← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 96229

علوم الحديث ومصطلحه

صبحي الصالح

Полный текст (433 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

علوم الحديث ومصطلحه عرض ودراسة تأليف الدكتور صبحي الصالح أستاذ الإسلاميات وفقه اللغة في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية دار العلم للملايين، بيروت - لبنان - عدد الأجزاء: ١. - عدد الصفحات: ٤٤٦. أعده للمكتبة الشاملة / توفيق بن محمد القريشي، - غفر الله له ولوالديه -. [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي].

стр. 2

الطبعة الأولى: ١٣٧٨ هـ - ١٩٥٩ م الطبعة الثالثة عشرة تموز (يوليو) ١٩٨١ م

стр. 3

الإِهْدَاءُ: إِلَى الذِي قَضَىَ نَحْبَهُ وَهُوَ يَتْلُو كِتَابَ اللهِ المَجِيدِ وَحَبَّبَ إِليَّ السُنَّةَ المُطَهَّرَةَ، وَأَوْرَثَنِي بِحُبِّهَا كَنْزًا لاَ يَفْنَى، مِنْ جَوَامِعِ الكَلِمِ، وَنَوابِغِ الحِكَمِ، إِلَى أَبِي إِبْرَاهِيمَ مُصْطَفَىَ الصَّالِح.

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كلمة المؤلف في الطبعة الرابعة من ضرب في الحديث بسهم وافر علم يقيناً أنَّ طبيعة البحث فيه تفرض على الدارس أن يقتصر على المادة العلمية الرصينة. وذلك ما شرَّفني الباحثون بإيناسه في كتابي هذا منذ صدرت طبعته الأولى سنة ١٩٥٩، فقد استقبلوه كما استقبلوا صِنْوَهُ، " علوم القرآن " من قبل بكثير من الحفاوة، إلاَّ أنَّ نفرًا من كرامهم وخلصائي فيهم أخذوا على " علوم الحديث " خاصة تكاثر المادة وتشعُّبها حول تاريخ الحديث، وعلومه، ومصطلحاته، فحال هذا المأخذ الذي بدا لي وجيهاً دون تفكيري بإضافه دراسات جديدة يوم مَنَّ الله عَلَيَّ بالطبعة الثانية سنة ١٩٦٣، وعلَّلْتُ يومئذ إعادة طبعه بصورته القديمة نفسها «بأنَّ أي زيادة على الكتاب - مهما تكن طفيفة - لا بُدَّ أن تزيل عنه صفه الدقة والاختصاص، مع أني منذ ألفته قصدت به التبسيط ولم أقصد به قط إلى التعميم». [ز]

стр. 5

وهكذا لم أستشعر الحاجة إلى إجراء أي تعديل جوهري في الكتاب، بل كنت إلى النقصان منه أقرب مني إلى الزيادة عليه، فلم يُتَحْ له من الطرافة إلاَّ جدة التبويب، ثم هأنذا اليوم أثير ما تعمَّدْتُ تركه فيما سلف، وأنا مقتنع بوجوب إثارته، بعد أن عهد إِلَيَّ بتدريس الأدب الإسلامي في الجامعة اللبنانية وجامعة بيروت العربية، وأصغيت إلى بعض الزملاء يصارحونني بأنهم - على إعجابهم بِمَنْهَجِيَّةِ الدِّرَاسَةِ - لا يفقهون السر في إغفالي مكانة الحديث في التشريع واللغة والأدب. ومسألة الاحتجاج بالحديث، ووصف مناهج القوم في طبقات الرُوَّاةِ وتراجم مشاهير المُحَدِّثِينَ، فإذا أنا أتدارك هذا كله ببابين كبيرين تشتمل فصولهما في هذه الطبعة الجديدة على جُلِّ ما يتمناه المتعمِّق في علوم الحديث من البَاحِثِينَ المُختصِّين. ولسوف يلاحظ القارئ الكريم أَنَّ هذه الإضافات استغرقت أكثر من ربع الكتاب في حجمه الحاضر، ولسوف تعجبه بلا ريب أناقة الطبع، ودقة الإخراج، وروعة التنسيق، التي اشتهرت بها مطابع دار العلم للملايين. واللهَ أسأل أنْ يجعل هذا الكتاب قربة خالصة لوجهه الكريم، وَأَنْ يُمَكِّنَنِي مِنْ خِدْمَةِ السُنَّةِ المُطَهَّرَةِ بِاليَدِ وَالقَلْبِ وَالقَلَمِ وَاللِّسَانِ. وَللهِ الحَمْدُ أَوَّلاً وَآخِرًا، والصلاة والسلام على خاتم النَبِيِّينَ، وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه المصطفين الأخيار. بيروت في ١٧ رمضان ١٣٨٤ هـ / ١٥ كانون الثاني ١٩٦٥ م صبحي الصالح [ح]

стр. 6

المُقَدِّمَةُ: كتابنا هذا في «علوم الحديث» كصنوه «علوم القرآن» - طائفة من المباحث العلمية تنفض غبار السنين عن تراثنا الخالد، وتعرض أنفس روائع الفكر بأسلوب واضح بسيط أقرب إلى ذوق العصر. ويخيل إلى كثير من الناس أنَّ هذا اللون من الدراسة سهل ميسَّرٌ، وأنَّ طريقه آمن معبَّد، وأنَّ الأقدام فيه ثابتة لا تزِلُّ، لأنَّ علماءنا السالفين الأبرار مهَّدُوهُ كل ممهَّدٍ، وما تركوا لأمثالنا شيئاً نزيده، فما علينا إلاَّ أنْ نغترف من بحرهم قانعين بتلخيص تصانيفهم وأقوالهم. نرى لزاماً علينا أن نبادر إلى تصحيح هذا الخطأ الشائع، جازمين بأنَّ هذا اللون من الدراسة أشدّ وعورةً وأحوج إلى طول الجهد والعناء من تحقيق النصوص ونشر المخطوطات، لأنه يجمع في آن واحد بين التأليف والتحقيق، ويحاول إحكام الربط بين النتاج القديم والمنهج الجديد. [ط]

стр. 7

لا مفرَّ من تحقيق النصوص في تصنيف يتعلق بعلوم الحديث، فما كان لكتابنا أن يستوفي أهم المباحث التي ينشدها المختصون لولا عكوفنا على أمهات المخطوطات في هذه العلوم، ننقلها بأمانة، وَنُلَخِّصُهَا بدقة، ونجمع شتاتها في كتاب واحد يضمها بين دفتيه. ومن المعلوم أَنَّ المكتبة الظاهرية بدمشق من أغنى مكتبات العالم في الحديث وعلومه ومصطلحه، وقد أتيح لنا أن نَطَّلِعَ على الكثير من أمهاتها المخطوطة، وفي حواشي كتابنا ما يشير إلى شدة تعويلنا عليها، كما أَنَّ في «جريدة المراجع» سَرْدًا لأسمائها وَوَصْفًا وَاضِحًا لها. غير أَنَّا لم نقف عند النقل الأمين. والتلخيص الدقيق، فقد درسنا آثار السلف في علوم الحديث دراسة تاريخية تحليلية، وَوَازَنَّا بين مؤلفيها وآرائهم من غير أن نشغل القارئ بالعقيم من جدلهم، وحاولنا أن نستخلص المقاييس النقدية التي نادوا بها من خلال المصطلحات الكثيرة المتفرقة في النفيس النادر من تصانيفهم. ليس هذا الكتاب إذن تَلْخِيصًا أَوْ اخْتِصَارًا، بل هو عرض ودراسة، ولم يكن يضيرنا لو كان تَلْخِيصًا بَحْتًا أن نُصَرِّحَ بِهِ، فإنه ليشرفنا أن نكون في «علوم الحديث» عالة على نُقَّادِنَا العُظَمَاءِ، وسلفنا الطاهرين، الذين ملأوا الأرض عِلْمًا بِسُنَّةِ رسول الله ﷺ . وَإِنَّ طبيعة الموضوع أَيْضًا لتفرض علينا وعلى غيرنا من البَاحِثِينَ فيه التعويل على النقل والتلخيص، إذْ ما عسى أن يضيفه اليوم أحدنا إلى تلك الأصول المؤصلة والقواعد المُقَرَّرَةِ، والمناهج الواضحة التي وضعها قادة الدنيا وسادة [ي]

стр. 8

العالمين؟ لكنا نظن أَنَّ العرض الجديد لا ينافي النقل الدقيق، وَأَنَّ الموازنة بين النصوص لا تعارض التحقيق: وبهذا الروح، مَعَ تَهَيُّبٍ شَدِيدٍ وَحَذَرٍ أَشَدَّ، خُضْنَا في كثير من البحوث الشائكة مُدْلِينَ غَالِبًا بالرأي الذي نختاره أو نُرَجِّحُهُ، فأوردنا ما يستحيل نقضه من البراهين على كتابة الحديث في حياة الرسول العظيم ﷺ ، واستشهدنا بالكثير من الصحف وَالمُدوَّنَاتِ والوثائق التاريخية، وانتهينا إلى أََنَّ القوم لم يُعَوِّلُوا على الذاكرة وحدها في حفظ السُنَّةِ، بل كتبوها مثلما حفظوها في صدورهم في عهد مُبكِّرٍ، وانتقلنا إلى عرض تاريخي تَعَقَّبْنَا فيه الرحلة في طلب الحديث، والتحول منها إلى صور أخرى من تحمل العلم وأدائه، وناقشنا تلك الصور وَوَازَنَّا بينها، ثم خلصنا منها إلى كلمة عجلى في أهم التصانيف في علوم الحديث المختلفة، وَحَقَّقْنَا القول في شروط الراوي، ورأينا ما في هذه الشروط من المقاييس الإنسانية المُسَلَّمَةِ في القديم والحديث، ثم مضينا إلى أقسام الحديث نستقي مصطلحاتها الدقيقة من أوثق الكتب وَأَهَمِّهَا، فابتدأنا بـ " المحدث الفاصل بين الراوي والواعي " للرامهرمزي الذي كان أول من ألَّفَ في مصطلح الحديث كما هو الشائع، وانتهينا بـ " قواعد التحديث " لعلاَّمة الشام المرحوم السيد جمال الدين القاسمي. وعندما أفضينا إلى الباب الذي عقدناه لمكانة الحديث في التشريع واللغة والأدب، أوضحنا كيف شملت السُنَّةُ كل آفاق التشريع، وكيف اسْتَقَلَّتْ أَحْيَانًا بتبيان الحلال والحرام ولو كان أصلها في الكتاب، وَفَصَّلْنَا القول في خبر الآحاد وشروط الاحتجاج به، ووصفنا تبكير القوم [ك]

стр. 9

بالرواية المصحوبة بالاستناد، وعرضنا لدى تأثُّر علوم الحديث بأسانيد المُحَدِّثِينَ , ورَدَدْنَا على المانعين من الاحتجاج بالحديث في اللغة والنحو، وأثبتنا أنَّ مقاييس المُحَدِّثِينَ أدق من معايير اللغويين لنقل الكلام الصحيح الفصيح. ورأينا في الباب الأخير أنْ نشيع القول في طبقات الرُواة، فتحدَّثنا بوجه خاص عن ابن سعدد ومنهج التصنيف في هذه الطبقات، وأوضحنا التقسمات الاصطلاحية للصحابة أو التابعين وتابعيهم، وترجمنا للمشاهير منهم بما يغني عن الرجوع إلى المصادر والأمهات. ولقد أطلنا في بحث «تدوين الحديث» لما نعانيه في طائفة من الشباب العربي المثقف من الانخداع بالمستشرقين الذين ينكرون هذا التدوين ويثيرون الشبهات حوله، كما أسهبنا القول في «الموضوع وأسباب الوضع»، واستخلصنا القواعد المنهجية التي كان علماؤنا القدامى يستندون إليها في التمييز بين الصحيح والموضوع. وفي تضاعيف مباحثنا هذه كلها حرصنا على أنْ نؤكد أنَّ مصطلح الحديث يقوم على فلسفة نقدية دقيقة روعي فيها الجوهر قبل العرض، والمعنى قبل المبنى، والمتن قبل السند، والعقل والحس قبل المحاكاة والتقليد. ولم يكن من السهل علينا دائماً أنْ نوضح هذه القصة الشائكة كل التوضيح في غضون المباحث والفصول، لأنَّ القارئ كان فيها لا يزال يتابعنا ليعرفها أولاً ويطلع على شواهدها وأمثلتها، فجاءت خاتمة الكتاب إذن تتميماً وتوضيحاً وتركيزاً لهذه الحقيقة، ففي الخاتمة استخلصنا مقاييس [ل]

стр. 10

النقد عند المُحَدِّثِينَ من المادة نفسها التي احتوى عليها كتابنا، ولم نُبِحْ للقلم آنذاك أنْ يتلمس هذه المقاييس من كتب أخرى ينسخها ويسجلها وينقلها من مكان إلى مكان، فلقد اتضحت معالم الطريق أمام القارئ وبات يتوقع النتيجة الطبيعية التي لا مناص من الاعتراف بها: ألا وهي تَبَوُّؤُ مصطلح الحديث أسمى مكان في فلسفة المصطلحات على اختلاف العصور. وإننا الآن على يقين أَنَّ القارئ العربي الذي لا يفرض على عقله أَنْ يعيش غَرِيبًا فِي أُمَّتِهِ، «مُسْتَعَارًا» في ثقافته وطريقة تفكيره. سوف يمضي من تلقاء نفسه - بعد اقتناعه بدقة المصطلح - إلى دراسة علم الحديث رواية، فَلَيَقْرَأَنَّ الكتب الصحاح، وَلَيُغَذِّيَنَّ بها ثقافته اللغوية والأدبية، وَلَيَجِدَنَّ فيها مرآة صادقة لعصر النبي ﵇، مرآة تُعَبِّرُ عن حياة هذا الرسول العظيم ومكارم أخلاقه، وإرشاده أصحابه إلى بناء مجتمع مثالي يقوم على الحق والخير والجمال. وفي الحديث - بلا ريب - جوانب أخرى جديرة بالعرض والدراسة لَمْ نَتَصَدَّ قط لخروجها عن نطاق بحثنا الأساسي، وأوجزنا الكلام في بعضها الآخر لضيق المقام، وأومأنا في طائفة ثالثة منها إلى الخطوط الرئيسية وأمهات المصادر لتضع الباحث في أول الطريق. ومن المباحث التي تركناها «البلاغة النَّبَوِيَّةِ» فإنها جديرة بأبحاث طوال لو عرضنا لها في هذا الكتاب لأدخلت عليها عُلُومُ الحَدِيثِ الضَّيْمَ، [م]

стр. 11

ولجاءت قلقة في موضعها، غير منسجمة مع الغاية التي من أجلها ألَّقْنَا كتابنا. ولا يسعني في ختام هذه الكلمة إلاَّ أنْ أقدِّم الشكر خالصاً جزيلاً لكل من آزرني في هذا الكتب، وأخصُّ بالذكر الصديق الدكتور محمد حميد الله الحيدر آبادي الذي كان في نظري الرائد الأول في تحقيق تدوين الحديث منذ نشر " صحيفة همَّام بن منبه " التي أفدت منها الكثير، والصديق الدكتور يوسف العش الذي فتح أمامي - بتحقيقه العلمي الدقيق لـ " تقييد العلم " للخطيب، أوسع الآفاق في تدوين الحديث أَيْضًا، كما أنه أتاح لي الإطلاع على مختارات من الكتب النادرة والمخطوطات النفيسة، وترك بين يدَيَّ بعضها كـ " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع " للخطيب أَيْضًا، والصديق العالم الأديب الأستاذ أحمد عبيد الذي يَسَّرَ عَلَيَّ الرجوع إلى المصادر والأمهات، ولا سيما في تراجم الرجال. واللهَ أسألُ أنْ يجعل هذا الكتاب خالصاً لوجهه الكريم، ويمنحني به حسن القبول، ويغفر لي ما وقع فيه من الخطأ والزلل، وهو ولي التوفيق. [ن]

стр. 12

البَابُ الأَوَّلُ: تَارِيخُ الحَدِيثِ:

стр. 13

الفَصْلُ الأَوَّلُ: الحَدِيثُ وَالسُنَّةِ وَاصْطِلاَحَاتٍ أُخْرَى: الحَدِيثُ وَالسُنَّةِ: لو أخذنا بالرأي السائد بين المُحَدِّثِينَ، ولا سيما المتأخرين منهم، لرأينا الحَدِيثَ وَالسُنَّةَ مُتَرَادِفَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ، يوضع أحدهما مكان الآخر: ففي كل منهما إضافة قول أو فعل أو تقرير أو صفة إلى النبي ﷺ ، بَيْدَ أنَّ رَدَّ هذين اللفظين إلى أصولهما التاريخية يُؤَكِّدُ وجود بعض الفروق الدقيقة بين الاستعمالين لغة واصطلاحًا. فالحديث - كما لاحظ أبو البقاء (١) - «هُوَ اسْمٌ مِنَ التَّحْدِيثِ، وَهُوَ الإِخْبَارُ، ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ تَقْرِيرٌ نُسِبَ إِلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ

стр. 14

وَالسَّلاَمُ -» (١). ومعنى «الإِخْبَارِ» في وصف الحديث كان معروفًا للعرب في الجاهلية منذ كانوا يطلقون على «أيامهم المشهورة» اسم «الأحاديث» (٢). ولعل الفَرَّاءَ (٣) قد تَنَبَّهَ إلى هذا المعنى حين رأى أَنَّ «وَاحِدَ الأَحَادِيثِ أُحْدُوثَةٌ، ثُمَّ جَعَلُوهُ جَمْعًا لِلْحَدِيثِ» (٤). ومن هنا شاع على الألسنة: «صَارَ أُحْدُوثَةً» (٥) أو «صَارَ حَدِيثًا» (٦) إذا ضُرِبَ به المثل. واستعمل الشاعر أبو كلدة في بيت واحد المثل والأحدوثة في بيت واحد المثل والأحدوثة كأنما ليشير إلى ترادفهما فقال: وَلاَ تُصْبِحُوا أُحْدُوثَةً مِثْلَ قَائِلٍ ... بِهِ يَضْرِبُ الأَمْثَالَ مَنْ يَتَمَثَّلُ (٧) وكيفما تُقَلِّبُ مادة «الحَدِيثِ» تجد معنى «الإِخْبَارِ» وَاضِحًا فيها حتى في قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ (٨)، وقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ (٩). وقد استشعر بعض العلماء في مادة «الحَدِيثِ» معنى «الجِدَّةِ»، فأطلقوه

стр. 15

على ما يقابل القديم، وهم يريدون بالقديم كتاب الله، وبالجديد ما أضيف إلى رسول الله. قال شيخ الإسلام ابن حجر في " شرح البخاري ": «المُرَادُ بِالْحَدِيثِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ: مَا يُضَافُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ مُقَابَلَةُ الْقُرْآنِ لأَنَّهُ قَدِيمٌ» (١) وهذا يُفَسِّرُ لنا - إلى حد كبير - تَوَرُّعَ كثير من العلماء من إطلاق اسم الحديث على كتاب الله واستبدالهم «كَلاَمَ اللهِ» بحديث الله. وفي " سنن ابن ماجه " رواية لحديث نبوي تكاد تقطع بضرورة هذا الورع وهذا الأدب في التعبير: عن عبد الله بن مسعود أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِنَّمَا هُمَا اثْنَتَانِ: الْكَلاَمُ وَالْهَدْيُ. فَأَحْسَنُ الْكَلاَمِ كَلاَمُ اللَّهِ، وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ» (٢). وإذا وجدنا في جُلِّ كتب السُنَنِ «إِنَّ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ» ثم لا حظنا تَفَرُّدَ ابن ماجه برواية «أَحْسَنُ الْكَلاَمِ» أدركنا أنه ليس بمستبعد أَنْ يكون الورع حمله على إيثار هذا التعبير، وكان أقل ما نستنبطه من ذلك أَنَّ في العلماء مَنْ تَحَرَّجَ من إطلاق اسم الحديث على كتاب الله القديم. والنبي ﷺ سَمَّى بنفسه قوله «حَدِيثًا» وكاد بهذه التسمية يُمَيِّزُ ما أضيف إليه عما عداه، حتى كأنه وضع الأصول لما اصطلحوا فيما بعد على تسميته «بِالحَدِيثِ». جاءه أبو هريرة يسأله عن أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة، فكان جوابه ﵇: «أَنَّهُ عَلِمَ أَنْ لَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ قَبْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ لِحَرْصِهِ عَلَىَ طَلَبِ الحَدِيثِ» (٣).

стр. 16

وَالسُنَّةُ - في الأصل - ليست مساوية للحديث، فإنها - تبعاً لمعناها اللغوي - كانت تطلق على الطريقة الدينية التي سلكها النبي ﷺ في سيرته المُطَهَّرَة، لأَنَّ معنى السُنَّةِ لغة الطريقة. فإذا كان الحديث عَامًّا يشمل قول النبي وفعله، فَالسُنَّةُ خَاصَّةٌ بأعمال النبي ﵇. وفي ضوء هذا التباين بين المفهومين ندرك قول المُحَدِّثِينَ أَحْيَانًا: «هَذَا الحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ وَالسُنَّةِ وَالإِجْمَاعِ»، أو قولهم: «إِمَامٌ فِي الحَدِيثِ، وَإِمَامٌ فِي السُنَّةِ، وَإِمَامٌ فِيهِمَا مَعًا» (١) وأغرب من هذا كله أَنَّ أحد المفهومين يدعم بالآخر، كأنهما متغايران من كل وجه، حتى صَحَّ أنْ يذكر ابن النديم كِتَابًا بعنوان " كتاب السُنن بشواهد الحديث " (٢). وحين عَبَّرَ الإسلام عن الطريقة بِالسُنَّةِ لم يفاجئ العرب، فلقد عرفوها بهذا المعنى كما عرفوا نقيضها وهي البدعة (٣). وكان في وسعهم أَنْ يفهموا منها هذا المعنى حتى عند إضافتها إلى اسم الجلالة في مثل قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ (٤). أما الذين سمعوا لفظها من النبي ﷺ في مثل قوله: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي» (٥)، فما كان لهم حِينَئِذٍ أَنْ يَتَرَدَّدُوا في انصرافها إلى أسلوبه ﵇ وطريقته في حياته الخاصة والعامة.

стр. 17

وَالمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ كانت - كما سنرى - أحرص البلاد على السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ حتى سميت «دَارَ السُنَّةِ» (١). وفي جنباتها المشرفة بدأ مفهوم «السُنَّةِ» يأخذ شَكْلاً سِيَاسِيًّا وَاجْتِمَاعِيًّا إلى جانب الشكل الديني الأساسي: فالرسول ﷺ يُصَرِّحُ بأنَّ «مَنْ أَحْدَثَ فِي المَدِينَةِ حَدَثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (٢). وَكَأَنَّ في هذا الحديث إيماء إلى براءة الله ورسوله من كل مُنْشَقٍّ على الجماعة، خالع يد الطاعة، مُؤْثِرٌ البِدْعَةَ عَلَى السُنَّةِ. فلينصح الأب ابنه: «يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَالحَدَثَ»، وليستجب الابن لأبيه مُكْبِراً تَقيُّدَهُ بِالسُنَّةِ المُطَهَّرَةِ: «وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَبْغَضَ إِلَيْهِ الحَدَثُ فِي الإِسْلاَمِ» (٣)، وليقل المتهم في دينه مُدَافِعًا عن نفسه: «مَا أَحْدَثْتُ فِي الإِسْلاَمِ حَدَثاً وَلاَ أَخْرَجْتُ مِنْ طَاعَةٍ يَدًا» (٤). ما أسرع ما انتقل المسلمون إذن من المعنى الإقليمي الضيق إلى المعنى الشامل الواسع! إنهم لا يخشون إحداث الحَدَثِ في المدينة وحدها «دَارَ السُنَّةِ»، بل يخشون الحدث في الإسلام كله، في كل بلد بلغته الدعوة المباركة، فالمبدأ عام شامل، وقد وضعه الرسول ﷺ بنفسه مُذْ قال: «شَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا» (٥) وقال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (٦).

стр. 18

ولم يكن لهذا المبدأ النبوي الصريح إلاَّ نتيجة واحدة حاسمة: فعلى قدر الخوف من إحداث الحدث في الإسلام كانت الرغبة في المحافظة على سُنَّةِ رسول الله. وَإِنَّ كل مؤمن لا يظل قلبه ونظره معلقين بشخص الرسول، ولا يصوغ نفسه وعمله وفق الخلق النبوي، ووفق ما جرت به السُنَّةُ (١) أو مضت عليه (٢) ليس صادق الإيمان ولا هو من المُقرَّبِينَ. وإذا كان هذا الرجل من المشتغلين بالحديث النبوي زادت تبعته، فما يفعل شَيْئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ، بل يَتَرَدَّدُ في كثير من الأمور قبل الإقدام عليها ليعرف أقربها إلى السُنَّةِ، من تشميره ثيابه (٣)، وطرقه الباب للاستئذان على المحدث (٤)، وإفشائه السلام غير مجاوز القدر المُسْتَحَبَّ من رفع الصوت به (٥)، وجلوسه حيث ينتهي به المجلس (٦) وامتناعه من الجلوس في صدر الحَلَقَةِ أو وسطها (٧) أو بين اثنين بغير إذنهما (٨) وما شابه هذه الخصال النَّبَوِيَّةِ التي اشتمل عليها كتاب الأدب في جميع كتب «السُنَنِ». وحين بَعُدَ العهد بالوحي وبرسول الله ﷺ أضحى التشبه بالسلف الصالح

стр. 19

ضَرْبًا من التأسي بِالسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ. وصار هؤلاء المُتشبِّهُونَ بالسلف ينسبون إليه فَيُسَمَّوْنَ «السَّلَفِيِّينَ» (١)، وباتت حياتهم وَقْفًا على إحياء السُنَّةِ وإماتة البدعة (٢)، وكان المُتدَيِّنُونَ الصادقون ينظرون إليهم نظرة إجلال وإكبار في مختلف العصور، غير أنهم لم يسلموا من أذى المبتدعة وأهل الأهواء، ولا من غُلاَةِ المُتَصَوِّفِينَ، ولا من الأدباء المُتَطَرِّفِينَ. ومضى السَّلَفِيُّونَ لا يبالون بشيء من أذى العامة، فحسبهم شَرَفًا أنهم حفظوا سُنَنَ الهُدَى حِينَ ضَيَّعَهَا النَّاسُ! ولئن أطلقت السُنَّةُ في كثير من المواطن على غير ما أطلق الحديث، فَإِنَّ الشعور بتساويهما في الدلالة أو تقاربهما على - الأقل - كان دائمًا يساور نُقَّادَ الحديث، فهل السُنَّة العملية إلاَّ الطريقة النَّبَوِيَّةَ التي كان الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - يُؤَيِّدُهَا بأقواله الحكيمة وأحاديثه الرشيدة المُوَجَّهَةِ؟ وهل موضوع الحديث يغاير موضوع السُنَّة؟ ألا يدوران كلاهما حول محور واحد؟ ألا ينتهيان أَخِيرًا إلى النَّبِيِّ الكَرِيمِ في أقواله المُؤيِّدَةِ لأعماله، وفي أعماله المُؤيِّدَةِ لأقواله؟ حين جالت هذه الأسئلة في أذهان النُقَّادِ لم يجدوا بَأْسًا فِي أنْ يُصَرِّحُوا

стр. 20

بحقيقة لا ترد: إذا تناسينا مَوْرِدَيْ التسميتين كان الحديث وَالسُنَّةُ شَيْئًا وَاحِدًا، فليقل أكثر المُحَدِّثِينَ: إنهما مترادفان. الخَبَرُ وَالأَثَرُ: والخبر أجدر من السُنَّةِ أَنْ يرادف الحديث، فما التحديث إلاَّ الإخبار، وما حديث النَّبِيِّ ﵇ إلاَّ الخبر المرفوع إليه. غير أَنَّ إطلاق اسم الإخباري على من يشتغل بالتواريخ ونحوها حمل بعض العلماء على تخصيص المشتغل بِالسُنَّةِ بلقب «المُحَدِّثِ» لتمييزه عن «الإِخْبَارِيِّ» وعلى تسمية ما جاء عنه «حَدِيثًا»، لتمييزه عن «الخَبَرِ» الذي يجيء عن غيره. وهذا يُفَسِّرُ قولهم: «بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، فَكُلُّ حَدِيثٍ خَبَرٌ وَلاَ عَكْسَ» (١). وَالمُحَدِّثُونَ الذين انتصروا لترادف الحديث والخبر لاحظوا - إلى جانب المدلول اللغوي المتماثل بين اللفظين - أَنَّ الرُوَّاةَ لم يكتفوا بنقل المرفوع إلى النَّبِيِّ ﷺ بل عُنُوا معه بنقل الموقوف على الصحابي والمقطوع على التابعي: فقد رَوَوْا إذن ما جاء عن النَّبِيِّ وما جاء عن غيره، والرواية إخبار هنا وهناك، فَلاَ ضَيْرَ في تسمية الحديث خَبَرًا، والخبر حَدِيثًا. ومن خلال الرواية نفسها نظروا إلى الأثر، فهو مرادف للخبر وَالسُنَّةِ وَالحَدِيثِ، «يُقَالُ: أَثَرْتُ الحَدِيثَ: بِمَعْنَى رَوَيْتُهُ، وَيُسَمَّى المُحدِّثُ أَثَرِيًّا

стр. 21

نِسْبَةً لِلأَثَرِ» (١). فلا مسوغ لتخصيص الأثر بما أضيف للسلف من الصحابة والتابعين، إذ أنَّ الموقوف والمقطوع روايتان مأثورتان كالمرفوع، إلاَّ أَنَّ الموقوف يُعْزَى إلى صحابي، والمقطوع يُعْزَى إلى التابعين، بينما ينتهي المرفوع إلى الرسول الكريم - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ -. وهنالك اصطلاحات في بيان الفرق بين كل من الخبر والأثر لن تخوض فيها، ولن نماري فيها أصحابها (٢)، فقد أخذنا برأي الجمهور في تساوي هذه المصطلحات جَمِيعًا في إفادة التحديث والإخبار، وعليهما مدار البحث في علم أصول الحديث. الحَدِيثُ القُدْسِيُّ: وكان رسول ﷺ يُلْقِي أَحْيَانًا على أصحابه مواعظ يحكيها عن ربه ليست وَحْيًا مُنَزَّلاً فَيُسَمُّوهَا قُرْآنًا، ولا قولاً صَرِيحًا يسنده ﵇ إلى نفسه إسنادًا مباشرًا فَيُسَمُّوهَا حَدِيثًا عَادِيًّا، وإنما هي أحاديث يحرص النَّبِيُّ على تصديرها بعبارة تدل على نسبتها إلى الله، لكي يشير إلى أَنَّ عمله الأوحد فيها حكايتها عن الله بأسلوب يختلف اختلافًا ظَاهِرًا عن أسلوب القرآن، ولكن فيه - مع ذلك - نفحة من عالم القدس، ونورًا من عالم الغيب، وهيبة من ذوي الجلال والإكرام. تلك هي الأحاديث القدسية، التي تُسَمَّى أَيْضًا إِلَهِيَّةً وَرَبَّانِيَّةً.

стр. 22

مثالها ما أخرجه مسلم في " صحيحه " عن أبي ذر ﵁ عن النَّبِي ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ اللهِ : «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا. يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ. يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ. يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ. يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ. يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ (١) إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ. يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا. فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ» (٢). والصيغة التي صدر بها النَّبِي ﷺ هذا الحديث القدسي هي - كما لاحظنا - «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ» وهي العبارة التي آثرها السلف في رواية هذه الأحاديث. أما الخلف فلهم طريقة خاصة في التعبير عن هذه الأقوال القدسية الربانية، إذْ يَقُولُونَ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى، فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ».

стр. 23

وَالمُؤَدَّى واحد من كلتا العبارتين، وكل ما بينهما من فرق إنما هو تمييز بين اصطلاحين. وحكاية النَّبِيِّ ﷺ عن ربه في هذا الضرب من الأحاديث القدسية اتخذت حُجَّةً للعلماء القائلين: إنَّ اللفظ في الحديث القدسي من الله . غير أنَّ كَثِيرًا من العلماء يرون أَنَّ الصياغة في «القدسي» لِلْنَّبِيِّ وَأَنَّ المعنى للهِ وإلى هذا الرأي جنح أبو البقاء حين قال بصراحة ووُضوح: «إِنَّ القُرْآنَ مَا كَانَ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ بِوَحْيٍ جَلِيٍّ، وَأَمَّا الحَدِيثَ القُدْسِيَّ فَهُوَ مَا كَانَ لَفْظُهُ مِنْ عِنْدِ الرَّسُولَ، وَمَعْنَاهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ بِالإِلْهَامِ أَوْ بِالمَنَامِ» (١).

стр. 24

الفَصْلُ الثَّانِي: حَوْلَ تَدْوِينِ الحَدِيثِ: مَعْرِفَةُ العَرَبِ لِلْكِتَابَةِ قَبْلَ الإِسْلاَمِ: لن نغلو في وصف العرب - قبيل الإسلام - بجهل الكتابة وعدم التمرس بها، لِنُدْرَةِ أَدَوَاتِهَا المُتَيَسِّرَةِ لديهم وتعويلهم على الذاكرة في حفظ آثارهم ورواية آدابهم، فَمِمَّا لا ريب فيه أنَّ شمال الجزيرة العربية عرف الكتابة والقراءة، وَأَنَّ مكة بمركزها التجاري الممتاز شهدت من القارئين الكاتبين قبيل البعثة أكثر مِمَّا شهدت المدينة، وإنا لنستبعد ألاَّ يَكُونَ في ذلك الحين بمكة - كما جاء في بعض الأخبار - «إِلاَّ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً يَقْرَؤُونَ وَيَكْتُبُونَ» (١)، لأنَّ هَذِهِ الأَخْبَارَ إِذَا صَحَّتْ أَسَانِيدُهَا لاَ تَبْلُغُ أَنْ تَكُونَ إِحْصَاءً دَقِيقًا أَوْ اسْتِقْرَاءً

стр. 25

شاملاً، فما فيها إلاَّ دلالة ظنية غامضة لا يحسن مع مثلها القطع في هذا الموضوع الخطير. غير أننا لا نملك من الحجج والبراهين، العقلية والنقلية، ما نؤكد به كثرة القارئين الكاتبين في تلك الفترة من حياة العرب، ولا شيء يدعونا إلى الغلو في أمر الكتابة واعتقاد كثرتها في شبه الجزيرة العربية إلاَّ أنْ يصيبنا من الجهالة العمياء ما يغرينا باتباع المستشرقين الذين يزعمون أنَّ وصف العرب «بِالأُمِيِّينَ» في القرآن (١) لا ينافي معرفتهم القراءة والكتابة، فما الأُمِيُّ عندهم إلاَّ الذي يجهل الشريعة الإلهية، وما كان محمد ﷺ «أُمِيًّا» (٢) إلاَّ لأنه نَبِيُّ هؤلاء «الأُمِيِّينَ» الوَثَنِيِّينَ «الذِينَ لَمْ يُصَدِّقُوا رَسُولاً أَرْسَلَهُ اللهُ، وَلاَ كِتَابًا أَنْزَلَهُ اللهُ، فَكَتَبُوا كِتَابًا بِأَيْدِيهِمْ» (٣). والواقع أَنَّ هذا الرابط المضطرب بين «الأُمِيِّ» عندما يوصف به النَّبِيُّ ﵇ وبين «الأُمِيِّينَ» وَصْفًا للعرب، ليس من المنطق في شيء، لأنه تجزئة لا مسوغ لها في أصل اللغة ولا وحي السياق للفظ قرآني واحد ينبغي تفسيره

стр. 26

بمعنى واحد لا بمعنيين متباينين: فإما أَنْ يكون الأُمِيَّ هو الذي يجهل الشريعة الإلهية، أو هو الذي يجهل القراءة والكتابة، ومن هنا يكبر خطأ المُفَسِّرِينَ الذِينَ أَوَّلُوا «الأُمِيِّينَ» العرب بِجَهَلَةِ الشريعة الإلهية على حين أوَّلُوا النَّبِيَّ «الأُمِيَّ» بالذي لا يعرف القراءة والكتابة. أما خطأ المستشرقين فَمُرَكَّبٌ مُضَاعَفٌ، لأنهم عَوَّلُوا فيه على رأي ضعيف شطروه شطرين، ثم آمنوا ببعضه وكفروا ببعض وجاؤوا على الأثر برأيهم الصبياني: فأما العرب - بزعمهم - فهم أميُّون لجهلهم للشريعة الإلهية، وأما النَّبِيُّ فَأُمِيٌّ نسبة إلى هؤلاء الجاهلين، لتعليمه إياهم شريعة الله، فهو نبي هؤلاء الجاهلين، أو نَبِيُّ هؤلاء الأُمِيِّينَ! فهل بعد هذين التفسيرين من تناقض! إنما ينقذنا من هذا الهذيان وضوح النص القرآني، فهو أصرح مِنْ أنْ يُؤَوَّلَ، ولفظ «الأُمِيِّ» فيه سواء أكان وصفًا للعرب أم لِلْنَّبِيِّ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - لا يعني إلاَّ الذي يجهل القراءة والكتابة، وهو ما فهمه جمهور المُفَسِّرِينَ وما عليه علماء الأُمَّةِ إلى يومنا هذا (١). وحِينَئِذٍ لا يكون في وصف العرب «بِالأُمِيِّينَ» غُلُوٌّ في جهلهم الكتابة، إذ الأُمِيَّةُ بهذا المعنى كانت غالبة على كثرتهم، وإنما يكون الغُلُوُّ يَقينًا فِي ادِّعَاءِ كثرة الكتابة وأدواتها بين العرب، وفي الزعم القائل إنهم لم يجهلوا الكتابة بل جهلوا شريعة الله، لأنَّ أَحَدًا مِنَ البَاحِثِينَ لم يأت ببرهان على هذا الرأي العقيم. • • •

стр. 27

أَسْبَابُ قِلَّةِ الكِتَابَةِ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ ﷺ -: وَأَيًّا ما تكن معرفة العرب للكتابة قُبيل الإسلام، فَإِنَّ الكاتبين كانوا أكثر عَدَدًا في مكة منهم في المدينة، يشهد لذلك أَنَّ رسول الله ﷺ أذن لأسرى «بدر» المكيين بِأَنْ يفدي كل كاتب منهم نفسه بتعليم عشرة من صبيان المدينة الكتابة والقراءة (١). وحسبنا أَنَّ كَتَبَةَ الوحي بين يدي الرسول ﷺ بلغ عددهم أربعين رَجُلاً (٢)، وأنَّ كَثِيرًا منهم كانوا مَكِيِّينَ، وهم الذين كتبو القسم المكي من القرآن قبل هجرته ﵇ إلى المدينة. بَيْدَ أَنَّ المسلمين ما كادوا يَسْتَقِرُّونَ في المدينة حتى بُدِّلَتْ الحال غير الحال، فكثر فيهم الكاتبون مُذْ أنشأ الرسول ﷺ في مسجده صُفَّةً كَانَ الكَاتِبُ المُحْسِنُ عبد الله بن سعيد بن العاص يُعَلِّمُ فيها الراغبين الكتابة والخط (٣). وأكبر الظن أَنَّ المساجد التسعة التي كانت بالمدينة على عهد رسول الله ﵇ (٤) اتخذت مدارس لنشر العلم، يزيدنا اعْتِقَادًا بهذا أَنَّ رسول الله كان يأمر الصبيان أَنْ يتدارسوا في مسجد حَيِّهِمْ (٥). ومن المعلوم أَيْضًا أَنَّ الرسول

стр. 28

- ﷺ أَمَرَ فِي السَنَةِ الأولى للهجرة بإحصاء المسلمين في المدينة رجالاً وأطفالاً، ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا. ورواية " البخاري " في «باب كتابة الإمام للناس» من صحيحه صريحة في أَنَّ هذا الإحصاء كُتِبَ وَدُوِّنَ: فقد قال ﵇: «اكْتُبُوا لِي مَنْ تَلَفَّظَ بِالإِسْلاَمِ مِنَ النَّاسِ، فَكَتَبْنَا لَهُ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ رَجُلٍ» (١). فإذا رأينا - بعد ذلك - أَنَّ تعويل الصحابة في حفظ الحديث إنما كان على الاستظهار في الصدور لا على الكتابة في السطور، صار لِزَامًا علينا أَنْ نلمس لتعليل ذلك غير الأسباب التقليدية التي يشير إليها الباحثون عادةً كلما عرضوا لهذا الموضوع: فما نستطيع أنْ نتابعهم فيما يزعمونه مِنْ أَنَّ قِلَّةَ التدوين على عهد رسول الله ﷺ تعود بالدرجة الأولى إلى نُدْرَةِ وسائل الكتابة، لأنها لم تك قليلة إلى هذا الحد الذي يبالغ فيه، وهي - على كل حال - قِلَّةٌ نسبية قد تكون أحد العوامل في إهمال الحديث، ولكنها بلا ريب ليست العامل الوحيد، فما منعت ندرة هذه الأدوات صحابة الرسول من تجشم المشاق وركوب الصعاب في كتابة القرآن كله في اللِّخَافِ وَالعُسُبِ وَالأَكْتَافِ وَالأَقْتَابِ وَقِطَعِ الأَدِيمِ (٢). ولو أَنَّ بواعثهم النفسية على تدوين الحديث كانت تضارع بواعثهم على كتابة القرآن حماسة وقوة لاصطنعوا الوسائل لذلك ولم يتركوا سبيلاً إلاَّ سلكوها، بَيْدَ أنهم - من تلقاء أنفسهم وبتوجيه مِنْ نَبِيِّهِمْ - نهجوا في جمع الحديث مَنْهَجًا يختلف كَثِيرًا عن طريقتهم في جمع القرآن. كانوا من تلقاء أنفسهم منصرفين إلى تَلَقِّي القرآن، مشغولين بجمعه في

стр. 29

الصدور والسطور، وكان كتاب الله يستغرق جُلَّ أوقاتهم، كما يملك عليهم كل مشاعرهم، وحديث رسول الله حِينَئِذٍ أكثر مِنْ أَنْ يُحْصُوهُ، فله في كل حادثة قول، وفي كل استفتاء توضيح، وفي كثير من الوحي القرآني تبيان وتفسير، فَأَنَّى لِلْكَتَبَةِ مِنْهُمْ الوَقْتُ لمتابعة الرسول ﵇ في كتابة جميع ما يقوله أو يعمله أَوْ يُقِرُّ الناس عليه! وإذا اندفع بعض هؤلاء الكاتبين إلى تقييد جميع ما سمعه ورآه من النَّبِيِّ العظيم، فهل يمكن أَنْ يتماثلوا كلهم في هذا الاندفاع بحيث لا يفوت أَحَدًا منهم شيء؟ إِنَّ الأقرب إلى المنطق والصواب أَنَّ أَفْرَادًا منهم وجدوا من البواعث النفسية ما حملهم على العناية بكتابة أكثر ما سمعوه - وربما كل ما سمعوه - وَأَقَرَّهُمْ على ذلك رسول الله ﷺ حِينَ أُمِنَ الْتِبَاسُ السُنَّةِ بِالقُرْآنِ، على حين كتب أفراد آخرون أشياء قليلة، وظل سائرهم بين قارئ كاتب لكنه مشغول بالقرآن شُغْلاً لا يتيح له كتابة الحديث، فغدا يسمعه من الرسول ويعمل به ولا يجد الحاجة لتقييده، وبين أُمِيٍّ يحفظ من القرآن والحديث مَا تَيَسَّرَ له في صدره، وهو ما كان عليه أكثر الصحابة في بدء الإسلام ومطلع فجره. وانصراف الصحابة إلى القرآن جَمْعًا له في الصدور والسطور، واشتغالهم به عن كل شيء سواه، كان جُزْءًا من التوجيه النبوي الحكيم لهؤلاء التلامذة الخالدين من الأُمِيِّينَ وَالكَاتِبِينَ: وهو توجيه مُتَدَرِّجٌ من الحياة والأحياء، متطور مع الأحداث التي تعاقبت على المجتمع الإسلامي، فما كان لهذا التوجيه أَنْ يجمد على صورة واحدة، بَلْ رُوعِيَ فيه الزمان، وَرُوعِيَتْ الأشخاص،

стр. 30

فنهى الرسول ﷺ عن كتابة الأحاديث أَوَّلَ نزول الوحي مخافة التباس أقواله وشروحه وسيرته بالقرآن، ولا سيما إذا كُتِبَ هذا كله في صحيفة واحدة مع القرآن (١)، وقال: «لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (٢)، ثُمَّ أَذِنَ بذلك إِذْنًا عَامًّا حين نزل أكثر الوحي وحفظه الكثيرون (٣) وَأَمِنَ

стр. 31

اختلاطه بسواه فقال ﵇: «قيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ» (١)، وحفظ عنه - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - المنعُ من كتابة أحاديثه بوجه عام لأنَّ كلامه كان مُوجَّهاً إلى عامة أصحابه، وفيهم الثقة والأوثق، والصالح والأصلح، والضابط والأشد ضبطاً، والحافظ والأمتن حفظاً، وأذِنَ في الوقت نفسه لبعض أفرادهم إذناً خاصاً، لتظاهر الكتابة الحفظ إنْ كانوا ضابطين (٢) أو تساعدهم على زيادة

стр. 32

الضبط إنْ خيف نسيانهم ولم يوثق بحفظهم (١)، فكان إذنه لهؤلاء وأولئك أشبه بالاستثناء الذي خصَّ به ﵇ نفراً من أصحابه لأسباب وجيهة قدَّرَ أهميتها تبعاً للظروف والأشخاص. والقول بالنسخ في هذا الموضوع - أعني القول بنسخ أحاديث الإذن بالكتابة لأحاديث النهي عنها (٢) - لا يراد منه إلاَّ ما أشرنا إليه من التدرُّج الحكيم في معالجة هذه القضية البالغية الخطورة. وتخصيص بعض الصحابة بالإذن

стр. 33

في وقت النهي العام لا يعارض القول بالنسخ لأنَّ إبطال المنسوخ بالناسخ لا علاقة له ولا تأثير في تخصيص بعض أفراد العام قبل نسخه. وعلى هذا الأساس نجمع بين الآراء والتوجيهات المختلفة التي يُخيَّلُ إلى الباحث السطحي أنها متضاربة، مع أنَّ التوفيق بينها سهل مُيَسَّرٌ كما رأينا، فالعبرة بما انتهى إليه الموضوع آخر الأمر واستقرَّتْ عليه الأُمَّةُ، وهو اتفاق الكلمة بعد الصدر الأول على جواز كتابة الأحاديث. ولقد قال ابن الصلاح: «ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة» (١). الصُّحُفُ المَكْتُوبَةُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ -: من المؤكَّد - على كل حال - أنَّ بعض الصحابة كتبوا طائفة من الأحاديث في حياته ﷺ ، ومنهم من كتبها بإذن خاص من الرسول مُسْتَثْنَى من النهي العام كما أوضحنا، بَيْدَ أنَّ أكثرهُم قيَّدُوا ما جمعوه في السنوات الأخيرة من حياته ﵇ بعد أنْ أذن بالكتابة لكل من رغب فيها وقدر عليها (٢)، ولدينا أخبار عن هذه الصحف تتفاوت أسانيدها قوة وضُعفاً، ومع أنَّ أسانيد بعضها قوية جداً فنحن لا نملك اليوم شيئاً محسُوساً من آثارها

стр. 34

وإنْ كنا لا نرتاب في تحقيق كتابتها في حياته - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ -، وفي تناقل الناس لها زمناً غير قليل بعد وفاته ﵇ ولحاقه بالرفيق الأعلى. روى الترمذي (١) أنَّ سعد بن عبادة الأنصاري كان يملك صحيفة جمع فيها طائفة من أحاديث الرسول وسُننه (٢)، وكان ابن هذا الصحابي الجليل يروي من هذه الصحيفة (٣). ويروي البخاري (٤) أنَّ هذه الصحيفة كانت نُسخة من صحيفة عبد الله بن أبي أوفى (٥) الذي كان يكتب الأحاديث بيده، وكان الناس يقرؤون عليه ما جمعه بخطه (٦).

стр. 35

وسمُرة بن جندب (- ٦٠ هـ) كان قد جمع أحاديث كثيرة في نسخة كبيرة ورثها ابنه سليمان ورواها عنه (١)، وهي - على ما يظن - الرسالة التي بعثها سمُرة إلى بنيه (٢)، وهي التي يقول فيها ابن سيرين (٣): «فِي رِسَالَةِ سَمُرَةَ إِلَى بَنِيهِ عِلْمٌ كَثِيرٌ» (٤).

стр. 36

وكان لجابر بن عبد الله (- ٧٨ هـ) صحيفة أَيْضًا (١)، ويرى مسلم (٢) في " صحيحه " أنها في مناسك الحج (٣)، ويحتمل أنْ يكون في بعض أحاديثها ذكر حجَّة الوداع التي ألقى فيها الرسول ﷺ خطبته الجامعة، ويوشك هذا الاحتمال أنْ يصبح يقيناً إذا عرفنا أنَّ التابعي الجليل قتادة بن دعامة السَدُوسي (- ١١٨ هـ) كان يُكْبِرُ من قيمة هذه الصحيفة ويقول: «لأَنَا بِصَحِيفَةِ جَابِرٍ أَحْفَظ مِنِّي مَن سُورَة البَقَرَةِ» (٤) ولا يبعد أنْ تكون الأحاديث التي رواها سليمان بن قيس اليشكري (٥) - وهو أحد تلامذة جابر - منقولة عن هاتيك الصحيفة (٦). وجدير بنا أنْ نُقِيمَ وَزْنًا للرواية التي تُصوِّرُ لنا وهب بن منبه (- ١١٤ هـ) يروي أحاديث جابر من إملائه (٧) حين يعقد جابر حلقة في المسجد النبوي، فيحتمل أنْ تكون هذه الأحاديث منقولة من صحيفة جابر أَيْضًا. وأقل ما يستنتج من هذا أَنَّ تلك الصحيفة كانت معروفة مشهورة بين الناس، وأنَّ من الممكن أَنْ يكون بعض تلامذة جابر قَدْ نَسَخُوهَا (٨) وإنْ كنا لا نملك أَثَرًا مَحْسُوسًا مِنْ نَسْخِهِمْ.

стр. 37

ومن أشهر الصحفة المكتوبة في العصر النبوي «الصحيفة الصادقة» التي كتبها جامعها عبد الله بن عمرو بن العاص (٦٥) من رسول الله ﷺ (١). وقد اشتملت على ألف حديث كما يقول ابن الأثير (٢)، وإذا لم تصل هذه الصحيفة - كما كتبها عبد الله بن عمرو بخطه فقد وصل إلينا محتواها، لأنها محفوظة في " مسند الإمام أحمد " (٣) حتى ليصح أنَّ نصفها بأنها أصدق وثيقة تاريخية تثتب كتابة الحديث على عهده - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ -. ويزيدنا اطمئناناً إلى صحة هذه الوثيقة أنها كانت نتيجة طبيعية محتومة لفتوى النَّبِي ﷺ لعبد الله

стр. 38

ابن عمرو وإرشاده الحكيم له، فقد جاء عبد الله يستفتي رسول الله ﵇ في شأن الكتابة قائلاً أكتُبُ كلَّ ما أسمع؟ قال: «نَعَمْ»، قال: في الرضى والغضب؟ قال: «إِنِّي لَا أَقُولُ فِي ذَلِكَ إِلَّا حَقًّا» (١). ويُخَيَّلُ إلينا أنه لا بُدَّ أنْ يكون عبد الله بن عمرو قد أخذ في كتابة الأحاديث بعد هذه الفتوى الصريحة من الرسول الكريم وتلك الصحيفة الصادقة كانت ثمرة هذه الفتوى. وآية اشتغال ابن عمرو بكتابة هذه الصحيفة وسواها من الصحف أَيْضًا قول أبي هريرة الصحابي الجليل: «ما من أصحاب رسول الله ﷺ أحد أكثر حديثاً عنه مني إلاَّ ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب وكنت لا أكتب» (٢).

стр. 39

وأكبر الظن أنَّ عمرو بن شعيب (- ١٢٠ هـ) - وهو حفيد عبد الله بن عمرو - إنما كان يروي فيما بعد من أحاديث هذه الصحيفة قارئاً أو حافظاً من أصلها (١). وقد أتيح للتابعي الجليل مجاهد بن جبر (- ١٠٣ هـ) أنْ يرى هذه الصحيفة عند صاحبها عبد الله بن عمرو (٢). ولقد شاعت في عصر الصحابة صيحفة خطيرة الشأن أمر النَّبِي ﵇ نفسه بكتابتها في السنة الأولى للهجرة، فكانت أشبه شيء بـ «دستور» للدولة الفتية الناشئة آنذاك في المدينة: وهي الصحيفة التي دوَّن فيها كتاب رسول الله حقوق المهاجرين والأنصار واليهود وعرب المدينة. ولفظ الكتابة صريح في

стр. 40

مطلعها: «هذا كتاب محمد النَّبِي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم: إنهم أمَّةٌ واحدة من دون الناس» (١). وقد تكرَّرت فيها عبارة (أهل هذه الصحيفة) خمس مرات، فلم يكن بُدّ من الاعتراف بكتابتها. ولقد بلغ من شهرة أمرها أنها أصبحت تقرن وحدها بكتاب الله لتواترها وكثرة ما فيها من أحكام الإسلام وكلياته الكبرى. ولعلَّ عليّ بن أبي طالب لم يكن يقصد سواها حين سُئِلَ: هل عندكم كتاب؟ فأجاب: لا، إلاَّ كتاب الله أو فهم أعطية رجل مسلم وما في هذه الصحيفة. فلما قيل له: وما في هذه الصحيفة؟ قال: «الْعَقْلُ (٢)، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» (٣) وكانت هذه الأمور جزءاً مُهِمّاً مِمَّا اشتملت عليه الصحيفة المذكورة (٤). وعبد الله بن عباس (- ٦٩هـ) عني بكتابة الكثير من سُنَّةِ الرسول وسيرته في ألواح كان يحملها معه في مجالس العلم (٥). ولقد تواتر أنه ترك حين وفاته حِمْل بعير من كتبه (٦). وكان تلميذه سعيد بن جُبير (- ٩٥ هـ) يكتب عنه ما يُملي عليه، فإذا نفد القرطاس كتب على لباسه ونعله وربما على كَفِّهِ ثم نسخه
следующие страницы →