في القتل، ويقطعون في القطع إذا تعمدوا الزور، روي ذلك عن على بن أبي طالب. قال سحنون: وبهدا قال بعض أصحابنا، قال محمد بن عبد الحكم: هو قول أشهب، وبه أقول.
قال سحنون: وأكثر أصحابنا على أن يضمنوهم الدية، وهو قول ابن القاسم وغيره.
ومن كتاب ابن المواز: وإن شهد رجلان على حر أنه قتل حرا فقتل به، ثم رجعا وقالا: تعمدنا الزور ليقتل، فإنهما يقتلان ويضمنان الدية في أموالهم، والحكم نافذ، لأنهما لم يجنيا بأيديهما، وإنما قتله السلطان بما غراه، ولم أجعل ديته على عاقلة السلطان، لأن عدالتهما يوم رجعا قد سقطت، فلو قبلت قولهما في الرجوع على العاقلة لنقضت بقولهما الحكم الأول، ولو شهدا أنه قتله عمداً، فحكم الإمام بقتله، ودفعه إلى أولياء القتيل، فذهبوا به ليقتلوه، فرجعا وأقرا بالزور قبل أن يقتل، فقد اضطر فيه القول، فقال ابن القاسم مرة: لينفذ القتل عليه بالحكم الأول ولا يرد برجوعهما؛ لأنهما الآن ممن لا تقبل شهادتهما فلا يقبل منهما ردهما بشهادتهما/ الأولى التي حكم بها، وإنما يؤخذان بقولهما الثاني في انفسهما فيما أقرا به مما أتلفاه وضمناه، ثم رجع ابن القاسم فقال: هذا هو القياس، ولكن أقف عن قتله لحرمة القتل، وكلك القطع وشبهه، وأرى فيه العقل أحب إلي.
وقال أشهب في رواية أصبغ مثل قول ابن القاسم الأول، وروى عنه غيره أنه لم ير قتله، أخبرني به إبراهيم البرقي عن أشهب في أربعة شهدوا بالزنا على محصن فحكم برجمه ثم رجعوا قبل يرجم، قال: لا يرجم ويمضي عليه أدنى الحدين مائة جلدة، وكذلك لو شهد شاهدان على رجل بالسرقة فحكم بقطعة، وأمر به، فرجعا قبل يقطع، قال: لا يقطع، وكذلك في قطع يد رجل فحكم بالقصاص، ثم رجعا فليدرأ عنه القطع، وأما الحكم بالأموال فلينفذ وإن لم يقبض. [٨/ ٥١٩]
стр. 3992
قال محمد: لو كان المشهود عليه بالزنا غير محصن لأمضي عليه الحد.
قال أصبغ: والقياس إنفاذ القتل والقطع وكان شيء، ولكني استحسن لحرمة الدم وخطر القتل ألا يقتل، ولادية فيه على المشهود عليه ولا على الشهود، وأراه شبهة كبيرة.
وكذلك قال ابن المواز، وكذلك في الزاني المحصن، ويحد المحصن بالحكم الأول.
ومن كتاب ابن المواز: وإن شهدا أربعة على أن هذا العبد قتل رجلا حرا عبدا، فقال اثنان منهما: ما علينا أن مولاه أعتقه، وقال الآخر: علمنا أنه أعتقه قبل القتل، فقضي بشهادتهم وقتل القاتل، ثم رجع الأربعة وأقروا بالزور، فقيل: إن على الأربعة دية المقتص منه في القتل/ ألف دينار لورثته الأحرار، ثم يرجع سيده والشاهدان على أنه عبد جميعا على شاهدي الحرية، فيكون لسيده عليهما قيمة عبده ما بلغت، لأن شهادتهما منعت السيد من أخذ قيمة عبده، ويرجع أيضا عليهما شاهدا الرق بما زادت نصف الدية على نصف القيمة، لأنهما يقولان: لولا شهادتكما بحريته لم نغرم نحن إلا نصف قيمة العبد.
وقال ابن المواز: ولم يعجبنا هذا، والصواب ألا يكون على الأربعة إلا قيمة المقتص منه، قيمة عبد، يأخذ ذلك سيده، لأن شهادة الحرية لم تتم حين رجع من شهد بها، وإنما نفذ بها القصاص فقط، لأنه لم يكن يحتاج إلى شهادتهم في الحرية، لأنه يقتص من العبد بالحر في النفس، وإنما نفذ بشهادة الأربعة القتل لا الحرية، ولم ينظر فيمن شهد فيه بحرية، ولا احتيج إليها حتى رجعا عنها، فهي كالشهادة يرجع عنها قبل أن ينفذ بها حكم فلا يقضى بها، ولو لم ينفذ القتل لبطل أيضا.
قال: ولو رجع شاهدا الزور فقط، أو شاهدا الحرية فقط، فلا شيء عليهما، لأنه قد بقي من يكتفى به، إلا أن يرجع الباقيان بعدهما، فيلزم الأربعة قيمة عبد [٨/ ٥٢٠]
стр. 3993
لسيده، وسواء كان البادئ بالرجوع شهيد الحرية أو شهيد الرق، وكذلك لو لم يشهد أنه إلا اثنان، وشهدا أن سيده أعتقه فقتل به، ثم رجعا، ما كان عليهما إلا غرم قيمته عبدا، لأنهما لم يضرا بشهادتهما على الحرية شيئا، ولا ثبت لورثته بشهادتهما على الحرية حين رجعا عنها./
قال: ولكن لو لم يكن شهد على القتل إلا الشاهدان على أن القاتل عبد، وشهد آخران أن السيد كان أعتقه، ولم يشهدا بالقتل، ثم رجعا، فإن كان رجوعهم جملة، لم يكن فيه إلا قيمة عبد لسيده على الشاهدين بالقتل وحدهما، وكذلك إن ابتدأ بالرجوع شاهدا الحرية، ولكن إن ابتدأ ها هنا بالرجوع اللذان شهدا بالقتل لزمهما غرم دية حر لورثته الأحرار بشهادة شاهدي الحرية، وحينئذ احتيج إلى شهادة شاهدي الحرية، واحتيج أن يكشف عن عدالتهما، فإن ثبتا على شهادهما أنفذ الحكم بشهادتهما أنه حر، وحكم بشهادتهما على شاهدي القتل بدية الأحرار في أموالهما، فإن رجع بعد ذلك شاهدا الحرية فلا تبطل شهادتهما على الحرية، ويغرمان للسيد قيمة عبده، ويغرمان لشاهدي القتل ما كان غرما من فضل الدية على قيمته عبدا، قال: وإن شهدا أن هذا المملوك قتل حرا وما علمنا أن سيده اعتقه، وشهد آخران أن مولاه أعتقه، ولم يشهدا على القتل، فرجع أحد شاهدي القتل ورجع أحد شاهدي الحرية، أو رجع شاهدا الحرية قبله، أو رجع أحدهما وثبت الآخر مع صاحبه، قال: سواء من رجع منهم إذا كان رجوعه قبل أن ينفذ فيه الحكم بحرية، قال في رواية غير ابن ابي مطر: فلا شيء فيه إلا أن يثبت شاهدي الحرية حتى يحكم بشهادتهما فيكون على الراجع من شاهدي القتل نصف دية حر لورثة المقتص منه، فإن رجع بعد ذلك أحد شاهدي الحرية، غرم للسيد نصف قيمة عبده، / وللراجع عن القتل للذي شهد انه عبد نصف فضل دية الحر على نصف قيمة العبد، فإن رجع شاهدا الحرية قبل رجوع أحد [٨/ ٥٢١]
стр. 3994
شاهدي القتل فلا شيء عليه، ولو رجع شاهدا الحرية جميعا ما لزمهما شيء، وإنما الشأن في رجوع شاهدي القتل، فمن رجع منهما فعلهي نصف قيمة العبد.
قال ابن المواز: ولو أقر السيد أنه قد كان أعتق العبد بعد رجوع اللذين شهدا بالقتل والرق، أو بعد رجوع شاهدي الحرية أو موتهم، أو قبل رجوع شاهدي القتل، فقال: أما إذا أقر السيد أنه أعتقه، ثم رجع شاهدا القتل فعليهما دية حر لورثته، بشهادة شاهدي الحرية لا بإقرار السيد، أنه أعتقه، فإن رجع بعد ذلك شاهدا الحرية لم يكن عليهما لشاهدي القتل إلا فضل ما بين قيمته ودية حر، لأن بشهادتهما أغرما الدية، وتسقط عنهما قيمته التي كانت تجب للسيد [لو لم يقر بعتقه ولم يشهد أصحاب الحرية، ولو أقر السيد بعتقه] ثم رجع بعدهما شاهدا القتل، فعلى شاهدي القتل قيمة عبد، يدفعان ذلك إلى ورثته، لأن سيده يقر أنه لاحق له فيها، وليس قوله: إنه حر يوجب عليهما دية، لأنهما يقولان: وإنما شهدنا أنه عبد، وشاهدا الحرية قد رجعا قبل ينفذ الحكم بشهادتهما، ولو شهدا أن رجلا حرا قتل فلانا خطأ، فحكم في ذلك بالدية على عاقلته، ثم رجعا وأقر بالزور، فللعاقلة الرجوع على الشاهدين إن وديا [والله الموفق للصواب برحمته]./
في الرجوع عن الشهادة
في العفو عن الدم
على مال أو على غير مال
من كتاب ابن سحنون: وإذا شهدا على ولي الدم أنه عفا عنه، أو على المجروح في جرح عبد أنه قد عفا عنه، فحكم القاضي بإسقاط القود، ثم رجعا فلا يضمنان شيئا، لأنهما لم يتلفا مالا، ولا قصاص على القاتل لأنه حكم نفذ ولا يرد، وكذلك في كتاب ابن المواز، وشبهه برجوعهما في الطلاق. [٨/ ٥٢٢]
стр. 3995
قال محمد عبد الحكم: بل يغرمان الدية، لأنه كان له في أحد قولي مالك أن يقتل أو يأخذ الدية، وهو قول أشهب، وتمامها في آخر الباب.
قال في كتاب ابن سحنون عن أبيه: ويجلد القاتل مائة، ويحبس سنة، ويؤدب الشاهدان، ولو كانت شهادتهما على أنه عفا على أنه يأخذ مائة درهم، وهو يجحد، والجاني يدعي ذلك، فحكم بذلك ثم رجعا، فإنه لا شيء لولي القصاص، لأن الجاني مخرج المال مقر بأنه عفا عنه بذلك، وولي القصاص لم يتلفا عليه غير القصاص الذي لا ثمن له، وإن كان الجاني يجحد الصلح، وولي القصاص يدعي أنه صالحه على أكثر من الدية أو أقل، فقضى القاضي بذلك، ثم رجعا، فإن عليهما أن يغرما للجاني ما أخرجا من يديه، ويؤدبان، ولو قال ولي الجناية: صالحتك على مائة دينار، وقال الجاني: بل على خمسين دينارا، فولي الجناية المدعي لزيادة المال وقد اتفقا على أنه صالحه واختلفا / وفي المال، فإن أقام ولي الجناية بدعواه بينة فحكم بها ثم رجعا، فليضمنا ما زاد بشهادتهما على ما أقر الجاني به، وذلك خمسون ديناراً.
ومنه ومن كتاب ابن المواز: ولو شهدا أنه عفا عن دية خطأ: قال في كتاب ابن سحنون: أو عن جرح خطأ يكون أرشه أقل من ثلث الدية، وذلك لدم الخطأ في نفس أو جرح ثابت بغيرهما، فقضي بذلك ثم رجعا، قال في الكتابين: فإنهما يضمنان ما أتلفا من دية النفس وإسقاطها عن العاقلة، فيكون عليهما في ثلاث سنين منجمة، قال ابن المواز: إلا أن تكون قد حلت.
قال في كتاب ابن سحنون: وما أتلفا من أرش جرح دون الثلث ضمنا ذلك حالا.
قال ابن المواز: ولو شهدا بالعفو عن قتل عمد ولم ينفذ الحكم حتى رجعا، قال: فكأنهما لم يشهدا، وينفذ القتل على القاتل، وكذلك في جميع الأشياء إذا رجعوا قبل الحكم فالشهادة مرتفعة. [٨/ ٥٢٣]
стр. 3996
ومن كتاب محمد بن عبد الحكم: فإن شهدا بالعفو من ولي الدم عن قاتل عمد، فقضي بذلك ثم رجعا فليغرما الدية، لأنه كان في أحد قولي مالك: أن يقتل أو يأخذ الدية، وقاله أشهب، وروي عن أشهب: أنه لا شيء عليهما، لأنهما إنما أتلفا دما لا مالا، ولا قيمة للعمد، وهذا – عندي – خلاف أصله الذي بني عليه القصاص، وقد قال فيمن عفا عن قاتل وليه أنه يحلف: ما عفا إلا ليأخذ الدية، / ثم يأخذ نصيبه منها، وقال أيضا: إن لم يشترطها فلا شيء له، وإنما هذا – عندي – لاختلاف قوله في الأصل، مرة جعله مخيرا في القتل أو الدية، ومرة قال: ليس له إلا القصاص، قال محمد: وبأي القولين قلت، فإني لم ألزمهما الدية إذا رجعا.
في الحكم ينفذ ثم يظهر ما يبطل به
مثل البينة تقوم بقتل رجل عمدا أو خطأ
فحكم بذلك ثم يقدم المشهود بقتله حيا،
وشبه ذلك مما يظهر فيه الكذب
أو يظهر المرجوم محبوبا
من كتاب ابن المواز: وإن شهد رجلان أن هذا الرجل قتل ابن هذا عمدا، فقضي بقتله فقتل، ثم قدم ابن الرجل حيا، قال ابن القاسم: لا شيء على الإمام، ولا على عاقلته، ولا على الأب، ويغرم الشهود ديته في أموالهم، وقال أصبغ، وإنما الخطأ في ذلك من الشهود، فإن كان ذلك منهم تعمدا فذلك في أموالهم، وإن شبه عليهم فهو على عواقلهم، وهذا يخالف رجوعهم، قال ابن القاسم: ولو صالح الأب القاتل على مال لرد الأب ما أخذ، قال ابن المواز: فإن كان عديما لم يتبع به الشهود، وروي ذلك عن ابن القاسم، وقال ابن القاسم: ولو شهد أنه قتله خطأ فقضي بذلك فأخذ الأب الدية من العاقلة، ثم قدم ابنه فليرد إلى العاقلة ما أخذ منهم، فإن وجد الأب عديما بذلك فليغرم ذلك الشاهدان، وهذا بخلاف رجوعهما، لأنهما لعلهما كذبا في رجوعهما / ولم ينفذ الحكم بقولهما، وهذا لما [٨/ ٥٢٤]
стр. 3997
قدم المشهود بقتله فقد ظهرت حقيقة باطل ما شهدا عليه به.
قال ابن سحنون عن أبيه: إذا شهدا أنه قتله عمدا، فقضي بالقتل، وقتل المشهود عليه، ثم قدم المقتول حيا، فعلى الشاهدين ضمان الدية لولاة المقتول، ثم لا يرجعان بها على القاتل بشيء، لأنهما هما اللذان تعديا وأباحا للولي قتله، وليس لولي المقتول أن يأخذ الدية إلا من الشاهدين، إلا أن يكون عديمين فيرجع على الولي القاتل المتلف للنفس، فإن أخذ ذلك منه لم يرجع على الشاهدين به، لأنه هو الذي أتلف النفس، وهو كمن تعدي على مال رجل فأطعمه لآخر لا يعرم بعدائه، فله طلب المتعدي [ثم لا رجع المتعدي على الآكل بشيء، فإن كان المتعدي] عديما رجع به على الآكل، ثم لا يرجع الآكل على المعتدي.
وقد روي أن ولي الدم مخير إن شاء اتبع بذلك الشاهدين، فإن اختار ذلك لم يكن له التحول عنهما إلا أن يعدما فيكون له، لأنه لو أخذ ذلك الشاهدين لرجعا بذلك على الولي، وإن اختار تضمين القاتل، فليس له التحول عنه إلى الشاهدين، أعدم أو لم يعدم، ولو ودى الولي إلى القاتل لم يكن له رجوع على الشاهدين، وقد روى أنه لا يرجع على الولي بشيء، لأن ظهور المحكوم بقتله حيا قد أبطل الحكم، ولا شيء على الولي لأنه أخذ ما أعطاه الشاهدان/ على أنهما صدقا عنده، والذي أخذ قصاص لا ثمن له، وعلى الشاهدين غرم الدية، لأنهما اللذان أتلفا ذلك، ولا شيء على الحاكم، لأنه قد اجتهد كما عليه.
قال: وإن شهدا أنه قتله خطأ، فقضي على العاقلة بالدية، فأخذها الأب، ثم قدم الابن حيا، فللعاقلة أخذ الشهود بما ودوا حالا، ولا شيء لهم على الولي [إلا في عدم الشهود، فيأخذون بها الولي مأخذه، فإن وداها الشهود لم يرجعوا بها على الولي] وإن وداها الولي، ثم لم يرجع بها على الشهود. [٨/ ٥٢٥]
стр. 3998
وقد روي أن العاقلة مخيرة، فإن اتبعت البينة فلا يتحول عنهما إلا أن يعدما فيطالب الولي لأنهما كانا لو أغرما أولا الشاهدين، كان لهما أن يرجعا بذلك على الولي، وإن تابعت الولي فلا تتحول عنه وإن أعدم، لأنه الذي أخذهما، وهو لو غرمها لم يرجع بها على الشاهدين.
قال سحنون: ولو شهدا على إقرار رجل أنه قتل فلانا عمدا، وادعى ذلك الولي فقضي عليه بالقتل، ثم قدم المشهود بقتله حيا، فلا ضمان على الشهود ها هنا، لأنهم إنما شهدوا على إقراره، ولولي المقتول بالقود أن يضمن القاتل الدية، لأنه أتلف النفس، إلا أن يرجعا عن شهادتهما فيقولا: ما أقر عندنا بشيء وقد كذبنا، فيكون كما قلنا في المسألة المتقدمة، وكذلك لو شهدا على إقراره أنه قتل فلانا خطأ، فقضى القاضي عليه بالدية في ماله، ثم قدم المشهود بقتله حيا، فلا شيء على / الشهود في هذا، لأنهما إنما شهدا على إقراره، وليرجع الذي ودى الدية بها على من قبضها منه، إلا أن يرجعا عن شهادتهما في الإقرار ويقرا بالزور.
ولو شهدا على شهادة شاهدين: أن فلانا قتل فلانا خطأ، فقضي القاضي بذلك، وأغرم العاقلة الدية، ثم قدم المشهود بقتله حيا، فإنه تردع العاقلة على الذي قبض منهم الدية، فيأخذوها منه تاجزة، ولا شيء على الشهود، لأنهم شهدوا على شهادة غيرهم، إلا أن يقروا بتعمد الكذب في نقلهم فيكون – كما تقدم – أن للعاقلة أخذ الولي بالدية، ثم لا يرجع بها الولي على الشهود، فإن رجعوا بها على الشهود كان للبينة أن يرجعوا بها على الولي.
ومن كتاب محمد بن عبد الحكم: وإذا شهد شاهدان أن رجلا حلف، يعني: بحرية عبده: أن في قيده عشرة أرطال، وقد حلف بحريته: أن لا ينزع عنه القيد شهرا، وقد فعل العبد ما يستوجب به ذلك، ثم أتى شاهدان فشهدا أنه ليس في القيد ثمانية أرطال. قال عبد الله: أراه يريد: فحكم القاضي بحرية العبد، قال في الكتاب: ثم إن السيد نزع القيد، قال عبد الله: يريد: بعد الشهر، قال: [٨/ ٥٢٦]
стр. 3999
فوجد فيه عشرة، قال محمد: فلينقض القاضي حكمه لأنه ظهر كذب الشاهدين.
وقال أصحاب أبي حنيفة: ينفذ العتق ويضمنان القيمة، جعلوه كالرجوع، وذلك غير مشتبه، لأنهما في الرجوع لا يعرف أي قوليهما أصدق، والآن فقد ظهر كذبهما أولا، قال: / لو وجد في القيد تسعة، لم يرد عتق العبد، لأنه وإن تبين كذب الشاهدين في هذا، فقد عتق على السيد بالحنث، وقال في المشهود عليه بالزنا: فيرجع فيوجد مجبوبا بعد أن رجم، قال: فديته على عاقلة الإمام، ولا شيء على الشهود، وقاله أشهب.
في الرجوع عن الشهادة في الزنا والسرقة
وكيف إن شهدوا في عبد أنه أعتق ثم زنى؟
أو شهد قوم بالعتق وقوم بالزنا
وفي الرجوع عن الشهادة في حد القذف
وزنا البكر، وفي الأدب والتعزير
من كتاب محمد بن عبد الحكم: وإذا شهد أربعة على رجل أنه زنا وأنه محصن، فرجم، ثم رجع الشهود فأقروا بتعمد الزور، فذكر محمد الاختلاف في قتلهم في التعمد، وذكر أن أشهب يقول: إنهم يقتلون إذا أقروا بتعمد الزور، واحتج محمد بأن علي بن أبي طالب قال في الشاهدين على السرقة، ثم قالا بعد أن قطع السارق: قد أوهمنا وإنما هو آخر، فقال: لو اعلمكما تعمدتما لقطعت أيديكما، وذكر عن النخعي والحسن في القتل: أنهما يقتلان إذا تعمدا، واحتج ابن عبد الحكم فيمن أمسك رجلا لآخر حتى قتله، أنه يقتل إذا علم أنه يريد قتله، قال: والشهود أشد من هذا، وكذلك يقطعون في تعمد الزور في الشهادة بالسرقة أو قطع يد، فقطع المشهود عليه. [٨/ ٥٢٧]
стр. 4000
قال عبد الله: وذكر بعض ... البغداديين / أن قول مالك اختلف في تعمد الشهود للزور في القتل بالقطع، قال محمد بن عبد الحكم: قال أشهب: إذا رجعوا بعد الرجم، فإن أقروا بتعمد الزور حدوا حد الفرية وقتلوا، فإن لم يتعمدوا فالدية على عواقلهم، ولا شيء على الوالي. وقد ذكرنا في باب الرجوع عن الشهادة في القتل الاختلاف في هذا، وقول ابن القاسم وغيره فيه.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا شهد خمسة على الزنا أو أكثر، فرجم بشهادتهم، ثم رجع منهم واحدا أو أكثر، وأقر بتعمد الزور، فإن بقي ممن لم يرجع أربعة، فلا شيء على من رجع من حد ولا غرم، وعليه الأدب، ثم إن رجع بعد ذلك من الأربعة واحد، لزم غرم [ربع] الدية، يدخل فيه معه من سبقه بالرجوع، قلوا أو كثروا مع الحد على كل منهم سواء رجعوا معا أو مفترقين، ولا أدب عليهم مع الحد.
فإن رجع آخر أيضا، لزمه ربع الدية يشاركه فيها كل من رجع قبله، ويشركهم فيما غرموا قبله، فيصير نصف الدية على جميعهم على عددهم، والحد على عددهم، وهذا أحسن ما سمعنا، وإن رجع ثالث من الأربعة، لزمه مع كل من رجع قبله: ثلاثة أباع الدية.
وذكر لنا عن ابن القاسم أنه كان يقول: على من رجع الحد، وإن بقي ممن لم يرجع أربعة أو أكثر، وأبى ذلك غيره من أصحاب مالك، وكذلك سمعت عبد الملك يقول: وروى مثله أصبغ وأبو زيد عن ابن القاسم في الأسدية، وروى عنه أصبغ في مجالسه قوله الآخر الذي يخالف فيه/ عبد الملك، وكأنه تأول في ذلك أن الراجع مقر أنه قاذف لمن لم يرق، وأنه وبقية الشهود اتفقوا على أن يشهدوا عليه بالزورفي ذلك في مقام واحد، وانه لقول حسن، ولم أرو عنه هذه الحجة. [٨/ ٥٢٨]
стр. 4001
ومن حجة عبد الملك: أنه لما بقي عليه أربعة ينقذ بهم عليه الحد، فكان الراجع إنما قذف من حق عليه الزنا، وإذا رجم بشهادة أربعة في الزنا ثم رجع أحدهم، فإنه يحد ويغرم ربع الدية، ولا حد على من لم يرجع، وذكر عنه أنه كان قال بحد من لم يرجع مع الراجع، ثم رجع عن هذا القول وقال: لأن الحكم لم ينتقض.
قال ابن المواز: وإن شهد سبعة على رجل محصن بالزنا، فأمر الإمام برجمه، فلما فقئت عينه في الرجم، ورجع واحد والشهود، ثم تمادوا في رجمه فأوضح موضحة، فرجع ثان من الشهود، ثم تمادوا في رجمه حتى قتل، فرجع آخر، قال: إنه لو لم يرجع هذا الثالث ما كان على من تقدم من رجوعه شيء، وأرى على الراجع الأول بعد فقء العين سدس دية العين، وعلى الراجع [بعده بعد الموضحة خمس دية الموضحة وسدس دية العين، وعلى الراجع بعد قتله ربع ديه النفس فقط، لأن ديه النفس تأتي على ما قبل ذلك.
قال في غير رواية ابن أبي مطر: فقد قيل فيها: إن على الثالث أيضا خمس دية الموضحة وسدس دية العين، والأول أصح.
قال سحنون في كتاب ابنه: وإذا شهدا على رجل بالسرقة فقطع ثم رجعا، فعليها / ديه اليد في أموالهما، وإن رجع واحد، فعليه نصف دية اليد، وكذلك في القصاص في النفس وفيما دونها في جميع الأموال، وإن شهدا عليه أربعة بالزور بالزنا، وشهد اثنان غيرهم بالإحصان، أو أقر أنه محصن، فرجم ثم رجع شاهدا الزنا وشاهدا الإحصان، فالغرم للدية على شهود الزنا، ويحدون للقذف، ولا شيء على شاهدي الإحصان ولو رجع واحد من شهود الزنا قبل انفاذ الحكم، وطلب المشهود عليه جرحتهم فجرح واحد منهم، فإن الحد على جميعهم، حد الفرية، لأنه لم ينفذ الحكم، ولو حكم القاضي بالرجم فلم يرجم الرجل حتى رجع [٨/ ٥٢٩]
стр. 4002
واحد وإنما يحد الراجع وحده، ولا يسقط الحد عن المشهود عليه، وعلى الراجع ربع الدية، ولا شيء على الثلاثة.
قال ابن المواز: اختلف علينا في هذه المسألة، فقال ابن القاسم: إنما الدية على شهود الزنا إذا رجعوا، ولا شيء على شاهدي الاحصان رجعا جميعا أو أحدهما.
وقال أشهب وعبد الملك: بل الدية على الستة أسداسا. قال ابن المواز: والذي أقول به: أن نصف الدية على شاهدي الإحصان، ونصفها على شهود الزنا، وقال أصبغ بقول ابن القاسم، وقال: وهو كما لو شهد شاهدان على رجل أنه حلف بحرية عبده إن دخل المسجد شهرا، وشهد غيرهما أنه دخله قبل الشهر، فقضي عليه بالحرية، ثم رجع شاهدا الدخول، فلا شيء عليهما، وإن رجع شاهدا اليمين قضي عليهما بقيمته، ولا شيء/ على شاهدي الدخول إلا ما لزمهم من الجرحة.
قال ابن المواز: وقد سمعت من يقول: إن نصف الدية على الأربعة الراجعين في الزنا، ونصفها على الراجعين عن الاحصان، رجعا جملة أو مفترقين، ومن رجع فعليه على هذا الحساب.
ومن كتاب ابن سحنون، وذكر عند يحيى بن سعيد من رواية ابن وهب في أربعة شهدوا بالزنا على محصن، فرجم، ثم رجع اثنان وأقرا بتعمد الزور، قال: يغرمان العقل عقلا تاما.
قال عبد الملك وسحنون: ولو كان الشهود ثمانية ثم رجع اثنان بعد الرجم، فلا غرم عليهما ولا حد ولا على الباقين، لأنه ممن عليه الرجم ثابت بشهادة من ثبت، ولكن على من رجع الأدب فقط لإقراره بتعمد الزور. [٨/ ٥٣٠]
стр. 4003
ولو رجع خمسة وبقي ثلاثة، فعلى الخمسة يرجع العقل بينهم أخماشا، وحد القذف، ولا أدب عليهم غير ذلك، ولا شيء على من لم يرجع من غرم ولا جلد. لأنه حكم نفذ فلا ينقض، ولأنهم لم يقروا على أنفسهم بأمر يؤخذون به، ثم إن رجع أحد الثلاثة الباقين جلد حد القذف، ويصير عليه وعلى من قتله نصف الدية بالربع المتقدم، فيكون النصف عليهم أسداسا، ثم إن رجع أحد الإثنين الباقيين يحد وتصير شركتهم أجمع في ثلاثة أرباع الدية بين السبعة أسباعا، ولا شيء على الباقي، فإن رجع أيضا الثامن حد وكانت الدية على جميعهم أثمانا.
وإن شهد ثمانية على رجل بالزنا / والإحصان، كل أربعة على زنا على حدة، بامرأة على حدة، فقضى القاضي برجمه، فرجم، ثم رجع أربعة شهدوا على زناه بامرأة واحدة، فلا حد عليهم ولا غرم، لأنه قد بقي من لو ابتدئ بهم الحق لرجم بهم، ثم إن رجع واحد من الأربعة الثانية، فعليه الحد وعلى الراجعين قبله، لأنهم أقروا أنهم قذفوا غير زان، وعليهم ربع الدية أخماسا، والحكم الأول نافذ، وحتى لو قذفه أحد بالزنا لم يحد، ولكن يؤدب، لأذاه له، إلا الذين رجعوا فإن عليهم الحد إن قذفوه، لأنهم يقرون على أنفسهم أنه غير محدود بحق.
ولو رجع واحد من كل أربعة من هاتين الطائفين، كان عليهما الحد وربع الدية، لأنه لم يبق على زنا كل امرأة إلا ثلاثة. ولو رجع اثنان من كل طائفة فعليهم نصف الدية أرباعا مع الحد، ولو كان ثلاثة من كل طائفة فعليهم أرباع الدية بين الستة وحد الفرية، ولو رجع الثمانية غرموا الدية وحدوا، ولو رجع ثلاثة من طائفة، وواحد من طائفة، فعليهم ربع الدية والحد، فخذ هذا على هذا النحو.
قال سحنون: وإن شهد رجلان على رجل أنه أعتق عبده والسيد يحجد فقضي عليه، وشهد أربعة أنه زنا، وأنه محصن، فقضي عليه بذلك ورجم، ثم رجعوا كلهم فينظر إلى السيد، فإن كان مقيما على إنكار العتق، فله القيمة على شاهدي العتق، وعلى شهود الزنا الحد والدية لورثة المعتق الآخر، فإن لم يكن له [٨/ ٥٣١]
стр. 4004
وارث غير/ السيد الذي يجحد الحق، فإنه إن أخذ القيمة من شهود العتق، رجع بها شهود بالعتق على شهود الزنا، ولم يكن على شهود الزنا إلا قيمة عبد، وإن أخذ السيد القيمة من شهود الزنا، لم يكن على شهود الزنا غيرها، لأن السيد لم يقر بعتقه ويزغم أنه عبده، ولا يرجع شهود الزنا على شهود العتق بشيء، لأنهم هم أتلفوا النفس، وإن أقر السيد بالعتق لم يكن على شاهدي العتق شيء، وله الدية على شهود الزنا، إن لم يكن وارث غيره، وإن كان يرثه غيره فذلك لوارثه.
ولو رجع شاهدا العتق وأقرا بالزور ولم يشهدا عليه بالزنا، فالحكم بالعتق ماض، والولاء للسيد، فإن رضي أخذ القيمة من شاهدي العتق فذلك له، وقد يعتق بعض الناس عن بعض فالولاء للمعتق عنه.
وإن شهد أربعة على رجل أنه أعتق عبده، وإن العبد بعد عتقه زنا وهو محصن، فقضي شهادتهم وعتق ورجم، ثم رجع اثنان عن الغرم واثنان عن الولاء فلا ضمان على الراجعين عن العتق، لأنه قد بقي من يتم به العتق لو انفردا، وإن كان للمرجوم وارث من نسب فله نصف الدية على الراجعين عن الزنا، وعليهما حق القذف، فإن لم يكن وارث غيره أحق، فقد أقر له شاهدا الزنا الراجعان بنصف الدية، لأنهما يزعمان أنه حر وأنه مولاه، فإن اعترف السيد بالعتق فله نصف الدية، وإن أقام على جحوده، فله عليهما / نصف قيمة عبده إلا أن تزيد على نصف الدية فلا يزاد، وإنما له الأقل.
وإن شهد شاهدان على رجل أنه سرق مائة درهم من حرزها، فقضي بقطعة وأغرم المائة، إما كانت بقيمتها أو لم تكن بعينها، وكان يسره متصلا، ثم رجعا، فعليهما نصف دية اليد وغرم المائة، وإن رجع أحدهما فعليه نصف ذلك كله. [٨/ ٥٣٢]
стр. 4005
قال سحنون: وإذا شهدوا على رجل في شتم أو حد قذف، أو في حد زنا البكر، أو على لطمة، أو ضرب بالسوط مما يوجب الآدب، أو على العفو عن الدم يعني العمد، أو الطلاق، يريد: في التي قد بنى بها، فيقضى بذلك، ويقيم الأدب فيما فيه الأدب، ثم رجع الشهود وأقروا بالزور، في هذا عند جميع أصحابنا غرم ولا قود معروف إلا الأدب من السلطان، ولا تقع المماثلة في اللطمة، ولا ضرب السوط بأمر يضبط، ولا أرش لذلك، وإنما فيه الأدب.
في البينة يقضى بها ثم يتبين ان أحدهم عبد
أو ذمي أو مولى عليه أو غير عدل
وكان ذلك في مال أو زنا أو قذف أو غيره
من كتاب ابن سحنون: قال: سحنون: وإذا شهد شاهدان على رجل بمال فقضى به القاضي بعد التأني والكشف كما ينبغي، ثم ظهر أن أحدهم عبد، أو ذمي، أو مولى عليه، فعلى المقضي له بالمائة رد المال إلى المحكوم عليه، إلا أن يحلف مع الشاهد الباقي فيعم له ما أخذ، فإن نكل حلف المحكوم/ عليه إن شاء وأخذ ماله، فإن نكل فلا شيء له، قال في موضع آخر: والحكم ها هنا ينقض بخلاف رجوع البينة، وبخلاف إن ظهر أن أحدهم مسخوط. قال أبو محمد: وقد اختلف في قبول شهادة المولي عليه لسوء نظره في المال لا لجرحة فيه، وهذا مذكور في كتاب الشهادات.
قال سحنون: ولو كان الحكم في قصاص في قتل أو قطع يد: فإن حلف المقضي له بالقصاص في اليد مع شاهده الباقي، أو حلف المقضي له بالقتل مع رجل من عصبته خمسين يمينا قسامة، ثم له الحكم الأول، وإن نكل عن القصاص في اليد، ولم يعلم أن شاهده عبد لظاهر حريته، فليحلف المقتص منه في اليد: أن ما شهد به عليه باطل، وإذا نكل المقضي له بالقتل عن القسامة، فالنكول في مثل هذا ترد به الشهادة، وينقض به الحكم. [٨/ ٥٣٣]
стр. 4006
فقال بعض أصحابنا: ولا ضمان [على الحاكم، وهو لم يخطئ، وقد اجتهاد وفعل ما عليه من القتل على ما ظهر له، ولا ضمان] على المحكوم له بالقصاص، لأنه لم يأخذ ثمنا فيرده، وغرم ذلك على الشاهدين إن كانا جعلا رد شهادتهما عنه بأن أحدهما عبد أو ذمي، وقال بعض أصحابنا: إن ذلك على عاقلة الإمام، وقيل: ذلك هدر لا على عاقلة الإمام، ولا على البينة، ولا على المحكوم له، وإنما خطأ الإمام الذي يكون على عاقلته ما جاوز ثلث الدية منه ما يخطئ فيه في نفس الحكم، مثل أن يقتل أو يقطع من لايجب ذلك عليه، / أو يجيز شهادة العبد والذمي والمولى عليه، وهو يرى أن ذلك يجوز، أو يقطع من سرق [من غير حرز، أو من سرق] تمرا أو كثرا، وأما أن يظهر له ما لم يكن يعلمه، وما بالغ فيه في الاعذار والإجتهاد، فهذا الذي عليه، وكذلك لو حكم بالرجم في الزنا، ثم ظهر أن أحد الشهود عبد أو ذمي أو مولى عليه، فالحكم زائل كأنه لم يكن، ويجلدون للقذف، وقال بعض أصحابنا: الغرم على الحاكم إن كان الشهود لم يعلموا أن الذين شهدوا معهم كما ظهر من أمرهم، وإن كانوا يعلمون ذلك فعليهم الغرم. وقال بعضهم: إن كانوا جهلوا رد شهادتهم عنه، وقيل: لا شيء عليهم ولا على الحاكم إن جهلوا من معهم، أو كانوا عرفوا بهم، أو جهلوا أن شهادتهم لا تجوز، فأما إن علموا بهم وعلموا أن شهادتهم لا تجوز فهم ضامنون للدية.
ومن كتاب ابن المواز: قلت: فإن شهد ستة على رجل بالزنا وهو محصن فرجم بشهادتهم، ثم رجع إنسان منهم؟ فقلت: لا شيء عليهما من غرم ولا حد، أرأيت إن وجد من الأربعة الذين ثبتوا أحدهم عبدا؟ قال: فإنه يرجع على الراجعين الذين شهدوا منهم بربع الدية مع الحد، وليس على من لم يرجع من الأحرار شيء ولا غرم ولا حد، ويحد العبد أربعين جلدة ولا غرم عليه. وإذا لم يشهد عليه إلا أربعة فرجم بشهادتهم، ثم وجد أحدهم عبدا، فإن عليهم الحد أجمعين للقذف، وعلى العبد نصف حد الحر. [٨/ ٥٣٤]
стр. 4007
قال / أصبغ: وقال ابن القاسم: إن كان علم الشهود أنه عبد، فعليهم الدية في أموالهم، وإن لم يعلموا فهي على عاقلة الإمام، ولا شيء على العبد في الوجهين، وأما إن وجد أحدهم مسخوطا: فقد قال ابن القاسم بنقض الحاكم كما لو كان عبدا أو ذميا، ويضرب هو ومن شهد منه من مسلم حد القذف إن كانت هذه الجرحة قبل يشهد.
وقال أشهب: لا يرد الحكم في المسخوط، ولا ضرب عليه وعلى من معه.
قال ابن المواز: ولا أعلم إلا وقد قاله لي عبد الملك. قال أشهب: وكذلك لو كان الحكم في مال، فلا ينقض، فأما في العبد والذمي قينقض الحكم ويحلف المقضي له بالمال مع شاهده الباقي، ويبقي له، فإن نكل حلفه ضامنه وأخذه منه.
قال محمد: وقول أشهب وعبد الملك هو أحسن إن كان القاضي غير الذي قضى بشهادتة، فأما إن كان هو الذي قضى بشهادته فلينقضه ما لم يفت، مثل القطع والقتل والرجم، وأخبرني بقول ابن القاسم أبو زيد وأصبغ عند، وقال: ولا ينقض الحكم برجوع من رجع من الشهود، والحكم ماض، وعليهم غرم ما أتلفوا، وقد كان ذكر عنه أنه قال: إن رجع واحد منهم أنه يحد هو ومن لم يرجع، ثم رجع فقال: ولا يحد غير الراجع وحده، وأحده على هذا، وقال: لا ينقض الحكم برجوعهم كلهم بخلاف أن لو وجد أحدهم عبدا، هذا ينقض فيه الحكم الأول، ويسقط الحق عن المقضي عليه، ويكون على عاقلة الإمام في القتل الدية، / إلا أن يكون بقية الشهود علموا برق هذا فيضمنوا الدية في أموالهم، وأما لو رجم بشهادة أربعة في الزنا، ثم وجد بعد أن رجم مجبوبا فقد ذكرنا هذا في باب تقدم [٨/ ٥٣٥]
стр. 4008
في الحكم ثم يظهر ما يبطله أن ديته على عاقلة الإمام، قال: وإن شهدا على أن رجلا قتل رجلا، فقضي بشهادتهما، واقتص منه، ثم وجد أحدهما عبدا؟ قال: هذا ينقض فيه الحكم، وتكون كدية المقتول على عاقلة الإمام.
قلت: ولا تكون فيه القسامة مع الشاهد الباقي. قال: فعلى من يقسمون وقد فات وأخذوا حقهم بالقصاص؟
وقال سحنون في كتاب الإكراه: إذا أقامت المرأة شاهدين على زوجها أنه رماها بالزنا، فأمر القاضي الزوج باللعان فالتعن خوفا أن يبيح ظهره وهو يعلم أنهما شهدا بزور، والتعنت هي وفرق بينهما، ثم تبين أن أحد الشاهدين عبد أو مجروح، فإن القاضي، يبطل الحكم باللعان الذي كان بينهما، ويردها إليه وتكون امرأته، قال سحنون: ولا يكون قوله: أشهد بالله أني من الصادقين إقرار من قبل أنه قد ظهر أنه أضطره إلى ذلك خوفه الحد، فصار كمن لم يقر وكالمكره، وقال ابن الماجشون في كتابه: ولو رجع الشاهدان بعد الحكم بتمام اللعان لم يغرما، يريد: للزوج شيئا إن كان الزوج قد دخل بها، وكذلك إن لم يدخل بها في قوله، وقد مضى ذكر الإختلاف في رجوعهما قبل البناء.
فيما يحل بالحكم الظاهر وما لا يحل / بالحكم
لمن يعلم خلاف ظاهرة من محكوم له أو غيره
وما دخل في ذلك من الرجوع
عن الشهادات
قال أبو محمد: وهذا الباب قد كتبنا مثله وأوعب منه في كتاب الأقضية.
قال سحنون في كتاب ابنه: وحكم الحاكم لا يبيح للمحكوم له ما يعلم باطل دعواه فيه، وما يعلم الله أنه حرام، فإذا علم ذلك أحد فلا يحل له بظاهر [٨/ ٥٣٦]
стр. 4009
الحكم، وإنما يحكم الحاكم بما يظهر له، وذلك أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال: فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار واحتج على أهل العراق بهذا وبغيره مما ذكرته في كتاب الأقضية.
قال: وإذا شهد رجلان أن رجلا قذف امرأته بالزنا، والرجل يعلم أنهما شهدا بزور، فقبلهما القاضي، وأمره باللعان فالتعن خيفة أن يحد بالقذف، والتعنت هي وهو يعلم كذبهما، ففرق بينهما الحاكم بظاهر ما ظهر إليه، وجعلهما لا تحل له أبدا، أن ذلك لا يحرم عليه بينه وبين الله سبحانه، ولكن نكره ذلك لئلا يعد زانيا فتنتهك حرمته، ويضيع نسبه إن كان حملا، ولئلا ترجم هي إذا وضعت أيضا، ولا يجوز لها أن تنكح، وإن كانت هي لا تعلم إلا ظواهر الأمور فمباح لها أن تنكح على ظاهر الحكم، ولو أن الزوج رماها بالزنا وهي يعلم كذب الزوج، فلاعن بينهما الإمام، فالتعنا، وفرق بينهما وحرمها عليه للأبد، فإنها لا يحرم عليها النكاح، لأن / الزوج ها هنا راض بحكم السلطان وتحريمها عليه، وإباحتها للأزواج.
قال: وإذا شهدا أن فلانا فارق زوجته، والزوج يعلم أنهما شهدا بزور، فحكم القاضي بالفراق، ثم رجعا وأقرا بالزور، فالحكم ماض على ظاهره، فإن علمت المرأة باطل قولهما لم يجز لها أن تنكح، ولا يجوز للزوج أن يتزوج أختها ولا أربعة سواها، وهي زوجته في علم الله، ويجوز للزوج أن يصيبها إن خفي له في ذلك، ولكنا نكره ذلك له للتغرير بنفسه في هتك حرمته، وإبطال نسبه، وإن تحبل هي فترجم إذا وضعت، فإن لم تعلم المرأة إلى ما ظهر من الحكم، فلها التزويج بظاهر الحكم، وكل من لم يعلم إلا ظاهر الحكم فله إقامة ما يوجبه ذلك الحكم في الظاهر، ولو علم الحاكم باطل ذلك جاز له أن يحكم بما ظهر، فكذلك من علم بباطنه، فلا يستبحه بظاهره. [٨/ ٥٣٧]
стр. 4010
ولو فرق بينهما السلطان بشهادة عدلين، ثم تزوجها أحد العدلين ورجع عن شهادته أنه شهد بزور، فإنه يفرق بينه وبينها، لأنه مقر أنها زوجة رجل لا تحل له، ويفرق بينهما وبينه بطلقة على ظاهر الحكم، وعليه الصداق إن بنى بها، أو نصفه إن لم يبن بها، ولا حد عليه، ويؤدب في شهادته بالزور، وإن ادعى وهما لم يؤدب، ولو رجع الشاهدين ثم أراد أن يتزوجها وهي لا تعلم أنهما شهدا بزور، فإن الحاكم يمنعه من نكاحها، لأنه أقر أنها ذات زوج [فإن نزع عن قوله وقال: وما شهدت إلا بحق، وثبت عندي ما كنت فيه شاكا، فله أن يتزوجها إذا / حلف، وقد قيل: إنها لا تحل له لإقراره أنها ذات زوج] إلا أن يموت الزوج.
وإن شهدا أنه أعتق جاريته هذه فقضى القاضي لها بالعتق، ثم رجعا فالحكم ماض. وإن علمت هي أنها شهدا بزور، لم يحل لها أن تبيح نفسها، وإن لم تعلم فلها التعلق بالحكم الظاهر، وإن علمت كذبهما فلا تبيح نفسها إلا أن يرضى السيد بأخذ القيمة من الشاهدين، فيتم بذلك ما قضى لها به القاضي من حريتها.
ومن كتاب محمد عبد الحكم: وإذا شهدا أنه طلق امرأته ثلاثا، فقضى بذلك القاضي، ثم رجعا فلا يحل لأحدهما أن يتزوجها، وهي حلال لغيرهما ممن لا يعلم بكذبهما، والحكم الأول ماض، ولا يجوز للزوج أن يتزوجها إلا بعد زوج، وإن شهدا أن ملك امرأته أن تطلق نفسها ثلاثا إن شاءت، وأنها طلقت نفسها ثلاثا، فقضي عليه بذلك، وهي تعلم أنهما شهدا بزور، فلا يحل لها أن تتزوج، ولا يحل لها أن تمكن من نفسها زوجها المقضي عليه.
وإذا علمت هي أن الزوج فارقها وأنكر، فقامت عليه بالبينة، فلم يثبتوا عند القاضي، فردها إليه، فلا يحل لها أن تمكنه من نفسها، ولا يحل له وطؤها إذا علم مثل ذلك، وحكم القاضي بردها إليه لا يحل أحدهما لصاحبه، ولومات الزوج الأول، جاز للشاهدين أن يتزوجها من شاء منهما بعد انقضاء عدتها من الوفاة. [٨/ ٥٣٨]
стр. 4011
وإذا طلقت امرأة فقالت: قد انقضت عدتي والزوج يعلم/ أنها كاذبة فحكم لها القاضي أن تتزوج، فلا يجوز لها أن تتزوج حتى تخرج من عدتها، ولو كانت حاملا فحتى تضع، والحكم لا يحل لأحد ما يعلم حرامه، وذكر الحديث المتقدم ذكره، قال بعض أصحاب أبى حنيفة: إنه يجوز لأحد الشاهدين اللذين شهدا بطلاقهما وقضي بشهادتهما أن يتزوجها، لأن الحاكم قد فسخ نكاحها، والنبي (صلي الله عليه وسلم) لم يبح بحكمه لمن علم منه مالم يعلم النبي ﵇، فكيف بحكم غيره ولزمهم أن من أقام بينة أنه ابن فلان الميت وهو يعلم كذبهما، وأنه ليس بابنه، يجوز له أخذ ميراثه، وكذلك يلزمهم إن حكم في أخت رجل أنها بنت فلان لغير أبيها، أنه يجوز لأخيها أن يتزوجها، أو حكم في أم رجل أنها ليست بأمه، وأن أمه امرأة أخرى، يجوز له تزويجها.
أرأيت إن أشترى شاة مذبوجه، فقام المشتري فقال: قد صح عندي أنها ذبحت بعد أن ماتت، فلم يقبل الحاكم منه ذلك وألزمها إياه، أيحل له أكلها؟ واحتجوا باللعان فقالوا: أرأيت إن علم الزوج أنه كاذب أتحل له بعد ذلك؟ وهذا غير مشتبه، لأن اللعان قد علم الإمام أن أحدهما كاذب، فصار حكما على الصادق والكاذب أن لا يتناكحا أبدا. والشاهدان- يعنى بالطلاق- لو علم الحاكم أن أحدهما كاذب، لم يفرق بينهما بشهادتهما، وقياس هذا أن يقول: إن المحكوم عليه بالطلاق ثلاثا، للزوج أن يتزوجها، وهذا لم نعلمه نحن ولاهم، والشاهدان بالطلاق / المزوران كيف بتزويجها أحدهما وهما يعلمان أنهما كاذبان؟ وهذه ذريعة إلى أن من طلب نكاح ذات زوج فلم يمكنه: أن يشهد عليه رجلان بطلاقها ثم يتزوجها من شاء منهما.
أرأيت إن شهدا على حر مسلم أنه من أهل الحرب قد أسر، فقضي عليه بالرق، أيحل لأحدهما أو لمن علم ذلك أن يسترقه؟ أو كانت أمة أن يطأها، وإذا شهدا أن فلانا أقر أن هذه الصبية ابنته، فحكم لها بالنسب ثم ماتت على مال، [٨/ ٥٣٩]
стр. 4012
والأب يعلم كذبهما فلا يحل له أن يرث منهما شيئا، وكذلك لو استلحقها كاذبا، فالحقت به القضاء، ثم ماتت لم يجز له أن يرثها، ويجوز لها هى أن ترثه، لأنها لا تعلم صدقه من كذبه، ولو كانت أمة له فشهدا أنها ابنته فألحقت به، وهو يعلم كذبها، فلا يجوز له أن يطأها، ويريد: للتغرير بنفسه، وإن ماتت فله جميع ما تركت، لأنها أمته فيما يعلم، فما لها له حلال في الحالين.
قال محمد بن عبد الحكم: وإن شهدا أن رجلا تزوج امرأة بألف درهم، والزوج ينكر ذلك، وهي تدعيه، فألزمه القاضي النكاح [فأرى أن يفسخ النكاح القاضي] ويجعل لها نصف المهر.
وقال أصحاب أبي حنيفة: إنه يجوز للزوج أن يقيم عليها ويطأها، وإن رجع الشاهدان عن النكاح، قال محمد: وهذا مالا يحله الحكم، أرأيت لو أقر أنها أخته من الرضاعة أيترك؟ أو قال: لي أربع نسوة ببلد آخر، فألزمه الحاكم صداقها، أيحل له أن يطأها؟ أو قال: أنا أعلم أنها في عدة من زوجها وقالت هي: خرجت من العدة، أيثبت نكاحه عليها / أم لا؟ [هذه إلا بتت نكاحه] ولا يبرئه ذلك من نصف الصداق إذا قضى عليه بالفرقة.
ولو شهد شاهدان أن هذا قتل أبا هذا خطأ، ولا وارث له غيره، وأن هذا الرجل ضمن الدية على العاقلة وعن قاتله، وهو منكر، فقضي القاضي بذلك وأغرمه الدية، والمقضي عليه بالضمان يعلم أن المشهود عليه بقتله حيا ببلد آخر، فلا يجوز، للذي ودى بالضمان أن يرجع بما ودى لا على المشهود عليه بالقتل، ولا على العاقلة، لأنه لا شيء عليهم، وأنه لم يضمن عنهم شيئا، وكذلك لو شهدا أن هذا المسلم أفتكه هذا من حربي بمائة دينار، وهو منكر، فقضى عليه [٨/ ٥٤٠]
стр. 4013
القاضي بأدائها، وأذن له بالرجوع بها على المعتدي، فلا يجوز له أن يرجع عليه بشيء، لأنه يعلم أنه لم يكن بيد حربي ولا فداه منه، وأنه مظلوم فيما ودى، وأن هذا ليس عليه شيء من ذلك، فإن رجع الشاهدان عن شهادتهما، رجع عليها بما ودى.
وإن شهدا شاهدان على رجل أنه أمر فلانا أن يشتري له من فلان ثوب بدينار، وأنه اشتراه منه ودفعه إلى المأمور، وهما ينكران ذلك، فقضى القاضي على الرسول بغرم الدينار، فلا يجوز للرسول أن يرجع بذلك المشهود عليه أنه أمره، لأنه يعلم أنه بريء، وأنه لم يأمره بشيء، ولا وجب له عليه شيء، وإن شهدا أن فلانا أمره أن يزوجه بمائة دينار، وأن يضمنها عنه، وأنه زوجه وضمان عنه، فقضى القاضي بالنكاح وبالصداق، وحكم على الرجل بأدائها، أنه بالضمان فوداها، وهو منكر، وقدم الزوج فأنكر ذلك، فلا يجوز/ للغارم بالضمان أن يرجع عليه، فإن رجع الشاهدان رجع عليهما بذلك.
وقد جرى في معنى هذا الباب في باب الرجوع عن الشهادات في النسب وغيره من هذا الكتاب.
تم الجزء الثاني
من الرجوع عن الشهادات
والحمد لك كثيرا
وصلى الله على سيدنا محمد واله
يليه كتاب الدعوى والبينات الأول
стр. 4014
النوادر والزيادات
علي ما في المدونة من غيرها من الأمهات
لأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن أبي زيد القيرواني
٣١٠ - ٣٨٦ هـ
تحقيق
الأستاذ محمد عبد العزيز الدباغ
محافظ خزانة القرويين بفاس
стр. 4015
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلي وسلم علي سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
الجزء الأول
من كتاب الدعوى والبينات
في القوم يرون سلعة بيد رجل
حتي انتزعها منه آخر
هل يشهدون أنها ملكة ؟
وكيف إن شهدوا بالحوز ولم يشهدوا علي الملك,
وأن هذا الولد من جارية فلان
أو أن هذا الطعام من زرع فلان؟
قال أبو محمد: والقضاء أن اليد دليل الملك، قال الله سبحانه: (أو ما ملكت أيمانكم) (١) فيقضي لصاحب اليد بالملك، إلا أن تأتي البينة بغير ذلك.
ومن المجموعة وكتاب ابن سحنون، قال أشهب فيمن أقام بينه في عبد بيد رجل أنه انتزعه منه أو غصبه أو غلبه عليه، أو أنه أرسله في حاجة فاعترضه هذا في طريقه [فأخذه، أو ابن من هذا فأخذه هذا، فالشهادة علي هذا جائزة ويقضي برده إليه كما كان من ملك، أو إيداع، أو رهن] (٢)، إلا أن يأتي الآخر بحجة تقطع (٣) وذلك، فأما حجته بأنه في يديه اليوم فليس بشئ، ولو أقام بينه أنه كان في يديه قبل هذا، فلما وجده أخذه فيكون هذا/ أحق به. (٤) (*) ١٣٥/ظ
[٩/ ٥]
стр. 4016
قال ولو كان عبدا في يد رجل فادغاه آخر وأقام بينة أنه كان أمس بيده فلا يكون أحق به حتي تقول بينته إنه يملكه.
وقيل لسحنون في المجموعة في رجل حضر رجلا اشتري سلعة من سوق المسلمين أيشهد أنها ملكه؟ قال: لا، وليشهد أنه اشتراها، ألا تري لو أقام رجل بينه انها ملكه وأقام هذا بينة أنه اشتراها من وسوق المسلمين لم يزيدوا علي هذا لكان الذي أقام البينة بالملك أولي، وقد يبيعها من لا يملكها.
قيل فمتي يشهدون أنها ملكه، قال إذ طالت حيازته إياها وهو يفعل فيها فعل المالك لا منازع له وقد حضروا بدء دخولها في ملكه أولا فليشهدوا بالملك، ولو لم يشهدوا مع طول الحيازة بالملك لم يثبت ملك إلا أن يشهدوا أنه غنمها من دار الحرب وشبهه، فهذا أمر ضيق. قيل فلو شهدوا أنهم رأوه يحوزها الزمن الطويل الذي يشهد مثله علي الملك، ولم يشهدوا علي الملك ولا أنه كان يحوزها بحقه، قال فلا يقضي له بها حتي يقولوا حازها بحقه وملكه. قيل له فقد قال مالك إن شهد واحد أنها ملكه وشهد آخر أنها حيزه إنه يقضي له بها، قال معني قوله حيزه أي ملكه.
قال فالشاهد أيشهد بالملك بطول الحيازة وإذا شهد بالحيازة التي بها يشهد بالملك لم يحكم/بها، قال هو كذلك، ولابد أن يكون في شهادتهم أنها لم تخرج من ملكه في عملهم.
وقال أشهب في الكتابين: وإذا تداعيا دارا فأقام هذا بينة أنها له، وأقام الآخر بينة أنها في يديه منذ سنين، قال يقضي ببينة المالك. وإن أقام رجل البينة في أمة بيد رجل أنها ولدت عنده ولم يقولوا إنها له فلا يقضي له بها حتي يقولوا إنها له يملكها لا يعلمون لغيره فيها حقا، [وقد يولد في يده ما هو لعيره] (١). قال ولو شهدوا أنها بنت أمته فليس كالأول لأنهم قد شهدوا أنها له بقولهم إنها بنت أمته إذا كان في شهادتهم أنها ولدتها وهي في ملكه، وإلا لم يقض له بها لأنها قد يكون
[٩/ ٦]
стр. 4017
ولدها قبل يملكها، أن يقولوا إنها بنت أمته [وإن أمته] (١) ولدت عنده من أمة له جدة الصبية فإنه يقضي له بها، قال ولو شهدوا أن هذا التمر خرج من نخل فلان وهو يملكه، وأن هذا العبد ولدته أمته هذه وهو يملكها، قال يقضي له بذلك.
وقال في دجاجة بيد رجل أقام آخر البينة أن البيضة التي خرجت منها هذه الدجاجة كانت له فلا يقضي له بالدجاجة، ولكن يقضي علي صاحب الدجاجة بيضة مثلها لصاحبها إذا أقر أنه أفرخها، بخلاف الولادة, إذ لو ولدت أمة عند الغاصب كانت وولدها لربها، ولو غصب بيضة خرجت منها دجاجة لم يكن عليه إلا مثلها والدجاجة له، كمن غصب/ حنطة فزرعها، فخرج منها أضعافها فعليه المكيلة وما أخرجت فهو له.
قيل أفيطيب له؟ قال لو تصدق بالفضل كان أحب إلي، وما ذلك عليه بالواجب، ولو شهدوا أن هذا التمر جد من نخل فلان لقضي له به وعليه اليمين أنه ما باعه من الذي هو في يده، وإن شهدوا أن هذه الحنطة من زرع فلان حصدت من أرض فلان آخر، فأراد رب الأرض أخذها فليس له ذلك، ولرب الأرض كراؤها، قال ولو شهدوا في ثوب أنه غزل من قطن فلان ونسج فلان (٢)، قال فالقطن قطن من شهد له بالقطن، والغزل غزل من شهد له بالغزل، والنسج نسج من شهد له بالنسج.
قال ابن سحنون عن أبيه قال: هذا مثل قولهم في الحنطة إنها من زرع فلان، وهذا الطحين من قمح فلان، وهذا الطحين من قمح فلان، وهذا التمر جد من نخلة [فلان] (٣)، قياس ذلك كله واحد.
قال أشهب: فإن شهدا عليه (٤) أنه طحن هذا الدقيق من حنطة فلان، فإن كان الطاحن يشتري (٥) فلربها أخذ الدقيق، وإن شاء أخذ الثمن من البائع أو مثل
[٩/ ٧]
стр. 4018
حنطته، فإن أخذ الدقيق رجع الطاحن علي البائع بالثمن، وإن كان قرضا من سلف رجع بالمثل.
قال في كتاب ابن سحنون: وإن أقمت بينة في دابة بيد رجل أنها نتجت عندي ولم يقولوا هي لي، قال فلا يقضي بها حتي يقولوا إنك تملكها ويحلف من هي بيده ما أعلم لك فيها حقا، ولو كان ثوبا فشهدوا أنك نسجته ولم يقولوا لك فليل من هو بيده، فإن قال لي حلف أنه له ولا يعلم لك فيه حقا/ ويقضي لك بقيمة النسج ويحلف ما نسجتة باطلا.
وكتب إليه شجرة في بينة شهدت أنهم روا فلانا دخل دار فلان فأخذ منه خمسة من الدواب فأخرجها، فقال يؤمر المدعي عليه برد ما أخذ من الدواب، إلا أن يأتي بمخرج له به حجة.
في الحيازة علي الحاضر من الأجنبيين
وبماذا تكون الحيازة ؟
قال أبو محمد: والدليل علي أن الحيازة الطويلة بعلم من يقوم في ذلك لا يدعيه كالتسليم والاقرار، وإن كثيرا من [عوائد الناس] (١) والغالب من أحوالهم جعلت كالاقرار منها أن من دخل بزوجة فأقامت معه دهرا طويلا ثم قامت عليه بالنفقه، وقالت ما أنفق علي أنها لا تصدق وتصير مدعية لخروجها عن الغالب من أمر الناس، وكذلك قلنا لو قالت لم أقبض النقد فقد ادعت ما الغالب إلا تمكنه من نفسها قبل قبضه، فجعلت مدعية لخروجها عن العادة، وقال عمر [ومذهبه يري أنها للثواب] (٢) فجعل الغالب من الحال مغلبا يقضي به، وكذلك يجري غير شئ في تغليب الأحوال، وكذلك ليس يجري في أحوال الناس، والغالب منها أن من له شئ يري غيره يصنع فيه ما يصنع المالك الدهر الطويل لا يدعيه
[٩/ ٨]
стр. 4019
فقد خرج من الغالب من الأمور ومن اجتهد مجدا في ذلك عشر سنين فمن دليله أن الله سبحانه جعلها أبلغ شئ في العذر، إذ أمر نبيه [﵇] بتأخير المشركين/ فلم يأذن لهم فلا الإنتصار بالسيف إلا بعد عشر سنين، فقال سبحانه: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله علي نصرهم لقدير) (١) فهذه أول آية نزلت في الجهاد.
قال ابن حبيب: روي ابن المسيب أن النبي صلي الله عليه وسلم قال، << من حاز شيئا علي خصمه عشر سنين فهو أحق به>> (٢) قال ربيعة: وإذا كان الحائز ينسب ذلك إلي نفسه ويلي منه ما كان يلي صاحبه عشر سنين فهو أحق به إن ادعاه ملكا له إلا أن يأتي الآخر ببينة علي عارية أو إسكان، وبذلك أخذ ابن القاسم وابن وهبه وابن عبد الحكم وأصبغ في توقيت عشر سنين، وقال ابن القاسم إن التسع أو الثمان وما قارب العشرة من العشرة، ولو يؤقت مالك في الحيازة ورأي أن ذلك علي قدر ما ينزل ويجتهد فيه الامام فرب حائز يغتل ويهدم ويبني فلا يمكن أن يدع (٣) ملكه ويتجافي عن هذا، قال وما اغتل من ذلك أقصر مدة في الحيازة مما يحاز بالسكني والحرث وقال مطرف بالعشرة ومنها قاربها، ورأي بعض ذلك أقوي من بعض، ولا يؤقت ابن الماجشون فيها علي معني ما قال مالك، وذكر عنه ابن حبيب نحوه وقال وكان يري أن من ورث ذلك عن حائزه أقوي من موروثة ولا يري عليه من طول الحيازة مثل ما يراه علي من حاز بنفسه بغير مورث، ويري الوارث أولي إلا أن يأتي الطالب ببينة علي إسكان أو إعمار أو مساقاة/ ونحوه، فيكون أولي، قيل له فإن كان الطالب أو أبوه قد خاصم الموروث ذلك عند حكم فلم ينقطع ذلك حتي مات؟ قال فهذا أوهن لحجة الطالب وأقوي لحجة المطلوب بأنه قد خاصم
[٩/ ٩]
стр. 4020
فلم يظفر، [وانقرض] (١) الموروث بعد أن خوصم ولم يدرك قبله شيئا، فإذا لم يكن الطالب خاصم الموروث عنه فهو أقوي للطالب لأنه يقول لو أدركت أباه فخاصمته لم يجد مدفعا لحجتي.
ومن المجموعة قال ابن كنانة فيمن سكن دارا حتي مات، ثم أقام آخر بعد موته بيسير بينة علي أصل الملك، فإن كان الحائز بيني ويهدم ويغرس ويخلع فلا شئ، وإن لم يكن منه غير السكني فلا شئ للحائز، وهي للمدعي، وإنما ذلك بقدر الاجتهاد، قال وأما الثوب يكون بيده الزمان الطويل، والدين يقيم عليه الزمن الطويل فلا يقطع بهذا ملك ربه، بخلاف الأرض والعقار، ورب الدين والدابة أولي بذلك مع يمينه إلا أن يكون من ذلك بيده يلبس ذلك ويعيره ويركبه ويكريه بحضرة المدعي لا ينكره، ومن العتبية (٢) من سماع يحي بن يحي من ابن القاسم قال له: كم الحيازة في الأجنبي الذي إنما سكن دارا وهو زرع الأرض وشبه ذلك، قال عشر سنين ونحوها يبطل دعوي المدعي في هذا، وأبين من ذلك أن يغرس ويبني.
وقال ابن الماجشون في المجموعة وكتاب ابن حبيب فيمن حاز ربعا بحضرة المدعي فإن طالت مسافته أو كان من الغيبة/ بحيث ينتهي إليه العلم وهذا يبني ويهدم ولا ينكر الآخر ولا يدفع فهذا يبطل حقه.
ومن المجموعة قال أشهب: كتب مالك إلي ابن غانم فيمن يقيم بينة في دار بيد رجل أنها لجده حتي هلك وتركها ميراثا ولم يخاصم فيها أبوه أو خاصم فلم يتم الخصومة (٣) حتي هلك، فإذا طالت حيازة هذا الذي في يديه بمحضر الطالب يراه يسكن ويعمر وينسبها إلي نفسه ظاهرا فإنه ينتفع بطول حيازته، وإن لم يكن علي ذلك نظر الإمام فاجتهد.
قال ابن سحنون عن أبيه فيمن أثبت بينة في أرض أنها له، وأثبت الذي هي في يديه أنه يحوزها عشر سنين بمحضر الطالب فأقام الطالب بينة أنه طلبها ونازع
[٩/ ١٠]
стр. 4021
هذا فيما، قال إن قالوا لم يزل يخاصم ويطالب ليس أن يخاصم يوما ويومين ثم يمسك نفعه ذلك وإلا لم ينفعه.
وقال عنه فيمن أقام بينة بالحيازة عشر سنين فأكثر بمحضر المدعي لا يطلب ولا يغير، ولم يقولوا يحوزها بحقه ولا يدري بماذا حازها، فقال توقف بيده هذه الحيازة والشهادة.
قال ابن حبيب قال مطرف: ومن حاز من الاجنبيين في الأشياء كلها عشر سنين علي وجه الملك فهو له، إن كانت أرضا فزرع فقط أو غرس، أو دارا فسكنها فقط أو هدمها، أو بناها أو غلة فاغتلها أو لبس الثياب، أو اختدم الرقيق أو اعتق أو وطئ أو ركب الدواب واحتلب الماشية علي/ التمليك لذلك بمحضر المدعي ومثبت أصله ويعمه فذلك كله لحائزه بعد يمينه أنه له ورأي ما قارب العشر سنين في ذلك كالعشرة، وبعض ذلك أقرب من بعض مثل الهدم البين الكثير والبناء الذي لا يشبه الرم (١) والزيادة مما لا يفعله إلا المالك فهذا أقوي من السكني وأقصر في مدة الحيازة والمغتل أقوي (٢) أيضا مما لا يغتل، والعروض والحيوان أقصر مدة من الرباع إلا أن عشر سنين غاية تجمع الرباع (٣) وقد يكون من هذه الوجوه ما يكون فيه الخمس سنين والست والسبع والثمان يقطع حجة الدعي باجتهاد الامام عند نزوله، وأما ما أحدث فيه حائزة بيعا أو عتقا أو تدبيرا أو كتابة أو صدقة أو إصداق الأمة أو وطأها فذلك يقطع حجة المدعي إذا لم يغيرها عند علمه بها قام بحد ثانه، ولا ينظر فيه إلي عشر سنين.
قال اصبغ: إذا كان الحاضر يري حيازة الحائز بسكني الربع أو هدم أو بناء أو زرع الأرض بعشر سنين في ذلك وما قاربها قطع لدعواه، كما الرهن والستر (٤) كشاهد، واما غير الدور والأرض من ثياب وحيوان أو عبيد فذلك أقصر مدة، وكل
[٩/ ١١]
стр. 4022
شئ بقدره، فالثياب السنة والسنتان فيها حيازة إذا لبست، والدابة السنتان والثلاثة إذا ركبها واغتلها علي وجه الملك، والأمة شبه ذلك إلا أن يطأها بعلم القائم فلا ينكر فلا حجة له بعد ذلك، وإن لم يطل ذلك قبل الوطء/ وأما العبيد والعروض ففوق ذلك شيئا إن حازه بالملك وشبهه ولا ينظر في هذا إلي عشر سنين فيما بين الأجنبيين إلا في الدور والأرضين والأصول، قال وسألت مطرفا عن الذمي يدعي الأرض أو المنزل في يد الشامي عندنا بالأندلس وذكرت له ما كان ينزل أهل الشام عليهم هل هم كغيرهم؟ فقال ليسوا كغيرهم ورأي إن عرف أن أصل القرية لأبي الذمي أو لجده أو جد أمه مما صالحوا عليه، وعرف أن هذا الشاهد أو جده أو جد أبيه ينزل عليه أو علي أحد أجداده فعلي الشامي البينة أنه اشتري هذا (١) وأبوه ولا ينفعه طول كونها في يديه وطول حيازته ولا بمورثه ذلك عن أبيه وعن جده، وإن لم يعرف أصل القرية للذمي أو ابنه أو جده، ولم يعرف أن الشامي أو أباه أو جده ينزل عليه فالبينة علي الذمي إن حازها الشامي عشر سنين فأكثر وسألت عنه أصبغ وابن الماجشون فوقفا عنه وبالأول أقول.
وقال ابن سحنون عن أبيه سئل فيمن أقام بينة أن فتاة له تجري علي فلان منذ سنة لا يدري (٢) بحق أو بغير حق فلا يغير الذي تجري عليه ولا ينكر هل يلزم الذي جرت عليه إثباتها، قال سنة قليل وقد يتغافل الجار عن مثل هذا، [قال] (٣) فإن جرت عليه أربع سنين أو خمسة، قال هذه حيازة واستحقاق.
وعن دارين بينهما زقاق مسلوك، في أحدهما كوة يري منهما ما في الدار الأخري، فبني جاره قبالته غرفة وفتح/ كوة قبالتها، فقام صاحب القديمة بطلب سدها، فطلب الآخر سد القديمة، والقديمة منذ أربع سنين أو خمسة، قال يحلف صاحب الحديثة ما تركتها إلا علي معني الجوار وتسد الكوتان.
[٩/ ١٢]
стр. 4023
قال ابن حبيب: وأخبرني حسين بن عاصم عن ابن القاسم في حيازة الأجنبي علي الأجنبي بالهدم والبناء عشر سنين والسكني أنها حيازة، وأما بالحرث والزرع فلا أراه حيازة.
في الحائز يدعي أنه اشتري أو وهب له أو ورث
وفي الحائز يعلم أن أصل حيازته
بكراء أو إسكان أو شبه ذلك
أو يقضي للرجل بالربع
ثم يبقي بيد المقضي عليه يحوزه طويلا
ومن العتبية (١) روي عيسي عن ابن القاسم فيمن بيده أرض أو مسكن يحوز فيقيم آخر البينة بملكه، أو يقر له ذلك الحائز ويدعي أنه باعه منه او وهبه له أو تصدق به عليه، ولا يأتي ببينة إلا أنه حائز له، قال قالقول قول من بيده الدار في البيع مع يمينه إذا حازها الزمن الطويل الذي يعلم فيه أن قد هلكت فيه البينة علي البيع، وأما الهبة والصدفة والنزول فليحلف المستحق ما خرجت من ملكة وياخذها بعد أن يدفع قيمته [بناء] (٢) هذا فيها نقضا، وإن كان الحائز ورثها فالقول قوله مع يمينه، إلا أن يكون المستحق غائبا فيكون أولي بها، إلا أن يقيم هذا بينة بسماع علي شراء، يعني فيما طال زمانه.
ومن المجموعة قال/ ابن كنانة: ومن حاز أرضا زمانا ثم أقربها لرجل لم تنفعه الحيازة وثبت عليه إقراره.
قال ابن حبيب قال مطرف: فإذا عرف أن أصل ما بيد الحائز الأجنبي أو الصبي (٣) والمولي إنه إنما أرفق به أو كان عبدا أعتقه سيده، وقد كان ذلك في يديه قبل يعتق ثم ادعاه اليوم لنفسه وشبه ذلك مما يعلم أن أول دخوله فيه بإرقاق
[٩/ ١٣]
стр. 4024
مالكه أو بأكثر منه أو وكالة (١) عليه، فالحق لصاحب الأصل، وإن طالت الحيازة حتي يقيم هذا بينة علي هبة أو اشتراء، أو يحدث في ذلك بحضرة هذا ما لا يحدثه إلا في مكله ولا ينكر عليه فيكون أحق به، قال وولد الحائز وولد ولده في كل ما ذكرنا مثل آبائهم.
وفي كتاب الغضب ما يشبه معني الحيازة وقطع الدعوي للحاضر بالحوادث، وفي آخر الكتاب باب في القاضي يقضي بالشئ فلا يحوزه المقضي له حتي يموت أحدهما أو يطول أحدهما فيه فيسأله من قضي له بربع فلم يحزه بقبضه وبقي بيد المقضي عليه فطالت حيازته إياه بمحضر الطالب، وهو من معاني هذا الباب، وفي الدين يتقادم عشرين سنة (٢) ولا يقام به، قال ابن الماجشون: يقوم به وإن قدم، وهذه في البيوع في اختلاف المتبايعين في قبض الثمن.
في الحيازة علي الغائب من الأجنبيين
أو الصغار والمولي عليهم أو علي النساء
من العتبية (٣) روي عيسي عن ابن القاسم في الغائب عن/ أرضه أو داره يحوزها رجل ثم مات وحازها ورثته، ثم قدم الغائب فأثبت أنها له وإنما دخلها الميت بعد مغيب هذا، وقد كان يقول اشتريت (٤) أو لم يقل، فالقادم أحق بها بكل حال حتي تقوم بينة علي شراء أو هبة أو صدقة أو سماع صحيح علي الشراء، وكذلك لو كان الغائب علي مسيرة ثمانية أيام فليست تلك بحيازة ولا يحاز علي غائب إلا أن يكون علم بذلك وطال زمانه ولا يخرج [إلي ذلك ويتركه] (٥) له فلا شئ له، قيل له فإن كان علي أربعة أيام أو نحوها فيحوزها الحاضر عشر سنين أو عشرين [سنة] (٦) ثم يموت وتورث وهو يبلغه ذلك فلا يطلب ولا يوكل ولا يذكر شيئا، قال
[٩/ ١٤]
стр. 4025
له القيام ولا يقطع ذلك عنه الأمر القريب وليس كل الناس يقرب ذلك عليهم من ضعيف وغيره، وللناس أعذار، قيل فإن لم يكن به ضعف ولا عذر، قال كم من لا يثبين عذره وهو معذور. وروي عنه يحي فيمن مات وترك ورثه غيابا، وترك منزلا فحازه رجل أربعين سنة ولعله مات وورث عنه وعن وارثه، ثم قدم وارث الأول فاحتج ورثة الحائز بالحيازة قال إن كانوا مثل الأندلس من مصر كلف من هو بيده البينة علي ما يستحقونه به، فإن لم يأتوا ببينة لم ينتفعوا بطول الحيازة، وأما أن كانت الغبية قريبة ومنزلهم يتوارث هكذا بعلمهم ولا يقومون ولا يوكلون حتي طال الزمان وقد/ ورث أو لم يورث فذلك قطع لحقهم كالحاضر إلا لمن يتبين للسلطان عذرهم لضعفهم أو عجزهم، قال ابن حبيب قال مطرف: وإذا حيزت علي رجل أرضه أو داره وهو غائب فإن لم يعلم فهو علي حقه إذا قدم وإن طالت الغيبة قربت غيبته أو بعدت، وهو علي أنه يعلم حتي تقوم البينة بعلمه فتنقطع حجته إن كان قريب الغيبة، ومسيرة الخمسة أيام وشبهما قريب إلا أن يأتي بوجه يعذر بمثله، وقد تكون له معاذر (١) ويعذر بها، والسبعة أيام والثمانية طول.
في العتبية (٢) ويعذر بترك القدوم (٣) وإن علم بما حيز عليه لم يضره ولكن استحب له أن يشهد علي حقه، وإن يشهد لم يضره [ذلك] (٤)، وذكره عن مالك.
قال أصبغ: لا حيازة علي غائب وإن علم في غيبته ما لم يقرب ذلك جدا ويري مثل تسعة أيام ونحوها بعدا ومادونها قربا إلا أن يقيم الحائز بينة بشراء أو يطول الزمان جدا مثل تسعين سنة وثمانين وما قاربها، ويكون مع ذلك سماع مستفيض بأنها ملك للذين هي في أيديهم تداولها (٥) تداول الملك فيكون بالحيازة علي الحاضر.
[٩/ ١٥]
стр. 4026
وروي حسين بن عاصم عن ابن القاسم وابن وهب وابن نافع في الغائب علي مثل خمسة أيام وسنة إن علم بما حيز عليه فلم يقدم ولا كل حتي طال الزمن فهو كالحاضر إلا أن يكون له عذر مثل أن يكون في جوار عدو ومن وراء بحر أو ضعيفا أو مخبلا أو إمرأة محجوبة [أو غير/ محجوبة] (١) وشبه ذلك، فيكون علي حقه أبدا، ثم رجع ابن القاسم وقال أري الغائب علي مثل ثلاثة أيام أو أربعة معذوراً، فإن لم يظهر عذره ورب معاذير للمرء لا تعرف.
قال ابن حبيب والأول أحسن، ومن المجموعة قال ابن كنانة ف يالمولي عليه في حجر ولي وأرضه بيد المولي إن ورثة الولي لا يستحقونها بذلك وهي لليتيم، وفي باب بعد هذا ذكر الحيازة علي الصغير.
ومن كتاب ابن سحنون كتب شجرة إلي سحنون في [مسألة] (٢) المنزل الذي أثبت قوم أنها (٣) لأبيهم تركها [ميرايا] (٤) لهم ولزوجته فأتي الحائزون للمنزل ببينة علي حيازتهم المنزل بحقهم منذ خمس عشرة سنة (٥) لا يدعون ولا ينكرون، وما تري في الحيازة علي النساء يظهرون؟ فكتب إليه: طول هذه الحيازة يقطع دعوي المدعين، وأنا الحيازة علي النساء لا يظهرن فإن كان معهم في قرية واحدة أو قريبة بعضهم من بعض فليس يخلي عليهم مثل هذا لطوله، وإن كان غائبا (٦) ببلد يعلم أنهم لا يعلمون أو صغارا، فإن كانت بينة الطالبين قد دونت تاريخا (٧) قبل وقت تاريخ المدعي عليهم وهم عدول فحقوق النساء ثابته وإن لم يؤقتوا وقتا قبل وقت المدعي عليهم فاقض بأعدل البيتين، فإن تكافؤوا فأقررها بيد الذي هي بأيديهم.
[٩/ ١٦]
стр. 4027
القول فيما حازه بعض الورثة
أو بعض الشركاء من بعض /
من المجموعة قال ابن القاسم عن مالك [في الوارثين] (١) يرثان دارا أو حائطا فيموت أحدهما وترك (٢) [فقامت] زوجته فيدعي الباقي أن ذلك له دون أخيه فلا يقبل ذلك وهي بينهما.
ومنه ومن العتبية (٣) من سماع يحي عن ابن القاسم وابن وهب في الأخوة يرثون الأرض ويحرث كل واحد ناحية إلي ان يموت وبيده أكثر المنزل فأراد من بقي المقسم، واحتج عليهم ولد أخيهم بحيازة أبيهم، وقال الأعمام إنما كان ذلك بيننا علي [طريق] (٤) المرفق، قال لا حجة لهم بالحيازة إذا أقروا بالأصل أو قامت بينة، وليحلف الأعمام أنهم ما باعوا من أخيهم ولا وهبوه، قال ابن القاسم إلا أن يكون المالك الحائز وهب شيئا من ذلك أو باعه أو فعل فيه ما لا يفعله إلا المالك فيكون أحق بما أحدث فيه مثل هذا بحضرة إخوته وعلمهم.
قيل فيها كان يكري منه باسمه ويستغل أيستحق به الكراء؟ فقال مرة نعم، ثم سألته عنه فأمسك عنه ومرضه وكأنه لم يره حوزا يستحق به شيئا، قال عنه يحي في الورثة يرثون منزلا فهلك بعضهم وعن ولد وادعوا أن ما ترك الجد من ذلك لم يقسم وادعي أعماهم أن ما بأيديهم حقهم وأنهم عايشوا إخواتهم وكل واحد مقيم علي ما بيده من المنزل راض به وبيد بعضهم أكثر من بعض وعسي أن بعضهم ليس بيده شئ/ وتعايشوا علي ذلك نحو ثلاثين سنة، ولعلهم تقاسموا ولا يجدون بينة، قال أما ما لم يحدث فيها الحائز منهم غير أن سكن أو زرع فلا حجة له بذلك وليسوا في حوز بعضهم عن بعض من غير إحداث بناء أو هدم وكراء كالأجنبيين، وقد اختلف قوله فيما حاز أحدهم ببناء أو هدم أو غرس أو
[٩/ ١٧]
стр. 4028
كراء باسمه، فقال مرة هم فيها كالأجنبيين إذا حازها بمثل هذا عشر سنين (١) فهو أولي بها، ثم رجع فقال لا يقطع ذلك حق الوارث بمثل هذا وثبت فيما حازه الوارث بالبيع والوطء والتدبير والكتابة بالعطية أن ذلك يقطع حق باقي الورثة بمثل هذا، وقال في الغرس والبناء إلا أن يطول الزمان بعدا، ولم يرا الأربعين سنة طولا بين الزمان جدا، قال وكذلك المرأة مع زوجها تقوم هي أو ولدها من زوج بعده علي ولد الأول وقد حازوا بالزرع والسكني وإن بعد عشرين سنة فلا يقطع ذلك حقها وحق ولدها إلا أن يقتسموا أو يبيعوا بعملها أو بعلم من ورثها بعد موتها، بذلك يقطع حقهم.
قيل فإن فعلوا ذلك في بعض الرقيق وإن كان في يسير منهم أخذت حقها فيما أعتقوا أو باعوا لأنها تعذره للسكوت عن اليسير في جنب الكثرة والميراث، وإن أحدثوا ذلك في جل الميراث فإن حقها يبطل / من الجميع.
ومن كتاب ابن حبيب قال مطرف: ولا حيازة بين الورثة والشركاء فيما يزرع أو يسكن بغير عمارة طال الزمان أو قصر في بعض ذلك أو في كله، حضروا أو غابوا، إلا أن يطول الزمن جدا خمسين سنة أو أكثر، أو يحدث فيما لم يطل بيع أو هبة أو قسم أو إصداق للنساء والباقون حضروا لا يغيرون فلا حق لهم إلا أن يقوموا بحدثان ذلك، وإلا فلا شئ لهم لا في ثمن البيع ولا غيره، قال وما حيز منه بالهدم والبناء والغرس والاحياء فهم فيه كالأجنبيين، هذا إذا مضت عشر سنين وشركاؤه حضور عالمون لا يغيرون فهم أحق به إذا ادعاه ملكا لنفسه [إلا لمن] (٢) لا يريد أن يظهره واحتج بالحيازة فإن حاز بهذا جميع ذلك فهو له، وإن كان غنما حاز بعضها ولم يحز البعض وكان ما حاز مثل سهمه فهو له بسهمه، فإن ادعي أن ما عمر له دونهم فحقهم ثابت فيما بقي وما عمر فله سهمه إذا ادعي أشراكه أنهم انما تركوه يحدث ذلك ليكون له بسهمه، وإن عمر
[٩/ ١٨]
стр. 4029
أقل من سهمه أتم له بقية سهمه فيما بقي، وإن كان اكثر من سهمه فهو له كله قدر سهمه بسهمه وما زاد علي سهمه بالحيازة، قال والحيازة بقبض الغلات والثمار، وإن قبض غلة ذلك كله كالحيازة بالسكني في الدور، فإن زعم شركاؤه إنما قبض ذلك له ولهم بتوكيلهم أو التقديم له حلفوا، أو هم علي حقهم من الأصل والغلة الماضية، وإن قالوا تجافينا له عن / ذلك فهم علي أصلهم خاصة، وما حاز بعضهم من العبيد والاماء والدواب والحيوان وجميع العروض يختم فيركب ويحتلب ويمتهن العروض فلا يقطع ذلك حق الباقين ما لم يطل في ذلك دون الطول بينهم في حيازة الدور والأرضين بالسكني والازدراع، وفرق بين حيازة الأجنبي علي الأجنبي ما لم يحدث الحائز عتقا أو تدبيرا أو بيعا أو هبة أو إصداقا، أو يطأ الاماء أو يقطع الثياب والباقون حضور لا يغيرون ولم يقوموا بحدثانه، فإن أحدث ذلك فيها كلها فهي له كلها، فإن كان في بعضها فله ذلك خاصة والباقي بينهم بعد يمين الباقين أنه ما خرج من أيديهم، ولو قاموا عند هذا الاحداث وحلفوا [ما سو نحوه] (١) ذلك فلهم قيمة نصيبهم فيما أعتق وفيما وطئ وما باع أو وهب أو تصدق أو أصدق فهو مردود وهم علي حقهم، فإن طال ذلك قبل قيامهم فلا شئ لهم لا في ثمن الجميع ولا غيره، وما طال بحيازته لذلك بالامتهان والاستخدام حتي طال الزمان فذلك لحائزه دون الباقين، والطول فيه فوق العشر سنين بالاجتهاد وأنا في غير الورثة والشركاء فالحيازة فيه أقل من عشر سنين، قال والورثة والشركاء فالحيازة فيه أقل من عشر سنين، قال والورثة والشركاء وآباؤهم بمنزلة أبنائهم لا يستحق شئ بموت من مات، وقال مثله كله أصبغ، وقال أصبغ أيضاً وما حاز بعضهم بهدم أو بناء يشبه الاصطلاح والزيادة كالسكني لا يضر معه طول الزمان / ولا بموت بعضهم إلا في طول الزمان جدا خمسين سنة او ستين سنة فذلك يقطع حق من بقي، وما دون الخمسين زمانا بها فليس يحوز في الشركاء والورثة، وأما البناء والهدم الذي لا يشبه الزيادات فذكر فيه مثل ما تقدم لمطرف.
ومن المجموعة قال أشهب: وما حاز الورثة فكان كل واحد يعمل ما بيده من الأرض، وكيف إن مات بعضهم فكان ولده كذلك، فما ترك فاقتسموه ولده
[٩/ ١٩]
стр. 4030
أو لم يقتسموه، ثم طلب ورثه الجد القسم فهم والأباعد سواء إن طال زمانه فيما يندرس فيه علم المقاسمة، فذلك باق علي حاله.
وكان سحنون لا يري الحيازة بينهم إلا في أكثر مما يراه بين الأجنبيين ولم يوقت وقتا.
قال أشهب: إلا أن يكون عند من طلب القسم منهم بينة أو سماع أن ذلك منهم علي التجاوز فيكون علي ذلك،
إلا أن يكون حوزهم لذلك مثل سنة او سنتين فليقتسموا علي ميراثهم الأول، إلا أن يكون عند الآخرين بينة بقسم وإلا فليؤتنف القسم فمن وقع حقه فيما بني وغرس فهو له ومن وقع بناؤه في حق غيره فليحلف ما بني إلا بمقاسمة ثم أعطاه الآخر قيمة البناء قائما، وإلا أعطاه هذا قيمة أرضه وإن أبي كانا شريكين، إلا أن تقوم بينة أنه إنما حاز بغير مقاسمة أو ينكل عن اليمين أو حلف الآخر فإن الآخر يعطيه قيمة بنائه منقوضا أو يأمره بقلعه لأن هذا يبين العداوة (١)، والأول يشبهه كالمشتري، وإن لم تقم بينة ونكل أعطاه قيمته / قائما علي ما ذكرنا.
قال ابن كنانة: إذا حاز أحدهم بازدراع فقط لم يستحقها إلا بطول الزمان، ثم يحلف أنه ما حاز إلا بحق أو بموت، فيدعي ورثته وراثة، وأما ما حيز بالبناء ولاغرس وإنشاء العيون وحفر الآبار فهو أحق بما عمل فيه ميتا وحيا مع يمينه.
ومن العتبية (٢) روي يحي بن يحي عن ابن وهب فيمن مات عن أب وبنين فلم يأخذ الأب ميراثه حتي مات فقام ورثة الجد بميراثه واحتج ورثة الابم بسكونه عنه، قال هو لورثة الجد إلا أن تكون لهم بينة بصدقة أو بيع فلا يستحقونه بتقادمه في أيديهم.
وبلغني أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: <<لا يبطل حق امرئ وإن قدم (٣) >>
[٩/ ٢٠]