← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96159

الشناعة على من رد أحاديث الشفاعة

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (65 стр.). Показаны 36–65 · переход к 41.

стр. 36

أما قوله: إخواننا المسيحيين فنعم له ما اختار لنفسه. أما المسلم فيبرأ إلى الله منهم وإنما إخوانه المؤمنين. وليس هذا وحده الذي يقول هذه الكلمة العظيمة بل إن أمثاله كثير من علماء تلك الديار يقولونها. والله سبحانه قطع الأخوة بين المسلم والكافر. وقد قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ وقال ﷺ : (المسلم أخو المسلم) الحديث. أما قوله عن آية سورة البقرة: (وهو كلام عن المسلمين فباطل لأن المراد بها اليهود وسياق الآيات يدل على ذلك. وقد نقل ابن كثير في تفسيره أن الآية في اليهود. ذكر ذلك عن ابن عباس وقتادة وعكرمة. ثم قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته﴾ الآية قال: يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنّيتم ولا كما تشتهون بل الأمر أنه من عمل سيئة وأحاطت به

стр. 37

خطيئته وهو مَنْ وَافى يوم القيامة وليست له حسنة بل جميع أعماله له سيئات فهذا من أهل النار. (١) فهذا يقول بالقرآن برأيه في قوله عن الآية: (وهو كلام عن المسلمين) والوعيد على من فسّر القرآن برأيه معلوم. وانظر قول ابن كثير: وهو مَنْ وَافى يوم القيام وليست له حسنة بل جميع أعماله سيئات فهذا يجعل حكم المسلم في الآخرة الذي له حسنات وسيئات كالكافر الذي ليست له حسنة بل جميع أعماله سيئات. ثم حكم أيضاً على أحاديث إخراج الرسول من النار أحد بأنها موضوعة. (٢)

стр. 38

ثم قال: والذين يأكلون الربا من المسلمين وغير المسلمين تتحدث عنهم الآية من سورة البقرة: ﴿الذين يأكلون الربا لايقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ الآية. قال: كيف يشفع الرسول في هؤلاء وكيف يسبق ربنا بالقول في قضايا حسمها الله في القرآن من الأزل. الجواب: جعل هذا الضال وَعيد المسلم الذي يأكل الربا كالكافر حيث قال: من المسلمين وغير المسلمين. والمسلم الذي يأكل الربا ولايستحله كيف يُساوى بالكافر في العذاب؟ هذا ضلال مبين. وكتب أهل السنة من الحديث والفقه والتفسير والأحكام ليس فيها هذا الهَوَس بل فيها الفرق بين المسلم المذنب والكافر في أمور الدنيا والآخرة لكن هذا يجري مع أفكاره ومايُوَأفق نِحْلته المعتزلية الخارجية ولا يُراجع كلام أهل السنة بل يُكَذِّبُ بها ويُشكّك. ثم ذكر أنه لاشفاعة تجدي ولاشفاعة تقبل يوم القيامة ويستدل بقوله تعالى: ﴿يوم لاتملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله﴾

стр. 39

وقوله تعالى: ﴿قل لله الشفاعة جميعاً﴾. ثم قال: وهو وحده أرحم الراحمين ولايستطيع مخلوق أن يدّعي أنه أكثر رحمة بعباد الله من الله أو أعلم بهم منه ... (١) يظن بجهله أن إثبات الشفاعة ينافي كوْن الشفاعة لله جميعاً وقد تقدم مايبين عدم منافاة ذلك لملكية الرب سبحانه للشفاعة جميعاً إذْ أنها لاتكون إلا بإذنه وتعيينه المشفوع فيه وخلقه. وأنها كرامة للشافع ورحمة من الله للمشفوع فيه. فأما إثبات شافع بغير إذن الله سبحانه للشافع. وتحديده وتعْيينه للمشفوع فيه. ودون أن يخلق الله إرادة وطلب الشفاعة في قلب الشافع ويخلق دعاءه الذي يدعو به ربه لذلك المشفوع فيه فإثبات هذا النوع من الشفاعة إثبات شريك لله. وهذا هو الذي نفاه الله في القرآن. أما الشفاعة على الصفة التي قد بَيّنتُ فلا تخرجها عن كوْنها ملك لله لاتطلب إلا منه.

стр. 40

فالرب سبحانه هو خالق أفعال العباد ولذلك لايقدر أحد على نفع أحد أوضره لابشفاعة ولاغيرها إلا بأن يخلق الله ذلك فيه. ومعلوم أن العبد إذا التفت للشفيع يسأله فقد أعرض بوجهه وقلبه عن الله تعالى وذلك ينافي الإخلاص.

стр. 41

ثم قال: والقرآن هو الكتاب الوحيد الذي تولى رب العالمين حفظه بنفسه من أي تحريف وقال في كتابه المحكم: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ ولم يقل لنا رب العالمين أنه حفظ كتاب البخاري أوغيره من كتب السيرة. ومايقوله البخاري مناقضاً للقرآن يُسأل عنه البخاري يوم الحساب ولا نُسأل نحن فيه. (١) الجواب: ليعلم هذا الضال وأمثاله أن الآية وإن كان المراد بالذكر فيها القرآن فإنه يدخل فيه حفظ الوحي الثاني الذي تكلم به الرسول ﷺ بالجملة ولذلك قَيّض الله له من يحفظه كهذا الإمام العظيم البخاري ﵀ الذي استهان به هذا حيث أن كتابه الصحيح أصح كتاب بعد القرآن. كذلك صحيح مسلم بن الحجاج ﵀. وقد تلقّت الأمة هذه الصحاح بالقبول.

стр. 42

والوقيعة بأهل الأثر من علامات أهل البدع. فالبخاري ومسلم تميزا رحمهما الله بهذين الصحيحين اللذين حفظ الله بهما دينه عن عبث العابثين وزيغ الزائغين. كذلك غيرهما من علماء السنة وماحفظوه ودوّنوه من أحاديث رسول الله ﷺ وسيرته ماهو أشهر من أن يذكر وأجلّ من أن يطعن به هذا الضال ويُهَوِّن من شأنه. ولو كان الحفظ للقرآن فقط يعني كما فهم هذا من الآية لما علمت الأمة معظم دينها مثل كيفية الصلاة والزكاة وغير ذلك كثير جاء تفصيله وبيانه في أحاديث البخاري ومسلم وغيرهما لأن السنة تفسر القرآن وتوضحه وتكشف معانيه وهي الوحي الثاني فهل يُضيّعها الله؟ هذا ظن سوء برب العالمين وهو اعتقاد في غاية السوء. ولِطَعْنه بالأحاديث يقول: والعمدة المعتمد في جميع أمور الملة هو القرآن المجيد نتمسك به ونحتكم إليه في كل صغيرة وكبيرة. وما تناقض في كتب السيرة مع القرآن لا نأخذ به. (١) فيقال له: التمسك بما ثبت عن رسول الله تمسك بالقرآن وليس في ذلك مايعارضه لكن في الأحاديث مايزيد

стр. 43

على القرآن ولوْلا ذلك لما عُلم الكثير من القرآن ولا عُمِل به. وهل عمل خير قرون الأمة بالقرآن وحده؟ أم أن هذا يدعو إلى خير مما عملته قرون الأمة المفضلة؟ إن ضلاله وجهله بيّن.

стр. 44

ثم قال: وامتلأت كتب السيرة بالموضوع والمدسوس من الأحاديث والعجيب والمنكر من الإسرائيليات وقرأنا في أكثر من كتاب من كتب السيرة أن النبي ﵊ مات ودرعه مرهونة عند يهودي وهو كذب وافتراء لايُعقل. فقد مات سيدنا رسول الله والغنائم وخيرات البلاد المفتوحة تجبى من كل مكان. وللرسول ولفقراء المسلمين نصيب فيها وله الخمس بحكم القرآن. وعثمان بن عفان الذين مَوَّل غزوة تبوك من ماله إلى جواره فما حاجته إلى رهن درعه عند يهودي إلا أن تكون فِرْية نكراء من افتراءات اليهود دَسّوها على كُتّاب الحديث. والقرآن يقول لرسوله: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى. ألم يجدك يتيماً فآوى. ووجدك ضالاً فهدى. ووجدك عائلاً فأغنى﴾. الله يقول بأنه أغنى رسوله. فما حكاية هذه الدرع المرهونة عند يهودي إلا أن تكون من الإسرائيليات مدسوسة. وغيرها الكثير. فلا أقلّ من أن نحتكم إلى العمدة في أمور ديننا حتى

стр. 45

لاتنفرط وِحدتنا وحتى لانتفرق بددا والعمدة المعتمد في جميع أمور الملة هو القرآن المجيد نتمسك به ونحتكم إليه في كل صغيرة وكبيرة. وما تناقض في كتب السيرة مع القرآن لا نأخذ به. فالذين كتبوا السيرة بشر مثلنا يخطئون ويصيبون. أما القرآن فهو الكتاب المحفوظ من رب العالمين وهو الكتاب الموثق بين كل ما تبقى من كتب مقدسة بين أيدينا وهو المهيمن عليها جميعها بلا استثناء. (١) الجواب: يقول عن حديث درع النبي ﷺ المرهونة عند يهودي أنه كذب وافتراء لايعقل وأنه مدسوس مع أن الحديث صحيح وهو في صحيح البخاري ﵀ في مواضع منه وكذلك رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والنسائي وغيرهم. والحديث لاينافي قوله تعالى: ﴿ووجدك عائلاً فأغنى﴾ قال ابن حجر في الفتح: وفيه ماكان عليه النبي ﷺ من التواضع والزهد في الدنيا والتقلل منها مع قدرته عليها والكرم الذي أفضى به إلى عدم الإدّخار حتى احتاج إلى رهن درعه

стр. 46

والصبر على ضيق العيش والقناعة باليسير وفضيلة لأزواجه لصبرهن معه على ذلك. وفيه غير ذلك مما مضى ويأتي. قال العلماء: الحكمة في عدوله ﷺ عن معاملة مَيَاسير الصحابة إلى معاملة اليهود إما لبيان الجواز أولأنهم لم يكن عندهم إذْ ذَاك طعام فاضِل عن حاجة غيرهم. أوخشي أنهم لايأخذون منه ثمناً أوعوضاً فلم يرد التضييق عليهم فإنه لايَبْعُدْ أن يكون فيهم إذْ ذَاك من يقدر على ذلك وأكثر منه فلعله لم يُطْلعهم على ذلك. وإنما اطّلع عليه مَن لم يكن مُوسراً به ممن نَقَلَ ذلك. والله أعلم. (١) فقد تبين أن الحديث صحيح وأن مصطفى محمود جريء على ردّ الأحاديث الصحيحة والتكذيب بها. كذلك فقد تبين سوء فهمه لمعنى الحديث أيضاً. وهو ينطبق عليه ماذكره النبي ﷺ قال: (ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه. ألا يوشك رجل شبعان متكئاً على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وماوجدتم فيه من حرام فحرموه) قال الترمذي: حيث حسن.

стр. 47

وقال الأوزاعي عن حسان بن عطية: كان جبريل ينزل بالقرآن والسنة على الني ﷺ ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن .. أما قوله: وما تناقض في كتب السيرة مع القرآن لا نأخذ به فمثل قول محمد الغزالي الذي يطلب محاكمة الصحاح إلى نصوص القرآن. (١) وقال مصطفى: والآن وقدْ تراخى بنا الزمن وأصحبنا نقرأ عن وعن وعن إلى آخر العنْعنات التي لايعلم بها إلا الله. واختلف أهل هذه العنعنات. والقرآن بين أيدينا لا اختلاف فيه وآياته المحكمة كالسيف تقطعنا عن أي شك. (٢) لينظر الموفق مايفعل الجهل والضّلال بأهله إن هذا لو سُئل: كيف يُصلي المسملون كيف يزكون كيف يحجون كيف يصومون وآلاف الآلاف من كيف؟. ماذا يكون جوابه؟ وهل يُعلم التشريع إلا بهذا؟ هذا لايدري مايقول وإلا فالسنة تفسر القرآن وتبيّنه وتوضحه وتكشفه وتدل عليه وتعبّر عنه وتفصّل مجمله وتقيّد مطلقه

стр. 48

وتخصص عمومه. وحكمها حكم القرآن في ثبوت العلم واليقين والإعتقاد والعمل. وهذه العنعنات التي يسخر بها هذا اعتقدها الصحابة ﵃ وعملوا على مقتضاها قبل وجود البخاري ﵀ وغيره من أهل النقل وذلك أن الصحابة ليس كلهم يسمعون من النبي ﷺ كل مايقول بل يتناقلون كلامه بذلك ونقله التابعون عنهم كذلك وهكذا. فالبخاري ﵀ سلك مسلك الصحابة. كذلك فإنه لاتستقيم للناس معايشهم والمعرفة بأمورهم وشئونهم إلا بالعنعنات. وهذا الكاتب لو أتى إليه إنسان أوكتب له أنه سمع شخصاً أوخاطبه مَنْ سمع شخصاً يقول كذا وكذا أورآه يفعل كذا هل يُكذّب بذلك ولايبالي به أو أنه يحزم به إنْ كان مَن حَدّثه ممن يعرف صدقه. مع أن أهل الحديث يُقيدون هذه العنعنات بقيود معروفة في شروطهم شهد لهم بالبراعة فيها والصدق والإتقان أعداؤهم لاسيما البخاري ومسلم رحمهما الله. وقد مَيّز علماء الحديث الصحيح من الأحاديث والضعيف والموضوع ودَوّنوا ذلك كله فلا يطعن بهم إلا أهل البدع. وهم العدول بشهادة النبي ﷺ لهم بذلك.

стр. 49

ثم زعم أن عدم قبول ماناقض القرآن من الأحاديث ليس إنكاراً للسنة ولكن غَيْرة عليها. (١) وليس في الأحاديث الثابتة مايناقض القرآن وإنما فيها زيادة على مافي القرآن مع تفصيله وبيانه وقد تقدم بيان ذلك. وهذه غيْرة شيطانيه.

стр. 50

ثم ذكر أن جَمْع الأحاديث وتدوينها كان بعد وفاة الرسول ﵊ بأكثر من مائتي سنة. ونقل عن محمد البشير قوله: ماذا كان حال الإسلام في المائتي سنة قبل البخاري حينما لم يكن هناك سوى القرآن للمسليمن مرجعاً محفوظاً ومدوّناً؟ قال: والجواب واضح ومؤكد فقد كانت هذه المرحلة هي أزهى عصور الإسلام بلا جدال وكانت الفتوحات الإسلامية قد اقْتحمت التاريخ طولاً وعرضاً وبدّلت الخريطة الجغرافية للكرة الأرضية وسجّلت الفروسية العربية أعظم البطولات. كل هذا قبل البخاري وقبل الأحاديث المدونة وبالقرآن وحده. وكان المسلمون يصلون ويحجون ويؤدون الشعائر كاملة من قبل البخاري ومن قبل كتّاب الأحاديث. وكانوا يأخذون صلاتهم وحجهم وأداء شعائرهم من الرسول مباشرة وقد انتقل إلينا كل هذا بالتواتر وكانت السنة حَيّه نابضة في أسلافنا من قبل أن تكتب ومن قبل أن تدوّن ومن قبل

стр. 51

أن يرويها البخاري وكتّاب الأحاديث. فأين نحن الآن من ذلك العصر البطولي وبين أيدينا مكتبة هائلة بل مكتبات من السيرة والأحاديث والمراجع والدراسات لم تصنع جميعها ماصنع القرآن وحده في فجر الإسلام. ثم قال: ولم يستطع البخاري وصحْبه بأحاديثهم ومدّوناتهم أن يصنعوا من المسلمين ماصنع القرآن. (١) الجواب: قبل البخاري ﵀ كان العمل بالقرآن والسنة معاً. والأحاديث مدوّنة قبل أن يولد البخاري. ومع هذا فقد كان الصحابة والتابعون يتناقلون الأحاديث حفظاً من صدورهم. ولو عملت الأمة بالقرآن وحده لضلّت. وهذا الجاهل يرى أن ضرر الإسلام جاء من البخاري وعلماء الحديث الذين دَوّنوه. بل الصحابة كتبوا الحديث كما تقدم فيرى أن العلماء لوْ أهملوا تدوين الأحاديث لدامت عصور الإسلام الزاهية التي قامت بالقرآن وحده. ثم إن قوله: وكانوا يأخذون صلاتهم وحجهم وأداء شعائرهم من الرسول مباشرة وقد انتقل إلينا كل هذا بالتواتر. كلامه هذا

стр. 52

ينقض ماقبله إذْ أنه لابد من النقل. وهو بكل هذه المحاولات يريد أن يطعن بالبخاري لأجل مادَوّنه في صحيحه من أحاديث الشفاعة وغيرها التي تخالف نِحْلته. ومن جهله الكثيف وضلاله يقول: ولم يستطع البخاري وصحبه بأحاديثهم ومدوّناتهم أن يصنعوا من المسلمين ماصنع القرآن. فيقال لهذا الضال: أتظن أن البخاري وصحبه أتوْا بهذه الأحاديث من عندهم؟ فهذا من أعظم البُهت والإفتراء على الأئمة. ويقال أيضاً: أتظن أنه قبل البخاري كان العمل بالقرآن وحده وأن أحاديث البخاري وصحبه لم تكن تعرف ولايُعمل بها؟ إن هذا وأمثاله ماعرفوا قدْر نفوسهم ولذلك يتصدّرون للأمة فيقولون ويكتبون وهم جهال مُتَمعلمون ولذلك يحتقرون السلف ويروْن أنهم أعلم منهم وأعرف بالدين وقد هَزِلَتْ وقلّ مُخّها وسامَها كل مفلس. وما الثرى كالثريّا.

стр. 53

ثم قال: القرآن هو خزينة العلم الإلهي القديم الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه وهو العمدة في كل حقائق الدين والمرجع الوحيد في أمور الغيب والحساب والقيامة والآخرة. أنزله الله الذي ليس كمثله شيء فكان على مثاله كتاباً ليس كمثله كتاب. لايرتفع إلى ذرْوة مصداقيته كتاب. ولايبلغ مدى حِجّتيه مقال. فهو منفرد في صدقه وإحاطته وإعجازه. أما السنة القولية التي جمعها رواة الأحاديث عن الرسول الكريم فقد جمعها ودوّنها بشر مثلنا غير معصومين في سلسلة من العنعنات عبر عشرات السنين. لم تدوّن الأحاديث إلا من بعد زمن الخلفاء الراشدين على أيام سلاطين القصور. وقدْ أجمع رواة الأحاديث على أن النبي ﵊ قد نهى عن تدوين الأحاديث وجاء هذا النهي في أكثر من حديث لأبي هريرة وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود وغيرهم.

стр. 54

وفي كلمات أبي هريرة في قطعية لاتقبل اللبس خرج علينا الرسول ونحن نكتب أحاديثه فقال: ماهذا الذي تكتبون؟ قلنا: أحاديث نمسعها منك يارسول الله. قال: أكتاب غير كتاب الله. يقول أبو هريرة: فجمعنا ماكتبناه وأحرقناه بالنار. (١) الجواب: إن هذا الضال يطعن ويُشكك في أحاديث الرسول جملة ويدعو إلى الإكتفاء بالقرآن وحده. وهذا مع أنه غاية الضلال إلا أنه غاية الجهل. وقد تبين ويأتي مايوضح ضلاله. أما نهْي النبي ﷺ عن كتابه الأحاديث فهو منسوخ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وكان النبي ﷺ قدْ نهاهم أن يكتبوا عنه غير القرآن وقال: (من كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه ثم نُسخ ذلك عند جمهور العلماء حيث أذِنَ في الكتابة لعبد الله بن عمرو. وقال: (أكتبوا لأبي شاه) وكتب لِعَمرو بن حزم كتاباً. قالوا: وكان النهي أولاً خوفاً من اشتباه القرآن بغيره. ثم أذِنَ لَمّا أمِنَ ذلك. فكان الناس يكتبون من حديث رسول الله صلى الله

стр. 55

عليه وسلم مايكتبون. وكتبوا أيضاً غيره. (١) من هذا يتبين أيضاً أن تدوين الأحاديث قبل البخاري الذي نَقِمَ عليه هذا. فالصحابة ﵃ كتبوا الحديث ومن بعدهم قبل البخاري. وقد أمر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ابن شهاب الزهري بجمع الحديث. وكتب مالك الموطأ وغير مالك كتبوا الحديث قبل البخاري ﵏ أجمعين.

стр. 56

ثم قال: إن ماصنعه البخاري بإخراجه مُذْنبي المسلمين من النار بشفاعة الرسول ﵊ كما رَوى في أحاديثه لم تأت بالمسلم الأفضل بل جاءت بالمسلم الأضعف المتواكِل الذي يحلم بدخول الجنة بلا عمل. (١) الجواب: البخاري ﵀ ليس هو الذي يُخرج مُذْنبي المسلمين من النار بشفاعة الرسول وإنما ينقل ماصح عن رسول الله ﷺ بذلك. كذلك غيره من المحدّثين. والمسلم الضعيف المتواكل الذي يحلم بدخول الجنة بلا عمل ليست آفته من أحاديث البخاري وإنما آفته من الفهم الفاسد لتلك الأحاديث حيث يظن أن مجرّد التلفظ بالشهادة يُغنيه عن العمل بمقتضاها حيث الشفاعة أمامه. وإذا كان هذا يُحيل الضلال للأحاديث الصحيحة فالقرآن ضَلّت به الخوراج لفهمهم الفاسد فكيف المخرج إذاً؟

стр. 57

بل إنه هو ضَلّ بالقرآن حيث زعم أن أحاديث الشفاعة وغيرها تناقضه وطلب الإكتفاء به وهو الذي فيه ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فانتهوا﴾ ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ وغير ذلك. ثم قال: ونقف معاً أمام الحديث الذي رواه البخاري عن سيدنا موسى حينما قضى ربنا عليه الموت وأرسل له ملَك الموت ليقبض روحه. ماذا قال لنا البخاري؟ قال إن موسى رفض أن يموت وضرب ملك الموت على عينه ففقأها فرجع ملك الموت إلى ربه فَرَدّ له بصره. كيف يجوز هذا الكلام والقرآن يقول في قطع لا لَبْسَ فيه: ﴿إن أجل الله إذا جاء لايؤخر لوكنتم تعلمون﴾ ﴿ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها﴾ ﴿فإذا جاء أجلهم لايستأخرون ساعة ولايستقدمون﴾ فأين موسى من كل هذا وكيف يضرب ملك الموت على عينه ويرفض أن يموت وأين كلام البخاري من كلام الله؟ إن الحديث واضح الزيْف ومثله كثير في البخاري (١). الجواب: الواضح الزيف فَهْمك. وإلا فالحديث ثابت عن

стр. 58

النبي ﷺ وليس البخاري الذي قال: إن موسى رفض أن يموت وضرب ملك الموت ففقأ عينه وإنما النبي هو الذي أخبر بهذا الخبر. والبخاري ﵀ ناقل ومُبَلّغ عن نبيه الذي أمر أمته بتبليغ رسالته ومَنْ قال لهذا الضال أن ملك الموت أُرسل إلى موسى ليقبض روحه في الحال حتى يكون هذا التأخر لموت موسى مناقض للقرآن. وإنما هذه بعض فضائح من اسْتهان بأحاديث النبي ﷺ الصحيحة. فبما أن هذا الحديث صحيح فقطعاً لايعارض القرآن فليس في الحديث أن ملك الموت مأمور بقبض روح موسى بنفس الوقت. ثم إنه في عِلم الله أن موسى سوف يقول لملك الموت ماقال ويفعل مافعل ومع هذا أرسله إليه وفي علمه أنه بقي من عُمر موسى مابَقّي فأيّ معارضة في هذا؟ أما قوله: وكيف يضرب ملك الموت على عينه فجوابه ما قال ابن خزيمة ﵀ قال: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث وقالوا: إن كان موسى عَرَفَه فقد اسْتخف به وإن كان لم يعرفه فكيف لم يقتص له من فقء عينه؟ والجواب: أن الله لم يبعث ملك الموت لموسى وهو يريد قبض روحه حينئذ وإنما بعثه إليه اختباراً. وإنما لَطَمَ موسى ملك

стр. 59

الموت لأنه رأى آدمياً دخل داره بغير إذنه ولم يعلم أنه ملك الموت وقد أباح الشارع فقء عين الناظر في درا المسلم بغير إذن. وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم وإلى لوط في صورة آدَمِييِّن فلم يعرفا هم ابتداء. ولوْ عرفهم إبراهيم لما قدّم لهم المأكول. ولوْ عرفهم لوط لما خاف عليهم من قومه إلى آخره. (١) وقد رَدّ محمد الغزالي هذا الحديث قبل مصطفى محمود. قال ابن قدامة المقدسي ﵀ في (لمعة الإعتقاد) تحت عنوان: (الإيمان بكل ما أخبر به الرسول). قال: ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أوْغاب عنا نعلم أنه حق وصدق. وسواء في ذلك ماعقلناه أوْجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه مثل حديث الإسراء والمعراج وكان يقظة لا مناما فإن قريشاً أنكرته ولم تُنكر المنامات. ومِن ذلك أن ملَك الموت لما جاء إلى موسى ﵇ ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه فرجع إلى ربه فردّ عليه عينه. إلى آخره.

стр. 60

ثم ختم كتابه بقوله: ويعلم الله أنه مادفعني إلى كتابة ماكتبت إلا محاولة استجلاء الحقيقة وابتغاء وجه الله فأنا مثلكم من الخطائين وكان أنفع لي أن آخذ كلام البخاري على علاته ولكن الله كان عندي أحق وأوْلى وأدعو لنفسي ولكم بالهداية. (١) الحقيقة ظهرت وبانت وردّك أحاديث النبي ﷺ الصحيحة وطعنك على هذا الإمام العظيم البخاري ﵀ ليس بالهَيّن فلم يبق إلا التوبة والبيان برجوعك عن الذي خالفت به أهل السنة. والكلام على صحيح البخاري وما قاله العلماء في تعظيمه والثناء عليه ليس ولله الحمد بالخفي وليس بالذي يحتمله هذا الرّد.

стр. 61

من عَلِمَ ماتقدم تبين له وظهر ضلال القبورية الذين يعتقدون بالموتى وأنهم من أخسر الناس يوم القيامة. لقد غَرَّهم الشيطان ومكر بهم فظنوا أنهم يحسنون صُنعاً إن عابد البدوي أو الدّسوقي أوغيرهم من الموتى يقول: أنا ما أعبدهم وإنما أعبد الله وأقول: لا إله إلا الله لكن هم أولياء ونتبرّك بهم ولهم جاه ومنزلة عند الله. فيقال له: هذا هو مطلب عباد الأصنام من أصنامهم فهم صَوّرها على صور الملائكة ومَنْ هو مقرّب عند الله وعبدوها باعتبار أن عبادتهم لها بمنزلة عبادتهم إياهم بَذَوَاتهم مع أنهم يقولون ربنا الله وهو الذي خلقنا ويرزقنا وإنما هؤلاء لهم وجاهة فهم يُقربوننا إليه فكفّرهم الله بذلك. يقول من ينذر للبدوي أوغير البدوي ويذبح له ويرجوه: أنا أقول: لا إله إلا الله وأصلي وأصوم وأعمل بالإسلام فكيف أُجْعل مثل عباد الأصنام الذين يمتنعون من قول لا إله إلا الله وليسوا

стр. 62

بمسلمين.؟ فيقال له: أنت لو عرفت الإسلام كما عرفه عباد الأصنام من العرب لامْتنعت من قول لا إله إلا الله. أوقلتها وامْتنعت من أن يتوجه قلبك بعبوديته للموتى وعرفت أنها مانعة قاطعة أن يكون في قلبك لمخلوق حي. أومّيت نصيب وشركة في الخوف والرجاء والمحبة وأن تعتقد فيه أنه يُقرّبك إلى الله أويشفع لك عنده لكنك تقولها وتعمل خلاف معناها فلا إله ليس معناها لارب أولا خالق أولا رازق إلا الله. هذا يعتقده عباد الأصنام وإنما معناها قطع تعلّق قلبك بالأنبياء والملائكة والصالحين فضلاً عن غيرهم بأدنى رجاء نرجوه منهم مما ترجو أن تقترب به من ربك لأن هذه الرّقة والخشية والتعظيم الذي يُحسّ به وتُشعر به في قلبك هو ملك ربك ولايرضى أن تجعل لأحد منه نصيب فهذا هو الشرك وهو أعظم الذنوب وهو الموجب للخلود في جهنم لمن مات عليه ولا تنفعه شافعة شافع. ومعنى لاتنفعه لأنه لا أحد يشفع فيه وتقرب إليه بدعاء أوذبح أونذر أوغيره من العبادة التي هي حق إلا له سبحانه ولايرضى بالشركة فيها. ثم ليعلم من يعتقد بالمقبورين أن هناك شُبَهٌ تغرّه وتخدعه وهي من مكر الشيطان وكيْده ليُضلّه عن معبوده الحق وذلك أنه قدْ يرى

стр. 63

عند الضريح خيالاً أويسمع صوتاً أو تُقضى له حاجة أويرى في المنام مايدعو للإعتقاد بالميت وكل هذا بلا ريب من الشيطان. والشياطين تقدر على أعظم من ذلك للفتنة. وما اغْترّ عباد الأصناح بحجر ولا بشجر وإنما يسمعون أصواتاً ويروْن أشياء وتقضى لهم بعض الحوائج ومِنْ هنا اغتروا وهذا معنى قوله تعالى عن خليله ﵇: ﴿رب إنهن أضللْن كثيراً من الناس﴾ إن مع كل صنم شيطان وظيفته الفتنة وزيادة تعلق القلب بغير الإله الحق. ولاشك أن السّدنة وما يرُوّجونه من الباطل عامل كبير لِرَواج بناء القباب على القبور وتعظيمها. وهم دجاجلهم يتأكّلون بالشرك. وكم يُرَوّجون الإعتقاد بمقبور لايملك لنفسه فضلاً عن غيره نفعاً ولاضراً بأنه فعل كذا وحصل بسببه كذا. وكل ذلك ينقسم إلى قسمين: إما من الشيطان للفتنة ولزيادة التعلّق بالميت. أوكذب محض لا أصل له. إن التعلق بالموتى مهما كانت وجاهتهم ومنزلتهم أعظم صارف لقلب العبد عن ربه الذي خلقه ليكون هذا الذي في قلبه من التعلّق خالصاً له لايُزاحمه فيه مُزاحم لا محمد ولا جبريل ولاجميع الأنبياء والملائكة فضلاً عن غيرهم. وإنما هؤلاء يريد الرب منا أن

стр. 64

ننزلهم منازلهم التي أنزلهم إياها وأنهم عبيده فنحبهم بحبه ولانرفعهم فوق منازلهم بإخراجهم عن طوْر العبودية إلى الإلهية. هذا أعظم ذنب عُصِي الله به وهو الشرك. ثم إنهم أعداء لمن يشركهم مع ربهم ﴿وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾. إنهم يتبرأون ممن تعبّدهم بالخوف والرجاء وغير ذلك من أنواع العبودية. أما البدوي فمن يكون؟ لقد تُرْجِمَ له أقبح سيرة وإنما غلافية من لم يعرف التوحيد الذي بعث الله به محمداً ﷺ . وهو إخلاص تألّه القلوب لوليّها الحق ومالكها. ولايصلح شيء من ذلك إلا له. حتى قبر النبي ﷺ لايُفعل عنده عند زيارة المسجد إلا السلام عليه وعلى أبي بكر وعمر. ومن أراد الدعاء لايدعو عند القبر وإنما في المسجد مستقبلاً القبلة لا القبر .. ومسجد الرسول أُدْخل فيه القبر للتوسعة من قِبَل بني أمية وقد أنكر العلماء ذلك .. فما للمساجد والقبور وما للقبور وتوَجّه القلوب بخوف أو رجاء. هو والله كيد الشيطان ومكره ليضل عن سبيل الله من سبقت له الشقاوة. الميت إذا كان صالحاً يسلم عليه سلام السنة ويُدْعى له لايدعى ويُرّحم عليه. لأنه مُرْتهن بعمله

стр. 65

ومشغول بما هو فيه وليس له من أمور عباد الله شيء وليس رب العالمين كملوك الدنيا تنفع عندهم الوسايط. التي يخترعها العباد ويبدؤونها وينشئونها. من غير علمهم ويشفعون عندهم دون إذنهم. والملوك أنفسهم يخافون الشفعاء ويرجون لقيام ملكهم بالشفاعة ولارب هو الذي يخلق حركة الشافع ليشفع كرامة له ورحمة من الله للمشفوع فيه سابقة علم الشافع وسابقة رحمة الشافع للمشفوع فيه. فالأمر كله له سبحانه. والكلام في هذا من أجلّ وأعظم أمور التوحيد فمن تأمله ووفق لفهمه جعل الله له نوراً يمشي به في الناس وفرقاناً يفرق به بين الحق والباطل ﴿ومن لم يجعل الله له نوراً فماله من نور﴾ ﴿من يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا﴾. وصلى الله وسلم على نبينا محمد. كتبه عبد الكريم بن صالح الحميد ـ بريدة ـ ١٤٢٠هـ