحديث، والترجمة فظاهر، وهو أن الناس الذين يوجد

стр. 141

منهم الملوك والجبابرة، والذين يذل لهم ويخضع بعض العباد، وقد يصرفون لهم ما هو خالص حق الله من العبادة، هؤلاء ملك له، تحت قهره، آخذ بنواصيهم، يتصرف فيهم كيف يشاء، ويظهر ذلك جلياً لكل أحد، يوم يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه، ويقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ فيعرف قدرهم وقدر ملكهم الذي أورثهم الذل والصغار، والله أعلم.

стр. 142

قال: " باب قول الله -تعالى-: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) ، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٢) ، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ (٣) ، ومن حلف بعزة الله، وصفاته". ﴿العزيز﴾ هو الذي له العزة التامة، والقوة الكاملة، فلا يعجزه شيء، القاهر لكل شيء فلا يمتنع من قوته شيء، المنيع الذي لا ينال ولا يغالب. "فالعزة تتضمن القوة، ولله القوة جميعاً، يقال: عز يعز - بفتح العين- إذا اشتد وقوى، ومنه الأرض العزاز - الصلبة الشديدة - ويعز يعز - بكسر العين- إذا امتنع ممن يرومه، ويعز يعز - بضم العين - إذا غلب وقهر. فأعطوا أقوى الحركات - وهي الضمة- لأقوى المعاني، وهو الغلبة والقهر للغير، وأضعفها - وهي الفتحة - لأضعف هذه المعاني، وهو كون الشيء في نفسه صلباً، والحركة المتوسطة - وهي الكسرة - للمعنى المتوسط، وهو القوي الممتنع عن غيره، ولا يلزم منه أن يقهر غيره، ويغلبه.

стр. 143

والعز ضد الذل، والذل أصله الضعف والعجز، فالعز يقتضي كمال القدرة، ولهذا يوصف به المؤمن، ولا يكون ذماً له، بخلاف الكبر. قال رجل للحسن البصري: إنك متكبر، فقال: " لست بمتكبر، ولكني عزيز". وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) . وقال ابن مسعود: " ما زلنا أعزة، منذ أسلم عمر" (٢) . وقال النبي ﷺ " اللهم أعز الإسلام بأحد هذين الرجلين، عمر بن الخطاب، أو أبي جهل بن هشام" (٣) . وفي بعض الآثار: " إن الناس يطلبون العزة في أبواب الملوك، ولا يجدونها إلا في طاعة الله ". وفي الحديث: " اللهم أعزنا بطاعتك، ولا تذلنا بمعصيتك". وقال بعضهم: " من أراد عزاً بلا سلطان، وكثرة بلا عشيرة، وغنى بلا مال، فلينتقل من ذل المعصية إلى عز الطاعة". فالعزة من جنس القوة" اهـ (٤) . قال الحافظ: " العزيز الذي يقهر ولا يقهر، فإن العزة التي لله -تعالى- هي الدائمة الباقية وهي العزة الحقيقية الممدوحة، وقد تستعار العزة للحمية والأنفة، فيوصف بها الكافر والفاسق، وهي صفة مذمومة، ومنه قوله -تعالى-: ﴿أخذته العزة بالإثم﴾ (٥) ، وأما قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ

стр. 144

الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (١) ، فمعناه: من كان يريد أن يعز، فليكتسب العزة من الله، فإنها لا تنال إلا بطاعته، ومن ثم أثبتها لرسوله وللمؤمنين، فقال -تعالى-: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ (٢) ، وقد ترد العزة بمعنى الصعوبة، كقوله -تعالى-: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ (٣) ، وبمعنى الغلبة ومنه ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ (٤) ، وبمعنى القلة: كقولهم: شاة عزوز، إذا قل لبنها، وبمعنى الامتناع، ومنه قولهم: أرض عزاز، بفتح أوله مخففا" ا. هـ (٥) . ﴿الحكيم﴾ هو الذي يضع الأشياء مواضعها التي يحسن أن توضع فيها، ولا يدخل تدبيره خلل ولا زلل، وهذا من أسمائه -تعالى- الحسنى التي كثر ذكرها، في القرآن، وما جاء عن رسول الله ﷺ وهو -تعالى- موصوف بالحكمة، وقد دل على ذلك شرعه -تعالى- وخلقه، فمن الضلال إنكار ذلك، وكفى بالمرء ضلالاً أن ينفي عن الله -تعالى- ما وصف به نفسه، ووصفه به رسله. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ " أصل التسبيح عند العرب: التنزيه لله عن إضافة ما ليس من صفاته إليه، والتبري من ذلك، كما قال أعشى بني ثعلبة: أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر أي: سبحان الله من فخر علقمة، أي تنزيها لله مما أتي علقمة من الافتخار على وجه التكبر منه لذلك" (٦) .

стр. 145

وقال أيضاً: " وسبحان: اسم مصدر، لا تصرف له، ومعناه: نسبحك" (١) . وفي "تاج العروس": " وسبحانه: تنزيها لله عن كل ما لا ينبغي أن يوصف به، قال الزجاج: سبحان في اللغة: تنزيها لله عن السوء" (٢) . فالتسبيح: تنزيه الله - تعالى- عما لا يليق بعظمته، مأخوذ من السبح، وهو الإبعاد والسرعة في السير، يقال: فرس سبوح، إذا كانت تسرع في السبح الذي هو السير والجري، ومنه قوله -تعالى-: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ فسرت بالخيل، وبالسفن، وبالنجوم، وكلها تسبح وتبعد في سبحها. وقوله ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أي ذي العزة وصاحبها، فرب هنا بمعنى ذي وصاحب، والعزة صفته، فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، وأخذ اسمه تعالى "العزيز" منها. وقوله: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تنزيها وتقديساً لذي العزة التي لا ترام، عن الذي يصفه به المشركون، من أن له صاحبة أو ولداً، أو شريكاً، أو ولياً من الذل، أو أن أحداً يشفع عنده بدون إذنه، أو أن أحداً يتصرف في ملكه بدون إرادته ومشيئته. وتنزيهاً لذي العزة التي غلب بها كل شيء عما يقوله المعطلون لصفاته، حيث أنكروها أو أولوها تأويلاً يؤول إلى إنكارها، وتنزيهاً له -تعالى- عما يقوله المحرفون الملحدون في صفاته الظانون بالله ظن السوء، حيث توهموا أن اتصافه -تعالى- بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ يقتضي التشبيه، فحرفوا صفاته عما أراده بناء على أوهامهم الباطلة.
следующие страницы →