← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فصل [١٣ - في أن الاعتبار في النكاح بقصد الناكح دون المطلقة]: وإنما قلنا: إن الاعتبار بقصد الناكح دونها لأن العقد للناكح، وهي على استيفاء المنافع، فإذا لم يقصد هو الاستباحة لنفسه انتفى قصد (١) الاستباحة لغيره، فقد قصد التحليل للأول لا غير، ولأن قصد التحليل من غير من يملك الطلاق لا اعتبار به أصله الأجنبي. …

стр. 807

باب: [طلاق السنة وطلاق البدعة] والطلاق ضربان: طلاق سنة وطلاق بدعة، وفائدة وصفنا له أنه طلاق سنة أنه أوقع على الوجه الذي ندب المشرع إيقاعه، وفائدة وصفه بأنه للبدعة وقوعه على الوجه الذي منع الشرع إيقاعه عليه ويتعلق بذلك ضرب ثالث، وهو طلاق لا يوصف بأنه للسنة ولا للبدعة، وهو أن يكون جائزًا في كل الأحوال، فإذا ثبت هذا فالسنة والبدعة يرجعان إلى أمرين إلى الوقت والعدة: فأما الوقت فإن السنة فيه: أن تطلق المرأة التي تحيض في طهر لم تمس فيه وألا يكون تاليًا لحيض طلقت فيه، فأما العدد فإن يطلق واحدة ثم يتركها تمضي في العدة ثم لا يتبعها طلاقًا، ومتى انخرم من هذه الأوصاف شيء كان للبدعة دون السنة، فإن طلقها حائضًا أو نفساء أو في طهر قد مس فيه ثلاثًا أو اثنتين في كلمة واحدة أو مفترقة قاصدًا ذلك في ابتدائه أن يفرقه على عدد أقرائها، فكل ذلك للبدعة. وطلاق الحائض والنفساء محرم ويلزم إن وقع، فإن كان رجعيًّا أجبر على الارتجاع وإمساكها إلى أن تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق، ولا يطلق في الطهر المتعقب للحيض الذي طلق فيه، فإن فعل نفذ ولم يجبر على الارتجاع إن لم يرتجع حتى طهرت من الحيض المطلق فيه أجبر إلى أن تنقضي العدة عند ابن القاسم، ويقطع الإجبار عند أشهب لمجيء الطهر الثاني الذي أبيح الطلاق فيه، ويؤمر بالارتجاع إن طلق في طهر قد مس فيه ولا يجبر عليه، فأما الذي لا يوصف بأنه سنة ولا بدعة فطلاق الصغيرة واليائسة لأنه مباح إيقاعه أي وقت شاء، وهذا إذا رجع به إلى الوقت، فأما إن رجع به إلى العدد فلا تنفك مطلقة من أن يكون طلاقها لأحد الأمرين. وفي طلاق غير المدخول بها حائضًا روايتان: الجواز والمنع، فعلى رواية المنع

стр. 808

يوصف طلاقها في الطهر بأنه للسنة ولا يوصف بذلك على رواية الجواز، لأن الأوقات تتساوي فيه كالصغيرة واليائسة، ويطلق الحامل أي وقت شاء، وتلحق بالضرب الثالث، ويخرج في طلاقها حال حيضها روايتان بناء على التي لم يدخل بها (١). فصل [١ - طلاق السنة يكون في طهر]: وإنما شرطنا في كونه للسنة أن يكون في طهر لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢)، فندب تعالى إلى أن يوقع الطلاق في حال تعتد فيها وذلك حال الطهر، وفي حديث ابن عمر أنه طلق امرأته حائضًا فذكر عمر لرسول الله ﷺ فقال: "مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء" (٣)، فأخبر أنها حال الطهر، ولأن طلاق الحائض محرم بإجماع (٤)، وما كان محرمًا لا يكون للسنة. فصل [٢ - في الطهر الذي لم يمسها فيه]: وإنما شرطنا أن يكون الطهر لم يمس فيه لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٥)، وقرأها ابن عمر: "لقبل عدتهن" (٦)، وفي حديث ابن عمر: "ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء" (٧)، ولأنه إذا وطئها في ذلك ثم طلقها

стр. 809

ألبس عليها في العدة لأنها قد تحمل فتعتد بالوضع، وقد لا تحمل فتعتد بالإقراء فكره له ذلك، ولأنها قد تحمل فيلحقه (١) الندم. فصل [٣ - طلاق السنة يكون في الطهر التالي للحيضة]: وإنما شرطنا أن يكون في طهر ثان دون الطهر التالي للحيضة التي طلقت فيها لقوله ﷺ : "مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك" (٢)، ولأنا لما أجبرناه على الارتجاع نظرًا لها وجب (٣) أن ينظر له أيضًا بأن يكون له حظ في الرجعة من الاستمتاع، فإذا حصل منه الاستمتاع في الطهر التالي للحيض لم يطلق فيه على ما بيناه ثم يتعقبه الحيض، فإذا طهرت منه جاز له الطلاق. فصل [٤ - بدعة الجمع بين ثلاثة تطليقات]: وإنما شرطنا أن يطلق واحدة لأن الجمع بين ثلاث تطليقات أو اثنتين بدعة على ما بيناه، وإنما منعنا أن يتبعها طلاقًا آخر في العدة أو يقصد تفريقه على الإقراء، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أن طلاق السنة أن يطلق ثلاثًا متفرقًا في كل قرء طلقة (٤)، لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٥)، وهذا طلاق لا يوجب عدة فكان ممنوعًا، ولأن كل طلاق لا يوجب عدة في المدخول بها، فإنه للبدعة أصله إذا أتى به قبل مجيئ القرء الثاني، ولأنه مطلق ثلاثًا من غير حاجة كالذي يطلق ثلاثًا في كلمة واحدة .. فصل [٥ - في تحريم طلاق الحائض]: وإنما قلنا: إن طلاق الحائض محرم لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٦)،

стр. 810

وحال الحيض ليست حال عدة ولا طلاق للموقع فيه باتفاق، ولقوله ﷺ في حديث ابن عمر لما طلق امرأته: "مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء" (١)، فأمر بارتجاعها على طريق العقوبة، وأخبر بأن حال الطهر هي حال العدة التي أمر بالطلاق فيها، ولأن فيه تطويلًا على المرأة في العدة وأذية لها ولا خلاف في ذلك. فصل [٦ - لزوم طلاق البدعة]: وإنما قلنا: إنه محرم وللزم إن وقع رجعيًّا كان أو بائنًا خلافًا لمن قال: إنه لا ينفذ (٢) لقوله ﷺ لعمر ﵁: "مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد ذلك (٣)، وإن شاء طلق فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء" (٤)، وفي حديث آخر: "أفتعتد بها"؟ قال: "نعم"، وإن ابن عمر قال: يا رسول الله ﷺ : "أرأيت لو طلقتها ثلاثًا؟ قال: إذن بانت منك وعصيتك ربك" (٥)، (وفي هذه الأخبار أدلة: أحدها الأمر بالمراجعة ولا تكون إلا مع نفوذ الطلاق ووقوعه، والثاني قوله أفتعتد بها؟ قال: نعم، والثالث قول ابن عمر: أرأيت لو طلقتها ثلاثًا؟ يعني في الحيض قال: إذا بانت منك وعصيت ربك) (٦)، وهذا نص، ولأنها حال زوجية كالطهر، ولأنه إزالة ملك بُني على التغليب والسِراية فلم يختص

стр. 811

وقوعه بزمان دون زمان كالعتق، ولأنها حال منع الطلاق فيها لحق المرأة فلم يمنع ذلك نفوذه إذا وقع كالطهر الذي مس فيه (١). فصل [٧ - إجبار المطلق على الارتجاع]: وإنما قلنا: أنه إن كان رجعيًّا أجبر على الارتجاع خلافًا للشافعي وأبي حنيفة (٢) لقوله ﷺ : "مره فليراجعها حتى تطهر" (٣)، وهذا على وجوبه، ولأنه لما طوّل عليها وأضر بها مع نهيه عن ذلك عوقب بالإجبار على الرجعة وردها إلى حال الزوجية ليزول الضرر عنها. فصل [٨ - في عدم إجبار المطلق في طهر قد مس فيه على الرجعة]: وإنما قلنا: إن المطلق في طهر قد مس فيه لا يجبر على الرجعة لأنه مطلق للعدة فلا يوجد فيه التطويل على المرأة كما يوجد فيمن طلق حال الحيض. فصل [٩ - في وجه قول ابن القاسم علي أنه يجبر على الارتجاع]: ووجه قول ابن القاسم: إنه إذا لم يراجع حتى طهرت من الحيض (٤) الثاني بعد الذي طلقت فيه أنه يجبر على الارتجاع ما بقيت العدة، قوله ﷺ : "مره فليراجعها" (٥) فأطلق، ولم يقيد، ولأن العدة باقية أصله ما لم تطهر الطهر الثاني، ووجه قول أشهب: إنما قد صارت إلى حال لو أراد ابتداء إيقاع الطلاق فيها لكان ذلك له فلا معنى للإجبار على الارتجاع مع إباحة الطلاق. فصل [١٠ - طلاق الصغيرة واليائسة أي وقت شاء]: وإنما قلنا: إنه يطلق الصغيرة واليائسة أي وقت شاء لأن أوقاتهما متساوية فيُؤمن

стр. 812

فيهما ما يخاف على الحائض والنفساء والطهر الذي قد مس فيه لأنهما إن كانت مدخولًا بهما، فقد قال تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١)، وهذا طلاق للعدة، وإن كانت غير مدخول بهما فقد قال تعالى (٢): ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٣) فأطلق، ولأنه ليس في ذلك تطويل في عدة ولا إلباس فجاز في كل وقت. فصل [١١ - هل يوصف طلاق الصغيرة واليائسة بأنه للسنة أو للبدعة؟]: وإنما قلنا: إن طلاقهما لا يوصف بأنه للسنة ولا للبدعة من حيث الوقت لأن الوصف بذلك يتضمن كون المطلقة ممن يتأتى فيها الأمران، فيقع كل واحد منهما بدلًا من صاحبه، فأما من لا تختلف الأوقات عليها فلا حال لها للسنة ولا بدعة، فأما من حيث العدد فإنه يصح فيه لأنه إن طلق (٤) واحدة كان للسنة، وإن جمع بين ثلاث أو اثنتين كان للبدعة على ما بيناه. فصل [١٢ - في طلاق غير المدخول بها حائضًا]: ووجه القول بأن طلاق غير المدخول بها حائضًا جائز أنها حال لا يلحقها ضرر بالطلاق فيها، فجاز ذلك اعتبارًا بحال الطهر، ووجه المنع أنه طلاق في الحيض فأشبه طلاق المدخول بها. فصل [١٣ - في طلاق الحامل والمستحاضة أي وقت شاء]: وإنما قلنا: يطلق الحامل أي وقت شاء لقوله ﷺ : "أو حاملًا قد استبان حملها" (٥) فأطلق، ولأنها معتدة في الحال لأن عدتها وضع

стр. 813

الحمل والتخريج في طلاقها حال حيضتها على ما ذكرناه، ويطلق المستحاضة أي وقت شاء لأنها مطلقة للعدة في طهر لم تمس فيه كالتي ليست بمستحاضة وعدتها سنة إذا لم تميز لأن الاستحاضة ريبة، فإن تحققت التمييز بين الوقتين اعتدت بالإقراء. ***

стр. 814

باب: [طلاق الصغير والمجنون وغيرهما] ولا طلاق لمن لم يبلغ الحلم ولا لمجنون حال جنونه (١) لقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث: فذكر الصبي حتى يحتلم (٢)، والمجنون حتى يفيق (٣)، ولأنه إزالة ملك كالعتق، ولأنه لا يصح نكاحه فلم يصح طلاقه اعتبارًا لأحد الطرفين بالآخر. فصل [١ - طلاق السكران]: طلاق السكران لازم (٤) خلافًا لمن ذهب إلى نفيه (٥)، لأن أحكام التكليف المتعلقة بالتغليظ جارية عليه كالقود إذا قتل، والحد إذا زنى أو قذف، ووجوب قضاء الصلاة فكذلك الطلاق، ولأن كل من يحد إذا أوجد لفظ القذف منه، فإنه إذا طلق نفذ طلاقه كالصاحي، ولأنه حال لا تمنع حد القذف فلم تمنع نفاذ الطلاق كحال الصحو، ولأن كل حال يلزمه قضاء الصلوات المتروكة وحد القذف فيها لزمه الطلاق الموقع فيها أصله الصحو (٦).

стр. 815

فصل [٢ - طلاق المكره]: طلاق المكره غير واقع (١) خلافًا لأبي حنيفة (٢)، لقوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٣)، وقوله ﷺ : "لا طلاق في إغلاق" (٤)، قال أبو عبيد (٥): هو الإكراه، واعتبارًا به إذا أكره على الإقرار بالطلاق بعلة أنه لفظ لو عري من الإكراه لزم به الطلاق فلم يلزم مع الإكراه، ولأن كل حال لم يثبت معها حكم الإقرار بالطلاق لم يثبت معها حكم الإيقاع كالجنون والصغر. فصل [٣ - في طلاق النائم والمبرسم والمريض الهاذي]: طلاق النائم والمبرسم (٦) والهاذي في غمرة المرض لا يلزم لأنهم في معنى المغلوب بالجنون (٧). فصل [٤ - من تزوج ونسي وحلف بالطلاق]: ومن تزوج ثم نسي فحلف بالطلاق فحنث، فإن الطلاق يلزمه لأنه طلاق من مكلف صادف زوجية، فوجب نفوذه أصله العمد (٨).

стр. 816

فصل [٥ - في عقد الطلاق قبل الزواج]: عقد الطلاق قبل الزواج على ضربين: إن بقي معه ما لا يسد على نفسه طريق الإباحة (١) به صح ولزم ذلك نحو أن يعين بلدًا بعينه أو قبيلة بعينها أو امرأة بعينها أو نوعًا من النساء معينًا أو صفة مخصوصة منهن مثل أن يقول: كل امرأة يتزوجها من العراق أو من العجم، أو كل بكر أو كل سوداء أو كل من لها ولد أو ما أشبه ذلك، وكذلك إن عم أو خص أجلًا بعينه يبلغه عمره كالسنة وفي السنتين على حسب عمره وقت اليمين، فإن لم يبق لنفسه شيئًا، بل عم وسد طريق الإباحة بهذا النوع جملة لم ينفذ طلاقه ولم ينعقد يمينه، وكان له أن ينكح من غير حنث يلزمه (٢). فصل [٦ - في لزوم الطلاق مع التعيين]: وإنما قلنا: إذا عين يلزمه خلافًا للشافعي (٣) في قوله: لا يلزمه على كل وجه (٤)، لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٥)، ولأنه أضاف الطلاق إلى حال يملك فيها ابتداء إيقاعه، فصح ذلك اعتبارًا به إذا أضافه حال الملك، مثل أن يقول لزوجته: إذا دخلت الدار فأنت طالق، ولأنه معنى يصح مع الجهل والغرر، فجاز عقده بشريطة ملكه في ثاني حال أصله الوصية والنذر. فصل [٧ - لا يلزم الطلاق إذا عمم]: وإنما قلنا: لا يلزم إذا عم خلافًا لأبي حنيفة (٦) لقوله : ﴿لَا

стр. 817

تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (١)، ولأنه سد على نفسه طريق استباحة البضع فوجب أن يلزمه لأن في ذلك تعريض نفسه للزنا وما أدى إلى ذلك فهو ممنوع (٢)، أصله عدم الحر لمهر الحرة أنه يجوز معه نكاح الأَمَة لأنه لو لم يجز ذلك لأدى إلى التعرض للزنا كذلك في مسألتنا. فصل [٨ - إذا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق فتزوجها]: إذا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق فتزوجها ودخل بها فلها المهر المسمى لا زيادة عليه (٣)، وقال أبو حنيفة: لها مهر ونصف (٤)، وإنما قلنا ذلك لأنه لا يخلوا أن يكون بهذا الوطء زانيًا أو واطئًا بشبهة العقد الأول، ولا يجوز أن يكون زانيًا لأنه كان يجب أن يكون عليه الحد وليس ذلك بقول أحد، ولأن الحد والمهر لا يجتمعان عندهم، وإن كان واطئًا بشبهة العقد الأول لم يلزمه إلا مهر واحد اعتبارًا بسائر الأنكحة الفاسدة إذا وطء فيها. فصل [٩ - تعليق الطلاق بصفة]: إذا علق الطلاق بصفة لم يقع إلا بوقوعها (٥) كقوله: إذا دخلت الدار أو كلمت زيدًا أو لبست هذا الثوب أو ما أشبه ذلك مما يمكن أن يقع أو أن لا يقع إن علقه بأجل تنجز (٦) في الحال وحصر هذا الباب: أن ما تعلق الطلاق بوقوعه على ثلاثة أضرب: منه ما يجوز أن يقع أو يجوز أن لا يقع ولا يغلب فيه (٧) على أحد الأمرين كدخول الدار أو قدوم زيد، فهذا يقف طلاقه على حصوله من غير خلاف (٨).

стр. 818

ومنه ما لا بد من وقوعه كمجيئ الشهر والسنة، وهذا يتنجز عندنا (١) خلافًا للشافعي وأبي حنيفة (٢)، لأن تأجيله يقتضي توقيت استباحة الوطء بمدة يحرم عند مجيئها، وذلك غير جائز اعتبارًا بنكاح المتعة. ومنه ما يغلب فيه الوقوع ويمكن أن يقع كتعليق الطلاق بوضع الحمل ومجيئ الحيض والطهر، فهذا النوع فيه روايتان (٣): إحداهما تنجز الطلاق الموقع فيه، والأخرى تأجيله، فوجه التنجيز اعتبار الغالب بالمتحقق لأن ذلك غالب الأصول كمنع المريض من أكثر من ثلث ماله إذا كان الغالب من مرضه الخوف وما أشبهه من نظائره، وكذلك الاستثقال في النوم إذا كان الغالب منه خروج الحدث أجرى مجرى التحقيق (٤)، ووجه التأجيل اعتباره بما يمكن أن يكون ويمكن أن لا يكون كدخول الدار وكلام زيد. فصل [١٠ - في تعليق الطلاق بالمشيئة]: تعليق الطلاق بالمشيئة على ثلاثة أضرب (٥): منه تعليق بمشيئة الله تعالى، فهذا لا ينفي وقوع الطلاق ولا يؤثر فيه أصلًا على أي وجه كان من إرادة الشرط به أو الاستثناء، ومنه تعليق بمشيئة من يصح منه مشيئته ويتوصل إليها كزيد وعمرو، ومشيئة المطلقة نفسها، وهذا يقع على وجود المشيئة المعلق بها، ومنه تعليق الطلاق بمن لا مشيئة له أو لا حكم لمشيئته كالحجر والجمادات أو الصبي والمجنون وغيره، فيه خلافًا قيل: يلزمه الطلاق، وقيل: لا يلزمه والصبي والمجنون يخرجان عن هذا. فصل [١١ - في عدم تأثير قوله: إن شاء الله في الطلاق]: وإنما قلنا: إن قوله: إن شاء الله لا يؤثر في رفع الطلاق خلافًا لأبي حنيفة

стр. 819

والشافعي (١)، لأنه لو أثر في ذلك لم يخل أن يكون تأثيره من حيث الشرط أو الاستثناء، فإن كان من حيث الشرط فلا يصح لأنه لا يخلوا أن يكون لنا سبيل إلى العلم بحصوله أو لا سبيل لنا إلى ذلك، فإن كان لنا سبيل إلى ذلك وقف الأمر عليه وليس هذا مذهبهم لأنهم لا يترقبون شيئًا ويقطعون بانتفاء الطلاق، ولأنه لا شيء يترقب، وإن كان لا سبيل لنا إلى العلم به فتعليق (٢) الطلاق به هزل وعبث كقوله: أنت طالق إن كان الله (٣) قد خلق اليوم في قعر البحر القلزم (٤) حوتًا طوله كذا وكذا ذراعًا وغير ذلك مما لا سبيل إلى العلم به، وقد قال ﷺ : "ثلاث هزلهن جد وجدهن جد: فذكر الطلاق" (٥) وإن كان من حيث الاستثناء فلا يصح أيضًا لأن الاستثناء إنما يدخل على مستقبل الأفعال دون ماضيها وقوله: أنت طالق إيجاب في إيقاع (٦) فلا مجال للاستثناء فيه لأن الاستثناء معنى يحل اليمين المنعقدة كالكفارة، وقد ثبت أنه لا مدخل للكفارة في الطلاق فكذلك الاستثناء، ولأن الكفارة أقوى لأنها تؤثر متصلة ومنفصلة والاستثناء لا يؤثر إلا متصلًا، فإذا لم تعمل الكفارة في الطلاق فالاستثناء أولى، ولأنه استثناء في طلاق يرفع جميعه في الحال والمآل، فوجب أن لا تعمل فيه كما لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا.

стр. 820

فصل [١٢ - إذا استثنى عددًا من الطلاق]: إذا استثنى عددًا من الطلاق فإن بقى منه شيء صح استثناؤه كقوله: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة أو إلا اثنتين، لأنه في الأول يطلق اثنتين وفي الثانية يطلق واحدة ولا فرق بين استثناء قليل من كثير أو كثير من قليل، وإن لم يبق شيئًا لم يصح وكان رجوعًا لا استثناء كقوله واحدة، أو إلا واحدة، أو اثنتين إلا اثنتين أو ثلاثًا إلا ثلاثًا، فإن قال: طالق أربعًا إلا ثلاثًا (لم يصح وكان رجوعًا وطلقت ثلاثًا لأن ما زاد على الثلاث لغو كأنه قال: ثلاثًا فيرد استثناء) (١) ثلاث على ثلاث فلا يصح (٢). فصل [١٣ - في الاشتراط بمشيئة زيد]: وإنما قلنا: إن الاشتراط بمشيئة زيد يصح ممن تصح مشيئته ويتوصل إلى العلم بها فكان كسائر الشروط كقوله: إن دخلت الدار وما أشبهه. فصل [١٤ - القول في لزوم الطلاق في الحجر وغيره]: ووجه القول في الحجر وغيره: إن الطلاق يلزمه أنه هزل، ووجه نفي اللزوم عدم الشرط الذي علق الطلاق به، والأول أصح. فصل [١٥ - صريح الطلاق وكناياته]: الطلاق يقع بالنطق وبعمل الجارحة، وإن لم يقارنه نطق، وفي وقوعه بمجرد عقد القلب خلاف (٣)، فأما النطق فضربان صريح وكناية: فالصريح: ما تضمن لفظ الطلاق على أي وجه كان كقوله (٤): أنت طالق

стр. 821

وأنت الطلاق وأنت مطلقة، وقد طلقتك والطلاق بها لازم، وقد أوقعت عليك الطلاق، وأنا طالق منك وما أشبه ذلك مما ينطق فيه بالطلاق، وكل هذا صريح، فإن قرنه بذكر عدد وقع من العدد ما قرنه به واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا كذلك إن نواه به ولم ينطق به، وإن أطلق فقال: أنت طالق أنت طالق (١) أو مطلقة، وقال: لم أرد شيئًا، فالظاهر واحدة إلا أن يريد الثلاث. والكناية ضربان: كنايات ظاهرة وكنايات مجملة (٢) غير ظاهرة، فالظاهرة هي ما جرى العرف بأن يطلق بها في اللغة والشرع مثل قوله: أنت خلية أو برية وبائن وبتة وبتله وحبلك على غاربك، وأنت حرام وأنت عليَّ كالميتة والدم ولحم الخنزير، وكذلك الفراق والسراح واعتدى، هذه الألفاظ إذا وردت على المدخول بها ابتداء أو عند سؤالها الطلاق كانت طلاقًا ثلاثًا ولا يقبل منه أنه لم يرد بها طلاق ولا أنه أراد ما دون الثلاث إلا في قوله: اعتدى إلا أن يكون على وجه الخلع فيقبل منه ما يدعيه من الطلاق أو يدعى أنه لم يرد طلاقًا أصلًا، وقد تقدمها كلام يصلح أن يكون جوابًا عنه على ما ادعاه، نحو أن يكون قد حبسها في دين له عليها فتسأله التخلية من حبسها فيقول أنه مخلاة أو قد خليتك، وكذلك إذا دفع إليها دنانير وقال: اعتدى وأراد الدنانير فيقبل منه، وكذلك لو قرن (٣) الصريح بما يفيد هذا المثل أن تكون موثقة قدم (٤) أو قيد فتقول: أنت طالق يريد من الوثاق فيقبل منه، فأما إن وردت هذه الألفاظ على غير مدخول بها، فإن قال: لم أرد بها شيئًا، فالظاهر أنها ثلاث، فإن ادعى في غير البتة أنه أراد دون الثلاث قبل منه، وفي البتة خلاف عنه وكذلك في الفراق والتخلية في الدخول بها. فأما الكنايات المحتملة فمثل قوله: اذهبي وانصرفي واخرجي واغربي، فهذا

стр. 822

يقبل منه ما يدعيه أنه أراد به من طلاق وغيره من قليل العدد وكثيره، وضرب ثالث من النطق وهو ما (١) ليس من ألفاظ الطلاق ولا محتملاته مثل قوله: اسقني ماءًا وما أشبه ذلك، فإذا ادعى أنه أراد به الطلاق فقيل: يكون طلاقًا، وقيل: لا يكون طلاقًا، وأما العمل بالجارحة فنحو أن تسأله الطلاق فيشير إشارة يفهم منها إصابته إلى سؤالها، فإذا قال: أردت الطلاق قُبل منه، وكذلك إذا كتب الطلاق بيده وأراد به الطلاق كان طلاقًا، وإن لم يرد به الطلاق، وقال: أردت أن أنظر وأفكر، فذلك له ما لم ينفذ الكتاب (٢)، فأما عقد الطلاق وإيقاعه بالقلب مجردًا من غير أن يقارنه بعض (٣) ذلك، ففيه روايتان: إحداهما وقوعه، والأخرى إلا أن ينضم إليه لفظ وما في معناه (٤). فصل [١٦ - فيما تضمن لفظ الطلاق]: وإنما قلنا: إن كل ما تضمن لفظ الطلاق كان صريحًا، لأن كل ما يراد به الطلاق من سائر الألفاظ التي يطلق بها، فهي عبارة عنه وكناية وليس الطلاق كناية عنها ألا ترى أنه إذا قيل له: ما الذي أردت بقولك: أنت خلية وبرية وبائن وحرام صح (٥) أن يقول: عبرت به عن الطلاق، ولا يصح أن يقال: ما الذي أردت بقولك: أنت طالق، فيقول: أردت أنها خلية وبرية وبائن، لأن ذلك عكس ونقض الأصول. فصل [١٧ - في الكناية الظاهرة]: وإنما قلنا في الكناية الظاهرة: إنه إذا قال: لم أرد به الطلاق لم يقبل منه (٦)

стр. 823

خلافًا للشافعي (١)، لأن عرف الشرع جار بأن النساء (٢) يطلقون بها ابتداء أو جوابًا عن مسألة الطلاق، فلا يصدق فيما ينفيه العرف. وإنما قلنا: إنه لا يقبل منه أنه أراد دون الثلاث في المدخول بها خلافًا للشافعي (٣)، لأن قوله: أنت حرام وبائن وبتة وبتلة وبرية إيقاع الطلاق بهذه الألفاظ كأنه قال: أنت طالق طلاقًا تحرمين به عليّ وتبينين به عني (٤) وتنبت العصمة به بيني وبينك وأخلوا به من زوجتك ويبرأ أحدنا من الآخر، وهذا لا يكون في المدخول بها إلا ثلاثًا إلا على وجه الخلع، فإذا قال في غير الخلع: أردت به ما دون الثلاث كان كما لو قال: أنت طالق ثلاث، وقال: أردت واحدة، لأن الرجوع في الصفة كالرجوع في العدد، وكذلك قلنا في غير المدخول بها أنه يقبل منه لأنه يصح منه هذه المعاني لما دون الثلاث، وإن لم ينو ذلك، فالظاهر هو الثلاث في الجميع على ما بيناه لأنها ألفاظ مبنية للمبالغة في الفرقة. فصل [١٨ - في قوله: البتة]: ووجه قوله في البتة: إنه يقبل منه إرادته ما دون الثلاث في التي لم يدخل بها فلأن المعنى يحصل فيها وهو انبتات العصمة، ووجه القول: إنه لا يقبل منه لأن البتة كناية عن الطلاق (٥) الثلاث فلا ينتفي بإرادته ما دونه. فصل [١٩ - في قوله: أنا منك طالق]: وإنما قلنا: إن قوله: أنا منك طالق يكون طلاقًا خلافًا لأبي حنيفة (٦)، لأن

стр. 824

كل لفظ إذا استعمل في الطلاق مضافًا إلى الزوجة كان طلاقًا، فكذلك إذا أضافه الزوج إلى نفسه أصله قوله: أنا منك بائن وأنا عليك حرام. فصل [٢٠ - إذا قال: أنت طالق وأراد به ثلاثًا]: وإنما قلنا: إنه إذا قال: أنت طالق وأراد ثلاثًا، فإنه يكون ثلاثًا خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أنها تكون واحدة (١)، لقوله ﷺ : "وإنما لامريء ما نوى" (٢)، ولأن قوله: أنت طالق صيغة (٣) محتملة للعدد قابلة له، واللفظ المحتمل للشيء إذا نوى به ما يحتمله كان كما نوى به اعتبارًا بقوله: أنت الطلاق ويبين احتماله للعدد أنه لو صرح به فيه لصح ولا يجوز أن يفسره بما لا يحتمله، ولأن كل لفظ بالطلاق لو صرح فيه (٤) بالثلاث لصح استعماله فيه، فكذلك إذا أريد به أصله أنت بائن وأنت الطلاق. فصل [٢١ - في قوله: اعتدى]: وإنما جعلنا قوله: اعتدي ابتداء أنها (٥) من الكنايات الظاهرة خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لو قال: أردت الطلاق لم يقبل منه (٦)، لأنه الظاهر أنه كناية عن الطلاق وأمر بالاعتداد منه لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن بد من أحد أمرين: إما أن يكون مصروفًا إلى غيره، وذلك مفتقد (٧) إلى شاهد حال أو سبب يدل عليه، أو يسقط فلا يكون له حكم، وذلك لا سبيل إليه في ألفاظ العقلاء التي لها مقاصد تصلح أن تراد بها فلم يبق إلا ما قلناه.

стр. 825

فصل [٢٢ - الكنايات يقارنها شاهد حال]: وإنما قلنا: إن هذه الكنايات إذا قارنها شاهد حال يدل على أنه أراد بها ما يدعيه قبل قوله فيها؛ لأن العرف يشهد له حينئذ فليس في دعوى تكذيب له لأن الصريح أقوى من الكناية ولو ادعى في الصريح خلاف موضوعه في الشرع وهناك شاهد حال يصدقه قبلت دعواه فالكناية أولى. فصل [٢٣ - الألفاظ التي لا يصلح أن تكون كناية عن الطلاق]: ووجه قوله في الألفاظ التي لا يصلح أن تكون كناية عن الطلاق أنها تكون طلاقًا بالقصد أنه لفظ قصد به الطلاق، فأشبه ما هو كناية (١)، ولأنه مبني على التغليب والاحتياط، ووجه الاتفاق على أنه لو ضربها (٢) أو مسها بيده وقال: أردت الطلاق، أنه لا يكون طلاقًا لأنه لم يأت بصريح الطلاق ولا بكنايته، فكذلك ها هنا (٣). فصل [٢٤ - كتابة الطلاق باليد]: وإنما قلنا: إن كتابة الطلاق باليد تكون طلاقًا إذا نواه خلافًا للشافعي (٤)، لأن الكتابة مواضعة يعبر بها عما في القلب، فجاز أن يقع بها الطلاق كاللفظ، وكذلك الإشارة التي يفهم منها الطلاق من الناحية الأُخرى. فصل [٢٥ - الطلاق بالقلب]: فأما الطلاق بالقلب من غير نطق، فوجه إيقاعه أن اعتقاد القلب لما كان لا بد منه في وقف إيقاع الطلاق وكان حظ النطق إفهام الغير والتعبير عما في النفس عما جرى الخط والرمز وغير ذلك مما وضع للإخبار عما في النفس، وذلك غير

стр. 826

مشترط (١) في الإيقاع كان مجرد الاعتقاد كافيًا، ولأنه نوع تحرم به الزوجة فجاز أن يقع بالاعتقاد، وإن عرى من النطق أصله الكفر، فوجه نفيه قوله ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تنطق به أو تعمل به" (٢)، ولأنه أحد طرفي العقد فكان نطقًا كالنكاح، ولأنه معنى يتعلق به تحريم الوطء فلم يقع بالاعتقاد كالبيع. فصل [٢٦ - في طلاق التي لم يدخل بها بالواحدة والثلاث]: التي لم يدخل بها تبين بالواحدة لأنه لا رجعة له عليها لانتفاء العدة عنها، ويصح إيقاع الثلاث عليها بلفظ واحد (٣) خلافًا لمن حكي عنه منعه (٤)، ولأنها زوجته، فجاز أن يلحقها إيقاع الطلاق الثلاث في لفظ واحد كان كالمدخول بها، ولأنه إذا قال: أنت طالق ثلاثًا فذلك تفسير لمراده باللفظ الذي يصح (٥) أن يراد به فلم يمتنع. فصل [٢٧ - إيقاع الطلاق الثلاث عليها بثلاثة ألفاظ متناسقة]: ويصح أن يوقع الطلاق الثلاث عليها بثلاثة ألفاظ متناسقة متتابعة غير متراخية وذلك أن يقول: أنت طالق، أنت طالق (٦)، أنت طالق، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٧)، لأن كل زوجة ملك إيقاع الطلاق الثلاث عليها في لفظ

стр. 827

واحد صح أن يوقعه بثلاثة ألفاظ: (كالمدخول بها ولأن المتناسق في حكم الواحد (١)) (٢). فصل [٢٨ - في التفريق بين ألفاظ الطلاق الثلاث]: ولا يقع إن فرق بين الألفاظ وحصل (٣) التراخي بين كل لفظة إلا واحدة فقط لأن اللفظة (٤) الثانية تقع عليها بعد البينونة واستقرار الفراق بالأولى فلا يؤثر، وبذلك فارق المتناسق لأن اللفظة الأولى لا يستقر حكمها إلا بالفراغ من الباقيتين. فصل [٢٩ - في تطليق البعض]: الطلاق مبني على السراية والتغليب، فإذا طلق البعض يسري إلى الكل، وذلك على وجهين: أحدهما تبعيض الجزء لقوله: ربعك أو خمسك طالق، والآخر تعيين عضو كقوله: يدك أو رأسك أو رجلك أو فرجك طالق ولا يراعى فيه قلة الجزء وكثرته ولا عين العضو أو الشيء المعين منها مثل كونه يدًا أو رأسًا أو شعرًا أو سنًّا أو لحمًا أو عظمًا (٥). فصل [٣٠ - وقوع طلاق البعض]: وإنما قلنا: إنه إذا طلق البعض سرى إلى الكل خلافًا لمن قال: لا يقع طلاقًا أصلًا (٦)، لأن الطلاق لما لم يصح تبعيضه لم يكن بد من أحد ثلاثة أمور: إما أن يقتصر بالتحريم على قدر ما يتناوله اللفظ وذلك ممتنع، أو أن يسقط فلا يكون له حكم، وذلك غير جائز لأنه يسقط التغليظ الذي هو موضوع الطلاق، (أو

стр. 828

لن يعلم الكل ويسرى فيه وذلك ما قلناه) (١)، ولأنه لفظ تحريم في الزوجة فلم يسقط حكمه كما لو عم، وإذا بطل ذلك لم تبق إلا السراية، ولأنه إذا اجتمع الحظر والإباحة في شخص غلب عليه حكم الحظر كالأَمة بين شريكين والمعتق بعضها والشاة يذبحها المسلم والمجوسي. فصل [٣١ - في طلاق عضو معين]: وإنما قلنا: إذا عين عضوًا منها طلقت أي عضو كان خلافًا لأبي حنيفة في اعتباره أن يكون مما يعبر به عن الجملة (٢) كالرأس والفرج، لأنه بعض منها فأشبه الرأس والفرج، ولأن البعضية بالجزء لما عمت فكذلك بالأعضاء. فصل [٣٢ - الشك في الطلاق وفي عدده]: إذا شك هل طلق أم لم يطلق فلا شيء عليه، فإن طلق وشك فيما أراد به هل أراد واحدة أم اثنتين أم ثلاثًا كانت ثلاثًا إن لم يتحقق مراده (٣)، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٤)، لأن التحريم متحقق، وإنما شك هل ترفعه الرجعة أم لا فحصل أنه شاك هل يمكنه رفع ذلك التحريم أم لا، فيجب أن يغلب التحريم كما لو شك في امرأتين يتيقن أن إحداهما أخته من الرضاعة ويشك في عينها فإنهما تحرمان عليه. فصل [٣٣ - إذا قال: إحدى زوجاته طالق ولم يعينها]: إذا قال لإحدى زوجاته: أنت طالق ولم يعينها ففيها روايتان (٥): إحداهما وقوع الطلاق على الجميع، والأخرى أنه يختار واحدة منهن، فوجه الأولى أنه

стр. 829

لو لم يطلق الجميع لم يخل إيقاعه على واحدة أن يكون ابتداء، وذلك (١) غير جائز لأنا نروم (٢) تنفيذ (٣) الطلاق الموقع دون شيء مبتدأ أو أن يكون بالقرعة فلا يصح (٤) أيضًا لأنها لا (٥) تدخل إلا فيما يتجزأ وينقسم، وذلك ممتنع في الطلاق، أو أن يتعين بتعيينه وذلك غير جائز لأن الطلاق إذا صدر من مكلف فلا بد له من محل يتعلق به، وفي اتفاقنا نفوذه على من يعينه في تأتي إخراجه عن محل يتعلق به، وفي اتفاقنا نفوذه على من يعينه في تأتي إخراجه عن محل ينفذ فيه وتبقيته في الذِّمَّة إلى أن يعين له محلًا وذلك جائز فلا يبقى إلا ما قلناه، ووجه الاختيار أنه إزالة ملك وقع مطلقًا غير معين، فكان للمالك تعيينه في كل من يصح أن يريده به أصله العتق. فصل [٣٤ - إذا عين وشك في التي نسيها]: وأما إن عين وشك في التي نسيها فإن الكل يطلق عليه كما لو عرف عين من ذبح الشاة وشك هل هو مسلم أو مجوسي، ولأنه يحصل شاكًّا في كل واحدة منهن هل (٦) تحل له أو هي حرام عليه كالشاك في امرأتين أيتهما أخته من الرضاعة مع تيقنه أنها إحداهما. فصل [٣٥ - إذا شك في مراده بالطلاق]: وإذا شك في مراده بالطلاق هل أراد واحدة أو اثنتين أم ثلاثًا؟ فإن أبانها في العدة حلت له بعد زوج لأنه لا يخلو طلاقه الأول أن يكون واحدة أو اثنتين (٧) أو ثلاثًا، فإن كان دون الثلاث صارت الثلاث مردفة بما فيه على ما تقدم

стр. 830

منها، فكان كمبتديء إيقاعها، وإن كانت الأولى ثلاثًا فالثاني لغو، وتحل بعد زوج. فصل [٣٦ - المسألة الدولابية]: فإن كانت غير مدخول بها أو كانت مدخولًا بها إلا أنها خرجت من العدة وهو على كل شكه (١)، فقد بينا أنها لا تحل له إلا بعد زوج بناء على أن الطلاق المشكوك فيه يكون ثلاثًا، فإذا تزوجت وبانت من ذلك الزوج ثم عادت إليه فطلقها فلا يخلو أن يطلقها ثلاثًا أو دونها، فإن طلقها ثلاثًا حلت له بعد زوج، وإن طلقها واحدة لم تحل له أيضًا (٢) إلا بعد زوج لجواز أن يكون ذلك الطلاق المشكوك فيه كان اثنتين وقد كمل بهذه الواحدة ثلاثًا فأخذنا بالأغلظ تغليبًا للتحريم، فإذا تزوجت ثم عادت إليه بنكاح جديد وبينونة من ذلك الزوج فطلقها واحدة لم تحل له أيضًا إلا بعد زوج لجواز أن يكون الأول المشكوك فيه كان (٣) واحدة، وقد تبعته طلقتان مفردتان فكمل ثلاثًا، إذا تزوجت ثم عادت إليه بعد ثلاثة أزواج فهل تعود عنده على الشك عنه، ففيه (٤) روايتان (٥): فوجه زوال الشك هو أنه قد تيقن (٦) الطلاق الثلاث، فزال حكم الشك أصلًا إذا طلقها ثلاثًا بكلمة واحدة، ووجه قوله: إنها لا تحل له إلا بعد زوج كلما طلقها واحدة ولو عادت بعد مائة زوج أنه إذا طلق الثلاثة وعادت إليه بعد زوج فتقدير الشك في الطلاق الأول ثابت غير زائل اعتباره كوجوبه قبل كمال الثلاث، وهذه المسألة التي يسميها أصحابنا الدولابية لأن المنع دائر معها كيف (٧) ما دارت.

стр. 831

فصل [٣٧ - إذا طلقها دون الثلاث ثم عادت]: إذا طلقها دون الثلاث ثم عادت إليه قبل أن تتزوج، فإنها تعود على ما بقى من الطلاق بلا خلاف، فإن تزوجت ثم عادت إليه فإنها تعود إليه كذلك عندنا (١) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أنها تعود على طلاق مبتدأ وأن الزوج قد هدم ذلك الطلاق (٢)، لقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٣) ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٤)، ولم يفرق بين أن يكون قد تخلل ذلك زوج أو لا، وأنه لم يستوف طلاق الملك فوجب عودها إليه على بقية الطلاق أصله إذا عادت قبل الزوج. فصل [٣٨ - إذا حلف بالطلاق على شيء أنه لا يفعله]: إذا حلف بالطلاق على شيء أنه لا يفعله فطلقها ثم تزوجها، فإن اليمين تعود عليه ما بقى من الطلاق المحلوف عليه (٥) خلافًا للشافعي في قوله الآخر (٦): أن زوال النكاح الذي حلف فيه يسقط حكم اليمين، لأنها حال يملك فيها ابتداء إيقاع الطلاق المحلوف به فتعلق الحنث بها كالنكاح المحلوف فيه. فصل [٣٩ - إذا طلقها ثلاثًا ثم تزوجها بعد زوج .. ]: وإذا طلقها ثلاثًا ثم تزوجها بعد زوج لم يحنث بعد فعله ولم تعد اليمين عليه (٧) خلافًا للشافعي في قوله الآخر: أن اليمين تعود إليه (٨)، لأن الطلاق

стр. 832

المحلوف به قد زال فلم يبق لليمين مع حكم، أصله لو حلف بعتق عبده لا فعل شيئًا، فمات العبد قبل الفعل. فصل [٤٠ - في الرجعة]: الأصل في ثبوت الرجعة (١) قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (٢)، وقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٣) قيل: هي الرجعة (٤)، وقوله ﷺ في حديث عمر: "مره فليراجعها" (٥)، ولا خلاف في ذلك (٦). فصل [٤١ - استحباب الإشهاد على الرجعة]: يستحب في الرجعة الإشهاد وليس بشرط (٧) خلافًا للشافعي (٨)، لأنها حق (٩) من حقوق النكاح، كالظهار والإيلاء والقسم وغير ذلك من حقوقه، ولأنه معنى يبيح الوطء كشراء الأَمَة، ولأنه ليس بآكد من عقد النكاح، وقد بينا أن الإشهاد ليس بشرط فيه.

стр. 833

فصل [٤٢ - بم تصح به الرجعة؟]: لا خلاف أنها تصح بالقول وتصح عندنا بالوطء والقُبْلة وسائر الاستمتاع للذة إذا نوى به الرجعة (١) خلافًا للشافعي في قوله: إنها لا تكون إلا بالقول (٢) لأن القول الذي يثبت به رد المرأة إلى العقد المبيح للوطء أو استصلاح ما يثلم منه يجوز أن يقوم الوطء مقامه أصله قول البائع قد اخترت رد هذه الأَمَة إلى ملكي، ولأنه تصوف لا يكون مباحًا إلا مع البقاء (٣) على الملك المبيح له، فجاز أن يقع به الرد إلى الملك أصله القول، ولا تكون رجعة إلا مع القصد به إلى ذلك خلافًا لأبي حنيفة (٤)، لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامريء ما نوى" (٥)، ولأنه معنى مبيح للوطء فلم يصح إلا بنية كالتلفظ بعقد النكاح، ولأنه أحد الأنواع التي تثبت بها الرجعة كالقول. فصل [٤٣ - من طلق امرأته ثم ارتجعها فلم تعلم حتى تزوجت]: ومن طلق امرأته ثم ارتجعها فلم تعلم حتى تزوجت، فإن دخل بها الثاني فلا سبيل للأول عليها، وإن لم يدخل بها ففيها روايتان: إحداهما أنها للأول، والثانية أنها للثاني (٦)، فوجه الأولى أنها لم تفت بدخول من زوج، فوجب أن تكون لمرتجعها أصله إذا لم تتزوج، ولأن ذلك حكم عمر بن الخطاب ﵁ ولا مخالف عليه حكم به في رجل يكنى أبا كنف وكان ارتجع وامرأته لا تعلم فتزوجت فأدركها والنساء يهدينها للثاني فكتب له عمر: أنه أحق بها إن كان الثاني

стр. 834

لم يدخل بها (١)، ولأن هذه مبنية على الوليين وقد قدمناه، ووجه الثانية أن العقد للثاني حصل قبل علمها (٢) برجعة الأول بتقصير من جهته، فوجب أن تكون للثاني كما دخل بها: ولا يدخل عليه الوليان لأن الأول لا ينسب إلى تقصير لأن الذي زوج الثاني غيره، فأما ما لم تتزوج فلا مراجعة بينه وبين غيره، وكذلك إسلام الكافر في عدة امرأته التي أسلمت إذا لم تعلم حتى تزوجت ففيها روايتان كمسألتنا. فصل [٤٤ - تحريم المطلقة الرجعية ما لم يرتجعها]: المطلقة الرجعية محرمة ما لم يراجعها (٣) خلافًا لأبي حنيفة (٤) لأنها جارية إلى بينونة أصله الكتابية إذا أسلمت بعد الدخول، ولأن الطلاق يوجب التحريم كالخلع واعتبارًا به قبل الدخول. فصل [٤٥ - حكم العزل]: العزل (٥) جائز في الجملة (٦) إذا لم يتعلق به إسقاط حق الغير لقوله ﷺ وسئل (٧) العزل خوف الحمل: "لا عليكم إلا تفعلوا فإنه ما من نسمة قدر الله أن تكون إلا كانت" (٨)، ولم ينههم، ولأنه ترك لإتمام الوطء، وذلك غير ممنوع كما لو نزع ولم ينزل أصلًا، فإذا ثبت ذلك فلا يجوز عن الحرة

стр. 835

إلا بإذنها لنهي النبي ﷺ عن ذلك (١)، ولأن تركه حق لكل واحد من الزوجين لأنه من تمام الوطء فليس لأحدهما قطعه إلا باختيار الآخر، والحرة تختار لنفسها والأَمَة خيارها إلى سيدها لأن له (٢) غرضًا في كثرة ولدها فليس للزوج قطعه عنه (٣)، فأما أم الولد وسائر الإماء فلا حق لهن في الوطء، وذلك ينفي أن يكون لهن حق في إتمامه. فصل [٤٦ - في فسخ النكاح]: فسخ النكاح على ضربين: فسخ بطلاق، وفسخ بغير طلاق، وفائدة الفرق هو أنه إذا كان طلاقًا نقص به من أعداد الطلاق، فإن ورد بعد تطليقتين لم تحل له إلا بعد زوج، وإذا لم يعد طلاقًا فله أن يتزوجها من غير حاجة إلى زوج لأن الثلاث لم تكمل وفي اعتبار التمييز بينهما روايتان (٤): إحداهما بالخلاف القوي الظاهر دون الشاذ، فإن وجد ذلك في النكاح المفسوخ كان فسخه طلاقًا، فإن عدم كان فسخه (٥) بغير طلاق. والأخرى: أن يراعى ما له ثبت الفسخ، فإن كان مما يمكن الثبوت معه، وإنما فسخ (٦) لحق أحد الزوجين دون حق الله تعالى كان الفسخ طلاقًا، وإن كان مما لو أراد الزوجان أو أحدهما (٧) الثبوت عليه لم يجز له، فالفسخ بغير

стр. 836

طلاق، فوجه اعتبار الخلاف الاحتياط للفروج وإباحتها باليقين دون الشك وبقاء (١) الخلاف في زوال النكاح لا يحصل معه اليقين، فوجب أن يعتبر بالطلاق ليحصل هذا المعنى، ووجه الأخرى أن المراعي في ذلك الأمر الغالب الذي لا تمكن الإقامة على النكاح معه اعتبارًا بالرضاع والملك، فإذا ثبت هذا فالمسائل التي توجب فيها الفسخ تتفرع على هذا الخلاف: كالفسخ بتزويج المرأة نفسها والمحرم والشغار والمتعة وما أشبه ذلك من بابه يخرج على الروايتين، وفسخ النكاح بالعنة والجب والإعسار بالنفقة والمهر واختيار المعتقة نفسها والعيوب الأربعة والإيلاء وغير ذلك رواية واحدة أنه طلاق، والرضاع والملك ونكاح المرأة في العدة والفرقة باللعان وإسلام المرأة، وما أشبه ذلك رواية واحدة أنه فسخ، وفي الردة وغيرها خلاف في تخريجها. فصل [٤٧ - إذا طلقها قبل الدخول ولها عليه مهر مسمى]: إذا طلقها قبل الدخول ولها عليه مهر مسمى، فإن كان حالًا أخذت النصف حالًا لأن الطلاق لا يمنع من ذلك، وإن كان مؤجلًا لم تستحق أخذ شيء إلى حلول الأجل لأن الطلاق لا يوجب (٢) حلول الديون المؤجلة، لأن الموجب لذلك خراب الذمة بالموت أو عيبها بالفلس وذلك معدوم في الطلاق، وإن كان بعضه حالًا وبعضه مؤجلًا فلها نصف الحال معجلًا وتنتظر بنصفه المؤجل حلول الأجل (٣) اعتبارًا بكون جميعه على أحد الصفتين (٤). …

стр. 837

باب: [في الشهادة على الطلاق] لا تقبل في الشهادة على الطلاق إلا الرجال لأنها شهادة على حكم يثبت في البدن مما يطلع عليه الرجال كالقتل ولا يقبل فيه شاهد ويمين، لأن ذلك مقصور على الأموال وحقوقها ولا يحلف في دعوى بمجردها (١)، لأن ذلك طريق إلى دعوى من تريد أذى زوجها (وفراقه وإعناته في كل وقت، فإن انضم إلى دعواها ما يقويها مثل شاهد) (٢) واحد أو امرأتان حلف الزوج معها لقوله ﷺ : "إذا ادعت المرأة طلاق زوجها فجاءت بشاهد عدل استحلف" (٣)، لأن دعواها قد قويت بذلك فينظر، فإن حلف سقطت الدعوى لأن في الحديث: "فإن حلف بطلت شهادة الشاهد" (٤)، وإن نكل ففيها روايتان: إحداهما: أنه يحكم عليه بالطلاق ولما روي في الحديث: "فإن نكل فنكوله بمنزلة شاهد آخر وجاز طلاقه" (٥). والأخرى: أنه يحبس (٦) حتى يحلف ووجهها (٧): أن الشاهد والنكول أضعف من الشاهد واليمين، فلما لم يحكم بالطلاق بشاهد ويمين كان بأن لا

стр. 838

يحكم بالشاهد (١) والنكول أولى، والحديث إذا ورد فيه زيادة تردها الأصول كانت الأصول أولى. فصل [١ - اختلاف الشاهدين على الطلاق]: إذا اختلف الشاهد على الطلاق بالزمان والمكان لم يمنع ذلك قبول الشهادة لأن القول يتكرر ويعاد ويكون الحكم في الثاني أنه إعادة الأول لا استيناف كالإقرار بالمال، وبخلاف ذلك في الأفعال لأن كل فعل له حكم نفسه لا يكون تكرارًا للأول. فصل [٢ - متى تبدأ عدة المطلقة]: وعدتها من يوم أخبر الآخر أنه سمع الطلاق فيه (٢) لأن بشهادته تمت البينة ووقع الحكم والعدة تتعقب الطلاق المحكوم به لا تتقدم عليه. فصل [٣ - إذا اختلف الشاهدان في عدد الطلاق]: فإن اختلف في العدد أحدهما بواحدة والآخر باثنتين أو أحدهما بثلاثة، والآخر باثنتين حكم بالأقل وأُحلف على الزيادة، فإن حلف بطل عنه وإن نكل كان على ما ذكرناه. …

стр. 839

باب: [الخلوة لا توجب كمال الصداق] مجرد الخلوة لا يوجب كمال الصداق إذا لم يكن وطء (١) خلافًا لأبي حنيفة (٢)، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٣)، ولأنه لم يحصل منه المسيس المقصود بالعقد كما لو لم يخل (٤) بها. فصل [١ - ادعاء المرأة الوطء وإنكار الزوج له]: إذا حصلت الخلوة فادعت الوطء فأنكره الزوج، ففيها ثلاث روايات (٥): إحداها: أن القول قولها جملة من غير تفصيل. والأخرى: أنه إن كان ذلك في منزلها فالقول قوله مع يمينه ما لم يكن دخول بناء، وإن كان في منزله، فالقول قولها مع يمينها. والثالثة: أنها إن كانت ثيبًا فالقول قولها مع يمينها، وإن كانت بكرًا نظر إليها النساء، فإن رأين أثر افتضاض صُدِّقت عليه، وإن لم يرين لم يكن لها إلا نصف الصداق. فوجه الأولى: أنها قد فعلت ما يلزمها من التسليم والتمكين من الاستمتاع فليست بمنسوبة إلى تفريط بترك التوثق بالإشهاد إذ لا يمكنها ذلك، فلو لم

стр. 840

تصدق عليه لأدى إلى أن لا يثبت على أحد صداق بوطء إلا باعترافه، وفي ذلك إضاعة المهور وأعواض الاستمتاع. ووجه الثانية: أن النزاع في التداعي يرجع فيه إلى من يشهد له العرف من المتداعين، فالعرف جار بأن الرجل ينقبض في غير بيته إذا كان زائرًا غير مطمئن ولا ينبسط وأنه يستحي من اطلاع أهلها ومن هو في دارها، فكان القول قوله في أنه لم يطأ بشهادة العرف له، وبخلاف هذا إذا بني بها لأنه إذا توطن واطمأن في بيته أو بيت أهلها انبسط وزال الاستيحاش والانقباض عنه، فكان القول قولها: أنه وطئها، فكذلك إذا خلى بها في بيته فالقول قولها، لأن العرف يصير معها لأن الإنسان ينبسط في بيته ولا ينقبض والعادة إقدامه على الوطء، ولأنه لا يتوقف عنه فصدقت عليه. ووجه الثالثة: أنه إذا وجد سبيل إلى اليقين كان أولى من الظن والعمل على ظاهر لا يعرف صدقة، وذلك ممكن في البكر على ما ذكرناه من اختبارها بنظر النساء إليها، وجاز ذلك للضرورة كالعيوب، ولما لم يمكن في الثيب رجع إلى قولها، وكل من حكم بقوله فلا بد من يمينه. فصل [٢ - وجوب العدة في اختلافهما على الوطء أو عدمه]: وكل هذا الاختلاف إنما هو في تكميل الصداق، فأما العدة فإنما تجب ولا تسقط باختلافهما لأنها حق لله فلا يقبل قولهما في إسقاطه. ***

стр. 841

باب: [الخيار للأَمَة إذا أعتقت وهي تحت عبد] والأَمَة إذا أعتقت وهي تحت (١) عبد، فلها الخيار (٢) لحديث بريرة (٣) لما أعتقت وكان زوجها عبدًا، فجعل رسول الله ﷺ لها الخيار (٤)، ولأن حرمتها قد زادت على حرمته فلها أن ترضى به لأنها تقول: إنما لما رضيت أن يتزوجني عبد لما كنت أَمَة فأما وأنا حرة فلا أرضى فيكون ذلك لها. فصل [١ - إذا كانت الأَمَة تحت حر لا خيار لها]: ولا خيار لها تحت الحر خلافًا لأبي حنيفة (٥)، لقول عائشة ﵂: خير رسول الله ﷺ بريرة، وكانت تحت عبد ولو كان زوجها حرًّا ما خيرها (٦) ومثل هذا لا يكون إلا توقيفًا، ولأن ذلك معنى لا يثبت لها الخيار عند ابتدائه إذا وقع العقد مطلقًا لم يثبت لها إذا طرأ عليه، أصله إذا تزوجته أقطع اليدين لما لم يكن الخيار كذلك إذا طرأ القطع عليه، ولأن حرمتها ليست بزائدة على حرمته بخلاف العبد. فصل [٢ - في كون الخيار طلاق]: واختيارها نفسها طلاق، لأنه ليس بغالب إذ المقام على النكاح جائز مع

стр. 842

عتقها وتكون بائنًا لأنه خيار في زوال العصمة كالخلع ولو كانت الرجعة ثابتة لم يفد الخيار شيئًا ولو أعتق العبد لم يكن له سبيل عليها، لأن البينونة حلت قبل عتقه، وإن أمكنته أن يطأها أو يقبلها بطل خيارها (١)، لأن ذلك دلالة على رضاها به إلا أن يكون أكرهها فلا يبطل الخيار، وهذا إذا أمكنته عالمه بأنها أعتقت، فأما إن أمكنته من وطئها من قبل أن تعلم بعتقها فلا يسقط خيارها لأن ذلك لا يدل على رضاها بالثبوت معه، وإنما يدل على ذلك إذا كان بعد علمها به، وسواء كان قبل الدخول أو بعده لأنه ﷺ خيرها ولم يفرق، ولأنه علله بملكها ببضعها (٢)، واعتبارًا ببعد الدخول. وفي تطليقها نفسها زيادة على الواحدة روايتان: فوجه قوله: إن لها أن تطلق (٣) ثلاثًا أنها ملكت ما كان للزوج يملك من أمرها، فكان لها (٤) أن توقع ما كان له أن يوقعه، ووجه قوله: إنه ليس لها أكثر من الواحدة هو أن الغرض زوال العصمة، فإذا حصل بالواحدة فلا فائدة في الزيادة عليها. …

стр. 843

باب: [في الخلع] الخلع (١) جائز (٢)، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٣)، وقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٤)، وحديث حبيبة بنت سهل (٥) لما شكت زوجها ثابت بن قيس (٦) إلى النبي ﷺ فقالت: لا أنا ولا ثابت، فقال رسول الله ﷺ : "أتردين عليه حديقته" قالت: نعم، فأخذها منها وجلست في أهلها (٧)، ولأن المرأة قد تكره زوجها مع قيامه بحقوقها ولا يمكنها من مطالبته بالفرقة لأن ذلك لا يلزمه إلا برضاه، فجاز أن تبذل له عوضًا على ذلك. فصل [١ - في الزيادة على الصداق في الخلع أو نقصانه]: ويجوز أن يخالعها على الصداق وأقل وأكثر، خلافًا لمن ذهب إلى منع الزيادة

стр. 844

عليه (١) لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٢) فعم، ولأنه عوض مبذول في الخلع يجوز أن يكون مثله عوضًا في غير الخلع، فجاز أن يكون عوضًا في الخلع أصله مقدار الصداق. فصل [٢ - في صحة الخلع مع الرضا وعدم الإضرار]: ويصح مع الرضا وعدم الإضرار خلافًا لقوم (٣) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٤) فعم، ولأنها معاوضة تجوز حال الخصومة فجازت مع التراضي كالبيع والإجارة. فصل [٣ - إذا كان الإضرار من قبل الزوج]: وإن كان الإضرار من قبله نفذ الطلاق ورد ما أخذ منها (٥) خلافًا للشافعي (٦) في قوله: أنه لا يرد شيئًا، أما نفوذ الطلاق فلأنه قد ألزمه نفسه فلا سبيل إلى رفعه، وأما وجوب رد ما أخذه فلأنه كان مستحقًا عليه إزالة الأضرار (٧) وما ألزم الإنسان إزالته بغير عوض لم يجز له أخذ العوض عليه. فصل [٤ - في كون الخلع طلاق]: والخلع طلاق وليس بفسخ (٨) خلافًا للشافعي (٩) لأنه ﷺ

стр. 845

لما خلع بين حبيبة وثابت بن قيس فقال لها: "اعتدي" ثم التفت إليه فقال له: "هي واحدة" (١)، وهذا نص، ولأن كل فرقة يجوز الثبوت على النكاح مع الحال (٢) الموجبة لها فإنه طلاق لا فسخ اعتبارًا بفرقة العنين والمولي عكسه الرضاع والملك، ولأن الزوج أخذ العوض على ما يملكه والذي يملكه الطلاق دون الفسخ لأنه لو قال: قد فسخت النكاح لم ينفسخ إذا لم يرد الطلاق. فصل [٥ - منع الرجعة في الخلع]: ولا رجعة في الخلع (٣) خلافًا لأبي ثور (٤) لأن المرأة إنما تبذل العوض لإزالة الضرر عنها، وفي ثبوت الرجعة عليها تبقية الضرر، ولأن في إثبات الرجعة في الخلع جمعًا للزوج بين العوض والمعوض، وذلك ما لا سبيل إليه. فصل [٦ - الخلع مع اشتراط الرجعة]: فإن بذلت له العوض وشرط الرجعة ففيها روايتان (٥): إحداهما ثبوتها والأخرى سقوطها، فوجه ثبوتها أن العوض يكون في مقابلة ما يسقط من عدد الطلاق دون زوال العصمة لأنها لما أجابته إلى ذلك دل على أنها على هذا عاوضته، ووجه نفيها أنه طلاق بعوض فوجب أن تنتفي معه الرجعة أصله إذا طلق ولأنه شرط في العقد ما يمنع المقصود منه، فلم يثبت كما لو شرطت (٦) في النكاح أن لا يطأ.
следующие страницы →