لأجل ابتغاء مرضاة الله، فهذه الآيات من أعظم المبشرات للمسلمين؛ لأن جميع حسناتهم عند الوزن الذي قال الله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: آية ٨] إذا كانت حسنتك تضاعف عشر مرات، وسيئتك إنما تُجازى بسيئة واحدة مثلها، ففي هذا أعظم البشارة للمسلمين، وعليهم أن يكثروا من الحسنات. ومن الحِكَم العظيمة وجوامع الكلم قوله ﷺ : «أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا» (١)
يعني: إن صدرت منك سيئة فأتبعها بحسنة؛ لأن السيئة تُجعل في كفة الميزان سيئة واحدة؛ وتجعل الحسنة في الكفة الأخرى عشر حسنات فيثقل وزنها عليها، وهذا معنى قوله: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: آية ١٦٠] أصل الحسنة: هي الصفة المشبهة من حسُن يحسن، فهو حسَن، والأنثى حسنة، وقد جَرَتْ عادة العرب بأن يجعلوا لفظ الحسنة والصالحة كأنهما اسما جنس للخصلة الطيبة والفعلة الكريمة، حتى كادوا يتناسون الوصفية فيهما، ومنه هنا: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ﴾ أي: بالخصلة الحسنة، فَحُسْنها هو كونها تُرضي الله (جل وعلا)، وتطابق ما أمر به ونهى عنه، وقد وعد الثواب عليها، وكذلك قال: ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: آية ٢٥] فالصالحة كالحسنة؛ أي: هي الخصلة التي هي صالحة؛ لأن الله أمر بها، ووعد فاعلها الخير، وهذا معروف في كلام العرب، أما في الحسنة فمشهور، وأما
стр. 1157
في الصالحة فمعروف في كلام العرب، ومنه قول الحطيئة (١):
كَيْفَ الهِجَاءُ وَمَا تَنْفَكُّ صَالِحةٌ ... مِنْ آلِ لَأْمٍ بِظَهْرِ الْغَيْبِ تَأْتِينِي
أي: خصلة طيبة.
وقول أبي العاص بن الربيع في زوجه زينب بنت رسول الله ﷺ (٢):
بِنْتُ الْأَمِينِ جَزَاهَا اللهُ صَالحةً ... وَكُلُّ بَعْلٍ سَيُثْنِي بِالَّذِي عَلِمَا
وسُئل أعرابي عن الحب ما هو؟ فقال (٣):
الحُبُّ مَشْغَلَةٌ عَنْ كُلِّ صَالِحَةٍ ... وَسَكْرَةُ الحُبِّ تَنْفِي سَكْرَةَ الْوَسَنِ
فالصالحة، والحسنة، والسيئة كأنها أسماء أجناس، ثنتان للخصلة الطيبة، وواحدة للخصلة الخبيثة.
وأصل السيئة (٤): (سيوِئَة) ووزنها بالميزان الصرفي: (فَيعِلَة) فـ (ياء) (الفَيعِلَة) زائدة، اجتمعت هي والواو التي في مكان العين؛ لأن أصلها من (سَوَأ) فمادة الكلمة: فاؤها سين، وعينها واو، ولامها همز (سَوَأ)، فقيل في السيئة: (سيوِئة) على وزن (فَيْعِلة) اجتمعت ياء (الفَيعِلة) الزائدة، والواو التي في محل العين سكنت إحداهما قبل الأخرى سكوناً غير عارض، فأُبدلت الواو ياء على القاعدة التصريفية المشهورة، فقيل: (سيئة) فالياء الأولى زائدة، والثانية مُبْدَلة من الواو التي في محل عَيْنِ الكَلِمَة (٥).
стр. 1158
والسيئة: هي الخصلة التي تسوء صاحبها إذا رآها في صحيفته يوم القيامة (١). ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران: آية ٣٠].
﴿فَلَا يُجْزَى إِلَاّ مِثْلَهَا﴾ ومن هنا تعرفون أن ما يجري على ألسنة العامة: أن السيئات تضاعف في مكة كما تضاعف الحسنات، أن ذلك الإطلاق لا يجوز؛ لأن مضاعفة السيئات ممنوعة قطعًا؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَاّ مِثْلَهَا﴾ وهو نص صريح قرآني في أن السيئات لا تُضَاعَف، ولكن السيئة في حرم مكة مثلا تعظم؛ لأن السيئة تعظم بحسب عظم الزمان والمكان، فإذا عظمت السيئة عظم جزاؤها؛ لأن الجزاء بحسب الذنب، إذا عظم الذنب عظم الجزاء، وإذا صَغُرَ الذنب صغر الجزاء، فهو من عظم الذنب، وعظم الجزاء تبعاً لعظم الذنب، لا من المضاعفة؛ لأن السيئات لا تضاعف، ولكنها تعظم وتكون أكبر في زمان من زمان، وفي محل من محل؛ ولذا قال في حرم مكة: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: آية ٢٥] وقال في الأشهر الحرم: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ ثم قال: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: آية ٣٦] مع أن ظلم النفس في غيرهن حرام (٢).
وهذا معنى قوله: ﴿وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي: والجميع لا يظلمون، فلا يُزاد في سيئات المسيئ، ولا يُنقص من حسنات المحسن، بل حسنات المحسن تُزاد، وسيئات
стр. 1159
المسيئ إما أن يُعفى عنها أو يُتجاوز، وإن عُومل بها عُومِلَ بِوِزْرِهَا فَقَطْ عَدْلاً وإِنْصَافاً.
﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام: آية ١٦١].
﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي﴾ قرأه الجمهور: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وفتح اثنان من السبعة منهما نافع: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (١) ﴿دِيناً قِيَماً﴾ قرأ أربعة من السبعة، وهم الكوفيون الثلاث: عاصم، وحمزة، والكسائي، والشامي- وهو ابن عامر-: ﴿دِيناً قِيَماً﴾ بكسر القاف وفتح الياء مخففة. وقرأ الحرميان، أعني: نافعًا وابن كثير، والبصري-وهو أبو عمرو- قرؤوا: ﴿دِيناً قَيِّماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ (٢).
وقرأ جمهور القراء ما عدا هشاماً عن ابن عامر: ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ بكسر الهاء ممدودة بياء، وقرأ هشام عن ابن عامر: ﴿إبراهام حنيفًا﴾ بفتح الهاء ومدها بألف، وهما لغتان في إبراهيم صحيحتان، وقراءتان سبعيتان صحيحتان (٣).
لما بيّن الله انقسام الخلق إلى مُهْتَدٍ وضَالّ، ومفرقين دينهم شيعاً ومهتدين، أمر نبيَّه ﷺ أن يُصَرِّحَ عَلَى رؤوس الأشهاد أنه لم يتبع السبل الزائغة، ولا الطرق الضالة، وأنه على الهدى المستقيم، والمحجَّة البيضاء التي هداه إليها ربه، قل يا نبي الله:
стр. 1160
﴿إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي﴾ أي: أرْشَدَنِي ودَلَّنِي ووَفَّقَنِي لِلْعَمَلِ ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. الصراط في لغة العرب: الطريق الواضح (١)، ومنه قول جرير (٢):
أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ ... إِذَا اعْوَجَّ المَوَارِدُ مُسْتَقِيمُ
والمستقيم الذي لا اعوجاج فيه، طرفه بيد المسلمين، وطرفه الآخر في الجنة.
وقوله: ﴿دِيناً﴾ أعربوه أعاريب مختلفة (٣)، أجودها: أنه بدل محل من قوله: ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ لأنه مجرور في محل نصب، والأصل: (هداني ربي صراطًا مستقيماً) لأن (هدى) تتعدى إلى المفعول الثاني بنفسها دون حرف الجر، كقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ (١١٨)﴾ [الصافات: آية ١١٨] ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: آية ٦] ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ [الفتح: آية ٢٠] وقد يتعدى بـ (إلى) كقوله هنا: ﴿هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وقد يتعدى بـ (اللام) إلى المفعول الثاني، كقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: آية ٩] فهو وإن جُر بـ (اللام) أو بـ (إلى) فهو في محل نصب؛ لأن الفعل يتعدى إليه بنفسه، ومعروف أن مراعاة المحل في الإعراب أمر معروف:
стр. 1161
وَجُرَّ ما يَتْبَعُ مَا جُرَّ وَمَنْ ... رَاعَى في الاتْبَاعِ المَحَلَّ فَحَسَنْ (١)
كما قاله ابن مالك في الخلاصة، فقوله: ﴿هَدَانِي رَبِّيَ إِلَى صِرَاطٍ﴾ مجرور في محل نصب، إذ (هداني) تتعدى إلى المفعول الثاني بنفسها، فكأنه قال: (هداني صراطاً مستقيماً ديناً قيماً) فـ (الدين) بدل من (الصراط المستقيم) وهو بدل محل؛ لأنه منصوب أُبدل من مجرور، لكن المجرور في محل نصب.
وأعربه بعضهم حالاً من (الصراط) أي: إلى صراط مستقيم في حال كون ذلك الصراط المستقيم ديناً قيماً، والنكرة إذا نُعِتَت أو خُصصت جاز مجيء الحال متأخرة منها.
وبعضهم قال: هو منصوب بـ (هداني) بتضمينها معنى (عرفني)، ولا يخلو من بعد، وفيه أعاريب غير هذا أظهرها ما ذكرنا.
﴿هَدَانِي رَبِّيَ﴾ أي: أرشدني وَوَفَّقَنِي إلى طريق واضح لا اعْوِجَاجَ فِيهِ.
﴿دينًا قيّماً﴾ على قراءة: ﴿قيّماً﴾ فهو الصفة المشبهة من: قَامَ، يقوم، فهو قَيّم، بمعنى: اسْتَقَامَ، يَسْتَقِيم، فهو مستقيم، والعرب تطلق (قام) وتريد: استقام، ومنه: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ﴾ أي: مستقيمة على دين الحق ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: آية ١١٣]، فالقَيِّم هو الصِّفَة المشبهة من: قام، يقوم، بمعنى: استقام، يستقيم، فهو كالتوكيد لما قبله.
وقال بعضهم: هذا الدين (قيّم) معناه: أن اتِّبَاعه يقوم بشؤون الدين، وينظم علاقاتها ومصالحها في الدنيا والآخرة، من
стр. 1162
قولهم: فلان قَيِّم على أهله، أي: قائم بمصالحهم وشؤونهم، ودين الإسلام جامع بين الوَصْفَيْنِ، هو قيِّم يعني بأحوال الدنيا والآخرة؛ لأن مُتَّبِعَه يصلح له جميع أموره من جميع الجهات في دنياه وأخراه.
وعلى أنه (فَيْعِل) من قام بمعنى: استقام، فهو أيضًا في غاية الاستقامة، وهو كالتوكيد لما قبله.
أما على قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وابن عامر: ﴿دِيناً قيّماً﴾ فالقِيَمُ هنا مصدر قليل، كقولهم: كبُر كِبراً، وعَظُم عِظَمًا، وشَبعَ شِبَعاً، وقام قِيَماً، فهو مصدر بمعنى (القيام) نُعت به، و (قام) التي مصدرها (قِيَماً) هنا من (قام) التي بمعنى (استقام)، فهو راجع في المعنى إلى الأول، إلا أنَّه من النعت بالمصدر، والعرب إذا نعتت بالمصدر كقولهم: رجل كَرَم، وفلان عَدْل؛ لأن العدل مصدر، إذا نعتت بالمصدر فقيل: هو على حذف مضاف؛ أي: ذو قِيَم؛ أي: استقامة، زيد كَرَم؛ أي: ذو كَرَم، أو كأنهم بالغوا فيه حتى جعلوه عين القِيَم، بمعنى الاستقامة، وكأنهم بالغوا في كرم زيد حتى جعلوه عَيْنَ الْكَرَمِ.
الثاني: أن المصدر المُنَكَّرَ يؤول بالوصف، فيرجع معنى المصدر إلى معنى (قيِّماً)، الذي هو الصفة المشبهة من (قام)، فيرجع معنى الأقوال إلى شيء واحد؛ لأن النعت بالمصدر معناه: ذو قِيَم؛ أي: استقامة، أو هو استقامة بعينه، كأنه لشدة استقامته سُمِّيَ (استقامة) لشدة استقامته، أو لأنه مصدر أُريد به الوصف، فيكون (قِيماً) بمعنى: قيِّماً. هذه الأقوال الثلاثة معروفة في النعت
стр. 1163
بالمصدر، كما قال في الخلاصة (١):
ونَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيراً ... فَالْتَزَمُوا الْإِفَرَادَ وَالتَّذْكِيرَا
فعلى قراءة (قِيَماً) فهو من النعت بالمصدر، فالقِيَم: مصدر كالشِّبَعِ، والصِّغَرِ، والكِبَر، وعلى قراءة من قرأ ﴿قَيِّماً﴾ فالأمر واضح (٢).
وقوله: ﴿مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ هذه بدل من الدين (٣)؛ لأن الدين القيم هو ملة إبراهيم، والملة: الشريعة والطريقة، قال بعض العلماء: اشتقاقها من (الإملال)، و (الإملال) بلامين، وهو ما يسمونه الإملاء -بالهمزة- أن تلقي على الكاتب جملة فيكتبها، ثم تُملي عليه جملة أخرى فيكتبها، ومنه قوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: آية ٢٨٢] ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: آية ٢٨٢] معنى أنه يملل، أي: يُلقي على الكاتب جمل عقد المداينة حتى يكتبها، أبدلوا اللام الأخيرة همزة، فجعلوه إملاء، وأصله (إملال) قالوا: لأن الملة -وهي الشريعة- تنزل جُمَلاً جُمَلاً جُمَلاً حتى تتم (٤) كما وقع في ديننا، فُرِضَتِ الصَّلَاةُ أَوَّلاً قبل الهجرة، ثم فُرِضَتِ الزَّكَاةُ والصيام في عام اثنين من الهِجْرَة، وفُرِضَ الحَجّ في عام تسع على أصَحِّ الأقْوَال، شيئاً بعد شيء حتى تَتِمَّ.
стр. 1164
وقوله: ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ هو نبي الله إبراهيم، الذي جعله الله للناس إماماً، وشهد له شهادته بالوفاء ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: آية ٣٧] ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ [البقرة: آية ١٢٤] وقيل لنبيّنا: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيم﴾ [النحل: آية ١٢٣] وقيل له هنا: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ مِلَّة إبراهيم.
وهنا سؤال معروف، وهو أن يقول طالب العلم: دلت هذه الآيات على أن النبي ﷺ أُمر أن يتبع ملة إبراهيم، والمتبوع أفْضَل مِنَ التابع، فإذاً قد يكون إبراهيم أفضل من النبيّ ﷺ ، حيث أمر باتباعه (١)؟
والتحقيق أن النبي ﷺ سيد الخلق، وأفضل البشر، وأفضل من خلق الله، وأفضل من إبراهيم، ومن عامة الرسل، وسيظهر فضله على الرسل يوم القيامة، وقد ظهر ذلك فيما مضى؛ لأنه (صلوات الله وسلامه عليه) ليلة الإسراء لما اجتمع بالرسل -أرْوَاحُهُمْ مُجَسَّدَة بصور أجسادهم- وخاطبوه وكَلَّمَهُمْ، ارْتَفَعَ حَتَّى بَلَغَ مقاماً أعلى من مقاماتهم، ولما نزل إلى الأرض في بيت المقدس، في محل مبعث الرسل وديارهم صار إماماً للجميع بإشارة من جبريل (٢)،
стр. 1165
فتبين أنه سيدهم في السماوات والملأ الأعلى، وسيدهم في الأرض (صلوات الله وسلامُه عليه).
والجواب عن هذا: أن أمره باتباع إبراهيم مما يدل على أفضليته عليه؛ لأن كل ما كان عند إبراهيم من الشرائع التي وَفَّاهَا وحَازَ بِهَا الفَضْل يُؤمر هو باتباعها، فيساويه فيها، ثم يُزَاد بِتَشَارِيع وأمور عظيمة لم تنزل على إبراهيم ولم تَكُنْ فِي شَرْعِهِ، فيأخذ ما عنده ثم يزيد عليه، ومن هنا يتبين الفضل، وأن أمره باتباع الرسل في هذه السورة الكريمة سورة الأنعام الذي قدمناه في قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: آية ٩٠] أنه يقتدى بما عندهم من الهدى، ثم يُزاد مِنْ أنْوَاع الهدى أشياء عِظاماً لم تكن عندهم ولم يُعْطوها، فيظهر فضله على الجميع (صلوات الله وسلامه عليه).
стр. 1166
وقوله جل وعلا: ﴿مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ ﴿حَنِيفاً﴾ هنا حال من إبراهيم (١)، والمعروف أن الحال لا تكون من المضاف إليه إلا إذا كان المضاف هو عامل الحال، أو كان المضاف كأنه جزء من المضاف إليه كما هنا، أو شبه الجزء (٢)، بدليل أنه لو حُذف لمَا ضَرَّ، لو قلت مثلاً: ديناً قيّماً مِلَّة إبراهيم، لو قلت: اتبعوا إبراهيم، لكفى عن: اتبعوا ملة إبراهيم.
والحنيف في لغة العرب: أصله الذي به حَنَف، وأصل الحَنَف في لغة العرب: هو أن يميل القدم الأيمن إلى جهة القدم الأيسر، والقدم الأيسر إلى جهة القدم الأيمن، فيكون في كلتا الرجلين اعْوِجَاجٌ، كل منهما تَعْوَج إلى الأخرى (٣)، فيقال للرجل: أحْنَف، وللمَرْأة: حَنْفَاء، وكان الأحنف بن قيس سيد تميم كذلك، وفيه سُمِّي الأحْنَف، وكانت أمه تُرقصُه وهو صبي، وهي تقول (٤):
واللهِ لَوْلَا حَنَفٌ بِرِجْلِهِ ... مَا كَانَ فِي فِتْيَانِكُمْ مِنْ مِثْلِهِ
هذا أصل الحَنَف، وصار أكثر ما يُستعمل الحَنَف في الميل عن الأديان الباطلة إلى الدين المستقيم (٥)، فالحَنِيفُ: المَائِل عن كل دين بَاطِل لا يُرضي الله إِلَى الدين المستقيم الذي يرضي الله، فهذا معنى كون إبراهيم ﴿حَنِيفاً﴾ أي: مائلاً صَادّاً عن جميع الأديان الباطلة إلى
стр. 1167
الدين المستقيم الذي يُرْضِي اللهَ جَلَّ وَعَلَا.
﴿ومَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ نفي هذا الكون الماضي، بأن الله نفى عن إبراهيم الشرك في الكون الماضي، معناه: أنه لم يقع منه كَوْنُ الشِّرْكِ فيما مضى أبداً، وهذا حق لا شَكَّ فيه، والآيات الدالة عليه كثيرة، كقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: آية ١٢٣] وهذا يكثر في القرآن -نفي كون الشرك الماضي عن إبراهيم- وبهذه الآيات وأمثالها في القرآن من تَبْرِئَةِ إبراهيم من شرك ماض أبداً، وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾ [الأنبياء: آية ٥١] تعلمون أنه غَلِطَ كِبَارٌ مِنْ كِبَارِ العُلَمَاءِ، منهم كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير الطبري، والروايات المرْوِيَّة عن ابن عباس وغيره من أجلاء علماء التَّابِعِين، أنها كلها غلط لا شَكَّ فِيهِ؛ وذلك لأنهم زَعَمُوا أَنَّ قَوْلَ إبراهيم المتقدم في الأنعام: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: آية ٧٦] زَعَمُوا أنه كان يظن أنه ربه وقت قوله ذلك، ولو كان يَظُن ربوبية الكوكب لكان من أشد المشركين شركاً، والله ينفي عنه الشرك في الكون الماضي، فدَلَّ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ في آيات كثيرة، وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾ [الأنبياء: آية ٥١] أن قوله في الكوكب: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ أنه ما كان يظن ربوبية الكوكب أبداً، إذ لو كان يظنها لكان سبق عليه شرك ماض، وظَنُّ ربوبيَّة غير الله هو أكبر أنواع الشرك وأكفرها، والله يقول: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَخْرُصُونَ﴾ [يونس: آية ٦٦] فقول ابن جرير: إن إبراهيم كان يظن رُبُوبِيَّة الكوكب أولاً، وروايته لهذا عن ابن عباس وجماعة
стр. 1168
غلط فاحش لا شك فيه (١)؛
لأن الله يقول عن إبراهيم: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ونفي الشرك في الكون الماضي يدل على الاستغراق؛ لأنه من المعروف عند العلماء أن الفعل قسمان: فعل حقيقي، وفعل صناعي.
أما الفعل الحقيقي فهو الذي يسميه علماء النحو بالمصدر، وهو الحدث المتجدِّد، كالضرب والكلام والقعود، والفعل الصناعي: هو المعروف في صناعة النحو بالفعل، مما يسمونه: ماضياً، أو مضارعاً، أو فعل أمر، وهذا الفعل الصناعي عند عامة النحويين ينْحَلّ عن مصدر وزمن (٢)، وبيَّنه في الخلاصة بقوله (٣):
المَصْدَرُ اسْمُ مَا سِوَى الزَّمَانِ مِنْ ... مَدْلُولَيِ الْفِعْلِ كَأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ
وعند المحققين من علماء البلاغة كما حَرَّرُوه في مبحث الاستعارة التبعية: أن الفعل الصناعي يَنْحلّ عن مصدر، وزمن، ونسبة، فالمصدر كامن في جوفه إجماعاً (٤). وقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ (كان) فعل صناعي، فعل ماض ناقص يكمن في جوفه مصدره قطعاً، ففيه نَفْيُ كَوْنِ الشِّرْكِ المَاضِي قطعاً، نفياً باتّاً من الله، فلم يكن من إبراهيم شرك ألبتة، كما صرح به الله في قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ في آيات كثيرة.
ولا شك أن طالب العلم يخطر في ذهنه الآن أن يقول: برَّأْتُمْ
стр. 1169
إبْرَاهِيمَ من كل شرك ماض؛ لأن الله نَفَى كَوْنَ الشرك الماضي عنه، وهو يستغرق ماضي الزمن إلى الأزل، ولكن ماذا تقولون في قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: آية ٧٦]؟
والجواب: قَرَّرْنَاهُ في محلِّهِ مِنْ هَذِهِ السورة (١)، وسنُلم بنموذج قليل منه، منه: أن هذا إنما قاله نبي الله إبراهيم على سبيل التنازل الجدلي، ليمكنه إفحام خصمه؛ لأن من أمهات الجدل أن تُسلم الكذب المحض لخصمك ليمكنك إفحامه؛ لأن إبراهيم لو قال أولاً: الكوكب لا يمكن أن يكون ربّاً. لقالوا: أنت رجل جاهل كذاب، الكوكب رب، ولم يحصل شيء، فكأنه قال: سلمنا على زعمكم الكافر الكاذب الباطل، هذا ربي! أي: على زعمكم الكافر الملحد الفاجر، فَلِمَ يأفل؟ وكيف يأفل الرب ويسقط؟! ولذا قال: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ فلو لم يتنازل ويُسلمهم التسليم الجدلي ويقل لهم: هذا ربي؛ أي: فرضاً على كُفْرِكُمْ وقَوْلِكُم البَاطِل، لو لم يتنازل هذا التنازل لما أمكنه إفحامهم كما يقول الله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: آية ٢٢] ﴿لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لَّابْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: آية ٤٢] أي: لو كان ربًّا لما كان آفلًا! ولو لم يُظهر لهم بعض الموافقة للكذب الباطل لما أمْكَنَهُ إفْحَامُهُم.
والوجه الثاني: أن همزة (٢) الاستفهام الإنكاري محذوفة دل المقام عليها، والأصل: أهذا ربي؟! وهمزة الاستفهام إذا دل المقام
стр. 1170
عليها جاز حذفها. والدليل عليها وعلى أن إبراهيم ما كان ظانّاً ربوبية الكوكب هو عظم إبراهيم، وشهادة الله له في القرآن أنه لم يكن مشركاً قط، وفي نفس الآية قرائن واضحة قاطعة على أنه ما كان يظن الكوكب ربّاً؛ لأن الله قال في أول الآيات: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ (٧٥)﴾ [الأنعام: آية ٧٥] فلما حكم له بأنه من الموقنين الذين لا يخالج يقينهم شك رتب على ذلك بالفاء قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: آية ٧٦] فكيف يظن أنه ربه والله يقول: ﴿نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ فرتب على كونه من الموقنين قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ وهمزة الاستفهام حذفها مطرد إذا كان مع (أم) لا نزاع فيه. وزعم الأخفش الصغير -أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش الصغير- أن حذف همزة الاستفهام إذا دل عليه قرينة أنه مطرد في اللغة العربية قياسي لا يحتاج إلى سماع، ومن أمثلته في القرآن: ﴿أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: آية ٣٤] والمعنى: أفإن مِتَّ أفهم الخالدون؛ لأن محل استفهام الإنكار في قوله: «أفَهُمُ الخالِدُونَ» وهو كثير في كلام العرب دون (أم)، ودون ذكر الجواب، ومع (أم)، ومع ذكر الجواب (١).
فمن أمثلته دون (أم) ودون ذكر الجواب قول الكميت (٢):
طَرِبْتُ وَمَا شَوْقاً إِلَى الْبِيضِ أَطْرَبُ ... وَلَا لَعِباً مِنِّي وَذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ
стр. 1171
يعني: أوَذو الشيب يلعب؟ فحذف همزة استفهام الإنكار.
ونظيره قول الآخر واسمه خويلد (١):
رَفوني وَقَالُوا يَا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ... فَقُلْتُ وَأَنْكَرْتُ الْوُجُوهَ هُمُ هُمُ
يعني: أهُم هُم؟ فحذف همزة الاستفهام على التحقيق، وكما جزم به غير واحد.
ومن أمثلته دون (أم) مع ذكر الجواب: قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي (٢):
ثُمَّ قَالُوا: تُحِبُّهَا، قُلْتُ بَهْراً ... عَدَدَ النَّجْمِ والحَصَى وَالتُّرَابِ
فقوله: «ثم قالوا: تحبها» يعني: أتحبها؟ فحذف همزة الاستفهام.
أما هو مع (أم) فهو مُطَّرِد لا يخالف فيه أحد، وأنشد له سيبويه قول ابن يعفر التميمي (٣):
لَعَمْرُكَ مَا أدْرِي وَإِنْ كُنْتُ دَارِياً ... شُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ أَمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنْقَرِ
يعني: أشعيث بن سهم؟ ومنه في كلام العرب قول ابن أبي ربيعة المخزومي (٤):
بَدَا لِي مِنْهَا مِعْصَمٌ يَوْمَ جَمَّرَتْ ... وَكَفٌّ خَضِيبٌ زُيِّنَتْ بِبَنَانِ
فَوَاللهِ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَحَاسِبٌ ... بِسَبْعٍ رَمَيْتُ الجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ
стр. 1172
يعني: أبسبع رميت الجمر أم بثمان؟ ومنه قول الخنساء السُلمية الشاعرة، الخنساء بنت عمرو بن الشريد المشهورة (١):
قَذًى بِعَيْنَيْكَ أَمْ بِالْعَيْنِ عُوَّارُ ... أَمْ خِلْتَ إِذْ أَقْفَرَتْ مِنْ أَهْلِهَا الدَّارُ
تعني: أقذى بعينك؟ ومنه قول أُحيحة بن الجُلاح الأنصاري (٢):
وَمَا تَدْرِي وَإِنْ ذَمَّرْتَ سَقْباً ... لِغَيْرِكَ أَمْ يَكُونُ لَكَ الْفَصِيلُ
يعني: ألغيرك؟ وقول امرئ القيس (٣):
تَرُوحُ مِنَ الحَيِّ أَوْ تَبتَكِرْ ... وَمَاذَا عَلَيْكَ بِأَنْ تَنْتَظِرْ
وهو كثير في كلام العرب.
والحاصل أن قوله هنا: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ يدل على نفي الشرك عن نبي الله إبراهيم في الزمن الماضي كله أبداً، وهذا معنى قوله: ﴿مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾.
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ المُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: الآيتان ١٦٢، ١٦٣].
قرأ هذا الحرف عامة القراء غير نافع ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ المُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ بفتح ياء ﴿وَمَحْيَايَ﴾ وسكون ياء ﴿وَمَمَاتِي﴾، وقصر ألف ﴿وَأَنَا﴾ وعدم مدّها. وقرأ نافع وحده دون عامة القراء: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي
стр. 1173
وَمَحْيَايْ﴾ بخلاف عن ورش فيه، واتفاق عن قالون: ﴿وَمَمَاتِيَ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بفتح ياء ﴿وَمَمَاتِي﴾ (١)، وقرأ -مثلًا-: ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ وهي لغة تميم مدّ لفظة ﴿وَأَنَاْ﴾ وقرأه عامة القراء غير نافع: ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ بلا مدّ ﴿وَأَنَاْ﴾ (٢).
والمعنى: قل لهم يا نبي الله، إن جميع عباداتي مُنْصَرِفَة إلى مَنْ خَلَقَنِي لا أشرك فيها غيره معه، فأنا مُوَحِّد صِرْفاً، مخْلِص لِرَبِّي في عِبَادَتِي ﴿إِنَّ صَلَاتِي﴾ إذا صليت ﴿وَنُسُكِي﴾ أكثر العلماء على أن النسك هنا معناه: النحر في الضحايا والهدايا، ونحري إذا نَحَرْت ﴿لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، كقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: آية ٢] وعلى هذا فالنسك خاص بالذبح (٣). والمعنى: أنه لا يُنْحَر لِغَيْرِ اللهِ، ولا يُذْكَر عَلَى الذَّبِيحَة اسم غير الله، كَمَا لا يُصَلَّى لِغَيْرِ اللهِ، كَمَا أَوْضَحْنَاهُ في قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾.
وقال بعض العلماء: ﴿وَنُسُكِي﴾ معناه: جميع عباداتي؛ لأن التنسك: التعبد، و (النسك) يطلق على جميع العبادات، ويدخل فيه دخولاً أَوَّلِيّاً: النحر والتقرُّب بالدم؛ لأن التقرب بالدماء في الضحايا والهدايا من أعظم القُرَب إلى الله، وصرفه لِغَيْرِ الله صَرْف لحقوق الخالق إلى المخلوق، وذلك معروف ما فيه، فعلى أن (النسك) خصوص الذبح فالآية كقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾
стр. 1174
فخص هاتين العبادتين وغيرهما من العبادة مثلهما، وعلى أن النسك جميع العبادة فقد شمل الذبح وغيره (١). وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾.
﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ اختلف العلماء في معنى قوله: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ قال بعض العلماء: إن الذي يستحق مني أن أخصه بصلاتي وبنحري وبجميع عباداتي هو الذي بيده روحي، يملك مَوْتِي ويَمْلِكُ حَيَاتِي، إن شاء أمَاتَنِي وإن شاء أحْيَاني، فالذي يملك إحيائي وإِمَاتَتِي هو رَبِّي ومَعْبُودِي الذي يَحِقّ لي أن أُخْلِصَ له حقه في عبادته. وقال بعض العلماء: ﴿وَمَحْيَايَ﴾ هو ما قَدَّمْتُ في حياتي مِنْ جَمِيعِ الأعمال الصالحة مخلصاً فيه لله وحده (٢).
﴿وَمَمَاتِي﴾ قيل: هو ما أَوْصَيْتُ أَنْ يُفعل بعد مماتي من إجراء قُرُبَاتٍ وَصَدَقَاتٍ تجري عَلَيَّ، كل ذلك مخلص فيه لله. أو ﴿وَمَمَاتِي﴾ أي: ما جَاءَنِي عليه الموت من الأعمال الصالحات التي أدْرَكَنِي المَوْتُ وأَنَا مُقِيمٌ عَلَيْهَا، كما قال نبي الله يعقوب: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: آية ١٣٢] كل ذلك مخلص فيه لله (جل وعلا) وحده لا أشرك معه غيره (٣).
[٢٥/ب] وهذا تعليم لنا أننا نخلص [عبادة] (٤) / خالقنا له (جل وعلا) ولا نشرك معه فيه غيره؛ لأنه أغْنَى الشركاء عن الشرك، ولا يقبل
стр. 1175
من أحد أشرك معه غيره، وكل شيء يغفره إن شاء إلا الإشراك به ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: آية ٤٨] وهذا معنى قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ في شيء من ذلك، لا شريك يُصلى له غيره، ولا شريك يُنحر ويتقرب إليه بالنحر غيره، ولا شريك يُميت ويُحيي غيره، ولا شريك يقام على الأعمال لرضاه مخلصاً له في الحياة غيره، ولا شريك يُوصَى بالأعمال الصالحة بعد الممات يُراد بها رِضَا شريك غيره، بل هو وحده الذي له الإخلاص في جميع ذلك كله، ثم قال: ﴿وَبِذَلِكَ﴾ الذي ذكرت لكم من إخلاص العبادة لله طول أيام الحياة، وما يُوصى به بعد الممات، وما يموت عليه الإنسان من الأعمال، إخلاص التوحيد والقُرَب لله في ذلك وحده ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ هكذا أمرني ربي، وأنا عبد مأمور، وقد أمرني بالإخلاص له في جميع عباداتي.
فعلينا أن نعلم أن هذا الذي أُمر به سيدنا ﷺ من تحقيق العبودية لله، وإخلاص حقوق الله لله، وتحقيق معنى (لا إله إلا الله) علينا أن نتبع فيه نبينا ﷺ .
ثم قال: ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾، قوله: ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ أي: أول المسلمين من هذه الأمة؛ لأنه هو الذي دَعَاها إلى الإسلام، فهو أول مَنْ أسْلَمَ؛ لأنه نزل عليه الوحي فآمَنَ به ثم قام يدعو الناس إليه، أي: من هذه الأمة لا مِنْ جَمِيع الناس. أما المسلمون قبله من الأمم الأخرى فهم كثير جدّاً، وكل الأنبياء قبله مسلمون، وهذا نبي الله إبراهيم يقول الله فيه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ [البقرة: آية ١٣١] وهذا نبي الله نوح
стр. 1176
يقول: ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ [يونس: آية ٧٢] وهذا نبي الله يوسف يقول: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: آية ١٠١] والله يقول: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ﴾ [المائدة: آية ٤٤] وأمثال هذا في القرآن كثيرة، فالمسلمون قبله كثير، ودين الإسلام قبله منتشر في شرائع الرسل. ومعنى ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ أي: من هذه الأمة التي بعثني الله بشيراً ونذيراً إليها.
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَاّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾ [الأنعام: آية ١٦٤].
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يقول علماء التفسير: إن سبب نزول هذه الآية الكريمة من سورة الأنعام: أن المشركين قالوا للنبيّ ﷺ : اعبد معنا آلهتنا مرة ونعبد معك إلهك مرات أُخرى، فأمره الله أن يُنكر عليهم هذا القول، ويقول لهم: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً﴾ والمعنى: أأبغي ربّاً غير الله حتى أعْبُدَ صنماً وأتخذه ربّاً؟ لا يمكن أن يكون هذا مِنّي، ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يعني: لا أبْغِي ربّاً غير الرب الذي هو الرب الحقيقي، الذي هو رب كل شيء، أي: خالق كل شيء، ومدبر شؤون كل شيء، إليه المرجع والمآبُ، هو وحْدَهُ الَّذِي هو رَبّي؛ لأن غيْرَهُ مخْلوق مربوب مملوك له (جل وعلا)، وهذا معنى قوله: ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وإنما قدم المفعول؛ لأن محلّ الإنكار مُنْصَبٌّ على غيريّة الله، واتخاذ الربوبية إنكاره منصب على غيريّة الله؛ ولذا قَدَّم غير الله؛ لأنه محل مصب الإنكار، والحال
стр. 1177
هو -أي: الله- ﴿رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فالذين تدعونني أن أعبدهم هم مخلوقون لله، ومربوبون له، فهو رب كل شيء، ومعبود كل شيء، فهو المعبود وَحْدَهُ، فلا أعبد غيره، ولا أتَّخِذُ غَيْرَهُ رَبّاً.
ثم قال: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَاّ عَلَيْهَا﴾ والمعنى: لا تَكْسِبُ كل نفس ذنباً إلا عليها. ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ يعني لا تكسب ذنباً إلا على نفسها، وأنا إن عبدتم أنتم الأصنام فضَرَرُ ذَلِكَ عليكم، وإنما يضرّنِي لو كنت وافقتكم؛ ولذا قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ العرب تقول: وَزَرَ الذنب: إذا تحمّلَهُ، أي: ولا تحمل نفس وازرة، أي: مُذْنِبَة متحمّلة للآثام، لا تحمل وِزْرَ ذَنْبِ نفس أخرى، بل كل نفس عليها ذنبها، وهذا كالتأكيد لقوله: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ وهذا بَيِّن، ولو كانت أقرب الأنفس إلى النفس لا تحمل عنها من وِزْرِهَا شيئاً، كما يأتي في قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: آية ١٨] وكان بعض العلماء يقول: سبب نزول هذه الآيات: أنهم لما دعوا النبي ﷺ إلى أن يعبد معهم آلهتهم مرة ويعبدون معه إلهه مرات، وقنّطهم من ذلك، وأمره الله أن يقول: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قالوا له: أنت وأصحابك اتبعوا سبيلنا واعبدوا معبوداتنا ونحن نتحمل عنكم جميع الآثام، ونضمن لكم خير الدنيا والآخرة، فكل ما يهمّكم في ذِممنا وعلينا، كما قال: إنهم قالوا: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: الآيتان ١٢، ١٣] أي: أثقال ضلالهم، وأثقال إضلالهم؛ ولذا قال هنا: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ فكسبنا وآثامنا لا تكون عليكم، ولا يمكن أن تتحملوها لو أطعناكم
стр. 1178
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا تحمل نفس مذنبة -يعني- ذنب نفس أخرى، بل كل وعمله، والله لا يأخذ أحداً بعمل غيره، فالكل مؤاخذ بما عمل.
وهذه الآيات فيها موعظة عظيمة وسؤال؛ أما الموعظة العظيمة: فهي أن يعلم الإنسان أن حركاته في الدنيا وسكناته أن ما فيها من نفع فهو عائد إلى خصوص نفسه، وما فيها من ضرّ فهو عائد إلى خصوص نفسه، فليجتهد الإنسان وقت إمكان الفرصة أن يُسَلِّم نفسه من البلايا، وأن يُكسبها الخيرات، فحركات الإنسان في دار الدنيا إنما يبني بها بيته الذي إليه مصيره الأخير، وهو إما غرفة من غرف الجنة أو سجن من سجون النار، فعلى كل مكلف أن يتأمل في نور القرآن في الحياة الدنيا في صحته وفراغه، ويعلم أن حركاته من أقواله وأفعاله ونيّاته وقصوده إنما يبني بها مقرَّه الأخير النهائي: إما غرفة من غرف الجنة، وإما سجن من سجون النار.
الثاني: أن يُقال: في هذه الآية سؤال: لأن الله نص فيها أنه لا يؤاخذ أحداً بفعل أحد آخر، وقد جاءت مسألتان وقعت فيهما المؤاخذة بفعل الغير:
إحداهما: تحمّل العاقلة للديّة، فقد يقتل رجل إنساناً خطأ فتُجعل الديّة على عاقلة ذلك الرجل، فيُكلفون بغرم لا ناقة لهم فيه ولا جمل، فهذه الأنفس قد أُخذت بذنب نفس أُخرى وهي لا ذنب لها فيه.
الثاني: ما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمر (رضي الله
стр. 1179
عنهما) أنه قال: «إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» (١) وهذا كأنه عُذب بفعل غيره، والحديث ثابت في الصحيح، وتكذيب عائشة لابن عمر في هذا الحديث -توهيمها له، وأنه غَلِطَ نظراً لهذه الآيات- غلَطٌ منها هي ﵂، والصواب مع ابن عمر؛ لأنه حافظ سمع من النبي ﷺ غير شاك ولا متوهم (٢).
فهذان سؤالان: لِمَ وجبت الدية على العاقلة وهي من فعل غيرها؟ ولِمَ عُذِّب الميت ببكاء أهله وهو من فعل غيرِهِ؟
والعلماء أجابوا عن هذا بأجوبة، قالوا (٣): أما العاقلة: فإن الإنسان القاتل خطأ لا ذنب عليه؛ لأنه لا يقصد شيئاً ولا مؤاخذة عليه عند الله إجماعاً؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: آية ٥] ويقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَئاً﴾ [النساء: آية ٩٢] والكفارة التي وجبت عليه قال بعض العلماء: إنما هي مؤاخذة لعدم شدة التحفظ والتحرز أولاً والتسبب في عدم وقوع الخطأ، أما بعد وقوع
стр. 1180
الخطأ فلا إثم فيه قطعاً. قالوا: هذا رجل مسلم لزمته دية، وهو لم يقصد سوءاً، ولم يقصد بها ذنباً ولا جريمة، فالله (جل وعلا) أمر عاقلته من أهل ديوانه -ممن يقول بالديوان- أو من عصبته- ممن يقصرها على العصبة- أمرهم أن يساعدوه، وخالق السماوات والأرض يُدبِّرُ على البعض من البعض، ويأمر البعض بمساعدة البعض؛ إكراماً وجرياً على مكارِمِ الأخلاق، كما أمر بأن تؤخذ الزكاة من أغنيائنا وتُرَدّ على فُقَرَائِنَا، فهذه إعانة محض، ومكارم أخلاق جاء القرآن بها معاونة لذلك الإنسان، كما أوْجَبَ الزَّكَاة؛ مساعدةً لِلْفَقِير، وما جرى مجرى ذلك.
أما حديث ابن عمر فَلِلْعُلَمَاءِ عنه أجوبة كثيرة (١)، منها: أنهم حملوه على الميت الذي أوصاهم أن يبكوا عليه؛ أي: عرف أنهم إذا مات يبكون عليه ولم ينههم، وكانت هذه عادة العرب، ويوضحه قول طرفة بن العبد في مُعَلَّقَتِهِ (٢):
فَإِنْ مِتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ ... وَشُقِّي عَلَيَّ الجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ
فهذا إذا شقّت عليه الجيب وبكت عليه فلا إشكال في تعذيبه ببكائها؛ لأنه أمره بها في الدنيا وهو من فعله، وكذلك من علم أنه إذا مات يفعلونه ولم ينههم، فهو مُتَسَبِّب بِعَدَمِ نَهْيِهِمْ.
وقال بعض العلماء: تعذيبه ببكاء أهله أن أهله إذا بكوا عليه أن الله يُطلعه على ذلك ويأسف ويحزن من حزن أهله، إلى غير ذلك من الأقوال، وأظهرها الأول، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ
стр. 1181
إِلَاّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ﴾ المرجع هنا: مصدر ميمي، بمعنى: الرجوع، والمصدر الميمي إذا لم يكن من مادة واوية الفاء يكون قياسه (مفعَل) بفتح العين (١)، فالقياس أن يكون (المرجَع) بفتح الجيم، ولكن هذا سماع مانع للقياس، فهو مصدر ميمي على (مفعِل) سماعاً لا قياساً، ومعناه: إليه رجوعكم يوم القيامة ﴿فَيُنَبِّئُكُم﴾ أي: يخبركم إخبار مجازاة ﴿بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ بالذي كنتم تختلفون فيه، يعني: أهؤلاء الذين كانوا شيعاً وفرقوا دينهم واتبعوا الأهواء والضلالات، وهؤلاء الذين كانوا على الصراط المستقيم، مرجعهم جميعاً إلى الله، فيخبرهم بالحقيقة، ويبيِّن لهم الضَّال من المُهْتدِ، ويعاملهم بحسب ما كانوا عليه من هدى وضلال، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفسه.
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٦٥)﴾ [الأنعام: آية ١٦٥].
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الأَرْضِ﴾ قال بعض العلماء: هذه منّة تخص أمة محمد ﷺ ﴿وَهُوَ﴾ أي: الله ﴿الَّذِي جَعَلَكُمْ﴾ يا أمة محمد خلفاء الأرض؛ لأنه لا يأتي نبي بعد نبيكم، ولا شرع بعد شرعكم، فيكون الحكم في الأرض تبعاً لشرعه، بل شرعكم ودينكم هو الباقي الخالد في الأرض، المُحَكَّم في جميع مَنْ في الأرض؛ في دمائهم وأموالهم وأديانهم وأعراضهم وفروجهم فأنتم خير الأمم، وأنتم
стр. 1182
خلفاء الأرض، لا يأتي شرع ينسخ شرعكم، ولا نبي بعد نبيكم، فأنتم خلفاء الأرض إلى يوم القيامة، وإن شرعكم باق، ونبيكم لا نبي بعده، ودينكم باق إلى يوم القيامة، وعلى هذا فالمنّة على أمة محمد ﷺ ، وهذا الامتنان يقتضي أن تعطوا الخلافة في الأرض حقها، وتقتفوا آثار الرسول ﷺ ، وتخلِّفُوه خلافة حقّاً، فتُرضوا الله بأن تنفذوا أوامره في أرضه، وتضعوا العدالة في أرضه، وتجعلوا المحكّم في الدنيا نظامه الذي شرع، وتجعلوا كلمته هي العليا، وتستعدوا بكل قوة حتى تجعلوا كلمة الذين كفروا السفلى، فعلى هذا القول فهو منّة على هذه الأمة. وقال بعض العلماء: ( ... (١)).
стр. 1183
سورة الأعراف
قوله تعالى: ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [الأعراف: ١ - ٣] قد تَكَلَّمنا فيما مضى مراراً على الحروف المقطعة في أوائل السور، وذكرنا كلام العلماء فيها، وسَنُلِمُّ هنا ببعض قليل منه. رُوي عن ابن عباس وغيره أن قوله: ﴿المص (١)﴾: أنا الله أَفْصِل (١). كما روى عنه: «أنا الله أعلم» (٢) في ﴿الم﴾.
ورُوي عن جماعة أن الألف واللام والميم والصاد أنها من أول اسمه المُصوِّر (٣)؛ لأن اسمه المُصوِّر تحته غرائب وعجائب تُبْهِر
стр. 1184
العقول، إذا رأيتم الناس يوم جمرة العقبة مجتمعة من أقطار الدنيا وجدتموها على صَبَّة واحدة: الأنف ها هنا، والعينان ها هنا، والفم ها هنا، على نمط وأسلوب واحد، مع أنه لم تشتبه صورة رجل بصورة رجل حتى لا يُفرَق بينهما، ولا صورة امرأة بصورة امرأة، فكل منهم له صورة يُطبع عليها، سابق علم الله بها، مُنفَّذ في تصويره بها. وهذا مما يدل على كمال وعظمة خالق السماوات والأرض.
ولكن تفسير الحروف المقطعة بأنها تدل على حروف من أسماء الله، هذا التفسير وإن قال به بعض أهل العلم، وإن كان له أصل في الجملة في اللغة العربية؛ لأن من أساليبها: وضع الحرف مراداً به الكلمة، كما قال الراجز (١):
قُلْتُ لهَا: قِفِي فَقَالَتْ لِي: قَافْ ... لَا تَحْسَبِي أنَّا نَسِينَا الإِيجافْ
يعني بقوله: «قاف» وقفت. ومنه قول الآخر (٢):
بِالخَيْرِ خَيْرَاتٌ وَإِنْ شَرّاً فَا ... وَلَا أُرِيدُ الشَّرَّ إِلَاّ أَنْ تَا
يعني: وإن شرّاً فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء. فجاءوا بالحرف واستغنوا عن الكلمة.
لكن هذا التفسير لم يقم عليه دليل، ولا يجب الرجوع إليه. وقد يفتح باب هذا التفسير للباطنية الزنادقة حيث يفسرون الكلام برموز وألغاز غير مرادة.
стр. 1185
وقال بعض العلماء (١): إن معنى قوله: ﴿المص (١)﴾ أنه اسم لهذه السورة. وبعضهم يقول (٢): اسم من أسماء الله.
وبعضهم يقول (٣): هو من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه.
وأظهر أقوال العلماء فيها -مع كثرتها وانتشارها أظهرها- قول واحد؛ لأنه دل عليه استقراء القرآن في الجملة، وما دل عليه استقراء القرآن فهو أقرب من غيره. والقول الذي دل عليه استقراء القرآن هو قول بعض العلماء: إن المراد بالحروف المقطعة في أوائل السور: إظهار إعجاز القرآن، فكأن الله يقول للبشر: ﴿المص (١)﴾ هذه حروف من الحروف المتداولة بين أيديكم تركبون منها كلامكم، فلو كان هذا الكلام من عند غير الله وهو مُؤلَّف من حروفكم المتداولة بين أيديكم لكنتم تقدرون على تأليف مثله، فَلِما عَجَزْتُم عن تأْلِيف مثله وهو من الحروف المعْرُوفة لَدَيْكُمْ مركب منها، عرفنا بذلك أنه تنزيل من حكيم حميد لا مِنَ البَشَرِ.
ووجه الاستقراء الذي دل على هذا القول: أن الله في جميع القرآن في جميع السور المبدوءة بحروف مقطعة لم تُذكر منها سورة واحدة إلا وجاء بعدها التنويه بشأن القرآن والرفع من شأنه، فدل هذا على هذا، ولم يخلُ من هذا في سائر القرآن إلا سورتان: سورة مريم، وسورة القلم، أما غير ذلك فلا تُذكر الحروف المقطعة إلا ذُكر بعدها التنويه بشأن القرآن والرفع من أمرهِ. قال في البقرة: ﴿الم (١)﴾ فأتبعه بقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى
стр. 1186
لِّلْمُتَّقِين (٢)﴾ [البقرة: الآيتان ١، ٢] وقال في آل عمران: ﴿الم (١) الله لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ فأتبعه بقوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ الآية، [آل عمران: الآيات ١ - ٣] وقال هنا في الأعراف: ﴿المص (١)﴾ ثم أتبعه بقوله: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ﴾ [الأعراف: الآيتان ١، ٢] وقال في سورة يونس: ﴿الر﴾ ثم أتبعه بقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: آية ١] وقال في سورة يوسف: ﴿الر﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبين﴾ [يوسف: آية ١] وقال في الرعد: ﴿المر﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ﴾ الآية [الرعد: آية ١]، وقال في سورة الخليل: ﴿الَر﴾ ثم قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: آية ١]، وقال في سورة الحجر: ﴿الَر﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: آية ١] وهكذا في سائر القرآن إلا في سورة مريم والقلم؛ حيث أتبع الحروف المقطعة في سورة مريم في قوله: ﴿كهيعص (١)﴾ بقوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢)﴾ [مريم: الآيتان ١، ٢] وقال في القلم: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ [القلم: آية ١] مع أن هذه يُحتمل أن المراد بـ ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ هو هذا القرآن العظيم؛ لأنه أعظم ما يُسطر، فيكون في مريم فقط.
وقوله: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [لأعراف: الآية ٢] أكثر العلماء على أن الكتاب خبر مبتدأ محذوف (١)، وحذف المسند إليه إذا دل المقام عليه نوع من الإيجاز معروف مقبول في النحو وفي المعاني، لا اختلاف فيه، وهذا هو الأظهر، أن قوله: ﴿كِتابٌ﴾ خبر مبتدأ
стр. 1187
محذوف: هذا كتاب أُنزل إليك. خلافاً لمن زعم أن ﴿المص (١)﴾ اسم لهذه السورة، وأنه في محل مبتدأ، وأن ﴿كِتَابٌ﴾ خبره (١)، والمعنى: السورة المسماة ﴿المص (١)﴾ كتاب أُنزل إليك. والقرآن يطلق على كل سورة منه أنها كتاب وأنه كتب عديدة؛ لأنه مكتوب في صحف كثيرة، كما بينه تعالى في سورة البينة حيث قال: ﴿رَسُولٌ مِّنَ الله يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾ [البينة: الآيتان ٢، ٣] فعبر عن القرآن بأنه كتب قيمة. ولكن الأظهر هو ما عليه الجمهور: أن قوله: ﴿كِتَابٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف: هذا كتاب. والكتاب (فِعال) بمعنى: (مفعول) والمعنى: كلام الله مكتوب، فالكتاب بمعنى المكتوب. وإنما قيل له كتاب: لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال الله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ (٢٢)﴾ [البروج: الآيتان ٢١، ٢٢] ومكتوب في صحف بأيدي الملائكة، كما قال تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (١٣) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥)﴾ [عبس: الآيتان ١٣ - ١٥] وكون الكتاب بمعنى المكتوب هو (فِعَال) بمعنى (مفعول).
والقرآن وإن كان مكتوباً في اللوح المحفوظ فنزوله على النبي ﷺ ليس أن جبريل ينظر في اللوح المحفوظ (٢)، بل الله (جل وعلا) يكلم جبريل بما يريد إنزاله من أنجم القرآن، فيسمعه جبريل من كلام الله على الوجه اللائق بكمال الله وجلاله. وإذا تكلم الله
стр. 1188
بوحيه صعق أهل السماوات من عظمة كلام رب العالمين (جل وعلا) كما جاء مبيناً في الأحاديث الصحيحة (١)، وأول من يرفع رأسه منهم جبريل، فيقولون: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير. فيسمعه جبريل من كلام رب العالمين، يتكلم به الله على الوجه اللائق بكماله وجلاله، المخالف لكلام خلقه من جميع الجهات، ثم يأتي جبريل فيكلم به الرسول ﷺ . وأنواع الوحي بَيَّنَهَا النبي ﷺ في الأحاديث بكثرة.
ولما كان هذا القرآن مكتوباً في اللوح المحفوظ، وفي الكتب عند الملائكة سُمِّي الكِتَاب. وقال الله فيه هنا: ﴿كِتَابٌ أُنزلَ إِلَيكَ﴾ والكتاب (فِعَال) بمعنى (مفعول)، أي: مكتوب، وإتيان (الفِعَال) بمعنى (المفعول) مسموع في كلام العرب وليس قياساً مُطَّرِداً، وتوجد في العربية منه أوزان معروفة، ككتاب بمعنى: مكتوب، وإله بمعنى: مألوه، أي: معبود، ولباس بمعنى: ملبوس، وإمام بمعنى: مؤتم به. فكلها (فِعَال) بمعنى اسم المفعول.
وأصل مادة الكاف والتاء والباء (كتب) في لغة العرب التي نزل بها القرآن معناها الضم والجمع (٢)، فكل شيء ضممت بعض أجزائه إلى بعض فقد كَتَبْتَهُ، ومنه قيل للكبكبة من الجيش: (كتيبة) لأنها طائفة من الجيش جُمع بعض أطرافها إلى
стр. 1189
بعض، كما قال نابغة ذبيان (١):
وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
ولذلك قيل للخياطين: (كاتبين) فالعرب تسمي الخائط كاتباً، وتسمي الخياطة كتابة؛ لأن الخياط يضم أطراف الثوب بعضها إلى بعض، وكذلك الخَرَّاز تسميه العرب كاتباً؛ لأنه يضم بعض أطراف الجلد إلى بعض ويخرزها فيجمعها بالسير، فقيل له: كاتب؛ لأنه ضم بعض الأجزاء إلى بعض. وفي لُغَز الحريري في مقاماته (٢):
وَكَاتِبِينَ وَمَا خَطَّتْ أَنَامِلُهُمْ ... حَرْفاً وَلَا قَرَءُوا مَا خُطَّ فِي الْكُتُبِ
يعني بهم الخياطين؛ ولذا تسمي العرب الخُرْزَة الذي يجمع السير وجهيها تسميها (كُتبة) وتسمي السير أيضاً الذي يجمعها (كُتبة) (فُعلة) من الكَتْب بمعنى الضم والجمع، ومن هذا المعنى وهو تسمية الخُرْزَة التي يجمع السير طرف وجهيها في خياطة الجلود أنها تسمى (كُتْبة) وتجمع على (كُتَب) بضم الكاف وفتح التاء، ومن هذا المعنى: قول غيلان ذي الرمة (٣):
مَا بَالُ عَيْنَيْكَ مِنْهَا المَاءُ يَنْسَكِبُ ... كَأَنَّهُ مِنْ كُلى مَفْرِيَّةٍ سَرَبُ ...
وَفْرَاءَ غَرْفيَّةٍ أَثْأَى خَوَارِزهَا ... مُشَلْشَلٌ ضيَّعَتْهُ بَيْنَهَا الكُتَبُ
يعني أن دمعه يسيل بِكَثْرَةٍ؛ كما أن الخُرَز إذا اتَّسَعَتْ عَنِ السَّير وصارت فيها فجوات انْصَبَّ الماءُ مِنْهَا من السّقاء بكثرة؛ ولذا كانت العرب تقول: «اكْتُب بغْلتك، واكْتُب ناقتك» يعنون: أن يجمع طرفي
стр. 1190
فرجها بحلقة لئلا يُنْزَى عليها الذكر فتحمل، وكان يقول الشاعر يهجو بني فزارة من قبائل ذبيان من قيس عيلان بن مضر، كانت العرب تعيرهم بأنهم كانوا يفعلون الفاحشة مع إناث الإبل، وكان الشاعر يقول (١):
لَا تَأْمَنَنَّ فَزَارِيًّا خَلَوْتَ بِهِ ... عَلَى قُلُوصِكَ وَاكْتُبْهَا بِأَسْيَارِ
يعني: خِط فرجها بأسيار لئلا يزني بها إن خلا بها، وقصدنا بهذا الكلام الخبيث بيان لغة العرب، لا المعاني الخسيسة التافهة؛ لأن معاني لغة العرب يُسْتَفَاد منها ما يعين على فهم كتاب الله وسنة رسوله، وإن كان مُفْرَغاً في معاني خسيسة تافهة فنَحْنُ نَقْصِدُ مُطْلَق اللّغَة لا المعاني التافهة التي هي تابعة لها. إذا عرفتم هذا فالْكِتَابة مصدر سيال، سُميت كتابة؛ لأن الكاتب يضم حرفاً إلى حرف، ويجمع حرفاً مع آخر، وحرفاً مع آخر، حتى تحصل من هذا نقوش وحروف تدل على معاني الكلام؛ ولهذا سُمِّيَ الكتاب كتاباً.
وقوله: ﴿أُنُزِلَ إِليْكَ﴾ الجملة الفعلية في قوله: ﴿أُنزِلَ إِليْكَ﴾ في محل النعت لقوله: ﴿كِتابٌ﴾ لأن (٢) النكرات تُنعت بالجمل، ويربط بينها وبين النكرة بالضمير كما هو معروف. وفاعل الإنزال محذوف، والأصل: أنزله الله إليك، وإنما حذف الفاعل اختصاراً؛ لأن من المعلوم أن هذا القرآن العظيم المُعجز الجامع لكل خير، الشامل لعلوم الأولين والآخرين ليس هناك من يقدر على إنزاله إلا خالق السماوات والأرض. ولما كان المُنْزِل معلوماً كان هذا
стр. 1191
الاختصار والإيجاز واقعاً موقعه؛ لأن الفاعل معروف، فلو حُذف لما ضر حذفه؛ ولذا قال: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيكَ﴾ أي: أنزله الله إليك. وقد أنزله الله إليه أنجماً، منجماً في حوالي ثلاث وعشرين سنة.
وقوله: ﴿فَلَا يَكُن في صَدرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ يعني: هذا الكتاب أنزله الله إليك لتنذر به وذكرى للمؤمنين، فاللام في قوله: ﴿لِتُنذِرَ﴾ - الآتي- يتعلق بقوله: ﴿أُنزِلَ﴾ (١) يعني: أُنزل إليك لأجل أن تُنذر به وأن تُذكر به، فلا تعجز عن ذلك الإنذار، ولا يضق صدرك عنه.
﴿فَلَا يَكُن في صَدرٍكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ صدر الإنسان معروف، وإذا جاء على الإنسان أمر يثقل عليه أو يشق عليه أورثه ضيقاً في صدره، والنبي ﷺ كان يشق عليه ويضيق بصدره التبليغ من حيث إن الكفار يكذبونه ويقولون له: أنت كذاب، أنت ساحر، أنت شاعر، أنت كاهن، هذه أساطير الأولين عَلَّمَكَها بشر، فتكذيبهم له وأذيتهم له يشق عليه، كما قال الله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾ [الحجر: آية ٩٧] وقال: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيُحْزِنُكَ﴾ [الأنعام: آية ٣٣] وفي القراءة الأخرى: ﴿لَيَحزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ (٢) أي: ﴿فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ أي: ضيق. يعني: أَوْسِع صدرك، وتحمل الأذى، وشُقَّ الطريق في تبليغ هذا القرآن العظيم، والإنذار به، والتذكير به، لا تضعف، ولا تجبن، ولا تخف من الأذى، ولا يضق صدرك به.
والحرج في كلام العرب أصله: الضيق (٣)، وقد يُسمون الشجر
стр. 1192
الملتف الذي لا تصل إليه راعية يسمونه: (حَرَجَة) لضيق مكانه، وقد كانوا يقولون في قصة غزوة بدر: «فإذا أبو جهل كالحَرَجَة» -يعني لشدة ازدحام قريش عليه وصيانتهم له- يقولون: أبو الحكم لا يُخلص إليه (١) كالشجرة الملتف عليها الشجر لا يمكن أن يُوصل لها، هذا أصل (الحرج) في لغة العرب الضيق، وقد بَيَّنَّاه في قوله: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ [الأنعام: آية ١٢٥]، ومنه قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: آية ٧٨] أي: ما جعل عليكم من ضيق، وأحرجه: أوْقَعَهُ في الحَرَج؛ ولذا سُميت الطلقات الثلاث (المُحَرِّجَات) لأنها تُضَيِّق على صاحبها وتمنعه مِنْ رَجْعَةِ امْرَأته، واليمين قد تكون مُحَرِّجة؛ لأنها تمنع من المحلوف عليه، وهذه المعاني معروفة في كلام العرب، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة، أو جميل بن معمر، على الخلاف المعروف في الشعر المشهور (٢):
قَالَتْ: وَعَيْشِ أَبِي وَحُرْمَةِ إِخْوَتِي ... لأُنَبِّهَنَّ الحَيَّ إِنْ لَمْ تَخْرُجِي
فَخَرَجْتُ خَوْفَ يَمِينِهَا فَتَبَسَّمَتْ ... فَعَلِمْتُ أَنَّ يَمِينَهَا لَمْ تُحْرَجِ
أنها يمين ليست مضَيّقة، وأنها كلا شيء. وكذلك قول العَرْجِي بن عمر بن عثمان (٣):
стр. 1193
عُوجِي عَلَيْنَا رَبَّةَ الهَوْدَجِ ... إِنَّكِ إِلَاّ تَفْعَلِي تُحْرَجِي
يرويه كثير ممن رواه: (إنك إلَاّ تفعلي تَحْرجي) أي: تقعي في الحرج الذي هو الإثم والضيق بالذنوب، والأظهر أن أصله (تُحْرِجِي) أي: توقعي صاحبك في حرج وضيق، حيث هجرتِهِ، هذا أصل الحرج في لغة العرب. وعليه فالآية كقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُك أَن يَقُولُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ﴾ [هود: آية ١٢] وكقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦)﴾ [الكهف: آية ٦] وروي هنا عن جماعة من كبار المفسرين أن الحرج في هذه الآية: الشك (١) أي: فلا يكن في صدرك شك منه أنه مُنَزَّلٌ من الله (جل وعلا). وعلى هذا فالآية كقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: آية ١٤٧] أي: من الشاكين، وقوله: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ﴾ [يونس: آية ٩٤]. وتفسير الحرج في آية الأعراف بالشك في هذا الموضع قال به جماعة من أجلاء المفسرين. وعلماء العربية يقولون: إنه -مع أنه رُوي عن بعض أجلاء أهل التفسير أنه- سائغ في اللغة العربية؛ لأن الشاك قلق صدره ضَيِّق لا يميل إلى طرف الإثبات ولا إلى طرف النفي، وِمما يؤيد هذا: أن الريب في جميع القرآن معناه: الشك. كقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: آية ٢] أي: لا شك فيه. مع أن أصل الريب في لغة العرب: مصدر رابه، يريبه، ريباً إذا أزعجه وأقلقه. وفي حديث: أن النبي ﷺ وهو محرم رأى ظبياً حاقفاً (٢)
стр. 1194
فقال: «لَا يَرِيبُهُ أَحَدٌ» (١) يعني: لا تزعجوه، ولا تُقْلِقُوه، ولا تنفروه؛ لأنَّكم مُحْرِمُون لا يجوز لكم إزعاج الصيد. ومن هذا المعنى قول توبة بن الحُمَيِّر (٢):
وكنتُ إذا ما جئتُ ليلى تَبرقَعَت ... فقد رابني منها الغَدَاة سفُورُها
رابني: يعني أزعجني وأقلقني؛ لأن أهلها كانوا شَكَوه إلى الوالي فأهدر دَمَهُ إنْ زارها، وكان إذا جاءها لبست برقعها عنه، فأنذروها وأنها إن أعلمته فعلوا بها وفعلوا، فلما زارها سفرت وكشفت عن وجهها، فشرد توبة بن الحُميِّر هارباً وقال:
وكنتُ إذا ما جئت ليلى تَبرقَعَت ... فقد رابني منها الغَدَاة سفُورُها
فعلم أنها ما كشفت عن وجهها إلا لأن النار تحت الرماد. والشاهد أن قوله: (فقد رابني منها) أزعجني وأقلقني، وأن الريب أصله الإزعاج والإقلاق، وهو في القرآن يطلق على الشك؛ لأن نفس الشاك غير مطمئِنَّة، بل هي قلقة مضطربة لا تدري أتميل إلى طرف النفي أو إلى طرف الثبوت. وهذا معنى قوله: ﴿فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَج مِّنْهُ﴾.
وقوله: ﴿لِتُنذِرَ بِهِ﴾ التحقيق أنها لام كي المعروفة بلام التعليل، والفعل منصوب بأن مضمرة بعدها، وهي تتعلق بقوله: ﴿أُنزِلَ﴾ (٣) يعني: أُنزل إليك هذا الكتاب لأي حكمة أُنزل إليك؟
стр. 1195
﴿لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلمُؤْمِنِين (٢)﴾.
وقوله: ﴿لِتُنذِرَ﴾ أصله مضارع أنذره ينذره إنذاراً، والإنذار في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو خصوص الإعلام المقترن بتهديد خاصة وتخويف، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذاراً؛ لأن الإنذار: الإعلام المقترن بتخويف وتهديد خاصة (١). وأصل ماضي هذا الفعل: (أنذر) بالهمزة، وكان لو جرى على الأصل لقيل: «لِتُؤَنْذِرَ به» لكن (٢) القاعدة المقررة في فن التصريف أن كل فعل بُني ماضيه على (أَفْعَل) أن همزة (أَفْعَل) تحذف وجوباً بقياس مطرد في مضارعه، واسم فاعله، واسم مفعوله. ومفعول الإنذار هنا محذوف، وقد دل عليه التفصيل؛ أي: لتنذر به الكفار المتمرِّدين العاتين، وتذكر به المؤمنين (٣). فالقرآن إنذار لقوم تمرّدوا وعتوا، وتذكرة وبشرى لقوم آخرين كقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً (٩٧)﴾ [مريم: آية ٩٧] والمعنى: أنزلنا إليك هذا الكتاب لتخوف به الخلق الذين كذّبوه ولم يتبعوه.
وفي هذه الآية الكريمة وأمثالها من الآيات زواجر عظيمة ينبغي لنا أن نعتبرها؛ لأن خالقنا (جل وعلا) بَيَّن لنا في أول هذه السورة الكريمة -سورة الأعراف من هذا المحكم المنزل الذي هو آخر كتاب نزل من السماء على آخر نبي بعثه الله في أرضه (صلوات الله وسلامه عليه) - قال: إنه أنزل عليه هذا الكتاب ليخوف به الخلق من عقوبات خالق السماوات والأرض وسخطه، فإنه الجبار الأعظم الذي