← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 96230

الاتجاهات العامة للاجتهاد ومكانة الحديث الآحادي الصحيح فيها

نور الدين عتر

Полный текст (81 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الاتجاهات العامة للاجتهاد ومكانة الحديث الآحادي الصحيح فيها بقلم الأستاذ الدكتور نور الدين عتر رئيس قسم علوم القرآن والسنة كلية الشريعة - جامعة دمشق. - عدد الأجزاء: ١. - عدد الصفحات: ٨٦. أعده للمكتبة الشاملة / توفيق بن محمد القريشي، - غفر الله له ولوالديه -. [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي].

стр. 2

الاتجاهات العامة للاجتهاد ومكانة الحديث الآحادي الصحيح فيها بقلم الأستاذ الدكتور نور الدين عتر رئيس قسم علوم القرآن والسنة كلية الشريعة - جامعة دمشق. دار المكتبي - دمشق

стр. 3

الطبعة الأولى: ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م دار المكتبي: سورية - دمشق - حلبوني - جادة ابن سينا.

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [المُقَدِّمَةُ]: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم علي نبينا وهادينا سيدنا محمد خاتم النبيين، وأمام الأنبياء والمرسلين وعلي آله وأصحابه ومن تبعهم باحسان إلي يوم الدين. أما بعد: فإن من أعظم ما تميزت به بعثة نبينا ﷺ ذلك التشريع الكافل لتنظيم جوانب الحياة كلها، والذي نهض فيه أئمة العلم والدين ونصبوا أنفسهم لتأصيل أصوله وتفريع فروعه، كيف لا، والناحية العملية هي أعظم ركن بعد أركان الإيمان، بل هي ترجمان الإيمان الذي تصوغه في صورة سلوك فردي، وترابط اجتماعي، وحضارة متميزة بالفضل والكمال على كل حضارة. وقد كان الفقه الإسلامي هو القانون الذي عمل به المسلمون من فجر تاريخهم المجيد، وفي إبان ازدهار حضارتهم التي قدمت للعالم نموذجًا فريدًا. لا تزال الإنسانية تحلم بمثله وتتمني لو تعيش في ظل سعادته. هذه الخصائص تجعل دراسة الاتجاهات العامة لأصول الاجتهاد في الإسلام مسألة علمية على غاية من الأهمية، وأنها لدراسة واسعة مترامية الأطراف لا يتسع المقام ههنا لاستيفائها، لذلك فإنا سنقدم دراسة وجيزة للخطوط العريضة لأصول الاجتهاد الإسلامي، نلمس

стр. 5

فيها بعض جوانب تميز بها بعض المذاهب على البعض الآخر في أصول اجتهاده. وسوف نُعْنَى عناية خاصة بمسألة خبر الواحد الصحيح في هذا المبحث، لما دار حول حُجِّيَّتِهِ في العصر الأخير من تَقَوُّلٍ، بين مُقَصِّرٍ فيه يعطل جملة كبيرة جِدًّا من السنن بذريعة كونها خبر واحد، وَغَالٍ متشدد يحكم بالضلال بل يكاد أن يحكم بالكفر على من ترك خبرًا آحاديًا، مِمَّا يوقع الفتن بين المسلمين، عِيَاذًا بالله تعالى. وقد عولنا في بحثنا هذا على المصادر الأمهات في أصول الفقه وأصول الحديث، ولما أن عبارتها قد تصعب في كثير من الأحيان على الفهم، بل قد تستغلق إلاَّ على ذوي الاختصاص المتمكن والمتعمق في هذا العلم، لذلك جهدنا في استخراج المعلومات منها أن نصيغ العبارات بأسلوبنا الخاص، لتسهيل سبيل البحث، وتقريبه إلى الإفهام. وبالله ﵎ التوفيق، وهو المستعان وعليه التُّكْلاَنُ. نورالدين عتر خادم القرآن وعلومه والحديث وعلومه

стр. 6

المَبْحَثُ الأَوَّلُ: فِي المَصَادِرِ الأًًصْلِيَّةِ للاِجْتِهَادِ: لا يختلف الاجتهاد في أي مذهب فقهي عن أمثاله من المذاهب الإسلامية المعتمدة والمعمول بها في الارتكاز الأساسي على المصادر الأصلية التي يعتمد عليها أئمة الإسلام وهي المصادر الأربعة المعروفة: الكتاب وَالسُنَّةِ، والإجماع، والقياس. وهذا الاتفاق بين المسلمين على هذه الأصول ميزة امتاز بها الدين الإسلامي والفقه الإسلامي، حقق بها الإسلام توفير عوامل الوحدة بين المسلمين، بالتفاهم حول الأصول الاعتقادية المُسَلَّمِ بِهَا والمعلومة من الدين بالضرورة، وأخذهم بالأحكام القطعية الثابتة التي لا مجال للبحث فيها، فالمسلمون كلهم يؤمنون بالله وحده توحيدًا صافيًا نَقِيًّا، لا تشوبه شائبة من شوائب الشرك، ولا نزغة من نزغات الإلحاد. ويشهدون أن مُحَمَّدًا رسول الله بعثه الله بِالهُدَى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ويؤمنون باليوم الآخر والجنة والنار، وبملائكة الله تعالى ورسله وكتبه والقدر. كما أن المسلمين كلهم يُقِرُّونَ بأركان الإسلام، الصلاة التي يتوجهون فيها إلى قبلة واحدة والزكاة والصوم والحج. كما حقق الإسلام بإزاء ذلك المرونة والشمول اللذين يتسع بهما لكل متطلبات الحياة وتقدم الحضارة، ومواجهة كل جديد أو طارئ

стр. 7

بأمثل الحلول وأفضلها لمسايرة تقدم الحضارة، بل لدفع عجلة التقدم الحضاري، بما ذكرنا من الخصائص، بالاجتهاد الذي قدم ذخائر تشريعية ضخمة تعالج كل حادث، بل تضع العدد من الحلول للمشكلة الواحدة، من نتاج ما قدمته لنا المذاهب من آراء وعلاجات. فجمع الفقه الإسلامي بهذا بين التعدد والتوحد، والتعدد هنا تعدد تنوع ليس تعدد تضارب، كما جمع بذلك أيضًا بين التطور والثبات. وقد كان هذا الاتفاق على الأصول الأربعة نَابِعًا من الإيمان بالأصل الأول وهو القرآن والائتمار بأوامره والسير على ضوء توجيهه. فقد بين الله تعالى في صريح كتابه أن منزلة السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ من القرآن هي منزلة البيان من المُبَيَّنِ، والتفسير من المُفَسَّرِ. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. وقال : ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]. وجعل الله طاعته مرهونة بطاعة رسوله، بل أعلن للعالم أن طاعة رسوله طاعته. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٩٢]. ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. وهكذا كان كل من الكتاب والسنة أصلاً في الدين يلزم المسلمين أن

стр. 8

يأخذوا بأحكامها، ويجب على الفقيه أن يعول في استنباط الأحكام عليهما. قال الحافظ ابن كثير في " تفسيره " (١) عند هذه الآية: «هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ حَاكِمَةٌ عَلَى كُلِّ مَنِ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ، وَلَيْسَ هُوَ عَلَى الطَّرِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ فَإِنَّهُ كَاذِبٌ فِي دَعْوَاهُ فِي نَفْسِ الأَمْرِ، حَتَّى يَتَّبِعَ الشَّرْعَ المُحَمَّدِيَّ وَالدِّينَ النَّبَوِيَّ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ وَأَحْوَالِهِ». ويقرر علماء أصول الفقه حُجِّيََّةَ السُنَّةِ استنادًا إلى أصل اعتقادي وعقلي مهم أَحْسَنَ التَّعْبِيرَ عنه الفقيه والأصولي الحنبلي الإمام ابن قدامة المقدسي، فقال (٢): «وَقَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُجَّةٌ، لِدَلاَلَةِ المُعْجِزَةِ عَلَى صِدْقِهِ، وَأَمَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ بِطَاعَتِهِ، وِتْحَذِيْرِهِ مِنْ مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ». ويبني ابن النجار الحنبلي أيضًا حُجِّيََّةَ السُنَّةِ على أصل آخر هام وهو العصمة، فيقول (٣): «وَأَقْسَامُ السُّنَّةِ (٤) كُلُّهَا حُجَّةٌ أَيْ تَصْلُحُ أَنْ يُحْتَجَّ بِهَا عَلَى ثُبُوتِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْعِصْمَةِ أَيْ لِثُبُوتِ العِصْمَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلِسَائِرِ الأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ -».

стр. 9

وقد دَلَّتْ دلائل القرآن وَالسُنَّةِ على أن المجتهدين من هذه الأُمَّةِ إذا اتفقوا على حكم شرعي فإن اتفاقهم هذا مصون من الخطل ومعصوم من الخطأ، فثبتت بذلك حُجِيَّةُ الإجماع. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] (١). كذلك وجد أئمة الإسلام وفقهاء الشريعة بتتبع النصوص الشرعية أن الأحكام الشرعية ترد في كثير من الأحيان مرتبطة بِأَهْدَافٍ وَحِكَمٍ تتعلق بتحقيق مصالح الأنام، ورعاية شؤون الناس الدينية والدنيوية، فعرف من ذلك أن الأحكام غير التعبدية مُعَلَّلَةٌ بأوصاف منضبطة ترجع إلى مصالح الأُمَّةِ، فثبت بذلك حُجِّيَّةَ القِيَاسِ، وتضافرت الأدلة على حُجِّيَّتِهِ، مثل قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]. فإن الاعتبار في الآية هو رَدُّ الشيء إلى نظيره، بأن يحكم عليه بحكمه، وهو نص عام يشمل القياس الشرعي الذي يجري في الأحكام الشرعية والقياس. العقلي والاتعاظ. وقد جاء هذا النص مُرَتَّبًا على سبب خاص وهو ما حصل لبني النضير لما طَغَوْا ونقضوا عهدهم مع النَّبِيِّ ﷺ خذلهم اللهُ تعالى، وسلط عليهم المسلمين فخربوا بيوتهم، وأجلوهم عن بلادهم، فنزلت الآية تعلن للناس مصير هؤلاء القوم ليعلموا أن كل من سلك طريقهم كانت عاقبته عاقبتهم، وجاء النص

стр. 10

عَامًّا غير خاص بقضية سبب النزول، فدل على عموم إلحاق الشيء بنظيره والمثل بمثيله، وذلك هو القياس (١). ويقول ابن قدامة في دلالة الآية: (٢) «وَقَدْ اسْتَدَلَّ عَلَى إِثْبَاتِ القِيَاسِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]. وَحَقِيْقَةُ الاِعْتِبَارِ مُقَايَسَةُ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ، كمَا يُقَالُ: اعْتُبِرَ الدِّيْنَارُ بِالصَّنْجَةِ، وَهَذَا هُوَ القِيَاسُ. فَإِنْ قِيلَ: المُرَادُ بِهِ الاعْتِبَارُ بِحَالِ مَنْ عَصَى أَمْرَ اللهِ وَخَالَفَ رُسُلَهُ لِيَنْزَجِرَ، وَلِذَلِكَ لاَ يُحْسِنُ أَنْ يُصَرِّحَ بِالقِيَاسِ هَا هُنَا، فَيَقُولُ: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر: ٢]، فَأَلْحَقُوا الفُرُوعَ بِالأُصُولِ لِتُعْرَفَ الأَحْكَامُ؟. قُلْنَا اللَّفْظُ عَامٌّ، وَإِنَّمَا لَمْ يُحْسِنْ التَّصْرِيحَ بِالقِيَاسِ هَا هُنَا، لأَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ عُمُومِهِ المَذْكُورِ فِي الآية، إِذْ لَيْسَ حَالُنَا فَرْعًا لِحَالِهِمْ». انتهى. وكذا وردت نصوص كثيرة من الشارح تُصَرِّحُ بربط الحكم بِعِلَّتِهِ، وذلك في السُنَّةِ كثير، جرى فيه التعليل على طريق الفقهاء أهل القياس، نذكر من ذلك: حديث: «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ اشْتِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ؟ فَقَالَ ﷺ :

стр. 11

" أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ " فَقَالُوا: نَعَمْ. فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ». أخرجه مالك وأصحاب السنن والحاكم (١). وقوله ﷺ : «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاَثًا، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». متفق عليه (٢). وقوله لِعَدِيٍّ بْنِ حَاتِمٍ في بيان أحكام الصيد: «وَإِنْ وَجَدْتَ مَع كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَد قُتِل فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنَّك لاَ تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ» متفق عليه (٣). وهذه النصوص وأمثالها كثير قد وقع فيها التعليل للحكم من النبي ﷺ نفسه، والتعليل موجب لاتباع العلة أينما كانت، وذلك هو القياس. لأن الأصل في التعليل أن يكون لتعدية الحُكْمِ (أي نقله) إلى المواضع الأخرى التي توجد فيها العلة، وإثبات الحكم في تلك المواضع (٤). بل إنا نلحظ في هذه الأحاديث إرشاد النبي ﷺ أُمَّتَهُ إلى كيفية ربط الأحكام بِعِلَلِهَا، ليستخرجوا حُكْمَ مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَى عِلَّتِهِ من الأحكام بالطرق الاستنباطية العلمية التي تعرف بها علة الحكم في الأمر المنصوص، فيعرف بذلك حكم غير المنصوص.

стр. 12

المَبْحَثُ الثَّانِي: فِي العَامِّ وَقَطْعِيَّةِ دَلاَلَتِهِ: تَعْرِيفُ العَامِّ وَحُكْمِهِ: العموم في اللغة معناه: الشمول. وفي اصطلاح علم اصول الفقه: هو اللفظ الموضوع وضعًا واحدًا لكثير غير محصور المستغرق لجميع ما يصلح له (١). مثاله قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]. وقوله: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]. وقد اتفق الحنفية مع جماهير العلماء على أن اللفظ العام يفيد إثبات الحكم في جميع الأفراد الذين يصلح أن يدخلوا في مدلول النص العام ومعناه (٢).

стр. 13

وذلك هو مقتضي العمل بدلالة اللفظ، والمعنى الذي وضع له في اللغة، وهو إجماع الصحابة وأهل اللغة، فإنهم بأجمعهم قد أجروا الألفاظ العامة من نصوص الكتاب والسنة على عمومها وشملوا بها كل الأفراد التي تدخل فيها إلا ما ثبت الدليل على استثنائه من العموم أو تخصيصه بحكم خاص غير الحكم الثابت في النص العام. فاتفقوا على العمل بالعموم في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]. وقوله: ﴿لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠]. وغير ذلك كثير من صيغ العموم في الكتاب والسنة. بل إن النبي ﷺ دعا بعض الصحابة وهو في الصلاة فلم يجبه، قال ﷺ : «أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ [لِمَا يُحْيِيكُمْ]﴾ [الأنفال: ٢٤]» أخرجه البخاري من حديث أَبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلَّى والترمذي من حديث أُبَيٍّ بْنِ كَعْبٍ (١). وهذا استدلال بالعموم كما قال السرخسي (٢). قَطْعِيَّةُ دَلاَلَةِ العَامِّ: الا أن الحنفية اختلفوا بعد ذلك مع الجمهور في طبيعة هذه الدلالة التي أفادها النص العام على العموم، هل هي قطعية أو ظنية؟ والمراد بالدلالة القطعية هنا: أن النص العام لا يحتمل الخصوص احتمالاً ناشئًا عن دليل، أو أن دلالته لا شبهة فيها.

стр. 14

والمراد بالدلالة الظنية أن النص العام يحتمل الخصوص احتمالاً ناشئًا عن دليل أو أن دلالته على العموم فيها شبهة. فقال الحنفية وهو رواية عن الإمام أحمد وقال به بعض الحنابلة منهم ابن عقيل والفخر إسماعيل: إن النص العام يثبت الحكم في جميع ما يتناوله على سبيل القطع، وهو في ذلك عندهم كالخاص سواء بسواء. وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين وهو المعتمد عند الحنابلة: إنه يثبت الحكم فيما يتناوله على سبيل الظن، وهو في ذلك مخالف للنص الخاص، فإن الخاص عندهم قطعي الدلالة على مدلوله (١). استدل الحنفية على مذهبهم فقالوا: إن اللفظ متى وضع لمعنى كان هذا المعنى لازمًا له وثابتًا به قطعًا، حتى يقوم الدليل على خلافه، والعموم قد وضع له اللفظ العام اتفاقًا بيننا وبينكم، فيكون ثابتًا به ولازمًا له قطعًا حتى يقوم الدليل على صرفه عنه إلى غيره. واستدل الجمهور على أن العام ظني الدلالة فقالوا: كل عام يحتمل التخصيص، والتخصيص شائع فيه حتى صار قولهم: «مَا مِنْ عَامٍّ إِلاَّ وَقَدْ خُصِّصَ» بمنزلة المثل، ولهذا يؤكد العام بكل وأجمع، لإزالة هذا الاحتمال، والقطع لا يثبت مع الاحتمال، لأنه عبارة عن قطع الاحتمال. وقد دارت بين الفريقين محاورات ومناقشات لا حاجة بنا هنا إلى

стр. 15

بسطها، غير أنا نستطع أن نجد ما يقوي مذهب الحنفية في هذه المسألة الهامة، وكذلك أن تجويز أن يراد بالنص العام بعض الأفراد دون البعض من غير قرينة أو دليل كما ذهب مخالفو الحنفية أمر مستبعد موقع في الارتباك أمام النصوص، وذلك لأنه يؤدي إلى ارتفاع الأمان عن اللغة وعن الشرع؛ وإلى التلبيس على السامع، لأن عن كل ما ورد في اللغة عَامًّا فإنه يحتمل الخصوص حينئذٍ، فلا يستقيم فهم العموم منه. وكذلك في الشرع، لأن معظم خطابات الشرع عامة، فإذا جاز إرادة بعض من غير قرينة لما صح فهم الأحكام على وجه العموم، وأدى ذلك إلى التلبيس على المخاطبين، وتكليفهم بالمحال، وهو باطل. كما يقوي مذهب الجمهور ما استدل به ابن النجار الحنبلي (١) «إن التخصيص بالمتراخي لا يكون نَسْخًا ولو كان العام نَصًّا على أفراده لكان نَسْخًا، وذلك أن صيغ العموم ترد تارة باقية على عمومها، وتارة يراد بها بعض الأفراد، وتارة يقع فيها التخصيص، ومع الاحتمال لا قطع، بل لما كان الأصل بقاء العموم فيها كان هو الظاهر المعتمد للظن». وقد تضمنت كلمته هذه جواب استدلال الحنفية حين قال: «لما كان الأصل بقاء العموم فيها كان هو الظاهر المعتمد للظن».

стр. 16

نَتَائِجُ الخِلاَفِ فِي قَطْعِيَّةِ العَامِّ: بعد هذا فإن الباحث يتوقع أن ينتج عن هذا الخلاف في طبيعة دلالة العام اختلاف في أمور كثيرة بين الفقهاء، لكثرة النصوص العامة، ويمكن أن نلخص هذا الاختلاف في قاعدتين هامتين نوضحهما فيما يلي: القاعدة الأولي: تخصيص النص العام بخبر الواحد أو القياس إذا لم يكن قد خص قبل ذلك بدليل قطعي: فعند القائلين بظنية العام يجوز هذا التخصيص، وعند القائلين بقطعية العام لا يجوز، ولهذا حَرَّمَ الحنفية الأكل من ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية عَمْدًا، لأخذهم بالعموم في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، ولم يخصوه بقول الرسول ﷺ : «الْمُسْلِمَ يَذْبَحُ عَلَى اسْمِ اللَّهِ، سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمِّ»، ولا بقياس ترك التسمية عَمْدًا على تركها نِسْيَانًا بجامع وجود ذكر الله في القلب في كل منهما، وذلك لأن الحديث خبر واحد وهو لا يخصص العام من الكتاب الذي لم يخص قبل ذلك بدليل قطعي الثبوت، وهو قطعي الدلالة عندهم، وخبر الواحد ظني الثبوت، وكذلك القياس فإنه ظني، والظني لا يخصص القطعي. وخصص الشافعية هذا العموم بالحديث وبالقياس، لأن العام الظني الدلالة عندهم فيجوز تخصيصه بالظني، كالقياس وخبر الواحد، ولهذا قالوا: يحل الأكل من ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية عَمْدًا. القاعدة الثانية: التوفيق بين العام والخاص إذا ختلفا. قال الحنفية: إذا اختلف العام والخاص فإن التعارض يثبت في

стр. 17

في القدر أو الموضوع الذي اختلف حكمهما فيه، لتساويهما في القطعية، فنأخذ حينئذ بتطبيق قواعد التوفيق المدروسة في موضعها من علم أصول الفقه. أما غير الحنفية فإنهم يقولون: لا يقاوم العام الخاص، لأن الخاص قطعي والعام ظني، فلا بد أن يقدم الخاص على العام ويعمل به سواء كان الخاص متقدمًا على العام في الورود أو متأخرًا عنه أم مقارنًا له، ومعنى كون الخاص مقدمًا على العام أن يعمل به في المقدار الذي خالف فيه العام مطلقًا كما ذكرنا، ولا يخضع العمل به لقواعد التوفيق بين النصوص. وقد أثر هذا الخلاف تأثيرًا بَيِّنًا في الفروع الفقهية، لكن مما يلفت النظر فيه أننا نجد أنصارًا لمذهب الحنفية في بعض الفروع من أهل المذاهب الأخرى، التي لا توافقهم في هذه القضية، أعني قطعية دلالة العام. ومن أمثلة ذلك: ١ـ مسألة صلاة تحية المسجد لمن دخل يوم الجمعة والإمام يخطب: فقد دل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] على عدم مشروعيتها، لأن الخطبة لا تخلو من قراءة قرآن، ودل حديث الرجل الذي دخل يوم الجمعة والنبي يخطب وأمره إياه أن يصلي ركعتين على مشروعيتها، وفي بعض ألفاظه قوله: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ أَوْ قَدْ خَرَجَ، فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» (١) دل

стр. 18

هذا الحديث على مشروعية تحية المسجد لمن دخل يوم الجمعة والإمام يخطب. فقال الحنفية والمالكية: بعدم مشروعية تحية المسجد هذه عملاً بعموم الآية والأدلة التي تمنع من تحية المسجد والإمام يخطب، وتأولوا الحديث بأنه واقعة عين خاصة بهذا الرجل، أو أن النبي ﷺ أراد ان يتصدق الناس عليه كما في بعض الروايات. فَأَيَّدَ المالكية الحنفية في هذه المسألة، لاتفاق أهل المدينة على منع النافلة حال الخطبة، خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ (١). وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنه يُسَنُّ أَدَاؤُهُمَا لمن دخل والإمام يخطب، وذلك عَمَلاً بالحديث المذكور بناء على قاعدتهم بتخصيص القرآن بأخبار الآحاد. ٢ـ مسألة زكاة الزروع: فقد دَلَّ القرآن على وجوب الزكاة في جميع المحاصيل الزراعية، بأي مقدار كانت ومن أي نوع، وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وعارض هذا العموم بعض الأحاديث في موضعين نوضحهما فيما يأتي:

стр. 19

الموضع الأول: مقدار الحاصلات الزراعية: فإن ظاهر الآية وجوب الزكاة في الزروع لأي مقدار كانت، ويؤيد ذلك حديث «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ [وَالعُيُونُ] أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ». البخاري جـ ٢ ص ١٣٣، أخرجه البخاري من رواية الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر، وهي سلسلة جليلة قيل إنها أصح الأسانيد. وعارض ذلك حديث «لَيْسَ [فِيمَا دُونَ] خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» المتفق عليه (١). فقال الحنفية بعدم اشتراط النصاب المذكور لوجوب الزكاة، أَخْذًا بالنصوص العامة، لأنها أقوى ثُبُوتًا من الخاص. وقال غيرهم: بل يشترط النصاب المذكور عَمَلاً بحديث الأوسق، وهو نص خاص فيخصص به العام وإن كان العام أقوى منه ثُبُوتًا، لأن العام ظني الدلالة عندهم. الموضع الثاني: أنواع الزروع: فقد دلتا الآية والحديث السابقان على وجوب الزكاة في جميع أنواع الزروع، لعموم النص فيهما، وورد تخصيص وجوب الزكاة بأنواع معينة في حديث: «لاَ تَأْخُذَا فِي الصَّدَقَةِ إِلاَّ مِنْ هَذِهِ الأَصْنَافِ الأَرْبَعَةِ: الشَّعِيرِ، وَالحِنْطَةِ، وَالزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ» (٢).

стр. 20

فقال الحنفية بوجوب الزكاة في جميع أنواع الزروع، عَمَلاً بعموم القرآن والحديث، وتكلموا في حديث التخصيص هذا بالطعن في سنده، وأجابوا عن المتن بأن المراد به زكاة يأخذها الجابي لتوزع عن طريق بيت المال. وقال غيرهم بتخصيص وجوب الزكاة بأنواع معينة، عَمَلاً بالحديث المذكور الذي وجدوه تَقَوَّى في نظرهم بتعدد طرقه، على تفاصيل في كيفية عملهم به ليس هذا محلها. وقد أيد القاضي الإمام أبو بكر بن العربي المالكي مذهب الحنفية في هذه المسألة كلها فقال في كتابه " أحكام القرآن " (١): «وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَجَعَلَ [الآيَةَ] مِرْآتَهُ فَأَبْصَرَ الحَقَّ، وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي المَأْكُولِ قُوتًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: " فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ "». وقال في " عارضة الأحوذي " (٢): «وَأَقْوَى المَذَاهِبِ فِي المَسْأَلَةِ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ دَلِيلاً، وَأَحْوَطُهَا لِلْمَسَاكِينِ، وَأَوْلاَهَا قِيَامًا بِشُكْرِ النِّعْمَةِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ عُمُومُ الآيَةِ وَالحَدِيثِ». • • •

стр. 21

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: فِي الاِسْتِحْسَانِ وَحُجِّيَّتِهِ: الاستحسان في اللغة: عد الشيء حسنًا. وفي اصطلاح علماء اصول الفقه الحنفي يطلق بمعنيين: الأول: المعنى الأعم: وهو كل دليل في مقابلة القياس الظاهر من كتاب أو سنة أو إجماع أو ضرورة أو قياس خفي. المعنى الثاني: الأخص: وهو القياس الخفي، وقد غلب في الأصول أن يأتي بهذا المعنى (١) حتى ليظن كثير من الناس أن الاستحسان عند الحنفية خاص به. مثال استحسان الكتاب والسنة: الترخيص في بيع السلم، فإنه في أصل القياس باطل لأنه بيع معدوم، وبيع المعدوم باطل. لكن ثبت الترخيص به في النص وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَ [بِالسُنَّةِ] بحديث: «مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ

стр. 22

مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» متفق عليه (١). ومثال استحسان السنة: عقوبة الزاني المحصن بحد الرجم، فإن القياس أن يحد مائة جلدة قياسًا على البكر، لكن ثبت الرجم للمحصن بأحاديث " الصحيحين " على خلاف القياس. ومثال استحسان الإجماع: الاستصناع: كأن يتعاقد مع الخياط على قميص كذا من قماش كذا بقيمة كذا، وهذا عقد صحيح عند الحنفية، مع أن «القياس يأبي عنه» كما قالوا، «إلا أنه انعقد الإجماع على جوازه في الصدر الأول، لأنهم كانوا يتعاملون به من غير نكير (٢). ومثال استحسان الضرورة: طهارة الحياض والآبار بعد تنجسها، والقياس يقتضي أن الحياض والآبار إذا تنجست لا تطهر أَبَدًا، لبقاء الماء المنجس ولو قليلاً وكذلك أرضه نجسة. إلا أنه حكم بالطهارة للضرورة والوقوع في الحرج العظيم (٣). حُجِّيَّةُ الاِسْتِحْسَانِ: دار بين المتقدمين من العلماء نقاش كثير حول حُجِّيَّةِ الاستحسان ومشروعية العمل به، وأول من نقل إلينا كلامه في نقد الاستحسان هو الإمام الشافعي ﵁، وذلك أنهم قالوا: إن الاستحسان إثبات للحكم الشرعي بالرأي المجرد، أو باتباع ما يستهوي النفس، وهو

стр. 23

ترك للقياس الذي هو حجة إلى ما ليس بحجة، وكل ذلك حرام لا يجوز في شرع الله تعالى، حتى إن الإمام الشافعي ﵁ قال: «مَنْ اِسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ» أي أن من أثبت حُكْمًا بأنه مستحسن عنده من غير دليل من الشارع فهو المشرع لذلك الحكم، حيث لم يأخذه من الشارع (١). والحقيقة أننا إذا تأملنا حقيقة الاستحسان التي لخصاناها في تعريفه كما هو عند الحنفية لا نجد تَرَدُّدًا في قبوله والالتزام بحجيته، وذلك هو ما آل إليه عمل المحققين من مختلف المذاهب، وأسوق في ذلك هذا النص من كلام العلامة التفتازاني الشافعي المذهب فإنه يعبر عن جوهر القضية ببيان شاف وكاف، قال التفتازاني - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: (٢) «والحق أنه لا يوجد في الاستحسان ما يصلح محلاً للنزاع، إذ ليس النزاع في التسمية لأنه اصطلاح، وقد قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] وقال النبي ﷺ : «مَا رَآهُ المُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» (٣). ونقل عن الأئمة إطلاق الاستحسان في دخول الحمام، وشرب الماء من يد السقاء، ونحو ذلك وعن الشافعي ﵀ أنه قال:

стр. 24

«أستحسن في المتعة أن تكون ثلاثين درهما، واستحسن ترك شيء للمكاتب من نجوم الكتابة». وأما من جهة المعنى: فيلاحظ التفتازاني ملاحظة مهمة في الموضوع تبين سَبَبًا من الخلاف فيه، وهو اختلاف تعاريفهم للاستحسان، ومن ثم يخلص إلى هذه النتيجة فيقول (١): «ولما اختلفت العبارات في تفسير الاستحسان ـ مع أنه قد يطلق لغة على ما يهواه الإنسان ويميل إليه وإن كان مُسْتَقْبَحًا عند الغير، وكثر استعماله في مقابلة القياس ـ على الإطلاق ـ كان إنكار العمل به عند الجهل بمعناه مُسْتَحْسَنًا حتى يتبين المراد منه، إذ لا وجه لقبول العمل بما لا يعرف معناه». وهذا الذي قاله السعد التفتازاني الشافعي يقرره لنا بإيجاز دقيق وواضح الفقيه والأصولي الحنبلي ابن اللحام الذي انتهت إليه رئاسة الحنابلة في زمنه فيقول (٢): «الاستحسان: هو العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي خاص. وقد أطلق أحمد والشافعي القول به في مواضع. وقال به الحنفية، وأنكره غيرهم، وهو الأشهر عن الشافعي، حتى قال: "مَنْ اِسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ ". ولا يتحقق استحسان مختلف فيه». انتهى.

стр. 25

فهذه العبارة الأخيرة في كلام ابن اللحام مع تعريفه للاستحسان هي الفصل في الموضوع، فإنه بعدما استقرت الآراء على أن الاستحسان اسم لدليل متفق عليه، نَصًّا كان، أو إجماعًا، أوقياسًا خَفِيًّا إذا وقع في مقابلة قياس تسبق إليه الأفهام حتى لا يطلق على نفس الدليل من غير مقابلة فهو حجة عند الجميع من غير تصور خلاف. ثم إنه غلب في اصطلاح الأصول على القياس الخفي خاصة، كما غلب اسم القياس على القياس الجلي، تمييزًا بين القياسين». أَقْسَامُ الاِسْتِحْسَانِ وَالقِيَاسِ: ولما أن الاستحسان لا يكون إلا لدى معارضة القياس فقد ضبط الحنفية العلاقات بين القياس والاستحسان بتقسيم دقيق، وذلك تارة باعتبار القوة والضعف وتارة باعتبار الصحة والفساد، ويتحصل من تفاصيل ذلك أقسام كثيرة (١) لا يتسع المجال ههنا لذكرها. لذلك نكتفي بالتقسيم الرئيسي وهو أن نقول: إن الاستحسان ينقسم إلى قسمين: الأول ما خفي تأثيره، والثاني ما خفي فساده وظهرت صحته. وينقسم القياس كذلك إلى قسمين: الأول ما ضعف تأثيره، والثاني ما ظهر فساده وخفيت صحته. فإذا قابلنا كُلاًّ من قسمي الاستحسان وعارضناه بقسمي القياس كانت الأنواع أربعة.

стр. 26

وأقوى هذه الأنواع الأربعة: القسم الأول من الاستحسان، وهو الذي قوي أثره فإنه مقدم على القسم الأول من القياس وهو القياس الضعيف الأثر. ثم القسم الثاني من القياس وهو القياس الخفي الصحة، وهو مقدم على القسم الثاني من الاستحسان، وهو الاستحسان الخفي الفساد (١). مثال القسم الأول: وهو الاستحسان الذي قوي أثره فقدم على القياس الذي هو ضعيف الأثر: سؤر سباع الطيور، وهو الماء الذي يبقي في الإناء بعد أن يشرب منه طائر من الطيور المفترسة: القياس أن يكون هذا السؤر نَجِسًا، قِيَاسًا على سؤر سباع البهائم، لأن السؤر تابع في حكمه للحم الحيوان، ولحم سباع الطير حرام نجس عند الحنفية. لكن الاستحسان يقضي بطهارة سؤر سباع الطير كسؤر الآدمي، فإن القياس على سؤر الآدمي أقوى من القياس الأول، وإن كان الأول أظهر، وسبب ذلك ضعف علة القياس وهي مخالطة الرطوبة النجسة للسؤر، وهذه العلة لا توجد في سباع الطيور، إذ تشرب بمنقارها فيخالط منقارها الماء، أما لعابها فلا يخالط الماء، والمنقار عظم طاهر، وملاقاة الطاهر للماء لا تنجسه، فكان من هذا الوجه كسؤر الآدمي لكن قالوا فيه بالكراهة لأنها لا تتحرز عن النجاسة، كالدجاجة المخلاة (٢).

стр. 27

مثال القسم الثاني: وهو القياس الذي هو خفي الصحة وتقديمه على الاستحسان الذي هو ظاهر الصحة خفي الفساد: سجدة التلاوة إذا قرئت آية السجدة في الصلاة هل تدخل في ركوع الصلاة؟ القياس أنها تؤدى بالركوع في الصلاة، لأن المقصود منها هو تعظيم الله تعالى مخالفة للمتكبرين من المشركين، ويدل على ذلك وقوع التداخل فيها، إذا قُرِئَتْ مِرَارًا في مجلس واحد، أو سُمِعَتْ مِرَارًا في مجلس واحد أجزأت سجدة واحدة. وهو قول الحنفية. أما الاستحسان فيقضي أن لا يجوز كما هو قول الأئمة الثلاثة، قِيَاسًا على سجود الصلاة، لا ينوب عنه ركوعها، فكذا هذا أيضًا، لأن كُلاًّ منهما هو غير المأمور به. لكن الحنفية رأوا هذا الاستحسان فاسدًا باطنًا، لأن كُلاًّ من الركوع والسجود مطلوب في الصلاة بطلب يخصه، فلا يتأدى أحدهما بالآخر، بخلاف سجدة التلاوة فإن السجود غير مقصود بالذات إنما المقصود هو التعظيم عند قراءة هذه الآيات وهو كما يحصل بالسجود يحصل بالركوع. وقد يعترض على الحنفية بأن هذا يوجب أن تؤدى سجدة التلاوة بالركوع خارج الصلاة أيضًا؟ أجاب الحنفية عن هذا بأن الركوع لم يعرف قربة خارج الصلاة، والتعظيم إنما يكون بما هو قربة معتبرة شَرْعًا، فلا بد حينئذ من السجود (١).

стр. 28

و [يؤيد] (*) مذهب الحنفية في هذا ما ورد من الآثار عن بعض الصحابة. فعن ابن عمر: أنه كان إذا قرأ «النجم» و «اقرأ باسم ربك» في صلاة وبلغ آخرها كَبَّرَ وَرَكَعَ، وإن قرأها في غير صلاة سجد. وعن ابن مسعود أنه سئل عن سجدة تكون في آخر السورة أيسجد لها أم يركع؟ قال: «إِنْ شِئْتَ فَارْكَعْ، وَإِنْ شِئْتَ فَاسْجُدْ ثُمَّ اقْرَأْ بَعْدَهَا سُورَةً» (١). قال المحقق ابن امير الحاج: «ولم يرو عن غيرهما خلافه، بل ذكره ابن أبي شيبة عن علقمة وإبراهيم والأسود وطاوس ومسروق والشعبي والربيع بن خُثيم وعمرو بن شرحبيل» (٢). وهكذا ضبط الحنفية هذا النوع من أدلة الأحكام الشرعية، والذي يأتي بمثابة استثناء من الإطراد في الأحكام، فجعلوا هذا الاستثناء مُقَعَّدًا بقواعد ينظر فيها إلى الطرفين المتقابلين: نص في مقابلة القياس، أو قياس خفي في مقابلة القياس الجلي. ونختم هذه اللمحة الموجزة بهذه الملاحظة القيمة التي أتوا بها حيث قالوا:

стр. 29

إن الاستحسان إن كان قياسًا خَفِيًّا يقابل القياس الجلي فإنه يتعدى إلى الصور الأخرى وسائر المسائل التي توجد فيها علة الاستحسان، أما إذا كان دليلاً آخر غير ذلك فلا يتعدى إلى غيره. وسبب ذلك في القسم الأول أنه قياس، ومن شأن القياس التعدية، أما في القسم الثاني فإنه معدول به عن سنن القياس، وما كان معدولاً به عن سنن القياس فغيره عليه لا يقاس (١). • • •

стр. 30

المَبْحَثُ الرَّابِعُ: فِي خَبَرِ الوَاحِدِ الصَّحِيحِ وَحُجِّيَّتِهِ: هذا الموضوع هو أَهَمُّ ما نقصد له في بحثنا هذا، وذلك لما وقع في شأن الحديث الصحيح الآحادي من تطرف، ولا سيما في عصرنا هذا. لقد غلا بعضهم في قبول الحديث الصحيح الآحادي حتى بدا كأنه يرى أن أحدًا غيره لا يعمل بالحديث!! (١) وَفَرَّطَ آخر في شأنه حتى كان الحديث الصحيح لا يعني شيئًا ملزمًا عنده. والجدير بالذكر ها هنا أن مذهب الحنفية في هذا الموضوع لا يختلف عما قرره جماهير أئمة العلم، إلا في بعض الجزئيات، وإن كان قد شاع في ظن كثير من الناس توهم غير ذلك، ولذلك فإنا سنبحث مسألة خبر الواحد الصحيح بصورة عامة لدى الأصوليين، ونوضح ما تفرد الحنفية به. تَقْسِيمُ الخَبَرِ مِنْ حَيْثُ عَدَدِ رُوَّاتِهِ: يقسم جمهور علماء أصول الفقه الخبر من حيث عدد وراته إلي قسمين:

стр. 31

القسم الأول: المتواتر: وهو الخبر الذي رواه جمع كثير يستحيل تواطؤهم علي الكذب عن جمع مثلهم إلي نهاية السند، وكان مستندهم الحسّ. أي أن يكون الخبر نقلا لأمر يدرك بإحدي الحواس، وليس أمرا عقليا، فكون الواحد نصف الاثنين يقول به كل الخلق، وليس هو من المتواتر لأنه أمر عقلي. ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة صلي الله عليه وسلم أمر مشاهد بالحس، وقد نقله جميع كبير ستحيل تواطؤهم علي الكذب عن جمع مثلهم إلي الطبقة الذين شاهدوا المعجزة، وهم كثير كذلك رضي لله عنهم، فهو إذن خبر متواتر. القسم الثاني خبر الواحد أو الآحاد: وهو كل ما لم يبلغ درجة التواتر، بأن كان له سند واحد فقط، أو إسنادان، أو أكثر لكنه لم يبلغ رتبة التواتر. وقد وافق الحنفية علي التقسيم وعلي أحكام كل قسم في اصطلاحهم، وأضافوا قسما آخر ثالثا هو المشهور والمشهور عند الأصوليين الأحناف: هو الخبر الذي كان آحاديا في الأصل، ثم تواتر في القرن الثاني والثالث مع قبول الأمة له، كما في مسلّم الثبوت. قال في شرحه فواتح الرحموت: «وان لم يكن كذلك فهو خبر الواحد (١). وقد تسرع بعض العصريين ـ الذي أومأ إله بحثنا ـ فانتقد هذا التقسيم عند الحنفية، دون أن يكلف نفسه البحث عن وجهة لهم أو

стр. 32

عذر. وحسبنا لو نظرنا إلى علاقة الأقسام أن نلحظ أن الحنفية منطقيون في جعل القسمة ثلاثية، لأن القسم الثالث المشهور قسم مركب من القسمين الأول والثاني، مما يجعل أفراده في التقسيم عملاً مقبولاً، فضلاً عن الأثر الذي يترتب على ذلك، مما أقره من حيث المبدأ العلماء الآخرون، كما سنوضحه أن شاء الله تعالى. وقد أقر الحافظ ابن حجر هذا القسم، بل جعله مما يفيد العلم النظري لا الضروري، لأنه احتف بقرينة رفعته عن حكم الآحاد الظني فهو يفيد علم الطمأنينة، دون علم اليقين وفوق غلبة الظن. لكن يجب ان يعلم القارىء أن خبر الواحد الذي ذكرنا معناه هنا ليس خَاصًّا بالصحيح، بل هو مشترك، منه ما هو صحيح ومنه ما ليس كذلك، لكن بحثنا هنا خاص بخبر الآحاد الصحيح، وهو الذي توفرت فيه الشروط التي تجعله موصوفًا بالصحة باتفاق العلماء. الحديث الصحيح: هو الحديث الذي اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله من أول السند إلى منتهاه ولم يكن شاذًا ولا مُعَلاًّ. وهذه الشروط خمسة، نوضحها فيما يأتي: [شروط الحديث الصحيح] (*): الشرط الأول: العدالة: وهي مَلَكَةٌ تحمل صاحبها على التقوى واجتناب الأدناس وما يخل بالمروءة عند الناس. وشروطها: العقل والبلوغ، والإسلام والتقوى، ومراعاة العرف الاجتماعي الصحيح، وهذه الشروط تحقق صدق الراوي وتوازن شخصيته.

стр. 33

الشرط الثاني: الضبط: وهو استيعاب الحديث حفظًا عن ظهر قلب أو تقييده في كتاب إلى أن يرويه كما سمعه. وللضبط مقياس دقيق وضعه العلماء، عَوَّلُوا عليه في كشف مستوي حفظ الراوي للحديث، وهو كما لخصه الإمام ابن الصلاح: (١) «أَنْ نَعْتَبِرَ ـ أي نقايس ـ رِوَايَاتِهِ بِرِوَايَاتِ الثِّقَاتِ المَعْرُوفِينَ بِالضَّبْطِ وَالإِتْقَانِ، فَإِنْ وَجَدْنَا رِوَايَاتِهِ مُوَافِقَةً - وَلَوْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى - لِرِوَايَاتِهِمْ، أَوْ مُوَافِقَةً لَهَا فِي الأَغْلَبِ وَالمُخَالَفَةُ نَادِرَةٌ، عَرَفْنَا حِينَئِذٍ كَوْنَهُ ضَابِطًا [ثَبْتًا]، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ كَثِيرَ المُخَالَفَةِ لَهُمْ، عَرَفْنَا اخْتِلاَلَ ضَبْطِهِ، وَلَمْ نَحْتَجَّ بِحَدِيثِهِ». فإذا اجتمع في الراوي هذان الركنان: العدالة والضبط فهو حجة يلزم العمل بحديثه إذا استوفى الحديث بقية شروطه، ويطلق على الراوي حينئذ «ثقة». وذلك لأنه تحقق فيه الاتصاف بالصدق، وتحلى بقوة الحفظ الذي يُمَكِّنُهُ من استحضار الحديث وأدائه كما سمعه، فتحقق أنه أدى الحديث كما سمعه فصار حجة، وإذا اختل فيه شيء من خصال الثقة كان مردود الحديث بحسب الاختلال الذي لحقه». وتحقيق هذين الشرطين في توثيق الراوي يستدعي استيفاء النظر فيه من جميع وجوه البحث في الرواة، تتركز في وجهين يجمع كل واحد منها عَدَدًا من علوم الحديث وقواعده:

стр. 34

الوجه الأول: البحث في الراوي من حيث تحديد شخصه، أي بعبارة عصرنا تحصيل ما يسمى الآن بطاقة شخصية «تذكرة هوية» للراوي، وذلك من ناحيتين: الناحية الأولي: ناحية اسم الراوي واسم أبيه وقبيلته ونسبته وتميزه عما يشابهه في شيء من ذلك من أسماء الرواة، وذلك من أسماء الرواة، وذلك بدرساته في ضوء مجموعة علوم تدرس الرواة من هذه الناحية تبلغ ثلاثة عشر عِلْمًا في أصولها، سميتها علوم أسماء الرواة. وهي: ١ - معرفة المبهمات، أي من أغفل اسمه من الرواة. ٢ - من ذكر باسماء متعددة. ٣ - الأسماء والكنى. ٤ - الألقاب واسماء أصحابها. ٥ - المنسوبون إلى غير آبائهم، كمن نسب إلى جده أو مربيه. ٦ - النسب التي على خلاف ظاهرها، وكأن ينسب إلى قبيلة غير قبيلته لسكناه فيها. ٧ - الموالي من الرواة ونوع ولاء الراوي.

стр. 35

٨ - أوطان الرواة ونسبتهم إليها. ٩ - الأسماء المفردة والكنى التي لم يسم بها غير راو واحد. ١٠ - المتفق والمفترق، وهو أن يتفق اسم راويين أو أكثر كتابة ونطقا كأن يكون اسمهما محمد أو عبد الله .. وكيف يميز كل واحد. ١١ - المؤتلف والمختلف وهو أن يتفق اسم الراويين في صورة الخط ويختلف في اللفظ مثل يزيد وتزيد وبريد. ١٢ - المتشابه ويتركب من النوعين السابقين مثل: موسى بن عَلِيٍّ وموسى بن عُلَيٍّ. ١٣ - المتشابه المقلوب وهو عكس السابق. الناحية الثانية: تحديد شخص الراوي من حيث وجوده الزماني والمكاني وذلك بمجموعهة علوم نسميها «علوم الرواة التاريخية» يبلغ عدد أصولها عشرة أنواع من العلوم. وهي: ١ - تواريخ الرواة، وفيها مواليدهم ووفياتهم ورحلاتهم. ٢ - طبقات الرواة، أي أجيالهم العلمية. ٣ - التابعون وهم الذين شافهوا الصحابة. ٤ - أتباع التابعين. الذين شافهوا التابعين. ٥ - الإخوة والأخوات الذين لهم روايات. ٦ - رواية الأقران عن بعضهم. ٧ - رواية الأكابر عن الأصاغر، مثل رواية الشيخ عن تلميذه.

стр. 36

٨ - السابق واللاحق وهو أن يروي اثنان عن راو واحد وبين وفاتيهما أمد بعيد. ٩ - رواية الآباء عن الابناء. ١٠ - رواية الأبناء عن الآباء. فيهما تعيين الأسماء التي ربما لا تذّكر، وبيان ما قد يكون غير متصل الوجه الثاني: البحث في الراوي من جهة العلوم التي تُعَرِّفُ بحاله من حيث القبول أو الرد. وهي: ١ - صفة (أي شروط) من تقبل روايته. ٢ - الجرح والتعديل. ٣ - الصحابة لان وصف الصحبة تعديل للصحابي. ٤ - معرفة الثقات والضعفاء. ٥ - من اختلط ـ أي اختل ضبطه في آخر عمره من الثقات. ٦ - الوحدان: وهو الذي لم يرو عنه غير راو واحد وحكمه أنه مجهول إن لم يوثّق. ٧ - المدلّسون. الشرط الثالث: الاتصال: أي اتصال السند: ومعناه أن يكون كل واحد من رواة الحديث قد تلقاه ممن فوقه من الرواة من أول السند حتى يبلغ التلقي قائله.

стр. 37

وهذا الشرط يستدعي البحث من جهتين: الأولى: بحث السند من حيث الاتصال أو الانقطاع: فإذا كان متصلاً بقانون أي نوع من أنواع الاتصال ـ وهي سبعة أنواع، كان مقبولاً إذا ثبت استيفاؤه بقية الشروط الشروط المطلوبة لصحة الحديث. وهذه الأنواع السبعة هي: ١ - المتصل، وهو ما سمعه كل راو ممن فوقه. ٢ - المُسْنَدُ وهو المتصل المرفوع إلى النبي ﷺ خاصة. ٣ - المعنعن وهو ما وقع في سنده «عَنْ فُلاَنٍ». ٤ - المؤنن وهو أن يقع في سنده «أَنَّ فُلاَنًا». ٥ - المسلسل: هو ما تتابع رجال إسناده علي حال واحدة. ٦ - ٧ ـ العالي وهو ما قل عدد رواة سنده، والنازل ما كثر رواة سنده. أما إذا كان منقطعًا بموجب أي قانون من قوانين أنواع الانقطاع كان غير مقبول وهذه الأنواع ستة نبينها فيما يأتي: ١ - المنقطع، وهو كل ما لا يتصل سنده بأي حال. ٢ - المُرْسَلُ، ما رفعه التابعي دون ذكر الواسطة. ٣ - المُعَلَّقُ، وهو ما حذف أول سنده. ٤ - المُعْضَلُ، ما سقط منه اثنان في موضع واحد.

стр. 38

٥ - المُدَلَّسُ، وهو ما أوهم فيه الراوي الاتصال بصيغة محتملة وهو غير متصل. ٦ - المُرْسَلُ الخَفِيُّ، وهو ما رواه الراوي عمن عاصره ولم يلقه. الجهة الثانية: قوانين الرواية وهي خمسة أنواع من العلوم الحديثية، ولها صلة وثيقة بالاتصال؛ لأن بعض طرق تحمل الحديث لا يعتبر الحديث به متصل بالسند، مثل الوِجَادَةِ، كما أن المقبول منها درجاته متفاوتة. فضلا عن دلالة هذه العلوم على جانب التوثيق السابق فيما يتبين من تطبيق الراوي لها بدقة، أو تساهله فيها، وبيان مدى ذلك التساهل. وهذه الأنواع الخمسة من علوم الحديث هي: ١ - كيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه. ٢ - صفة رواية الحديث وشروط أدائه. ٣ - كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب. ٤ - آداب المحدث. ٥ - آداب طالب الحديث. الشرط الرابع: ألا يكون الحديث شاذًا: الحديث الشاذ هو ما رواه الثقة مخالفًا لمن هو أوثق منه بمزيد ضبط، أو كثرة عدد. وينقسم إلى قسمين: شاذ المتن وشاذ السند. والسبب في اشتراط عدم الشذوذ أن الثقة إذا خالفه من هو أقوى منه كان ذلك دليلاً على أن هذه الثقة قد وهم في رواية هذا الحديث. وقد

стр. 39

يقال: ما فائدة هذا الشرط طالما أننا اشترطنا في الراوي أن يكون ضابطا؟. والجواب أن الضبط مَلَكَةٌ بالنسبة لجملة أحاديث الراوي، إلا أنه قد يحتمل أن يقع منه وَهْمٌ في بعض ما يرويه، لذلك صرحوا بنفي الشذوذ. وذلك يعني أن يكون الحديث منسجمًا مع الأحاديث المعروفة المُسَلَّمَةِ في موضوعه. الشرط الخامس: ألا يكون الحديث مُعَلاًّ: والحديث المعلل هو الحديث الذي اطُّلِعَ فيه على علة تقدح في صحة الحديث مع أن ظاهرة السلامة منها. وهو على قسمين: معلل السند، ومعلل المتن. وهذا الشرط يفيد في خلو الحديث من أي وصف قادح في صحة الحديث يكون الحديث بحسب الظاهر سليمًا منه (١). وهذان الشرطان الأخيران يستوجبان بحث الحديث من ناحية متنه في ضوء علوم المتن كلها، وذلك لأنه لا يمكن الحكم على المتن بلا شذوذ أو الإعلال أو بسلامته منهما إلا بعد دراسته من جميع الوجوه، وقد تكفلت بذلك علوم المتن.

стр. 40

وعددها ثمانية علوم هي ١ - الحديث القدسي. ٢ - المرفوع وهو ما نسب إلى النبي ﷺ . ٣ - الموقوف وهو ما نسب إلى الصحابي. ٤ - المقطوع وهو ما نسب إلى التابعي. ٥ - غريب الحديث، وهو بيان معنى الألفاظ الغامضة. ٦ - أسباب ورود الحديث. ٧ - ناسخ الحديث ومنسوخه. ٨ - مختلف الحديث، وهو ما أوهم معنى باطلاً أو معارضًا للأدلة وكيفية حل إشكاله. كذلك يستوجب هذان الشرطان بحث الحديث من ناحية تفرد الراوي به أو عدم تفرده، وأنه قد تعدد رواته، وهل التعدد وقع من الرواة مع الاختلاف في المروي، وهو بحث يشترك فيه السند والمتن، وفيه ثلاث مجموعات من علوم الحديث هي: أولاً: تفرد الراوي بأي نوع من أنواع التفرد في الحديث الغريب والفرد. ثانيًا: مجموعة علوم تعدد رواة الحديث مع اتفاقهم، والعلوم الأساسية في هذه المجموعة هي: ١ - العزيز وهو ما رواه اثنان. ٢ - المشهور: وهو ما رواه ثلاثة فأكثر، ولم يبلغ درجة التواتر. ٣ - المتواتر: وهو ما رواه جمع كثير يستحيل تواطؤوهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه وكان مستندهم الحِسُّ.
следующие страницы →