Полный текст (7 187 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
قال ابن حبيب، عن مطرف، وابن الماجشون: إذ شتم الخصم صاحبه، يقول: يا فاجر، يا ظالم، ونحو ذلك، فيلزجر ويضرب على مثل هذا، ما لم يكن فلتة من ذي مروءة، فليتجاف عن ضربه حتى يكون جلوسهم عنده بدعة حسنة وصمت ووقار وحلم، فإنه من لم ينصف الناس في أعراضهم، لم ينصفهم في أقوالهم.
قال سحنون، في كتاب ابنه، والمجموعة: إذا تناول الخصم أحد الشاهدين بما لايصلح؛ يقول: شهدتم علي بزور، أو بما يسألكم الله عنه. أو يقول: ما أنت من أهل العدل، ولا من أهل الدين. فلا يمكن الخصم من هذا لأهل الفضل، والقدر، والعدالة، ويكون أيضا على قدر القائل والمقول له؛ فمنهم معروف بالأذى، معاود له، فأدبه بقدر جرمه، وشدة ما انتهك من حرمة الرجل على قدر الرجل المنتهك حرمته في فضله وعدالته، وعلى قدر الشاتم في أذى الناس، وما عرف منه، وإن كان ممن ذلك منه فلتة، أو زلة، وهو من أهل الفضل، وكانت ضارها، فليتجاف عنه، ويشدد عليه، وليتقدم إليهم في ذلك، وذلك بعد التقدمة أبين وأشد.
قال ابن كنانة، في المجموعة: إذا قال الخصم لشاهد: شهدت علي بالزور. فإن عنى أن ما شهدت به علي باطل، فلا يعاقب، وإن كان إنما قصد أذاه، والشهرة له، نكله الإمام بقدر حال الشاهد والمشهود عليه.
قال محمد بن عبد الحكم: وإذا قال الخصم للقاضي: اتق الله. فلا ينبغي، ولا يضيق بذلك، ولا يكثر/ عليه، وليتثبت، وينظر، ويجيبه صوابا لينا، مثل أن يقول: رزقني الله تقواه. أو يقول: ما أمرت إلا بخير، وعلينا وعليك أن نتقي الله.
وليبين له من أين يحكم؟ وكذلك لو قال له: اذكر الله. فإن بان له أمر، فقال له: إن من تقواي الله أن آخذ منك الحق إذا بان لي. أو يقول: ولولا تقوى الله ما حكمت عليك. من غير أن يظهر عليه لذلك غضب. [٨/ ٦٤]
стр. 3537
في القاضي وما يحكم فيه بعلمه أو بما أقر به الخصم عنده أو ما يرى ، وشهادة البينة تشهد أن فلانا القاضي حكم بشهادتهما
ومن المجموعة قال أشهب: عن مالك، في القاضي تكون عنده شهادة الرجل، فإن لا يقضي بشهادته. وقال عنه ابن القاسم: وإذا رأى حدا من حدود الله تعالى، فلا يقمه بعلمه، وكذلك إن كان معه غيره، ولا يتم الحكم إلا به، فلا يقمه، وليرفع ذلك إلى غيره، ويكون شاهدا.
قال ابن كنانة: إذا سمع قاض بالرجل، أو رأى رجلا سكرانا، فليرفع ذلك إلى غيره، ثم شهد، وكذلك إن كان معه رابع أربعة في الزنى. وقاله أشهب. وإن كان أربعة سواه، أقام الحد هو.
ومن كتاب ابن سحنون، وابن وهب: أن الصديق، ﵁، قال: لو رأيت رجلا على حد من حدود الله، ما أحدته، ولا دعوت إليه حتى يكون معي غيري.
قال أصبغ في كتابه: لا يقضي بعلم علمه قبل أن يلي، أو بعد، وإن كان في مجلس قضائه. وقاله/ مالك: فأما إذا جلس الخصمان إليه، فأقر أحدهما بشيء، وسمعه، فجائز له أن يقضي به بينهما، ولو كان غير هذا لاحتاج إلى أن يحضر معه شاهدين أبدا يشهدان على الناس. وكذلك قال ابن الماجشون في المجموعة، وبه يأخذ سحنون.
ومن كتاب ابن المواز، وغيره: قال ابن القاسم، وأشهب: لا يقضي القاضي بذلك، لا بما أقر عنده في مجلس القضاء، أو غيره، لا في حد ولا في غيره.
محمد بن المواز: وليس بين أصحاب مالك في هذا اختلاف علمناه. وقاله مالك. قلت: أفيشهد بذلك عليه عند غيره؟ قال: أما شهادة عنده عليه غير [٨/ ٦٥]
стр. 3538
الإقرار في المخاصمة، فليرفع ذلك، ولم أر أنه يقضي بها، وأما إقراره عنده في المخاصمة، فاختلف فيه قول ابن القاسم؛ فقال: لا يجوز وإن عزل. وقال: يجوز. والأول أحب إلينا؛ لأنه كأنه يثبت حكم نفسه، فإن جهل فأنفذ عليه هو حكمه بما أقر به عنده في مجلس الحكم، ولو شهد عليه بذلك غيره، فلينقض هو ذلك ما لم يعزل، فأما غيره من القضاة، فلا أحب له نقضه في الإقرار خاصة في مجلس، وأما ما كان من ذلك قبل أن يستقضي، أو رآه، وهو رآه. وهو قاض نفسه، أو سمعه من طلاق، أو زنى، أو غصب، أو أخذ مال وهو قاض، أو قبل القضاء، فلا ينفذ منه شيء، فإن نفذ منه شيء، فلا ينفذه أحد غيره من الحكام، ولينقضه، وإن كان عنده في إقراره قوم عدول، فإنه يؤخذ بما كان للناس، وقد اختلف فيما كان لله تبارك وتعالي، فقيل: لا يقبل/ منه رجوعه إلا يعذر بين. وقيل: يقبل منه.
قال ابن القاسم في المجموعة: وإن رآه الخليفة على حد، رفعه إلى قاضيه، وكل ما ذكر من أول المسألة، عن ابن القاسم، روي مثله عيسى بن دينار عنه.
قال أشهب في كتاب محمد: لا يقام هذا الحد أبدا، وأراه عذرا. قال عبد الملك في المجموعة، وكتاب ابن المواز: وينبغي أن يشهد بما فيه شاهد عند أمثاله من أمير له، أو قاض، أو من تحته، وقد تحاكم عمر ﵁، إلى أبي، حكم عليه باليمين، فأخذ يحلف في سواك في يديه: إن هذا من أراك. ليري إباحة اليمين للمحق.
قال في كتاب ابن المواز: وإذا أخذ صاحب الشرط سكرانا، فسجنه، وشهد عليه هو وآخر معه، فلا تجوز شهادته؛ لأنه صار خصما، ولو رفعه قبل سجنه، جازت شهادته عليه إن كان عدلا مع آخر، وإن شهد السلطان وآخر [٨/ ٦٦]
стр. 3539
معه: إن هذا سرق متاعا لهذا السلطان، ولابنه أو لغيره، فلا يقطعه، وليرفعه إلى من فوقه، أو إلى من ليس ولايته من قبله، وإن شهد رجلان سواه أنه سرق متاع السلطان، قطعه، ولم يعرف حتى يرفعه إلى غيره.
ومن كتاب ابن سحنون: وإذا رأى القاضي في غير مصره شيئا من حقوق الناس، أو رآه في مصره، فلا يقضي فيه إلا أن تشهد عليه بينة غيره عنده في مصره الذي ينفذ فيه حكمه، أو شهد هو به مع غيره عنده من هو فوقه.
ومن المجموعة: قال ابن القاسم، عن مالك: وإن سمع قاذفا برجل ومعه غيره، أقام عليه حد الفرية/، ولم يجز عفو عن القاذف إلا أن يريد سترا. وقد روي عن مالك، في غير المجموعة: أنه يقبل عفوه، وإن لم يرد سترا، وأما في الأب، فيقبل عفوه فيه على كل حال.
قال ابن القاسم: وإن رأى من يغتصب مالا، فلا يحكم عليه وهو شاهد، فإن كان معه آخر، فلا يحكم إلا بشاهده مع يمينه، وإن لم يكن غيره، شهد له عند غيره، وحلف معه.
ومن كتاب ابن سحنون: عن أبيه: وإذا وجد القاضي في ديوانه صحيفة فيها شهادة بينة لا يحفظ أنهم شهدوا عنده، فليقض بذلك بعد أن يكون فيها من الصفة ما وصفت لك في قمطره وتحت خاتمه وخط يده، وإلا أضر ذلك بالناس، وهذا مذكور في باب بعد هذا.
ومن المجموعة: قال مالك، وابن القاسم، وأشهب: الإقرار عند القاضي في سلطانه، أو قبل سلطانه سواء وكذلك في إقرار الخصوم عنده، لا يحكم بشيء من ذلك. قال أشهب: وإن ما وجد في ديوانه مكتوبا من إقرار الخصوم عنده، فإن قامت على ذلك بينة، أنفذها، وإن لم يكن إلا هو وكاتب عدل، شهدا عند من هو فوقه، فأجازه، وإن وجده قضى بشهادته مع يمين الطالب. [٨/ ٦٧]
стр. 3540
وقال ابن الماجشون نحو ما ذكرنا عن أصبغ في كتابه قبل هذا: أنه لا يحكم بعلمه قبل أن يلي أو بعد مما يرى أو يسمع من العلم؛ لأنه كالشاهد لنفسه؛ إذ يمضي بشهادته نفسه، فأما ما أقر به الخصوم عنده في خصومتهم، ليقض به، قال سحنون: هذا أحب إلي/ من قول ابن القاسم، وأشهب.
قال سحنون في كتاب ابنه: وإذا رأى القاضي وهو في مجلس القضاء أو غيره، أو قبل أن يلي من يغصب رجل مالا، أو يقذفه، أو يعقد معه بيعا، أو يجرحه، أو يقتله، أو يعتق، أو ينكح، فهو شاهد في هذا كله ولا ينفذه، وليشهد به عنده غيره، فيقضي له إن كان معه غيره.
قال ابن حبيب، عن ابن الماجشون نحو ما ذكر عنه ابن عبدوس، وقال فيما علمه في غير مجلس قضائه: إن لم يكن أمير فوقه، ولا وال تحته، ولا صاحب شرطة، ولا أمير يحكم بين الناس، فلا بأس أن يرفع ذلك إلى رجل من رعيته.
وقال: وإن أبي المطلوب أن يواضعه عند من رأى القاضي أو يواضعه عنده، وليس بالبلد ناظرا غيره، فواجب أن يجبر الخصمين على التراضي برجل يتحاكمان إليه، ثم يضع شهادته عنده، فيحكم بما ظهر، وأما ما أقر به الخصوم في مجلسه، فله هو أن يحكم به. قال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب، والمجموعة: وقاله ابن المواز، وأما معرفته للشاهد بجرحة أو عدالة، فلينفذه بعلمه. وقاله ابن كنانة، ولا يكلف من علم عدالته تعديلا.
قال ابن الماجشون: وإذا علم من الشاهد جرحة، وعدله عنده المعدلون، فلا يقبله بحال، لأنه مما إليه خاصة، كما يمضي علمه بعدالته. وقاله أشهب. وقال: وأحب إلي أن يرفع شهادته إلى من هو فوقه، فيخبره فيه بعلمه، فيكون شاهدا عليه عند غيره، فتجوز شهادته عند المرفوع إليه، أو تسقط؛ لأن إسقاطه الرجل/ بعلمه يستشفع عليه، ولا ينبغي له أن يكون حكما بشهادته.
قال ابن الماجشون في الكتابين: ولو كان لا ينفذ في التجريح والتزكية عليه [٨/ ٦٨]
стр. 3541
ما أجاز عدلا ولا مسخوطا إلا بشاهدين، ولا أجاز الشاهدان إلا بشاهدين، فاستحال الأمر وبطل.
قال ابن القاسم، وابن كنانة، في المجموعة: إذا علم منه الجرحة يأتي بمعدل، ولا يقبله منه. وقاله ابن القاسم في المجموعة، وقاله أصبغ في كتاب ابن المواز وكتاب ابن حبيب، ومعنى ذلك: إذا شهد عنده بحدثان ما علم منه، فأما إن طال زمان ذلك وتقادم، فلا يطرح شهادته بما علم منه، فلعله قد تاب اجتهد في الخير، وكذلك في العتبية، في رواية عيسى، قال عيسى: معناه مثل ما قال أصبغ سواء.
قال سحنون في كتاب السير: لو شهد عندي عدلان مشهوران بالعدالة، وأنا أعلم بخلاف ما شهدا به، لم يجز لي أن أحكم بشهادتهما، ولم يجز لي ردها لظاهر عدالتهم، ولكن أرفع ذلك إلى الأمير الذي هو فوقي، وأشهب بما علمت، وغيري بما علم، فيرى رأيه.
ولو شهد شاهدان ليسا بعدلين على أمر علم أنه حق، فلا يقضي بشهادتهما؛ لأني أقول في كتاب حكم: بعد أن صحت عندي عدالتهما، وإنما صحت عندي جرحتهما.
وقال عبد الملك في المجموعة: ولو شهد عند الحكام شاهدان؛/ إما مجرحان، وإما من لا يقبلهما إلا بتعديل فيما يعلم القاضي أنه الحق، فلا ينفع ذلك علمه بأن ذلك حق، وليكلفه التعديل، وأما إن شهد عدلان فيما يعلم أنه باطل، إما وهما أو غلطا، فلا ينبغي له أن يمضي باطلا بعلمه، ولا يبطل الشهادة، ولكن يرفع علمه إلى غيره من الحكام، فيؤدي له شهادته. وقاله ابن كنانة، وكذلك في كتاب ابن حبيب، عن ابن الماجشون. [٨/ ٦٩]
стр. 3542
ومن كتاب ابن المواز: قلت: إذا شهد عنده عدول في أمر يعلم خلاف ما شهدوا به أيتوقف؟ قال: وقوفه رد لشهادة العدول، ولكن تنفذ شهادتهم بعد الانتظار اليسير، واستحسن لو خلا بهم، فأعلمهم بعلمه وشهادته، فلعله ينكشف لهم أو له ما وراء ذلك، فإن لم يكن ذلك، فليحكم بشهادتهم، وليعلم المشهود عليه أن له عنده شهادة، فيرفع ذلك المحكوم عليه إلى من فوقه، فإن لم يكن له أحد إلا تحته، فقول أشهب: إنه لا يجيز رفع ذلك إلى من تحته. وأجاز ذلك عبد الملك، واحتج بفعل عمر، ﵁.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا شهد عنده عدل معروف بالعدالة، والقاضي يعلم أنه شهد بباطل، وأن الحق غير ما شهد به، فلا يحكم بذلك، ولا يبطل الشهادة، وليرفع القاضي شهادته إلى غيره، ويشهد بتلك الشهادة للقائم بها.
قال أبو محمد: قوله: إنه شهد بباطل. ليس يعني أن القاضي علم جرحة فيه، ولا تعمد كذبا، ولكن القاضي قال ذلك الحق بوجه ما، ولو علم منه جرحة، لجاز له أن يسقط شهادته بعلمه/، إلا ما استحسن أشهب فيما تقدم ذكره.
قال في المجموعة المغيرة وأشهب في البينة تشهد بحق لرجل، والقاضي يعلم بينهما غيره. وقال أشهب: فيشهد عنده بما يعلم.
قيل لهما: فلو جاز للقاضي أن لا يأخذ له بينة إذا علم أنه مبطل، ولم يجز له أن يعطي بعلمه إذا لم يعلم ذلك غيره؛ فقالا: لأن القاضي يجوز له أن يترك القضاء بعلمه، ولا يجوز له أن يحكم في شيء لأحد على أحد بعلمه، الذي قامت له البينة بحقه لا يقول: نزع مني حقي، وإنما يقول: لم يقض لي بحقي.
وأما ما يجده القاضي في ديوانه من إقرار وشهادة، فمكتوب في باب بعد هذا. وفي القاضي يقول: قد حكمت لفلان، ولا يعرف ذلك إلا من قوله.
ومن المجموعة: قال ابن القاسم، في شهيدين شهدا عند القاضي أن فلانا الذي كان قاضيا، وقد مات أو عزل، قد قضى لهذا الرجل بكذا وكذا بشهادتنا، [٨/ ٧٠]
стр. 3543
وأشهدنا على قضائه: أن شهادتهما جائزة في هذا كله إن كانا عدلين، ويصير كشهادة مبتدأة.
في شهادة كاتب القاضي على ما كتب، وأمينه على ما ائتمن عليه، ومن أمره بالقسم على قسمه ، وشهادة الطالب على شهادة من شهد عند القاضي في ديوانه، أو على حكم حكم به
من المجموعة: قال أشهب: وإذا ملك ما في ديوان القاضي/ بشهادة رجلين لرجل، ومن يد الرجل، فشهد كاتبان للقاضي، أو غيرهما على شهادة الشاهدين بذلك، فلينفذها، إلا أن يكون الشاهدان حاضرين، فليعدهما حتى يشهدا.
قال ابن القاسم: وإن شهد القسام فيما قسموا، لم تجز شهادتهما، كالقاضي يشهد على حكمه.
قال سحنون: تجوز شهادة كاتب القاضي في قضاء كتبه بيده، عزل عن الكتابة أو لم يعزل، يقول: كتبته بيدي إذا كنت كاتبا، أو: أنا شاهد على ما فيه، بخلاف قسام القاضي، أولئك يشهدون على فعل أنفسهم، وكذلك في كتاب ابن المواز، يشهد الكاتب وهو كاتب، أو بعدما عزل في الإقرار في مجلس الحكم، وفي شهادة عنده، بخلاف القسام. [٨/ ٧١]
стр. 3544
قال عبد الملك في المجموعة في من أقام شاهدا من كتاب الحكام، أنه كتب شهادة رجل، قال: ذلك يجوز، كأنه شاهد على شاهد إن كان عليه آخر، وإن لم يكن، قال له: اشهد. فقد قال مثل ذلك حين جاء يشهد، فكأنه أشهده، فإذا كان معه شاهد على معرفة خط الشاهد، أو بإشهاد من الشاهد له حيي الشاهد، ولا ينقل ذلك واحد.
قال ابن المواز: اختلف قول مالك، في الشهادة على خط الشاهد؛ فقال: لا يقضي بذلك كما لو سمعه يذكر شهادته، ولم يقل: اشهد على شهادتي. وعلى هذا أكثر أصحابه.
وقال أيضا، إنه يحكم بذلك. والأول أحب إلينا. وهذا مستوعب في كتاب الشهادات.
ومن المجموعة: قال عبد الملك، في المحلف الذي يرتزق، والقاسم الذي/ يؤاجر، شهادتهما جائزة فيما توليا.
قال ابن القاسم، في قوم كتب إليهم القاضي، أنه قضى لرجل بأرض، وسمى لهم البينة الذين حكم بهم، وأمرهم أن يحضروا البينة ليحدوا الأرض، ويدفعوها إلى المقضي له بها، فيفعلوا، ثم يعزل القاضي، أو يموت، فليشهد أولئك أنهم أنفذوا للمقضي له كتاب القاضي بالقضاء في تلك الأرض، ودفعوها إليه كما أمرهم، فلا تجوز شهادتهم، وهم كقاض كتب إليه قاض أنه قضى لفلان، فلا تجوز شهادته حتى يكون قد أشهد على إنفاذ ذلك شهودا غيره، وكذلك وكلاؤهم بمنزلة قضاة معه، قال: ولو أنفذوا كتابه، فلما عزل، وولي غيره، قام من أخرجت الأرض من يده، قال: ومن يعلم أن القاضي كتب ذلك الكتاب، قال: فإما الحاضر لذلك، ولم يدفع ولا تكلف، فهو يقضي به عليهم، لجاز علمه، فذلك [٨/ ٧٢]
стр. 3545
جائز عليه، وأما الغائب، والصغير، والضعيف؛ فإنه ينظر فيه، فإن كان قد طالت به الحيازة حتى يرى أن قد مات شهوده، وغابوا، فذلك جائز عليه، وإن كان بحدثان ذلك، فلا يجوز ذلك حتى يشهد أنك كاتب القاضي قد ثبت عندهم، أو يكون قد أشهدوا على ما أتاهم من القاضي بما ثبت عندهم بشهادة من شهد عندهم من إنفاذ القاضي لمن أنفذه، فيجوز، وذلك كما لو أشهد القاضي على ما يأتيه من كتب القضاة بما ثبت عنده فيها.
قال ابن حبيب: قال ابن القاسم: وتجوز شهادة القاسم الواحد على ما قسم؛ إذا كان القاضي قد بعثه/ لذلك، ونصبه للقسم، فما نقل من ذلك إلى القاضي فلينفذه بقوله إذا شهد بذلك عند هذا القاضي الذي أمره، وأما عند غيره، فلا يجوز وحده، ولا مع غيره، وكذلك يقبل قول الطبيب والعاقل فيما كلفه القاضي، وقول المرأة فيما ينظره النساء، وينفذه.
وسحنون لا يجيز شهادة القاسم ولا قاسمين على قسمهما، قال: ولا يشهد أحد على فعل نفسه.
قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: وكذلك من أمره القاضي أن يحلف رجلا، فقال: قد حلفته. والطالب ينكر ذلك، فقوله نافذ، وكذلك شهادة كاتب القاضي فيما أمره أن يكتبه من أموره، ومثل العقل، والقسم، والإحلاف، والكتاب، والنظر إلى العيب، وشبهه فمأموره مقبول القول؛ لأنه كيده وكعقله. قال أبو محمد: وقال النبي ﷺ : واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت، فارجمها فاستكفاه أمرا، وأمر بإنفاذه على ما علم.
قال ابن الماجشون: ولا يضرهم ما يأخذون من الرزق؛ لأن الإمام أجرى لهم ذلك، كما يرتزق القاضي، وينفذ الأمور بقوله.
وهذا
المعنى مستوعب في باب من يكلفه القاضي نظر العيوب. [٨/ ٧٣]
стр. 3546
في القاضي يحكم لنفسه أو لولده أو لمن يتهم عليه، وكيف إن حكم بشهادتهم وهو تعلم عدالته؟
من المجموعة، وكتاب ابن سحنون: قال أشهب: لا يجوز قضاء القاضي إلا فيما تجوز فيه شهادته، ولا يجوز أن يقضي لنفسه، ولا لزوجته، ولا لولده، ولا لولد ولده،/ قال سحنون: من قبل الرجال والنساء، ولا لأمه، ولا لأبيه، قالا: ولا لأجداده. قال سحنون: من قبل الرجال النساء. قالا: ولا لمكائبه، ولا لمدبره، وأم ولده.
قال أشهب: وتجوز لمن سواهم من قرابته.
قال سحنون: وأصل هذا أن من لا تجوز شهادته عليه، فلا يجوز أن يقضي عليه، ولا أن يحكم برد شهادته، ولينفذ شهادته غيره إذا ولي في ذلك الشيء وفي غيره. وقاله ابن المواز، إذا ثبت أن بينه وبين القاضي الذي رد شهادته عداوة.
قال ابن سحنون عن أبيه: يجوز قضاؤه لأخيه، وعمه، وابن أخيه، وابن أخته، ابن عمه، وخاله، وابن خاله، وكل رحم من رضاع أو نسب مما تجوز شاهدتهم، وما لا تجوز فيه شهادته لهم، فقضاؤه لا يجوز لهم فيه.
وقال ابن المواز مثله، إلا أنه قال في أخيه وعمه: إن كان القاضي بين العدالة مبرزا جاز قضاؤه.
وقال ابن المواز: إذا حكم القاضي، فأقام المحكوم عليه بينة أن القاضي عدو له، فلا يجوز قضاؤه عليه.
قيل: هل يصلح أن يقضي بين ولده وخصم ولده؟ قال: لا يصلح أن يقضي له، ولا لمن لا يجوز أن يشهد له، وأما من يشهد له، فيجوز أن يحكم له في الحقوق ما لم يعظم ذلك جدا، ولا يجوز في قصاص. [٨/ ٧٤]
стр. 3547
وقال ابن حبيب: قال مطرف: وكل من لا يجوز للحاكم أن يشهد له، فلا يجوز حكمه له، وهم الآباء، وإن بعدوا، والأبناء وإن سفلوا، وزوجته، ويتيمه الذي يلي هو ماله.
قال ابن الماجشون: يجوز حكمه لمن لا يجوز له شهادته؛ من أب وابن، إلا ولده الصغير،/ أو يتيما، أو زوجته، فأما غير هؤلاء الثلاثة، فحكمه له وعليه جائز؛ وقال أصبغ مثل قول مطرف إذا قال: ثبت عندي. ولا يدري أثبت أو لم يثبت، ولم يحضر الشهود، وكانت الشهادة ظاهرة لحق بين، فحكمه له جائز، ما عدا الثلاثة الذين ذكر ابن الماجشون، ورأيت في كتاب أصبغ، أنه يجوز قضاؤه لكل أحد وعليه، من ولاه مثله أو عليه، أو قرابة، أو ولد، أو زوجة، أو أخ، أو مكائب، أو مدبر، إذ صح الحكم، وكان من أهل القيام بالحق، لا من أهل التهم، وهو قد يحكم للخليفة وهو فوقه، فهو أتهم فيه لتوليته إياه، وحكمه له جائز. ثم قال في كتابه هذا: ولا ينبغي للقاضي أن يطلب حقا، أو يطلب هو له، أو أحد من عترته وخصمه وإن رضي الخصم، بخلاف رجلين رضيا بحكم أجنبي، فينفذ ذلك. وقال في موضع آخر: ينبغي أن يرفع ذلك إلى غيره، وإن رضي الخصم أن يقضي بينه وبين نفسه، فلا أحب ذلك للقاضي أن يفعله، فإن فعل، فليشهد على رضائه، ويحكم بالعدل ويجتهد، وإن قضى لنفسه أو لمن لا يجوز له قضاؤه، فليذكر في حكمه القصة كلها، ويذكر رضاه بالخصومة عنده، ويقوع شهادة من شهد برضائه، وإذا قضى في ذلك لنفسه، أو لمن لا يجوز له قضاؤه باختلاف من العلماء غير شاذ، فأحب له إن رأى أفضل منه أن يفسخ حكمه، فإن لم يفعل حتى مات، أو عزل، فلا يفسخه غيره إلا في خطأ بين، وإن حكم على نفسه، أو على من لا يجوز حكمه عليه، باختلاف غير شاذ/، فلا أحب له أن يفسخه؛ لأنه يتهم فيه. قال: وإذا رضى خصم القاضي أن يخاصم عنده، هل يوكل القاضي وكيلا يقوم بحجته؟ قال: يفعل من ذلك ما رآه أقرب إلى الحق، وأقطع للظنة. قال أيضا: ولا يجوز حكمه لنفسه بحال، ولا ينبغي أن يفعل ذلك برضاء الخصم أو بغير رضائه، كان خصمه مليا أو عديما. [٨/ ٧٥]
стр. 3548
ومن المجموعة: قال أشهب: وإذا أخذ القاضي رجلا بسرقة، فله قطع يد سارقه، ولا يحكم عليه بالمال. وكذلك في كتاب ابن المواز، قال في المجموعة: وكذلك في محارب قطع عليه الطريق، فليحكم عليه بحكم المحارب، ولا يرفعه إلى غيره، ولو جاء تائبا سقط عنه حكم الله سبحانه، ولا يستفيد السلطان منه إن خرجه إلا بإقراره، ولا بينة حتى يرفعه إلى فوقه، وكذلك لو كان السلطان أحد الشاهدين عليه بالحرابة وقطع الطريق عليه، وأخذ قبل أن يتوب، فلا بأس أن يقيم عليه حد الله سبحانه، وأحب إلي رفع ذلك إلى من فوقه.
قال محمد ابن عبد الحكم: قال ابن القاسم، وأشهب: وإذا سرق من بيت القاضي سارق، وقامت عليه بذلك عنده بينة، فله قطعه؛ لأنه حد الله سبحانه، قال محمد بن عبد الحكم: لا يقطعه، وليرفعه إلى من يجوز حكمه عليه، ألا ترى لو شهد هو وآخر على سرقته تلك، لم يجز أن يشهد لنفسه، وإن كان ذلك حدا من حدود الله سبحانه، وكرجل شهد هو وآخر على سرقة سرقت من أحدهما، وكما لا تجوز شهادته في غرم/ القيمة في ملإ السارق، فكذلك في هذا، ولو شهد اثنان على أنه سرق، فقالا للحكم: اقطعه ولا تقضي لنا بمال.
قال سحنون في المجموعة، وكتاب ابنه: إذا سمع الإمام قوما سكارى في دار في طريقه، معهم المزامير والغناء، فينبغي له أن يأمر شرطة فيدخلون عليهم، ويخرجونهم، ويقيم عليهم ما يجب عليهم.
قال ابن حبيب، عن مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ: إذا خاصم عنده خصمان له قبل أحدهما دين، فلا بأس أن يقضي بينهما، وإن كان غريمه مليا، وإن كان عديما، لم يجز له أن ينظر بينهما، والحكم بينهما، كالشهادة.
قال مطرف، وابن الماجشون: وإذا شهد عند القاضي أبوه، وابنه، ومن لا تجوز له شهادته، فله أن يسمع شهادته ويقبلها على علمه بعدالته إن علمه، بخلاف تعدليه إياه عند غيره. [٨/ ٧٦]
стр. 3549
قال سحنون في العتبية: إذا شهد عنده ابنه أو ولد ولده، لم أر أن يجوز شهادتهما، إلا أن يكون مبرزين في العدالة، وبيان الفضل، فليجوزهما.
قال أبو محمد: وقد جرى في باب ما يحكم فيه القاضي بعلمه من معاني هذا الباب، وتكرر فيه بعضه.
قال ابن الماجشون، ومطرف، في القاضي يكون له قبل أحد شيء، أو يكون عليه لأحد، فليرفع ذلك إلى غيره، ويوكل من يخاصم عنه، أو يخاصم لنفسه، فإن رضى خصمه بحكمه في ذلك، فلا يقبل منه، ولا يقضي لنفسه، ولا يجوز ذلك، وإن أراد أن يقضي عليها، كان كالإقرار منه بدعوى خصمه عليه.
تم الجزء الأول بحمد الله وعونه [٨/ ٧٧]
стр. 3550
صفحة بيضاء
стр. 3551
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب يسر
الجزء الثاني من كتاب آداب القضاء
في استخلاف القاضي ناظرا لعذر أو مرض أو سفر ورفعه الخصمين إلى العالم، وهل يقضي في سفره؟ وهل يسمع البينات؟ وهل يحكم بعد موت الأمير؟ وكيف إن نهاه أن يحكم في شيء معلوم ؟
من المجموعة، وكتاب ابن حبيب: قال ابن الماجشون، ومطرف، وأصبغ، في قاضي الخليفة: ليس له استخلافه قاضيا مكانه إذا كان حاضرا يحكم، وكذلك إن عاقه ما يعوق من الشغل.
قال في كتاب ابن حبيب: وإن عاقه ما يعوق من الشغل؛ لأنه هو القاضي المنفذ لأحكام الناس كلها، وأما إن سافر: قال في كتاب ابن حبيب: أو مرض، فله أن يجعل في مكانه من يقوم مقامه، وينفذ أموره، ثم لا يكون متعديا على من استقضاه، وإذا كان ذلك بأمر الخليفة وإذنه، فلا تبالي كان القاضي غائبا أو حاضرا أو مريضا أو صحيحا، ذلك جائز؛ وكأنه ولى قاضيين أحدهما فوق صاحبه. [٨/ ٧٩]
стр. 3552
قال في كتاب ابن حبيب: فإن استخلف القاضي غيره لغير سفر، ولا مرض لم يجز ذلك.
قال سحنون في كتاب ابنه، والمجموعة: لا يستخلف وإن مرض، أو سافر إلا بأمر الخليفة. قال: ولا يولي بعض أمور الخصوم حكما يحكم بينهم، فإن فعل، لم يجز قضاء الحاكم، إلا أن ينفذه القاضي، فيكون قضاء/ منه مؤتنف. ومن المجموعة: قيل لابن الماجشون، في قاض يستقضي على كور ثلاثة بينها في عهده، وهي مما لا يصلح لكل واحدة قاض، هل يستقضي غيره في أحدها، أم يدور عليها؟ فإذا ولاه خليفة واحدة من الكور قد استقضى الخليفة في مثلها قاضي، فكأنه أذن له أن يستقضي؛ إذ لا يمكنه أن يكون بجميعها، ولا يقسم زمانه بينها.
قال عنه ابن حبيب، وابن عبدوس: فلو مات القاضي وقد استخلف مكانه رجلا، فقال له: سد مكاني، ونفذ ما كنت أصدرت فيه القضاء، واقض إلى أن تصرف أو تثبت. قال: لا قضاء له، ولا سلطان، وليس للقاضي أن يستخلف من يقضي بعد موته، قال: وإذا بعث القاضي خصمين إلى فقيه، وقال: انظر بينهما. فذلك جائز نافذ. وكأنه مشير أنفذ القاضي حكمه، وكأنما حكمه الخصمان أيضا، قبل مهما ما حكم به.
ومن كتاب ابن حبيب: قال أصبغ: إذا مات الامام الاعظم، فلا بأس أن ينظر قضائه وحكامه حتى يعلموا رأي من بعده، وكذلك القاضي يوليه والي المصر، ثم يعزل الوالي، فهو قاض حتى يعزله الذي ولى بعده.
قال أصبغ في القاضي يبعثه الإمام إلى بعض الأمصار، في بعض ما نابه من أمر العامة، فيأتيه رجل في ذلك المصر، فيذكر حقا له قبل رجل بعمله، وهو [٨/ ٨٠]
стр. 3553
بجانب من عمله، فيريد منه سماع البينة عليه بهذا المصر، قال: ليسمع بينته ويكتبها، ويسأله تعديلهم، أو يسأل عنهم قاضي ذلك المصر، فإن ذكر له عدالتهم، اجتزأ بذلك، ولو اجتمع الخصمان/ عنده بهذا المصر، فليسمع بنيتهما، ويكتبها، فطلبا الخصوم عنده، والشيء الذي يخاصمان فيه في بلد هذا القاضي الغائب عن عمله، فلا ينظر بينهما، وخصومتهما إلى قاضي ذلك المصر الذي اجتمعا فيه، إلا أن يتراضيا على الأمر، كما يتراضيا على أجنبي مسلم عدل.
قال محمد بن عبد الحكم: وإذا حج قاضي مصر أو غيرها، فيأتيه في سفره قوم من عمله، وطلبوا أن يسمع بينة على رجل من عمله، أو كانوا أوقعوا البينة عنده في عمله، فطلبوا الآن أن يكتب لهم بذلك إلى قاضي العراق، أو قاضي مكة، ويشهد عليه، أو يحكم بذلك الحق، ويشهد على حكمه، فليس له شيء من ذلك؛ لأنه ليس بوال على ذلك البلد، فليس له أن يسمع فيه بينة، ولا ينظر في بينة آخر، ولا يشهد على كتابه إلى قاضي بلد آخر إلا ببلده، وأما كشفه في غير بلده عن عدالة شاهد كان قد شهد عنده في عمله، فذلك له، ولا يشهد في كتاب يكتبه إلى قاضي البلد الذي هو به، ولو كتب قاضي مكة إلى قاضي مصر، وأشهد عليه، فرفع إلى قاضي مصر بمكة وقد قدم حاجا، فلا يسمع عليه البينة حتى يقدم مصر، وكذلك لو ولاه الخليفة مصر، فخرج إليهم، فلا يسمع البينة في طريقه على أحد من أهل مصر حتى يصر إليها.
قال محمد بن عبد الحكم: وإذا كان عمل القاضي واسعا، فينبغي أن يستأذن الأمير أن يولي على ما يرى من عمله من يحكم فيما لا يعظم من الأمور، إذا كان الموضع يشق على أهله الشخوص إلى موضع القاضي/ ممن ولاه، جاز حكمه، ويكون القاضي مستشرف عليهم، فيعزل من رأى عزله، وإن لم يأذن له الإمام في ذلك، لم يكن له أن يولي من يحكم، ولكن يجعل من يكاشفه في الكشف ونحوه. [٨/ ٨١]
стр. 3554
قال سحنون، في العتبية: في القاضي يثبت عنده لرجل حق، فيريد التسجيل له بذلك، ويحضر الإمام خروج في عزو، فيأمره ألا ينظر لأحد حتى ينصرف، فيسجل له بعد نهي الإمام له. قال: أدى ذلك ماضيا. قال ابن حبيب: قال أصبغ في الخصمين يريد توجيه الحكم على أحدهما مما يتبين له، فيستغيث بالأمير، وهو جائر، فيأمره بترك النظر في ذلك، ويحجره فيه، هل يطيعه؟ قال: إن كان قد تواضعا عنده الحجج، ونظر حتى تبين له الحق، فلينفذ له الحكم، ولا ينظر إلى نهي الأمير، إلا أن يعزله رأسا، وإن كان في مبتدأ أمرهما قبل أن يتبين له حق أحدهما، فنهاه عن النظر بينهما، فلينتبه، ويدعهما.
في حكم الوالي أو صاحب الشرطة أو صاحب السوق وولاة المياه في الدماء والحدود أو غيره هل يجوز؟
ومن المجموعة: قال ابن القاسم في والي الاسكندرية، إذا استقضى قاضيا، فقضى، أو قضى هو بشيء، فذلك كله ماض، إلا في جور بين.
وكذلك والي الفسطاط أمير الصلاة: وقال: ولا يقيم العمل في/ الحدود ولاة المياه، وليجلب إلى الأمصار، ولا يقام القتل بمصر كلها إلا بالفسطاط، أو يكتب إليه والي الفسطاط بإقامة ذلك. وقال أشهب: أما من ولي هذا الوالي على بعض المياه، وقد جعل ذلك إليه، فليقم الحد في القطع، والقتل، وغيره، وإن لم يجعله إليه، فلا يقيمه.
وقال سحنون: لا أعرف أن يجعل هذه لولاة المياه، وهذه الأمور تعظم.
قيل لسحنون: في كتاب ابنه، والمجموعة: أيجوز قضاء صاحب السوق في الأموال والأرضين، وللناس قاض، أو مات قاضيهم؟ قال: إن جعل ذلك إليه [٨/ ٨٢]
стр. 3555
الأمير الذي يولي القضاة، وهو الأمير الكبير أمير الأمصار، مثل مصر، وإفريقية، والأندلس، جاز قضاؤه إن كان عدلا فقيها عالما، وإن لم يجعل ذلك إليه، فلا يجوز قضاؤه إلا فيما أذن له فيه، وإذا حكم الأمير الذي فوق القاضي بحكم، فكتب به إلى القاضي، فهو جائز أقضيتهم إلا أن يكونوا عدولا، ويقضون بصواب.
ومن كتاب ابن حبيب: قال ابن الماجشون: وإذا كان الأمير مؤمرا، لم تفوض إليه الحكومة، فلا يجوز حكمه، وإن فعل لم ينفذ حتى يفوض إليه نصا، وإذا لم يكن مؤمرا، فهو كالخليفة إن حكمه مضى حكمه، إلا في جور أو خطإ بين، وإذا كان الأمير مؤمرا، قد فوض إليه/ الحكم مع الإمرة، فله أن يستقضي قاضيا، ويجوز حكمه وحكم قاضيه، وإذا لم يفوض إليه الحكم، لم يجز حكمه ولا استقضاؤه. وقاله مطرف، وأصبغ.
في الخصمين يرضيان بحكم رجل أو شهادته أو يحكمان بينهما امرأة أو من لا يجوز حكمه
في المجموعة: قال مالك في الرجلين حكما بينهما رجلا، فقضى بينهما، فقضاؤه جائز. قال ابن القاسم: وإن قضى بما يختلف فيه، ويرى القاضي خلافه، فلا ينقض، وحكمه ماض، إلا في جور بين. وكذلك ابن سحنون، عن سحنون.
قال ابن القاسم: وإذا حكماه، وأقاما البينة عنده، ثم بدا لأحدهما قبل أن يحكم، قال: أرى أن يقضي بينهما، ويجوز حكمه.
وقال ابن الماجشون: ليس لأحدهما أن يبدو له، كان ذلك قبل أن يقاعد صاحبه أو بعدما ناشبه الخصوم، وحكمه لازم لهما، كحكم السلطان، ومن غاب منهما أو كره، نظر لصاحبه كما ينظر السلطان في حق الغائب. ومنه، ومن كتاب [٨/ ٨٣]
стр. 3556
ابن سحنون: وقال سحنون: إذا حكما بينهما أن يرجع في ذلك ما لم يمض الحكم فيه، فإذا أمضاه بينهما، فليس لأحدهما أن يرجع فيه. قال مطرف في كتاب ابن حبيب: له النزوع في ذلك في ابتداء أمرهما، وقبل نظر الحاكم بينهما في شيء، فأما بعد نشوئهما في الخصوم عنده، ونظره في شيء من أمرهما، فلا نزوع لواحد/ منهما، ويلزمها التمادي فيها، وقال أصبغ: كما ليس له إذا تواضعا الخصومة عند القاضي أن يوكل وكيلا، أو يعزل وكيلا له، وذكر عن ابن الماجشون مثل ما تقدم في المجموعة.
قال سحنون، في كتاب ابنه: وإذا حكما بينهما رجلا، فحكم بينهما، ثم رفع ذلك إلى القاضي، فلينظر، فإن كان ما حكم به يوافق الحق عنده، أمضاه، وإن كان لا يوافق رأيه، وكان قضاؤه مما يختلف فيه الفقهاء، وليس من رأي القاضي أن يقضي به، فلا يعرض فيه، إلا أن يكون خطأ بينا، فيرده.
قال سحنون في المجموعة، وفي كتاب ابنه: وإذا حكما بينهما حكما، فحكم ولم يشهد على ذلك الحكم، فإنه لا يصدق على ذلك الحكم، وإذا حكم، كتب للمقضي له كتاب قضاء: أني قضيت لفلان بن فلان. كما يكتب القاضي.
قال أصبغ في كتابه، في رضى الخصم أن ينظر القاضي بينه وبين نفسه في حق: فلا أحب أن يفعل، فإن فعل مضى ذلك، وليذكر في حكمه رضاه بالتحاكم إليه.
قال سحنون: ولا ينبغي للذي حكمه رجلان أن يقيم حدا، أو يلاعن، ولا يقيم الحدود إلا الأئمة والقضاة قضاة الأمصار العظام.
قال أصبغ في كتابه: ولا يحكم بينهما في قصاص، أو قذف، أو طلاق، أو عناق، أو نسب، أو ولاء؛ لأن هذه الأشياء لا يقطعها إلا الإمام، ولو أمكنه من [٨/ ٨٤]
стр. 3557
نفسه، فقال: اضربني حدا،/ وخذ قودك. لم يصلح إلا بالإمام، وكذلك النفس.
وأما الجراح، فإذا أقاده من نفسه، فلا بأس أن يستقيد إذا كان نائبا عن السلطان، وإذا حكماه، فحكم فيما ذكرنا أنه لا يحكم فيه، فإنه ينفذ حكمه، ويأخذ له السلطان بقوده، أو يقيم حده، وينهاه عن العودة لمثل هذا، وإن أقام ذلك نفسه، فقتل، أو اقتص أو ضرب الحدود، ثم رفع إلى الإمام، أدبه السلطان، وزجره، وأمضى ما كان صوابا من حكمه، وكان المحدود عنده بالقذف محدودا، والتلاعن عنده ماضيا.
قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: ولو أن خصمين تنازعا شيئا فحكم أحدهما، فحكم لنفسه أو عليها، جاز ذلك، ومضى، ما لم يكن جورا، أو خطأ بينا، وليس تحكيم الخصم كتحكيم خصم القاضي للقاضي. وقد تقدم هذا.
ومن المجموعة، وكتاب ابن سحنون: قال سحنون: وإذا حكم الخصمان رجلين، فحكم أحدهما، ولم يحكم الآخر، فإن ذلك لا يجوز، ولو حكما مسخوطا، أو امرأة، أو مكائبا، أو عبدا، أو كافرا، فحكم بينهما، فحكمه باطل، وكذلك قال ابن الماجشون في المجموعة. وقال: أو مولي عليه. قال: ولمن شاء منهما رجع؛ لأنهما تخاطرا حين حكما من لا يرضى نظره لنفسه.
قال أشهب في كتاب ابن سحنون، في الرجلين يحكمان بينهما امرأة، فتحكم، قال: حكمها ماض إذا كان مما يختلف فيه الناس.
قال أشهب: وكذلك العبد والحر والمسخوط مثل ذلك أيضا، فأما الصبي، والنصراني، والمعتوه/، والموسوس، فلا يجوز حكمه وإن أصابوا الحكم. قال أصبغ: وذلك كله رأيي. [٨/ ٨٥]
стр. 3558
قل سحنون: لا أعرف هذا، ولا يجوز تحكيم من ذكر من عبد، أو أمرأة ونحوها. قال سحنون: ولو حكما بينهما امرأة، أو رجلا غير عدل، أو عبدا، أو مكاتبا، أو ذميا، فحكم بينهما، فذلك باطل لا يجوز. ولو حكما بينهما رجلين، فحكم أحدهما دون الآخر، لم يجز ذلك حتى يحكما جميعا.
قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: وإذا رضيا بحكم صبي، أو مسخوط، أو نصراني، فحكم بينهما بصواب، فلا يلزم ذلك واحدا منهما.
وقال مطرف في العبد والمرأة مثله.
قال ابن الماجشون: إن كانا بصيرين عارفين مأمونين، فأرى تحكيمها، وحكمها جائز لازم، إلا في خطإ بين. وقاله أصبغ، وأشهب. وبه آخذ، وقد ولى عمر امرأة سوق المدينة، وهي الشفاء أم سليمان من أبي حثمة، ولابد لصاحب السوق من الحكم بين الناس ولو في صغار الأمور.
قال أصبغ، في كتابه: إذا حكم مسخوطا، فحكم فأصاب، جاز ذلك، وكذلك محدودا لم يتب، أو يبلغ الحلم، إذا كان قد عقل وعرف وعلم، فرب غلام لم يبلغ، له علم بالسنة والقضاء.
ومن المجموعة: قال ابن الكنانة: وإذا تنازعا في جدار، فرضيا بحكم رجل أو أناس من البنائين، فحكموا أن الحق لأحدهما، وقضوا له بحقه، ثم ذهب المقضي عليه إليهم، فسألهم معاودة النظر، فنظروا، والآخر غائب، فنقضوا قضاءهم الأول، وقضوا للمقضي عليه، قال: ينفذ الإمام قضاءهم/ الأول، وينقض الآخر؛ لأن الخصمين قد حضراه، وتراضيا عليه، ويخيف البنائين، ويغلظ عليهم، ويسجنهم حتى يعودوا لمثله، ثم ينظر؛ فإن رأى أن ينقض الأول والآخر، نقضه، وإن رأى [٨/ ٨٦]
стр. 3559
أن يبعث من البناءة أهل عدل ورضى، فينظر، فعل، ولا يبعث ممن قضى فيه أولا أحدا.
في عزل القضاة والنظر في أحكامهم وأحكام العمال في ولايتهم أو بعد عزلهم وفي رجوع القاضي في حكم حكم به وكيف إن عزل قاض ثم ولي ما يصنع فيما عنده في ولايته الأولى ؟
ومن المجموعة: قال أشهب: وإذا اشتكى القاضي في أحكامه وميله بغير الحق، فينبغي للامام أن ينظر في أمره، فإن شاكوه أو كثروا، فيبعث إلى رجال من أهل بلده ممن يوثق بهم، فيسألهم عنه سرا، فإن صدقوا قول الشكاة، عزله، ونظر في أقضيته، فيمضي ما وافق الحق، وما كان منها غير موافق للحق باستجارته فيها غير أهل الفضل، وبالميل عن العدل، فسخها، وإن قال من سألهم عنه: لم نعلم إلا خيرا، وهو عدل عندنا. ثبته، وتفقد أقضيته؛ فما خالف السنة رده، وأمضى ما وافقها، ويحمل على أنه لم يتعتمد جورا، ولكن على أنه أخطأ، ولا يمكن الناس من خصومات قضاتهم إذا اشتكوهم؛ هذا لوجهين: أحدهما: أن يكون القاضي من أهل العفاف والرضا فيستهان بهذا، ويؤدبانه، والآخر: أن يكون القاضي فاسقا فاجرا/، وهو ألحن بحجته ممن شكاه، فيبطل حقه، وقد عزل عمر سعد بن أبي وقاص عن الكوفة بالشكية، وقال: والله لا يسألني قوم عزل أميرهم ويشكونه، إلا عزلته عنهم. قال سحنون: وعزل عمر شرحبيل بن حسنة، فقال له: أعن سخطة عزلتني؟ قال: لا. ولكن وجدت من هو مثلك [٨/ ٨٧]
стр. 3560
في الصلاح، وأقوى منك على عملنا، فلم أره يحل إلا ذلك. قال: يا أمير المؤمنين، إن عزلك عيب، فأخبر الناس بعذري. ففعل عمر.
قال أشهب: وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: وينبغي للإمام أن لا يغفل عن التفقد لقضاته، فإنهم سنام أمره، ورأس سلطانه، فلينظر في أقضيتهم. قال في المجموعة: ولا ينفذها. قالا: وينظر لرعيته في أمورها وأحكامها ومظلمة بعضها لبعض، فإن الناس قد دخلوا وسار بعضهم يشبه بعضا، ليس لبعض من الفضل على بعض ما يسمع الإمام أن يتخلى عنهم، وأن يكلهم إلى قضاتهم، وكان عمر يقدم أمراءه كل عام، ويقدم معهم من قبل عملهم رجالا، فإذا أرادوا بدل عاملهم عزله وأمر غيره.
قال مطرف: وإذا كان قاضي الإمام مشهورا بالعدالة والرضا، فلا يعزله بالشكية فقط، وإن وجد منه بدلا؛ لأن في ذلك فساد الناس على قضاتهم، وإن لم يكن مشهورا بالعدالة والرضا، فليعزله إذا وجد منه بدلا، وتظاهرات الشكية عليه، وإن لم يجد منه بدلا، كشف عنه؛ فإن كان على ما يجب، أمضاه، وإن كان على غير ذلك، عزله وولى غيره. وقال أصبغ: أحب إلي أن يعزله بالشكية وإن كان مشهورا/ بالعدالة والرضا، إذا وجد منه بدلا في حاله؛ لأن في ذلك صلاحا للناس وكسرا للولاة وللقضاة عن الناس، تفريجا لهم فيما بين ذلك، وقد عزل عمر سعدا على الشكية فقط، وسعد أبعد صحة، وأظهر براءة من جميع من يكون بعده إلى يوم القيامة.
قال: وإذا عمت الشكية، وتظاهرت، فليوقفه بعد العزل للناس، فيرفع من رفع، ويحقق من حقق؛ فقد أوقف عمر سعدا، فلم يصح عليه شيء من المكروه، وبرأه الله مما قالوا، وكان عند الله وجيها. [٨/ ٨٨]
стр. 3561
قال أصبغ: وينبغي للإمام أن يعزل من قضاته من يخشى عليه الضعف والوهن، أو بطانة السوء، وإن أمن عليه الجور في نفسه، ولا بأس عليه إذا خبره بغير ريبة أن يخبر الناس ببراءته، كما فعل عمر لشرحبيل بن حسنة، وإن عزله عن سخطة، فحق عليه شهرته وإذاعة سخطه.
قال أشهب في المجموعة: وإذا اشتكى من القاضي أنه أراد الحكم على رجل بغير الحق، فينبغي أن يكشف عن ذلك، فإن كان رأيه خطأ، وتبين ذلك لأهل العلم، نهاه عن إنفاذه، وإن خف على الإمام أن يجمعهم في ذلك فعل، وإلا فيقعد معه رجالا من أهل العلم والفقه والصلاح، يأمرهم بالنظر في ذلك، ثم لا ينفرد هو برأيه فيه دونهم، ولا ينفعه أن يقول: قد كنت حكمت قبل إقعادكم معي للنظر في هذا لأنه مدع، وصار الحجر بينه وبين مشكيه، إلا أن يقيم بينة أنه/ قد كان حكم في ذلك قبل إجلاسهم معه، فينظر فيه الإمام، فإن كان ما فعل حقا لا اختلاف فيه، أو فيه اختلاف من العلماء، أمضاه، وإن كان خطأ لا اختلاف فيه، فسخه، ولا يجوز أن يحكم فيه النظار بشيء معه، ولهم أن يرفعوا إلى الإمام ما رأوا من ذلك، فيكون هو القاضي له والمنفذ له، ولمطرف في كتاب ابن حبيب نحوه.
قال ابن حبيب: قال مطرف في القاضي يشتكي في قضية حكم بها، فإن كان عدلا مأمونا بصيرا بالقضاء، فلا يعرض له فيه الأمير، ولا يقبل فيه شكية، ولا يتعقبه بنظرالفقهاء، وإن كان متهما في أحكامه، أو غير عدل، وجاهلا، فليعزله، قال: فإن جهل الأمير في العدل، فأجلس الفقهاء فتعقبوا حكمه، وجهلوا هم أو أكرهوا، فنظروا فيه، أو فسخه ففسخه الأمير، قال: فلينظر الحكم الأول؛ فإن كان صوابا لا اختلاف فيه، أو فيه اختلاف من العلماء: فحكمه ماض، والفسخ باطل، وإن كان الأول خطأ بينا أمضى، فسخه، ولو كان الحكم الأول خطأ بينا، عرف عن القاضي مالا ينبغي، فللفقهاء حينئذ النظر؛ فإن تبين خطؤه ردوه، وإن اختلفوا عمل على الأصوب من اختلافهم، وأشبه بالحق، وأنقذوه، وإن قل قائلوه [٨/ ٨٩]
стр. 3562
منهم، كذلك يفعل القاضي عند اختلاف من يشاور من الفقهاء، وكذلك قال محمد بن سعيد للقاضي بالمدينة محمد بن عمران الطلحي عند اختلافهم عليه.
قال: وكذلك لو كان/ ذلك بغير بلد الأمير، فاشتكى إليه نفر بقاضي بلدهم، وسألوه أن يكتب إلى فقهاء بلدهم أن يجلسوا مع قاضيهم في تلك الخصومة، فأما المشهور بالعدل، فلا يقبل منهم ذلك إلا أن يشتكي منه استبداد بالرأي دون أهل الرأي، فليأمره بالمشورة لأهل الرأي من غير أن يسمي له أحدا، ويجلسه معه، وإن كان غير مشهور بالعدل، فإن تظاهرت عليه الشكية، كتب إلى صالحي بلده، فأقدهم، فكشفهم عنه، فإن كان على ما يجب، وإلا عزله، فإن جهل هذا الأمير، وكتب إلى ناس يأمرهم بالجلوس معه في بلد الحكومة، فاختلف رأيهم؛ فإن كان كتب أيضا إليهم، أن يرفعوا إليه ما اجتمعوا فيه، واختلفوا، فعلوا ذلك، ثم كان هو المنفذ لذلك، وإن كتب إليهم يأمرهم أن ينظروا معه، ثم يجتهدوا ويحكموا بأفضل ما يراه معهم، جاز له أن يحكم بما يراه هو وبعض من أجلس معه منهم، ويمضي ذلك، وإن أطبقوا على خلافه في الرأي، فلا ينبغي أن يحكم بذلك؛ لأن ذلك الذي شكي منه، فإن لم يتبين له أن الحق إلا في رأيه، فليكاتب في ذلك الأمير، فيأمر بما يراه وقاله أصبغ، وابن القاسم.
ومن العتبية: يحيى بن يحيى، عن ابن القاسم، عن القاضي يعزل لسوء حاله، أو يموت، وهو معروف بالجور في أحكامه،/ قال: يستأنف النظر فيما حكم به، ولا يحل لأحد من القضاة أن ينفذ له حكما إذا كان من أهل العدل.
قلت: أفتصلح سجلاته التي قضي بها، أو يقال للخصمين: ائتنفا الخصومة؟ فقال: إن كان غير عدل وخيف أن يكون يقبل من غير العدول، أو يجور في حكمه، وما يشبه هذا، فلتنقض أحكامه، ويأتنفوا الخصومة؛ لأنه وإن جاز، فلا يكتب كتبه إلا وظاهرها صحيح، وإذا كان ممن لا يتهم بجور، ولا بتجوز شهادة [٨/ ٩٠]
стр. 3563
غير العدل، وهو مجتهد غير أنه جاهل بالسنن لا يستشير العلماء، يقضي باستحسانه، فهذا يتصفح أحكامه ويقرؤها، فينفذ منها ما كان صوابا في ظاهرها، وإن خرجت على خلاف الكتاب والسنة، فسخ ذلك؛ لما عرف من جهالته، وإن كان ما حكم به مختلفا فيه، لم يغيره، ولا ينقضه، قالا: وإذا ولى الأمير قضايا في بعض الكور، وهو غير عدل ولا رضا، ولا يؤمن جهله وجوره، فلا ينبغي لقاضي الجماعة أن يرفع إليه خصما، ولا يكتب إليه في تعديل شاهد، ولا يمضي له حكما.
ومن المجموعة: قال ابن كنانة في القاضي يعرف بالجهالة والهوى لبعض ما يشبه الباطل، والدفع لما يأمره به الأمير والوزير؛ فمن الحق أن يفتش أقضية مثل هذا، عزل أو لم يعزل، فيمضي صوابها، ويرد باطلها، فأما قاض على غير هذا، فإن المشتهر من قضائه إذا اشتكي، نظر فيه، فأما أن تفتش أقضيته كلها مثل ما يفعل بالمعروف بالظلم، فلا.
ومن كتاب ابن سحنون: وكتب ابن غانم إلى مالك في رجلين أتيا إلى القاضي وبيد أحدهما حكم قاض قبله على خصمه هذا، وفيه بينة، فطلب المقضي عليه أن يقيم عند هذا حجته وبينته فيما كان حكم عليه، فكتب: أما القاضي الذي لا يعلم منه إلا خيرا، فلا ينظر في قضائه، إلا أن يأتي أمر مشتهر نكب عن الحق، أخطأ أو جهل، فينظر في ذلك، ويتواصى، وإلا فلا يعرض في غير هذا من قضائه، وأما المعروف بالجور، فإنك ذكرت أن قاضيا كان يرد شهادة العدل، ويقضي بشهادة من لا يرضى، فإن أتاك قضية مثل هذا، أنه قضى ببينة سماهم، فأتى أولئك، فإن أنكروا أن يكونوا شهدوا، فليتعقب أحكام مثل هذا ولا يوثق بإنفاذه، وليجعل لنفسه وقتا ينظر فيه في أحكامه، ولا يشغل بها نفسه عن ما سواها، فيضر بغير هؤلاء من الناس. [٨/ ٩١]
стр. 3564
قال سحنون: وإذا رفع إليك حكم من هذا، ولم تعرف البينة التي حكم بها، فلا تنفذ للمحكوم له حكمه حتى يظهر له أنه حكم له بالعدل، وبأمر صحيح، وإلا فليأتنف النظر فيه، قال: وإذا حكم المستخرج بقوم عدول، فلينظر فيه من بعده ويتعقبه، فإن ظهرت صحته، وأن العدل لم يكن يحكم إلا بمثله، فليمضه. وهو نحو جواب مالك إلى ابن غانم، في أحكام مانع بن عبد الرحمن.
وكتب إليه شرحبيل بن يحيى/ قاضيه، أن رجلا يقال له: هارون بن فلان، أتاه يدعي أن عبد الله حثمال أنه كان قاضيا، وكان عزل على الجور، أمره بدفع ثلاثة دنانير إلى يزيد بن فلان، وجاء ببينة أقر عندهم بعد عزله بذلك، وأنه قبضها منه يزيد، قال هارون: وكان ابن حثمال قد دفع إليه قبل ذلك ثلاثة دنانير، ذكر أنها لعصبة رجل آخر، فلما قامت هذه البينة، قال ابن حثمال: هي تلك الدنانير التي كنت أعطيتك، فكتب إليه: أن أأمر يزيد بقبض الدنانير، فأمره بردها إلى هارون، إلا أن يأتي بحجة يستوجبها بها، وإن لم يقر فليؤدها ابن حثمال؛ لأنه أقر أنها لعصبة رجل آخر.
وكتب إليه: كل ما رفع إليك من حكم ابن حثمال، قد أشهد به ليس عند الشهود إلا الشهادة على لفظه أنه حكم به، فلا تجزه؛ لأنه كان معروفا بالجور والظلم، وأنه ليس من أهل العدل.
قال محمد بن عبد الحكم: وإذا لم يكن القاضي مأمونا على الحكم، فحكم بحكم فأتى القاضي الذي بعده عدلان، فشهدا أن الشهود الذين قضي الأول بشهادتهم قد شهدوا عنده بهذه الشهادة، وأنهم عدول، وكان حكم فيها ليس بجور، أجازه، وإن كان فيه اختلاف من الناس، ولم يكن هذا الثاني يراه، فلينفذه؛ لأنه قد حكم بغير جور.
قال أشهب في المجموعة: فإذا قضى القاضي، وليس فيه من الخصال الخمس التي ذكرنا قبل هذا، فقضاؤه نافذ ما لم يتعمد جورا، ويقضي بما لا سلف له فيه مما لا يشك في خطئه، وقد أساء فيما تعرض/ من هلاك نفسه. [٨/ ٩٢]
стр. 3565
قال ابن القاسم في القاضي إذا عزل، فادعى بعض من حكم عليه جوره في ذلك، فلا ينظر في ذلك، ولا خصومة بينه وبينهم، إلا أن يرى جورا بينا، فيرده.
قال مالك: ولا يعرض الذي ولي القضاء لقضاء من قبله، وقد كتب عبد الملك إلى أبان ينهاه عن التعرض لما قضى فيه ابن الزبير، وقال: إن نقض القضاء عنا معن.
قال ابن الماجشون: وإذا تبين للقاضي أن قاضيا قبله قضى في شيء أخطأ، فلا أرى أن يبين له خطأه، ولا ينظر في شيء من أحكامه، إلا أن يكون معروفا بالجور، فليتعقب أقضيته؛ فما تبين أنه حق، أمضاه، وما لم يستبن أنه جار فيه، أمضاه، ما كان جورا بينا، ردا إلى الحق، إلا أن يكون قضى بقول قائل، ونحوه في العتبية، من سماع ابن القاسم.
قال ابن حبيب: قال مطرف: أما العالم العدل، فلا يتعقب أحكامه من بعده، وليجوزها إن خوصم فيها، ولا يكشف عن شيء منها، إلا أن يظهر له خطأ بين لم يختلف فيه، وإذا كان عدلا، وكان جاهلا، كشفت أقضيته، فأنفذ صوابها، ورد خطؤها الذي لا يختلف فيه، وأما إن كان جائرا معروفا، بذلك أو غير عدل في حاله وسيرته، وهو عالم أو جاهل ظهر جوره أو خفى، لم يجز من أقضيته شيء، وعلى من بعده ردها كلها، صوابها وخطؤها؛ إذ لا يؤمن أن يظهر الصواب فيما باطنه خطأ، إلا ما عرف من أحكامه بالعدول أن باطنه صحيح، فلينفذ. وقاله ابن القاسم، وابن الماجشون.
قال أصبغ: تجوز أقضية/ القاضي غير عدل في حاله وسيرته، أو كان فيه من هذا وهذا، فليجز من أقضيته ما عدل فيه ولم يسترب، وينقص ما تبين جرمه، أو استريب، ويعمل فيها بالكشف كما يصنع بأقضية الجاهل؛ لأن السلاطين اليوم أكثرهم بهذه الصفة، فلابد أن تنفذ أحكامهم، مثل الخلفاء، والأمراء، والعمال، وقضاة السوء، ما لم يعرف منها قضاء جور بعينه، أو خطأ بين، أو يتسبب من [٨/ ٩٣]
стр. 3566
يطلب رد ذلك سبب جور عليه، وإن لم يتحقق لما يعرف من أصل فساده، قال: وهذا ما لم يعرف جوره في أحكامه بعينها، فإذا عرف الجور في أحكامه، أو في بعضها، ردت كلها ما عرف منها بالجور أو جهل.
قال ابن حبيب: وقول مطرف، وابن الماجشون، وابن القاسم، أحب إلي، وقد انفرد بهذا أصبغ.
قال ابن سحنون، عن أبيه: وإذا عزل القاضي على جور، لم ينبغ لمن ولي بعده نقض أقضيته كلها، ولكن يتعقبها بالنظر؛ فما رآه مستقيما أمضاه، وما رآه خطأ أو جورا، فسخه وأبطله، ولا ينبغي للذي ولي بعده أن يمكن الناس من الابتداء بخصوماتهم، ولكن يجعل لنفسه ساعة من النهار يتصفح فيها أحكامه.
وكتب إلى شجرة، في حكم حكم به عبد الله بن أبي الجواد، وكان قد عزل عن الجور وسوء الحال، أنه إن لم يكن في يد المحكوم له إلا البينة على إشهاده بالحكم، فلا تمضه حتى يثبت عندك أنه قد حكم بحق، وأنك لو وليته حكمت به لعدالة البينة، وما يحكم بمثله القضاة.
ومن كتاب ابن حبيب: قال مطرف في أحكام الخوارج /: لا تجاز، ولا تنفذ حتى يثبت أصل الحق ببينة، فيحكم به، وأما أحكام مجهولة، ويذكروا شهادة أهل العدل عندهم، سموا الشهود أو لم يسموهم، فهي مردودة. وقال أصبغ، عن ابن القاسم مثله؛ قال أصبغ: وأرى أن أقضيتهم بسبيل أقضية قضاة السوء فيما ذكرنا.
قال ابن حبيب: وقول ابن القاسم، ومطرف أحب إلي. قال مطرف، وابن الماجشون، في الرجل يخالف على الإمام، ويغلب على بعض الكور، ويولي قاضيا فيقضي، ثم يظهر عليه، فأقضية قاضيه إن كان عدلا، فهي نافذة إلا خطأ، لا خلاف فيه، قالا: وكل من قضى بالحق، فلا يحل فسخ قضائه. وقاله أصبغ. [٨/ ٩٤]
стр. 3567
قال ابن الماجشون في معنى قول مالك: لا ينقض قضاء القاضي بما اختلف فيه، فأما ما فيه سنة قائمة عن النبي ﵇، فليفسخ الحكم فيه بخلافها، من ذلك أن يستسعى العبد بعتق بعضه، فيقضي باستسعائه في عدم المعتق، فهذا ينقض، ويرد إليه ما أدى، ويبقى العبد معتقا بعضه، إلا أن يرضى من له فيه الرق بإنقاذ عتقه والتمسك بما أخذ؛ لما ثبت من السنة أن يعتق ما عتق.
ومن ذلك القضاء بالشفعة بالجوار أو بعد القسمة، فهذا يفسخ، ومنه الحكم بشهادة النصراني؛ فإنه يفسخ؛ لقول الله سبحانه: "وأشهدوا ذوي عدل منكم".
ومن ذلك ميراث العمة والخالة، وتوريث المولى الأسفل، وشبه هذا من الشاذ مما تواطأ على خلافه أهل بلد الرسول، وما كان غير هذا مما هو يتفق العلماء وارتيا رأي واجتهاد، فليمض، وإن كان خلاف رأي أهل المدينة، وهذا فيما يأخذه الحاكم من هذا، ويعطيه لهذا، فأما ما هو ترك لما فعل الفاعل، وإمساك أن يحكم عليه بغيره، مثل ما جاء من الاختلاف في الطلاق قبل النكاح، والعتق قبل الملك، ونكاح المحرم، والحكم بالقسامة، وطلاق الغيرة فيما قيل إنها واحدة بائنة، فلو خيرها فاختارت نفسها، ثم تزوجها قبل زوج، فرفع إلى حاكم يراه ذلك، فأقره، ولم يفرق بينهما، ثم رفع إلى من بعده، فهذا يفسخ نكاحها، ويجعلها البتة، وليس إقراره الأول حكما منه وإن شهد على ذلك وكتب.
ومثل من حلف بطلاق امرأة: إن تزوجها، ثم نكحها، أو بعتق عبد إن ملكه، ثم ملكه، أو نكح وهو محرم، فرفع إلى حاكم، فأقر الملك والنكاح، وأقام شاهدا على قتل رجل، فرفع إلى من لا يرى القسامة، فلم يحكم بها، ثم رفع ذلك [٨/ ٩٥]
стр. 3568
كله إلى من يرى الحكم به، فليحكم، ولا يمنعه ترك الأول لذلك؛ لأن تركه ليس بحكم، قال هو وابن المواز: وكذلك إن أقام شاهدا عند من لا يرى الشاهد واليمين، فلم يحكم به، ثم يرفع إلى من يراه، فليحكم به.
قال ابن الماجشون: ومن حكم في العمري بظاهر الحديث فيها، لم يرد حكمه، وأما بربا فإنما يرى الحكم فيها بحديث القاسم. وقال لي مطرف مثل قول ابن الماجشون من أول هذا القول، وقال: إنه قول مالك، قاله أصبغ.
قال ابن عبد الحكم: قال ابن القاسم في من طلق امرأته ألبتة، فرفع إلى من يراها واحدة، فجعلها واحدة - يريد ولم يمنعه من نكاحها- فنكحها الذي أبتها قبل زوج، أنه يفرق بينهما، وليس من الاختلاف الذي يقر إذا حكم به.
وقال ابن عبد الحكم: لا ينقض ذلك كائن ما كان، ما لم يكن خطأ محضا، وكذلك من حكم بالشفعة للجار، ويثبت نكاح المحرم، وتوريث العمة، والمولى من أسفل، والذي يحلف بطلاق امرأة إن نكحها، فما حكم به من هذا حكام، أمضيته.
قال ابن حبيب: ولا يعجبني انفراد ابن عبد الحكم بذلك عن أصحابه.
من المجموعة: قال ابن القاسم: من قتل غيلة، فرفع إلى قاض يرى فيه عفو ولاة الدم، فأسلمه إليهم فعفوا عنه، ثم ولي غيره، أترى أن يقتله؟ قال: لا، للاختلاف الذي فيه، وقال أشهب: أرى أن يقتله؛ لأنه لا اختلاف في قتل المحارب؛ لأنه حد من حدود الله. وقال ابن الماجشون: يقتله؛ لأنه ليس قضاؤه بأن لا يأخذ منه حقا عليه بإبطال له، ولأن الغيلة لا اختلاف فيها أنها لا يعفى، وإن أخذت فيه دية، ردت إلى من أخرجها.
ومن كتاب ابن سحنون: وكتب شرحبيل إلى سحنون، في من أوصى لبني ابنه بمثل نصيب أبيهم لو كان حيا حبسا عليهم. من رفع ذكره، فكتب إليه: إن [٨/ ٩٦]
стр. 3569
ذلك بين الذكر والأنثى نصفين إن حمله الثلث، أو أجازه الورثة في ضيق الثلث، وإلا نحمل الثلث بينهما نصفين- يريد حبسا، قال: ولو رفع ذلك إلى قاض لا يرى الحبس، فحكم لهما بالثلث بتلا، وأبطل الحبس، ثم رفع ذلك إلى من بعده، فلينظر؛ فإن كان ما حكم به الأول من أقاويل أهل العلم، لم يعرض له، فأحب لمن أوصى له أن لا يملك ما في يديه/ إلا بمعنى الحبس.
ومن المجموعة: قال ابن القاسم، وأشهب: إذا قضى القاضي بقضية، ثم تبين له أنه أخطأ فيها، فلينقض فيها قضاءه. ورواه ابن القاسم عن مالك، وذكره يحيى ابن يحيى، عن ابن القاسم، قال أشهب: ويبتدئ النظر فيها، وإن كان قضاؤه فيها على شبهة باجتهاد من رأيه.
قال مالك وأصحابه: فإن ولي غيره، لم ينقضها، إلا ما لا اختلاف فيه، أو خطأ أو جور.
قال سحنون: إذا كان من اختلف فيه، فكان رأيه ذلك يومئذ، ثم رأى غير ذلك، فليقض بما رآه في المستقبل ويمضي الأول، وإن كان إنما قضى بأمر ليس من رأيه، وإنما وهل أو نسي، ورأيه على خلافه، فهذا يرجع فيه، وإن وافق اختلاف الناس، وهذا بخلاف ما قضى به غيره على أنه رأيه، وهو مما يقضي به القضاة، وليس هو رأيه هو، فإنه لا يعرض فيه، وقد قال عمر بن عبد العزيز: ما من طينة أيسر علي فتا من طينة طبعها على باطل، وكلام سحنون من أوله، وفي كتاب ابنه، وزاد: وإن عزل ثم رد، فإنه يغيره أيضا. يريد: إذا أخطأ مذهبه.
ومن كتاب ابن حبيب: وقال مطرف، وابن الماجشون مثل ما ذكرنا من قول ابن القاسم وأشهب؛ قال ابن حبيب: قالا: فإن عزل ذلك القاضي، ثم ولي، فأراد نقض قضاء قضى به في ولايته الأولى، لم يجز ذلك له إلا على ما يجوز له من نقض قضاء غيره، كالجور البين، وخطأ لم يختلف فيه، أو إختلاف شاذ. وقاله أصبغ.
стр. 3570
وقال ابن عبد الحكم/: قضاؤه وقضاء غيره سواء، لا يرجع عن ما اختلف فيه، ولا إلى ما هو أحسن منه حتى يكون الأول خطأ بينا.
قال ابن حبيب: ولا يأخذ بما انفرد به ابن عبد الحكم، وكذلك في العتبية من رواية يحيى بن يحيى وأصبغ عن ابن القاسم، من أول المسألة، وقال: توليته بعد عزله كقاضي غيره ولي.
ومن كتاب ابن المواز قال: ولا يتعرض قضاء قضى به من كان قبله، إلا قضاء فيه شرط، مثل تبقية على حجته لغيته، أو لبعد بيته، وإلا فلا ينظر فيه، إلا ما قضى هو فيه، فإن مالكا يرى أن لغيره إذا تبين له. وأخبرني أبو زيد، عن ابن وهب، قال: يرجع القاضي في قضاء نفسه في الأموال، ولا يرجع في قضائه في اثبات النكاح، ولا في فسخه.
قال ابن سحنون: وكتب شجرة إلى سحنون، وكان قد ولي قضاء بلده قبل ولاية سحنون ثم عزل، ثم ولاه سحنون، فكتب إليه: ما ترى فيما أوقع الناس عندي من البينات في الإمرة الأولى؟ وما كنت قد علقته يومئذ؟ فكتب عليه: طال الزمان جدا، وأخاف حوالة البينات مما لم تخف من هذا، وصح عندك ما كنت علقت ولم تسترب فيه أمرا، فأمضه.
قال ابن المواز: ولو أن قاضيا نقض حكم قاض قبله، ثم ولي ثالث، وعزل الثاني، فإن كان الأول مما اختلف فيه، فللثالث نقض حكم الثاني وينفذ الأول؛ لأن نقضه خطأ صراح، وإن كان مما لا يراه الثالث، فإن الثالث ينفذه، وإن كان الأول خطأ لا يختلف فيه، فليمض الثالث حكم الثاني إن حكم الثاني بما فيه اختلاف. / قال: ولو حجر القاضي على سفيه، فباع واشترى وأقر وأعتق ونكح، فذلك كله مردود لا يلزمه، فلو جاء قاض آخر فأنفذ عليه كل ما صنع؛ فإن مثل هذا ينقض حكمه إن ولي قاض آخر، وينفذ حجر الأول، ويرد ما صنع المحجور عليه. [٨/ ٩٨]
стр. 3571
قال محمد: وخالفنا في هذا أبو حنيفة، واتبعنا عليه أصحابه، قال: ولو حكم قاض بشاهد ويمين في مال، ثم ولي بعده قاض، فسخ حكم الأول، ثم ولي ثالث، فلينقض حكم الثاني، ويرده إلى حكم الأول، وهذا عظيم أن يرد ما حكم به رسول الله ﷺ ، وعلي بن أبي طالب.
قال ابن حبيب: قال مطرف، في القاضي يحكم لأحد الخصمين، ثم يشهد الآخر على فسخ الحكم الأول، ويكتب بذلك كتابا، ولا يذكر أنه رجع عن الحكم الأول إلى ما رآه أحسن، ولا فسر أمر فسخه له، قال: لا أرى هذا فسخا ينقض به الأول إذا كان صوابا غير مختلف فيه حتى يلخص في الفسخ ما يستوجب به فسخ الأول، ويرجع إلى ما هو أحسن منه، إلا أن يقول: تبين لي أن الشهود شهدوا بزور. فهذا يكفي من التلخيص. وقاله ابن نافع.
وقال ابن الماجشون: إشهاده على الفسخ فيه يكفيه إذا كان مأمورا، ولو لم يقل: إلا أني قد رجعت عن الحكم الأول، لكان رجوعا، ثم هما بعد ذلك جميعا على رأس أمرهما، ولكن لو كان مع الرجوع والفسخ الحكم وقد قضيت للآخر، لم يجز قضاؤه له هكذا، وكان باطلا، ومضى الفسخ، وكانا جميعا على رأس أمرهما، وإنما اختلف القضاء والفسخ؛ لأنه لا يقضي/ حتى يضرب للمقضي عليه الآجال والحجج، ويكشفه عن حجة يدفع بها، ولا يجوز أن يحكم وهو غائب عن هذا. وقال أصبغ مثله وبه أقول، وإنما الذي لا يكون الفسخ فيه شيئا حتى يلخص ما رد به القضية إذا كان فاسخه غير الذي حكم به، فهذا لا يكون إشهاده على فسخ حكم غيره فسخا، حتى يلخص ويبين ما رد به، ولم يختلفوا في هذا.
قال مطرف في قاض قضي في شيء واحد لرجلين؛ لكل رجل بقضية فيه، فقاما بذلك عند قاض غيره، قال: جائز، ذلك أولى به، إلا أن يكون جائزه هو الأول، وفي قضية الآخر ما يفسخها، فيرد قضية الأول، وإن لم يجزه واحد منهما، ولم يعلم أولهما، فأعد لهما بينة، فإن تكافأتا، وأرختا، فأولهما تأريخا، ألا أن يكون في الثانية ما ينسخ به الأولى، فإن أرخت واحدة دون الأخرى، فذات التاريخ أولى، [٨/ ٩٩]
стр. 3572
فإن لم يؤرخا، وتكافأتا، وأشكل الأمر، فإن رأى قطع القضيتين، واستئناف الخصوم أفضل فعل، وذلك إن كانتا مما فيه اختلاف، وإن كانت واحدة خطأ، والأخرى ماضية. وقال ابن وهب مثله.
وروي عن مالك، وهو أيضا في العتبية من سماع ابن القاسم في قاض بالمدينة، أتي بأقضية مختلفة تقادم شأنها، واختلف أمرها، فقطعها، وأمر الخصمين بالاستئناف، فاعجب ذلك مالكا. وكذلك ينبغي إذا رفعت إليه أمور مشكلة مختلطة، ولم يجدوا لها/ مخرجا، أن يفسخ، ويأمرهم بالابتداء. وقاله ابن نافع، وقال أصبغ في مسألة مطرف: فإن كانت القضيتان من قاض واحد، وعرفت الأولى، فالآخرة أولى، ويعد فسخا إذا كانت الآخرة صوابا أو مما اختلف فيه، لا يبالي ما كانت الأولى، ولا من الجائز منهما، فإن كانت الآخرة خطأ، والأولى صوابا، نفذت الأولى، وفسخت الآخرة، وإن كانتا جميعا صوابا، ولم يكونا مؤرخين، فالحائز أولى، فإن لم يكن حائزا، فأعدلهما بينة، فإن تكافأتا تحالفا، فإن حالفا أو نكلا، كانا مبتدئين للخصومة، وإن نكل أحدهما كانت للحالف، وإن كانت واحدة مؤرخة، ولم تؤرخ الأخرى، وكلتاهما صواب، فذات التاريخ، أو كان حائزا أولا، تكافأت البيتان أو لم تتكافئا، إلا أن تكون ذات التاريخ خطأ بينا، والأخرى صوابا، فتكون أولى، وإن كانتا جميعا خطأ فسختا وابتدأ الخصوم، وإن كانت القضيتان لقاضيين، مضت الأولى إن كانت صوابا، أو مما اختلف فيه، مضت الآخرة، وفسخت الأولى، وإن كانتا جميعا صوابا، فالجواب فيها كالجواب إذا كانت من قاض واحد. وبه قال ابن حبيب. [٨/ ١٠٠]
стр. 3573
في القاضي يقضي بالشيء فلا يحوزه المقضي له حتى يموت القاضي أو أحد الخصمين وإقرار الخصم أنه قضى عليه
من العتبية، روى عيسى، عن ابن القاسم، وهو في المجموعة،/ في القاضي يقضي للرجل بالشيء، فلا يحوزه المقضي له حتى يموت القاضي أو يعزل، هل تأتنف الخصومة فيه؟ قال: يمضي قضاءه الأول ولا يغير، إلا أن يكون جورا بينا، وهذا ما لا اختلاف فيه. وقال عنه يحيى بن يحيى مثله، وقال: وسواء تأخرت حيازته لعذر له أو لغير عذر، ولو مات المقضي له قبل أن يحوز، فورثته بمنزلته، وكذلك لو مات المقضي عليه، فليس في موت أحدهما، ولا موت القاضي ولا عزله، قطع لحق المقضي له، إلا الترك الطويل الذي مثله يستحق بالتقادم. قلت: وكم طول ذلك؟ قال: قدر ما يخشى أن يكون من يعرف ذلك الحق قد هلك، أو نسي لطول زمانه.
قال: ولو قضى له بنصف قرية أو بجزء من أجزائها، إلا أنه مفرز، ثم يموت أو يعزل قبل الحيازة، وإنما قضى له بجزء مفرز كان ينسب إلى رجل فاشتراه منه، فلما طلب الحوز، لم يجد بينة تحوز له ذلك الجزء بعينه، وأهل تلك القرية ينكرون أن يكون له في تلك القرية حق، فتقوم له بينة أن ذلك الجزء كان لفلان حتى باعه من هذا، فيريد أن يقسام أهل القرية كلهم إذا لم يجد من يحد جزءه ذلك، وقد ثبت له بالقضاء أو بالشراء، فقال: نعم، له أن يقاسمهم، فيكون شريكا في جميع القرية بجزئه.
قلت: فأهل القرية بيد كل واحد حق له معروف، فإذا أمرهم بمقاسمته، وحقه السدس، يأخذ من كل واحد سدس/ ما في يديه، أم يخلط الأرض، فيقسم لهذا [٨/ ١٠١]
стр. 3574
سدسه، فليأخذه، فيكون ما وقع له حظوظ رجال لهما، وبقي ما للآخرين؟ فلم يجب في هذا بشيء، ولم يفسر وجه ما يقسم له وقال: إنها في رواية يحيى بن يحيى، إذا تجاهل أهل القرية ذلك، وأخفوا حوزه، وانظر؛ فإن كان بعضهم ورثة الميت، والمقضي عليه، وذلك النصف من المنزل، وفي أيديهم بالميراث عنه نصف المنزل فأكثر، أعطي المقضي له نصف جميع المنزل مما في يدي ورثة المقضي عليه، وإن كانوا أجنبيين، قضي له بنصف ما بيد كل واحد منهم، ولا يجمع له النصف في إحدى ناحيتي المنزل؛ لو جمعنا له بالنصف لاستوعب ما في يدي بعضهم، ويعسر رجوع بعضهم على بعض، فأعدل ذلك أن يأخذ نصف ما بيد كل واحد حتى يرفعوه على نصفه بإقرار منهم، وإظهار لحوزه.
قال: وإن لم تقم له بينة أن نضف ذلك المنزل كان في يدي المقضي عليه، ولا معروفا له يوم حكم له عليه، فلا شيء له في المنزل؛ لأنه إنما قضي له حينئذ على رجل بحق لا يملكه، وليس بشريك لأهل المنزل فيه، ولو جاز مثل هذا عند القضاة، لم يشأ رجل أن يصنع لنفسه خصما، فيقضي له عليه إلا بما ليس في يديه من أموال الناس ورباعهم، إلا فعل، فلا أرى أن يلزم أهل القرية المقاسمة حتى يثبت أن ذلك الحق المقضي به في يدي الخصم يوم قضي عليه.
ومن العتبية، من سماع أشهب، عن مالك، في فريقين اختصموا/ فقضي على أحدهما، فخرجوا يقولون: قد قضي علينا بكذا، ثم احتيج إلى اثبات قضاء ذلك القاضي بذلك، فلم يجدوا من يشهد على علم ذلك إلا على إقرار المقضي عليهم بالقضاء، فيأبى الشهود أن يشهدوا، قال: هي أمانة، قال: بل يشهدون بالأمر على وجهه؛ يقولون: سمعناهم يذكرون ذلك، فلا ندري أكان ذلك أم لا؟ وإني لأراها ضعيفة، وربما قال الرجل: قضي علي ولم يقض عليه.
ومن كتاب ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: إذا قضي للرجل على الرجل بربع، أو دار، أو غير ذلك، فلم يخرجه المقضي له من يد المقضي عليه [٨/ ١٠٢]
стр. 3575
حتى طال زمانه، وحازه عليه بعد أن قضي له به، قال: فلا نرى القضية هاهنا إلا بمنزلة الذكر حق المكتوب للرجل على الرجل يتقاضاه منه إذا أحب. قلت: فلا ينتفع بحوزه عليهم كما ينتفع الحائز على الرجل منزله الذي اشتراه أو ورثه؟ قال: لا يكون بمنزلته؛ لأن القضاء قد نطق بأن لا حجة له فيه ولا حق، فكان كمن أعار رجلا حقا، وكتب عليه بعاريته كتابا، فتقادم ذلك، فلا ينتفع هذا بحيازته؛ لأنه عرف أصل حيازته له، وإنما ينتفع بالحيازة من لا يعرف أصل مدخله فيه، فيدعيه ملكا، فيكون له، وأما ما عرف أصل دخوله فيه أنه على غير حق، فهو على مثله أبدا حتى يأتي بأمر يتحققه؛ من شراء، أو صدقة، أو هبة، وشبه ذلك، إلا أن يطول زمان ذلك جدا بالخمسين سنة ونحوها، والزمان/ الذي لا تبقى الحدود معه، أو يكون المقضي عليه قد أحدث فيه أو في بعضه بنيانا، أو غراسا، أو بيعا، أو صدقة، أو إصداقا، والمقضي له قائم لا يغير ولا يدعي شيئا، ثم قام بعد ذلك، فلا حق له فيما أحدث فيه مثل هذا، ويرى حقه ثابتا فيما سوى ذلك. قال: فإن مات المقضي عليه، فأورث ذلك لورثته، ثم قام المقضي له: قال مطرف: فلا يسأل ورثته عن شيء؛ لأنهم ليسوا الذي عليه، ألا أن يكون المقضي له غائبا حتى مات المقضي عليه. وقال ابن الماجشون: هم والميت في ذلك سواء، والمقضي له أولا حاضرا كان أو غائبا، إلا أن يطول زمانه بأيدي الورثة، والمقضي له حاضر، فلما قام عليهم، ادعوه ملكا لهم بوجه حق غير الوراثة، ويحتجون بحيازتهم إياه بمحضره، ولا يقرون أنه صار إليهم بميراث من المقضي عليه، فيكونوا أحق به بالحيازة؛ لأنهم غير الذي قضي عليه، إلا أن يقروا أنه إنما صار إليهم عن المقضي عليه، أو تقوم عليهم بذلك بينة، فيكون على أصل القضية أبدا، ما لم يحدثوا في ذلك أو اقتساما بمحضر المقضي له، أو بيعا، أو صدقة، أو إصداقا، ثم قام بعد ذلك، فلا حق له فيما أحدث فيه هذا الأشياء، ويرى حقه ثابتا فيما سوى ذلك من الشيء المقضي به. وقال أصبغ مثل قولهما فيه كله. ومثل [٨/ ١٠٣]
следующие страницы →