أسماؤه الأخرى (١)
توحيد الألوهية يسمى بعدة أسماء منها:
١_توحيد الألوهية كما مر وسمي بذلك، باعتبار إضافته إلى الله، أو باعتبار الموحِّد، ولأنه مبني على إخلاص التأله، وهو أشد المحبة لله وحده، وذلك يستلزم إخلاص العبادة.
٢_توحيد العبادة؛ باعتبار إضافته إلى الموحِّد وهو العبد، ولتضمنه إخلاص العبادة لله وحده.
٣_توحيد الإرادة؛ لتضمنه الإخلاص، وتوحيد الإرادة والمراد، فهو مبني على إرادة وجه الله بالأعمال.
٤_توحيد القصد؛ لأنه مبنيٌّ على إخلاص القصد المستلزم لإخلاص العبادة لله وحده.
٥_التوحيد الطلبي؛ لتضمنه الطلب، والدعاء من العبد لله.
٦_التوحيد الفعلي؛ لتضمنه لأفعال القلوب والجوارح.
٧_توحيد العمل؛ لأنه مبني على إخلاص العمل لله وحده.
أهميته
توحيد الألوهية أهم أنواع التوحيد، فمن أجل تحقيقه أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، وسلت سيوف الجهاد، وفرق بين المؤمنين والكافرين.
يقول الشيخ حافظ الحكمي عن أهميته في منظومته:
وهو الذي به الإله أرْسلا **** رسله يدعون إليه أولا
وأنزل الكتابَ والتبيانا **** من أجله وفرق الفرقانا
وكلف الله الرسولَ المجتبي **** قتال من عنه تولى وأبى
حتى يكونَ الدينُ خالصاً له **** سرا وجهرا دقه وجهله
وهكذا أمته قد كلفوا **** بذا وفي نص الكتاب وصفوا (٢)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية×مبيناً أهمية توحيد العبادة: =وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له، والمرضية له، التي خلق الخلق لها_كما قال الله_تعالى_: [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] (الذاريات: ٥٦) .
وبها أرسل جميع الرسل كما قال نوح لقومه: [اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ] (الأعراف: ٥٩) .
стр. 37
إلى أن قال×: =وبذلك وصف ملائكته وأنبياءه فقال_تعالى_: [وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ] (الأنبياء: ١٩، ٢٠) .
وذم المستكبرين عنها بقوله: [وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ] (غافر: ٦٠) .
ونعت صفوة خلقه بالعبودية له فقال_تعالى_: [عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً] (الإنسان:٦) وقال: [وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً] (الفرقان: ٦٣) + (١) .
وقال×في موطن آخر: =واعلم أن فقر العبد إلى الله أن يعبد الله لا يشرك به شيئاً ليس له نظير فيقاس عليه، لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الطعام والشراب، وبينهما فروق كثيرة.
فإن حقيقةَ العبدِ قلبُه وروحُه، وهي لا صلاح لها إلا بإلهها الله الذي لا إله إلا هو، فلا يطمئن بالدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحاً فملاقيته، ولابد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بلقائه، ولو حصل للعبد لذاتٌ أو سرورٌ بغير الله فلا يدوم ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في وقت وفي بعض الأحوال، وتارة أخرى يكون ذلك الذي يتنعم به والتذ غير منعمٍ ولا ملتذٍ له، بل قد يؤذيه اتصالُه به، ووجوده عنده، ويضره ذلك.
وأما إلهه فلابد له منه في كل حال، وكل وقت، وأينما كان فهو معه، ولهذا قال إمامنا إبراهيم الخليل": [لا أُحِبُّ الآفِلِينَ] (الأنعام: ٧٦) .
стр. 38
وكان أعظم آية في القرآن الكريم: [اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ] (البقرة: ٢٥٥) + (١) .
وقال×: =فليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه، ويطمئن به، ويتنعم بالتوجه إليه إلا الله سبحانه ومن عبد غير الله وإن أحبه، وحصل به مودة في الحياة الدنيا، ونوع من اللذة فهو مفسدة لصاحبه أعظم من مفسدة التذاذ أكل الطعام المسموم+ (٢) .
وقال×: =واعلم أن كل من أحب شيئاً لغير الله فلا بد أن يضره محبوبه، ويكون ذلك سبباً لعذابه+ (٣) .
وقال: =فمن أحب شيئاً لغير الله فالضرر حاصل له إن وجد أو فقد، فإن فقد عُذِّب بالفراق وتألم، وإن وجد فإنه يحصل له من الألم أكثرُ مما يحصل له من اللذة، وهذا أمر معلوم بالاعتبار بالاستقراء.
وكل من أحب شيئاً دون الله لغير الله فإن مضرته أكثرُ من نفعه؛ فصارت المخلوقات وبالاً عليه، إلا ما كان لله وفي الله؛ فإنه كمال وجمال للعبد.
وهذا معنى ما يروى عن النبي"أنه قال: =الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه+ (٤)(٥) .
وقال الشيخ ابن سعدي×مبيناً أهمية هذا النوع: =وهذا الأصل أعظم الأصول على الإطلاق، وأكملها، وأفضلها، وأوجبها، وألزمها لصلاح الإنسانية، وهو الذي خلق الله الجنَّ والإنسَ لأجله، وخلق المخلوقات، وشرع الشرائعَ لقيامه، وبوجوده يكون الصلاح، وبفقده يكون الشر والفساد، وجميع الآيات القرآنية إما أمر بحق من حقوقه، أو نهي عن ضده، أو إقامة حجة عليه، أو بيان جزاء أهله في الدنيا والآخرة، أو بيان الفرق بينهم وبين المشركين+ (٦) .
стр. 39
ومما يدل على أهميته أن قبول الأعمال متوقف عليه، وأنه يتضمن جميع أنواع التوحيد فكلها تدخل فيه؛ فمن اعتقده فهو معتقد لغيره من الربوبية والأسماء والصفات، ومن اكتفى بغيره دونه لم يدخل في دين الإسلام.
أدلة توحيد الألوهية
لقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة، وتنوعت دلالتها في وجوب إفراد الله بالعبادة؛ فتارة تأتي نصوص الكتاب آمرةً بتوحيد الله أمراً مباشراً، وتارة تأتي مبينةً الغاية من خلق الجن والإنس، وتارة تأتي موضحةً الهدف من إسال الرسل وإنزال الكتب، وتارة تأتي محذرةً من مخالفته، وتارة تأتي لبيان ثواب من عمل به في الدنيا والآخرة، وتارة لبيان عقوبة من تركه، وتخلى عنه، أو ناوأه، وحارب أهله.
стр. 40
فمن تلك الأدلة من الكتاب والسنة على وجود إفراد الله بالعبادة قوله_تعالى_: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] (البقرة: ٢١) ، وقوله: [فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ] (هود:١٢٣) ، وقوله: [فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ] (قريش: ٣) ، وقوله: [وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً] (النساء: ٣٦) ، وقوله: [قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً] (الأنعام: ١٥١) ، وقوله: [وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ] (الإسراء: ٢٣) ، وقوله: [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] (الذاريات: ٥٦) ، وقوله: [وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً] (الإسراء: ٣٩) ، وقوله: [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] (الفاتحة: ٥) ، وقوله: [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ] (الأنبياء: ٢٥) وقوله: [وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ] (النحل:٣٦) .
ومن السنة ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن معاذ÷قال: كنت رديف النبي"على حمار فقال لي: =يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟.
قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً.
قلت: أفلا أبشر الناس؟.
قال: لا تبشرهم فيتكلوا+ (١) .
стр. 41
أركان توحيد الألوهية (١)
توحيد الألوهية يقوم على أركان ثلاثة هي:
١_توحيد الإخلاص: ويسمى توحيد المراد، فلا يكون للعبد مرادٌ غير مراد واحد وهو الله فلا يزاحمه مرادٌ آخر.
٢_توحيد الصدق: ويسمى توحيد إرادة العبد، وذلك بأن يبذل جهده وطاقته في عبادة ربه.
٣_توحيد الطريق: وهو المتابعة للرسول".
قال ابن القيم×:
فلواحدٍ كن واحداً في واحدٍ **** أعني سبيل الحق والإيمان
فقوله: (فلواحدٍ) : أي لله، وهذا هو توحيد المراد.
وقوله: (كن واحداً) : في عزمك، وصدقك، وإرادتك، وهذا هو توحيد الإرادة.
وقوله (في واحد) : هو متابعة الرسول"الذي هو طريق الحق والإيمان، فهذا هو توحيد الطريق (٢) .
والأدلة على هذه الأركان الثلاثة كثيرة، فمن أدلة الإخلاص قوله_تعالى_: [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ] (البينة: ٥) ودليل الصدق قوله_تعالى_: [فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً] (محمد: ٢١) ، وقوله: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ] (التوبة: ١١٩) ، ودليل المتابعة قوله_تعالى_: [قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ] (آل عمران: ٣١) .
فمن اجتمعت له هذه الثلاثة نال كل كمال وسعادة وفلاح، ولا ينقص كمال العبد إلا بنقص واحد من هذه الأشياء.
تعريف العبادة لغةً، واصطلاحاً
تعريف العبادة لغةً: هي التذلل والخضوع فيقال بعير معبد أي مذلل، وطريق معبد أي مذلل، ذللته الأقدام.
ومنه قول طرفة بن العبد في معلقته المشهورة يصف ناقته:
تباري عتاقاً ناجيات وأتبعت **** وظيفا وظيفا فوق مور معبد (٣)
стр. 42
فقوله: فوق مور معبد: أي فوق طريق مذلل من كثرة السير عليه، فالمور هو الطريق.
تعريف العبادة في الاصطلاح: عرفت العبادة في الاصطلاح بعدة تعريفات، ومنها ما يلي:
١_عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية×بأنها: =اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة+ (١) .
٢_وعرفها ابن القيم بأنها: =كمال المحبة مع كمال الذل+.
وقال في النونية:
وعبادة الرحمن غاية حبه **** مع ذل عابده هما قطبان (٢)
٣_وعرفها الشيخ ابن سعدي×بعدة تعريفات منها قوله:
=العبادة روحُها وحقيقتُها تحقيقُ الحبِّ والخضوع لله؛ فالحب التام والخضوع الكامل لله هو حقيقة العبادة، فمتى خلت العبادة من هذين الأمرين أو من أحدهما فليست عبادة؛ فإن حقيقتها الذل والانكسار لله، ولا يكون ذلك إلا مع محبته المحبة التامة التي تتبعها المحاب كلها+ (٣) .
٤_وعرفها بتعريف ثانٍ فقال: =العبادة والعبودية لله اسم جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من العقائد، وأعمال القلوب، وأعمال الجوارح، فكل ما يقرب إلى الله من الأفعال، والتروك فهو عبادة، ولهذا كان تارك المعصية لله متعبداً متقرباً إلى ربه بذلك+ (٤) .
ومما ينبغي التنبيه عليه أن العبادة تطلق إطلاقين: (٥)
١_الفعل الذي هو التَّعَبُّد.
٢_المفعول وهو المُتَعَبَّدُ به أو القربة.
مثال ذلك الصلاة ففعلها عبادة وهو التعبد، وهي نفسها عبادة وهي المتعبد به.
فعلى الإطلاق الثاني تُعَرَّف العبادة بتعريف شيخ الإسلام، وعلى الإطلاق الأول تُعَرَّف بالتعريف الثاني والثالث.
أما التعريف الرابع الذي هو تعريف ابن سعدي فإنه يشمل الإطلاقين الفعل والمفعول.
стр. 43
ومن التعريفات لها أيضاً =الأعمال الصالحة الإرادية التي تُؤَدَّى لله_تعالى_ويفرد بها+ (١) .
وهذا يشمل الإطلاقين أيضاً.
الفرق بين العبادة وتوحيد العبادة
الفرق بينهما ظاهر؛ فالعبادة هي ذات القربة أو فعلها.
أما توحيدها فصرفها لله وحده لا شريك له.
متى تقبل العبادة ؟
لا تقبل العبادة إلا إذا توفر فيها شرطان:
١_الإخلاص لله.
٢_المتابعة للرسول".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية×: =وجماع الدين أصلان: أن لا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع، كما قال_تعالى_: [فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً] (الكهف: ١١٠) .
وذلك تحقيق الشهادتين، شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداً رسول الله؛ ففي الأولى: أن لا نعبد إلا إياه، وفي الثانية: أن محمداً هو رسوله المبلغ عنه؛ فعلينا أن نصدق خبره، ونطيع أمره+ (٢) .
فمن أراد عبادة الله فلابد له من توفر الشرطين ولسان حاله يقول: (إياك أريد بما تريد) .
قال الفضيل بن عياض×في قوله_تعالى_: [لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً] (الملك: ٢) .
قال: أخلصه وأصوبه.
قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وما أصوبه؟
قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة (٣) .
فإذا فُقِد الشرطان أو أحدُهما بطلت العبادة.
وتوضيح ذلك بالمثال الآتي: لو أن شخصاً صلى لغير الله وعلى صفة غير الصفة التي علمنا إياها رسول الله"لردت عبادته، لماذا؟.
لأنه فقد الشرطين معاً.
كذلك لو صلى كما كان الرسول"يصلي؛ بحيث أتى بصفة الصلاة كاملة، ولكنها صرفها لغير الله لبطلت عبادته، لماذا؟.
стр. 44
لأنه فقد الإخلاص، والله سبحانه يقول: [إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ] (النساء: ٤٨) وقال: [وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (الأنعام: ٨٨) .
كذلك لو صلى لله ولكن على صفة غير الصفة التي علمنا إياها الرسول"؛ بحيث ابتدع صفة من عنده بطلت عبادته؛ لأنه فقد المتابعة، والرسول"يقول في الحديث المتفق عليه: =من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد+ (١) .
أي مردود، والجار والمجرور في قوله =عليه+ متعلق بمحذوف تقديره (حاكماً أو مهيمناً) .
وفي رواية أخرى للحديث =من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد+ (٢) .
وهذان الشرطان في الحقيقة متلازمان؛ فإن من الإخلاص لله أن تتبع النبي"واتباعُه ﵊ مستلزم للإخلاص.
أهمية الإخلاص والمتابعة
مما يدل على أهمية الإخلاص والمتابعة اللذين هما شرطا قبول العبادة مايلي:
١_أن الله أمر بإخلاص العبادة له، قال_تعالى_: [وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ] (الأعراف: ٢٩) .
٢_أن الله_تعالى_اختص نفسه بالتشريع، فهو حقه وحده، ومن تَعَبَّد الله بغير ما شرع فقد شارك الله في تشريعه، قال_تعالى_: [شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ] (الشورى: ١٣) .
وقال: [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ] (الأنعام: ١٥٣) .
٣_أن الله أنكر على من يشرع من عند نفسه، قال_تعالى_: [أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ] (الشورى: ٢١) .
٤_أن الله أكمل لنا الدين، ورضيه لنا، قال_تعالى_: [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً] (المائدة:٣) .
стр. 45
فالابتداع في الدين إنما هو في الحقيقة استدراك على الله وعلى رسوله"واتهام للدين بالنقص.
٥_أنه لو جاز للناس أن يتعبدوا بما شاءوا، كيفما شاءوا لأصبح لكل إنسان طريقتُه الخاصة بالعبادة، ولأصبحت حياةُ الناس جحيماً لا يطاق؛ إذ يسود التناحر والتنافر؛ لاختلاف الأذواق، مما يؤدي إلى الشقاق والافتراق؛ والاتباعُ وترك الابتداع أعظمُ سببٍ للائتلاف والاجتماع.
٦_لو جاز للناس أن يعبدوا الله بما شاءوا كيفما شاءوا لترتَّب على ذلك عدم حاجة الناس إلى الرسل، ولا يقول بهذا عاقل (١) .
أركان العبادة
للعبادة ثلاثة أركان، هي:
١_الحب ٢_الخوف ٣_الرجاء
وجعلها بعض أهل العلم أربعة: الحب، والتعظيم، والخوف، والرجاء.
ولا تعارض بين الأمرين؛ فإن الرجاء ينشأ من الحب، فلا يرجو الإنسان إلا من يحب، وكذلك الخوف ينشأ من التعظيم، فلا يخاف الإنسان إلا من عظيم.
وقد أثنى الله على أهل الخوف والرجاء من النبيين والمرسلين فقال: [إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ] (الأنبياء: ٩٠) .
ومدح القائمين بذلك من سائر عباده، فقال: [أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ] (الزمر: ٩) ، وقال: [وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ] (الإسراء: ٥٧) ، وقال: [تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ] (السجدة: ١٦) .
كما أمر باستحضار ذلك وقصْدِه فقال: [وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً] (الأعراف: ٥٦) .
هذه هي عبادة الأنبياء والمرسلين، وعباد الله المؤمنين، فمن ذا الذي هو أحسن منهم؟ وأكمل من هديهم؟ وهل تقبل دعواه؟!!
стр. 46
الجواب: لا، فالخوف والرجاء متلازمان؛ فكلاهما بريد الفوز بالجنة، والنجاة من النار، فلو سألت من لا يزني من المؤمنين مثلاً مع قدرته على الزنا: لم لا تزني؟ لبادر بقوله: إني أخاف الله، وأرجو ثوابه.
ولو سألت المصلي لِمَ تصلي؟ لقال: خوفاً من الله وطمعاً في ثوابه، وهكذا ...
فغير الله قد يُحَبُّ ولكن لا يُخاف منه، وقد يُخاف منه ولكن لا يُحب.
أما الله فيجتمع الأمران في حقه؛ فيُخاف ويحب، فلابد للمؤمن إذاً من الجمع بين الحب، والخوف، والرجاء، والتعظيم.
أما العبادة بالحب وحده فلا تكفي، وليست صحيحة؛ لأنها لا تتضمن تعظيماً لله، ولا خشيةً منه؛ إذ إن صاحبها يجعل الله سبحانه بمنزلة الوالد والصديق، فلا يتورع من اقتراف المحرمات، بل يستهين بها بحجة أن الحبيب لا يعذب حبيبه، كما قالت اليهود والنصارى [نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ] (المائدة: ١٨) ، وكما يقول غلاة الصوفية: نحن نعبد الله لا خوفاً من عقابه ولا طمعاً في ثوابه، إنما نعبد الله حباً له كما عبر بذلك كثير منهم كرابعة العدوية التي تقول:
أحبك حبين حبَّ الهوى وحبا لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى **** فشغلي بذكرك عمن سواكا
وأما الذي أنت أهل له **** فكشفك لي الحجب حتى أراكا (١)
وكما قال ابن عربي:
أدين بدين الحب أني توجهت **** ركائبه فالحب ديني وإيماني (٢)
ولا شك أن هذا مسلك باطل، وطريقه فاسدة، لها آثار وخيمة منها الأمن من مكر الله، وغايته الخروج من الملة؛ فالذي يتمادى في التفريط والخطايا ويرجو رحمة ربه بلا عمل يقع في الغرور، والأماني الباطلة، والرجاء الكاذب.
стр. 47
كذلك العبادة بالخوف وحده، دون الحب والرجاء ليست صحيحة، بل هي باطلة فاسدة، وهي طريقة الخوارج الذين لا يجعلون تعبدهم لله مقروناً بالمحبة، فلا يجدون للعبادة لذة، ولا إليها رغبة، فتكون منزلة الخالق عندهم كمنزلة سلطان جائر، أو ملك ظالم، وهذا مما يورث اليأس أو القنوط من رحمة الله، وغايته الكفر بالله، وإساءة الظن به، قال": =يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني+ (١) .
وعن جابر ÷ قال: سمعت رسول الله"يقول قبل وفاته بثلاث: =لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله + (٢) .
وحسن الظن هو الباعث على العمل؛ الذي يلزم منه تحري الإجابة عند الدعاء، والقبول عند التوبة، والمغفرةِ عند الاستغفار والإثابةِ عند العمل.
أما ظن المغفرة والإجابة والإثابة مع الإصرار على الذنوب والتقصير في العمل فليس من حسن الظن في شيء، بل هو سَفهٌ وجهل وغرور.
فلابد للعابد أن يكون الله أحبَّ إليه من كل شيء، وأن يكون الله أعظمَ عنده من كل شيء؛ فالرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمناً، والخوف يستلزم الرجاء، ولولا ذلك لكان قنوطاً ويأساً، وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا الله؛ فإنك إذا خفته فررت إليه، فالخائف من الله هارب إليه قال_تعالى_: [فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ] (الذاريات:٥٠) .
وهناك مقولة مشهورة عند السلف، وهي قولهم، من عَبَدَ الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجىء، ومن عبده بالخوف، والرجاء، والحب، فهو مؤمن موحد (٣) .
أيهما يُغلّب، الرجاء أو الخوف ؟ (٤)
الجواب: أنه اختُلف في ذلك على أقوال منها:
стр. 48
١_قيل: ينبغي أن يغلِّب الإنسان جانب الخوف؛ ليحمله ذلك على فعل الطاعة وترك المعصية.
٢_وقيل: يغلِّب جانب الرجاء؛ ليكون متفائلاً والرسول"كان يعجبه الفأل.
٣_وقيل: في فعل الطاعة يغلب الرجاء؛ لينبعث إلى العمل؛ فالذي منَّ عليه بالطاعة سَيَمُنُّ عليه بالقبول، ولهذا قال بعض السلف: إذا وفقك الله للدعاء فانتظر الإجابة؛ لأنه يقول: [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] (غافر:٦٠) .
وفي فعل المعصية يغلب جانب الخوف؛ لأجل أن يمنعه ذلك من فعل المعصية قال_تعالى_: [قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ] (الأنعام: ١٥) .
وهذا قريب ولكن ليس بالقرب الكامل، إذ قد يُعْتَرض عليه بقوله_تعالى_: [وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ] (المؤمنون: ٦٠) .
٤_وقيل: يغلب جانب الخوف في الصحة، وجانب الرجاء في المرض.
٥_وقيل: هما كجناحي الطائر، فالمؤمن يسير إلى الله بجناحين هما الرجاء والخوف، فإذا استويا تم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت.
٦_وقيل يختلف من شخص إلى شخص، ومن حال إلى حال، والله أعلم.
=الخوف الواجب والخوف المستحب+
الخوف الواجب هو ما يحمل على فعل الواجبات وترك المحرمات.
والخوف المستحب هو ما يحمل على فعل المستحبات، وترك المكروهات.
أنواع العبادة (١)
العبادة لها أنواع كثيرة، فبعضها قولي؛ كشهادة أن لا إله إلا الله، وبعضها فعلي؛ كالجهاد في سبيل الله، وإماطة الأذى عن الطريق، وبعضها قلبي؛ كالحياء، والمحبة، والخوف، والرجاء، وغيرها، وبعضُها مشترك كالصلاة مثلاً فإنها تجمع ذلك كله.
стр. 49
ومن أنواع العبادة زيادة على ما سبق الزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للمنافقين والكفار، والإحسان إلى الحيوان، والأيتام، والمساكين، وابن السبيل، والمملوك من الآدميين، والدعاء، والذكر، وكذلك الذبح، والنذر، والاستعاذة، والاستغاثة، والاستعانة، والتوكل، والتوبة، والاستغفار.
وهذه العبادات لا يجوز صرفها إلا لله، ومن صرفها لغيره فقد أشرك.
عبودية الخلق لله (١)
تنقسم عبودية الخلق لله إلى ثلاثة أقسام:
١_عبودية عامة: ويشترك فيها كافة الخلق؛ برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم.
قال_تعالى_: [إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً] (مريم: ٩٣) .
فهذه عبودية الربوبية فالخق كلهم عبيد لله مربوبون له.
٢_خاصة: وهي عبودية الألوهية، وهي عبودية عباد الله الصالحين وهم كل من تعبد لله بشرعه، وأخلص في عبادته.
قال_تعالى_: [وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً] (الفرقان: ٦٣) .
ولهذا أضافهم إلى اسمه إشارة إلى أنهم وصلوا إلى هذه الحال بسبب رحمته، وهذه إضافة التشريف.
٣_خاصة الخاصة: وهي أيضاً عبودية الألوهية، وهي للأنبياء والمرسلين الذين لا يباريهم ولا يدانيهم أحد في عبادتهم لله، قال_تعالى_: [وَاذْكُرْ عِبَادَنَا] (ص:٤٥) ، وقال عن نوح: [إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً] (الإسراء: ٣) ، وقال عن داود ﵇: [وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ] (ص: ١٧) ، وقال عن محمد": [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ] (الإسراء: ١) ، وقال: [وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً] (الجن: ١٩) .
стр. 50
فضائل توحيد الألوهية (١)
توحيد الله، وإفراده بالعبادة أجَلُّ النِّعم وأفضلها على الإطلاق، وفضائله وثمراته لا تعد ولا تحد، ففضائل التوحيد، كثيرة تنتظم خيري الدنيا والآخرة، ومن تلك الفضائل مايلي:
١_أنه أعظم نعمة أنعمها الله على عباده، حيث هداهم إليه، كما جاء في سورة النحل التي تسمى سورة النعم، فالله قدم نعمة التوحيد على كل نعمة، فقال في أول سورة النحل: [يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ] (النحل: ٢) .
٢_أنه الغاية من خلق الجن والإنس: [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] (الذاريات: ٥٦) .
٣_أنه الغاية من إنزال الكتب ومنها القرآن، قال_تعالى_فيه: [الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ] (هود:١،٢) .
٤_أنه السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة، ودفع عقوبتهما كما في قصة يونس ﵇.
٥_أنه يمنع من الخلود في النار، إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة خردل.
٦_أنه إذا كمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية كما في حديث عتبان في الصحيحين؛ قال": =فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله+ (٢) .
٧_حصول الاهتداء الكامل، والأمن التام لأهله في الدنيا والآخرة [الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ] (الأنعام: ٨٢) .
стр. 51
٨_أنه السبب الأعظم لنيل رضا الله وثوابه.
٩_أن أسعد الناس بشفاعة محمد"من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه.
١٠_أن جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها وفي ترتيب الثواب عليها على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمت.
١١_أنه يسهل على العبد فعل الخيرات، وترك المنكرات، ويسليه عن المصيبات؛ فالمخلص لله في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات؛ لما يرجوه من ثواب ربه ورضوانه، ويهون عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي؛ لما يخشى من سخطه وأليم عقابه.
١٢_أن التوحيد إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان، وزيّنه في قلبه، وكره إليه الكفر، والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين.
١٣_أنه يخفف على العبد المكاره، ويهون عليه الآلام؛ فبحسب تكميل العبد للتوحيد والإيمان يتلقى المكاره والآلام بقلب منشرح، ونفس مطمئنة، وتسليم ورضا بأقدار الله المؤلمة.
١٤_أنه يحرر العبد من رق المخلوقين، ومن التعلق بهم، وخوفهم، ورجائهم، والعمل لأجلهم.
وهذا هو العز الحقيقي، والشرف العالي، فيكون بذلك متألهاً متعبداً لله، فلا يرجو سواه، ولا يخشى غيره، ولا ينيب إلا إليه، ولا يتوكل إلا عليه، وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه.
١٥_ومن فضائله التي لا يلحقه فيها شيء أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب، وتحقق تحققاً كاملاً بالإخلاص التام فإنه يُصَيِّر القليل من العمل كثيراً، وتضاعف أجور صاحبه بغير حصر ولا حساب.
١٦_أن الله تكفل لأهله بالفتح والنصر، والعز والشرف، وحصول الهداية، والتيسير لليسرى، وإصلاح الأحوال، والتسديد في الأقوال والأفعال.
١٧_أن الله يدافع عن الموحدين شرور الدنيا والآخرة، ويمن عليهم بالحياة الطيبة، والطمأنينة إليه وبذكره.
وشواهد ذلك من الكتاب والسنة كثيرة، فمن حقق التوحيد حصلت له هذه الفضائل كلها وأكثر منها، والعكس بالعكس.
стр. 52
أسباب نمو التوحيد في القلب
التوحيد شجرة تنمو في قلب المؤمن، فيبسقُ فرعها، ويزداد نموها، ويزدان جمالها كلما سقيت بالطاعة المقربة إلى الله ، فتزداد بذلك محبة العبد لربه، ويزداد خوفه منه، ورجاؤه له، ويقوى توكله عليه، وبهذا يكتمل التوحيد ويتحقق؛ فليس تحقيقه بالتمني، ولا بالدعاوى الخالية من الحقائق.
وإنما يتحقق بما وقر في القلب من عقائد الإيمان، وحقائق الإحسان، وصدّقته الأخلاق الجميلة، والأعمال الصالحة الجليلة.
ومن الأسباب التي تنمي التوحيد في القلب ما يلي (١) :
١_فعل الطاعات؛ رغبة بما عند الله.
٢_ترك المعاصي؛ خوفاً من عقاب الله.
٣_التفكر في ملكوت السموات والأرض.
٤_معرفة أسماء الله وصفاته ومقتضياتها وآثارها، وما تدل عليه من الجلال والكمال.
٥_التزود من العلم النافع، والعمل به.
٦_قراءة القرآن بالتدبر، والتفهم لمعانيه وما أريد به.
٧_التقرب إلى الله_تعالى_بالنوافل بعد الفرائض.
٨_دوام ذكر الله على كل حال؛ باللسان والقلب.
٩_إيثار ما يحبه الله عند تزاحم المحاب.
١٠_التأمل في نعم الله الظاهرة والباطنة، ومشاهدة بره وإحسانه، وإنعامه على عباده.
١١_إنكسار القلب بين يدي الله، وافتقاره إليه.
١٢_الخلوة بالله وقت النزول الإلهي حين يبقى ثلث الليل الأخير، وتلاوة القرآن في هذا الوقت، وخَتْمُ ذلك بالاستغفار، والتوبة.
١٣_مجالسة أهل الخير والصلاح، والإخلاص، والمحبين لله والاستفادة من كلامهم وسمتهم.
١٤_الابتعاد عن كل سبب يحول بين القلب وبين الله من الشواغل.
١٥_ترك فضول الكلام، والطعام، والخلطة، والنظر.
١٦_أن يحب العبد لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه، وأن يجاهد نفسه على ذلك.
١٧_سلامة القلب من الغل للمؤمنين، وسلامته من الحقد، والحسد، والكبر، والغرور، والعجب.
١٨_الرضا بتدبير الله .
١٩_الشكر عند النعم، والصبر عند النقم.
٢٠_الرجوع إلى الله عند ارتكاب الذنوب.
стр. 53
٢١_كثرة الأعمال الصالحة من بر، وحسن خلق، وصلة أرحام، إلى غير ذلك.
٢٢_الاقتداء بالنبي"في كل صغيرة وكبيرة.
٢٣_الجهاد في سبيل الله.
٢٤_إطابة المطعم.
٢٥_الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
طرق الدعوة إلى توحيد الألوهية في القرآن الكريم (١)
تنوعت طرق الدعوة إلى توحيد الألوهية وأساليبها في القرآن الكريم، فمن ذلك ما يلي:
١_أمره سبحانه بعبادته، قال_تعالى_: [وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً] (النساء: ٣٦) .
٢_النهي عن عبادة مَنْ سواه كما في قوله_تعالى_: [فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ] (البقرة: ٢٢) .
٣_إخباره أنه خلق الخلق لعبادته كما في قوله: [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] (الذاريات: ٥٦) .
٤_إخباره أنه أرسل الرسل بالدعوة إلى عبادته، والنهي عن عبادة من سواه كما في قوله: [وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ] (النحل: ٣٦) .
٥_الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية؛ فإذا كان الله_تعالى_هو الخالق الرازق الذي أنعم عليك بالنعم الظاهرة والباطنة ولم يشاركه في ذلك مشارك فعليك أن لا تتأله لغيره، ولا تتعبد لسواه، ويلزمك أن تخصه بالتوحيد كما قال_تعالى_: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] (البقرة: ٢١) .
٦_الاستدلال على وجوب عبادته بكونه النافع، الضار، المعطي، المانع؛ فمن اتصف بهذه الصفات فهو المعبود بحق ولا معبود بحق سواه.
стр. 54
٧_الاستدلال على وجوب عبادته بانفراده بصفات الكمال، وانتفاء ذلك عن آلهة المشركين، كما في قوله_تعالى_: [فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً] (مريم: ٦٥) .
وقوله: [وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا] (الأعراف: ١٨٠) .
وقوله عن خليله ﵇ أنه قال لأبيه: [إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً] (مريم: ٤٢) .
٨_الاستدلال على وجوب عبادته بدقة صنعه فكلما تدبر العاقل ذلك، وتغلغل فكره فيه، وازداد تأمله في ذلك علم أنه هو المستحق للعبادة.
٩_الاستدلال على وجوب عبادته بتعدد نعمه، فإذا علم أن ما بالعباد من نعمة فمن الله وحده وأن أحداً من المخلوقين لا ينفع أحداً إلا بإذن الله، وأن الله هو النافع الضار علم أن الله هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له.
١٠_تعجيزه لآلهة المشركين كقوله_تعالى_: [أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ] (الأعراف: ١٩١،١٩٢) ، وقوله: [قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلاً] (الإسراء: ٥٦) ، وقوله: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ] (الحج: ٧٣) .
стр. 55
١١_تسفيه المشركين الذين يعبدون غير الله، كما في قوله_تعالى_: [أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ] (الأنبياء: ٦٦،٦٧) ، وقوله: [وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ] (البقرة: ١٣٠) .
١٢_بيان عاقبة المشركين الذين يعبدون غير الله، وبيان مآلهم مع من عبدوهم، حيث تتبرأ منهم تلك المعبوداتُ في أحرج المواقف كما قال_تعالى_: [وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ] (البقرة: ١٦٥_١٦٧) ، وقوله: [وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ] (فاطر: ١٤) .
١٣_بيان مصير الموحدين وعاقبتهم في الدنيا والآخرة كما قال عن إمامهم إبراهيم ﵇: [وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ] (البقرة: ١٣٠) ، وقوله: [الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ] (الأنعام: ٨٢) .
стр. 56
١٤_رده على المشركين باتخاذ الوسائط بينهم وبين الله بأن الشفاعة ملك له سبحانه لا تطلب من سواه، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، وبعد رضاه عن المشفوع له، قال سبحانه: [أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] (الزمر:٤٣،٤٤) وقال: [مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ] (البقرة:٢٥٥) .
١٥_بيان أن هؤلاء المعبودين من دون الله لا يحصل منهم نفع لمن عبدهم من جميع الوجوه كما قال_تعالى_: [قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ] (سبأ: ٢٢،٢٣) .
١٦_ذكر البراهين والأمثلة الدالة على بطلان الشرك، وسوء عاقبته، مما يجعل النفوس السليمة تنفر منه، قال_تعالى_: [وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ] (الحج:٣١) .
علاقة توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية (١)
أنواع التوحيد متلازمة، وبعضها مرتبط ببعض، وفيما يلي يتبين لنا شيء من علاقة توحيد الألوهية؛ بتوحيد الربوبية والعكس:
١_توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية؛ بمعنى أن الإقرار بتوحيد الربوبية يوجب الإقرار بتوحيد الألوهية؛ فمن عرف أن الله ربه وخالقه ومدبر أموره، وقد دعاه هذا الخالق إلى عبادته وجب عليه أن يعبده وحده لا شريك له؛ فإذا كان هو الخالق الرازق النافع الضار وحده لزم إفراده بالعبادة.
стр. 57
٢_توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية بمعنى أن توحيد الربوبية يدخل ضمناً في توحيد الألوهية، فمن عَبَدَ الله وحده لا شريك له فلابد أن يكون معتقداً أنه ربه وخالقه ورازقه؛ إذ لا يعبد إلا من بيده النفع والضر، وله الخلق والأمر.
٣_الربوبية عمل قلبي لا يتعدى القلب، ولذا سمي توحيد المعرفة والإثبات، أو التوحيد العلمي.
أما الألوهية فهو عمل قلبي وبدني، فلا يكفي فيه عمل القلب، بل يتعداه إلى السلوك والعمل قصداً لله وحده لا شريك له.
٤_أن توحيد الربوبية لا يكفي وحده؛ ذلك لأن توحيد الربوبية مركوز في الفطر، فلو كان كافياً لما احتاج الناس إلى بعثة الرسل، وإنزال الكتب، فلا يكفي أن يقر الإنسان بما يستحق الرب_تعالى_من الصفات، وأنه الرب الخالق وحده.
ولا يكون موحداً إلا إذا شهد أن لا إله إلا الله، فيقر بأن الله هو المألوه المعبود وحده، ويعبده بمقتضى هذه المعرفة.
٥_توحيد الألوهية هو الذي جاءت به الرسل، وهو الذي حصل به النزاع بين الرسل ﵈ وبين أممهم، كما قال قوم هود لنبيهم هود ﵇ عندما قال لهم: [اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ] (الأعراف: ٥٩) [قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا] (الأعراف: ٧٠) .
وكما قال كفار قريش لما أُمِروا بإفراد الله بالعبادة: [أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ] (ص: ٥) .
أما توحيد الربوبية فإنهم لم ينكروه، بل إن إبليس لم ينكره [قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي] (الحجر: ٣٩) .
٦_أنهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا فترقا اجتمعا، ومعنى ذلك أنهما إذا ذكرا جميعاً فلكل لفظ ما يراد به، كما في قوله_تعالى_: [قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ] (الناس: ١_٣) .
стр. 58
فيكون معنى الرب: هو المالك المتصرف، وهذا توحيد الربوبية، ويكون معنى الإله: المعبود بحق المستحق للعبادة دون سواه وهذا توحيد الألوهية.
وتارة يذكر أحدهما مفرداً عن الآخر فيجتمعان في المعنى؛ كما في قول الملكين للميت في القبر: =من ربك؟ ومعناه: من إلهك؟ = وكما في قوله_تعالى_: [الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ] (الحج: ٤٠) ، وقوله: [قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً] (الأنعام: ١٦٤) ، وقوله عن الخليل ﵇: [رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ] (البقرة: ٢٥٨) وكما في قوله_تعالى_: [أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ] (النمل: ٦٢) .
٧_لابد لسلامة التوحيد، والفوز بالدارين من تحقيق هذين الأمرين.
ما ضد توحيد الألوهية ؟
١_الشرك؛ الذي يذهب به بالكلية.
٢_البدع؛ التي تذهب بكماله الواجب.
٣_المعاصي؛ التي تقدح فيه، وتنقص ثوابه.
الفرق التي أشركت في توحيد الألوهية
الفرق التي أشركت في هذا النوع من التوحيد كثيرة منها:
١_اليهود: الذين عبدوا العجل، ولا يزالون يعبدون الدرهم والدينار؛ فالمال هو معبودهم.
٢_النصارى: لادعائهم ألوهية المسيح ﵇ وعبادتهم له.
٣_الرافضة: لدعائهم علياً، والعباس ﵄ وغيرهما من آل البيت.
٤_النصيرية: لعبادتهم عليا ﵁ وزعمهم أنه الإله (١) .
٥_الدروز: لقولهم بألوهية الحاكم بأمر الله العبيدي (٢) .
стр. 59
٦_غلاةالصوفية، وعباد القبور: لغلوهم في الأولياء، وصرف النذور، والقرابين لأصحاب القبور، وطوافهم حول القبور إلى غير ذلك من القربات التي تصرف لأصحابها.
стр. 60
توحيد الربوبية
تأليف الشيخ: محمد بن إبراهيم الحمد
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله_صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً_.
أما بعد:
فإن توحيد الربوبية مبحث مهم من مباحث العقيدة؛ ذلك أنه متعلق بأصل الأصول، وأوجب الواجبات وهو الإيمان بالله_عز وجل_فمما يتضمنه الإيمان بالله الإيمان بربوبيته، وتفرده بالخلق، والرزق، والتدبير.
ومما يدل على أهميته ما يثمره من الثمرات العظيمة؛ فالعلم به، والإيمان بمقتضاه يثمر إجلال الرب، وتعظيمه، ورجاءه، ومحبته والخوف منه إلى غير ذلك؛ فلا ينبغي التقليل من شأنه، ولا ترك الحديث عنه، كما لا ينبغي_في الوقت نفسه_أن يجعل الغاية في التوحيد، كما هو شأن أهل الكلام، بل إن الغاية في التوحيد هو توحيد الألوهية_كما سيأتي بيانه_.
ولعل فيما يلي من صفحات إيضاحاً لهذا المبحث، وذلك من خلال الوقفات التالية:
_تعريف توحيد الربوبية.
_معنى كلمة الرب.
_أسماء هذا النوع من التوحيد.
_أدلته.
_إنكار الربوبية.
_أنواع ربوبية الله على خلقه.
_توحيد الربوبية ليس هو الغايةَ في التوحيد.
_آثار توحيد الربوبية وفوائده.
_ما ضد توحيد الربوبية؟
_الفِرَق التي أشركت بالربوبية.
وأخيراً أسأل الله_تبارك وتعالى_أن ينفعنا بما نقول ونسمع، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه، وأن يغفر لنا زللنا وخطأنا، إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
محمد بن إبراهيم الحمد
الزلفي: ص. ب: ٤٦٠
www.toislam.net
стр. 61
تعريف توحيد الربوبية
هو الإقرار الجازم بأن الله وحده ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكه، وأنه الخالق للعالم، المحيي المميت، الرزاق ذو القوة المتين، لم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، لا رادَّ لأمره، ولا معقب لحكمه، ولا مضاد له، ولا مماثل، ولا سمي، ولا منازع له في شيء من معاني ربوبيته ومقتضيات أسمائه وصفاته (١) .
وهناك تعريف آخر مختصر وهو: توحيد الله بأفعاله.
أسماء هذا النوع من التوحيد
لهذا النوع من التوحيد أسماء أخرى منها:
١_توحيد الربوبية كما سبق.
٢_التوحيد العلمي.
٣_التوحيد الخبري.
٤_توحيد المعرفة والإثبات.
٥_التوحيد الاعتقادي.
معنى كلمة الرب
كلمة الرب في اللغة تطلق على عدة معانٍ.
قال ابن منظور: =الرب يطلق في اللغة على المالك، والسيد، والمدبِّر، والمربي، والقيِّم، والمنعم+.
وقال: =ولا يطلق غير مضاف إلا على الله_عز وجل_وإذا أطلق على غيره أضيف، فقيل: ربُّ كذا+.
قال: =وقد جاء في الشعر مطلقاً على غير الله_تعالى_وليس بالكثير، ولم يذكر في غير الشعر+ (٢) .
وقال: =ورب كل شيء: مالكه ومستحقه، وقيل: صاحبه.
ويقال: فلان رب هذا الشيء أي مِلْكُه له.
وكل من ملك شيئاً فهو ربه، يقال: هو ربُّ الدابة، ورب الدار، وفلان رب البيت، وهن ربات الحجال+ (٣) .
أما الرب من حيث إنه اسم من أسماء الله فمعناه: من له الخلق والأمر والملك، قال_تعالى_: [أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ] (الأعراف: ٥٤) .
وقال: [ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ] (فاطر:١٣) .
стр. 62
قال ابن منظور: =الرب: هو الله_عز وجل_هو رب كل شيء، أي مالكه، وله الربوبية على جميع الخلق لا شريك له، وهو رب الأرباب، ومالك الملوك والأملاك+ (١) .
أدلة توحيد الربوبية
أدلة توحيد الربوبية كثيرة متنوعة، تدل على تفرد الله بالربوبية على خلقه أجمعين، فقد جعل الله لخلقه أموراً لو تأملوها حق التأمل وتفكروا بها_لَدَلَّتْهُمْ إلى أن هناك خالقاً مدبراً لهذا الكون.
والقرآن مليء بذكر الأدلة على ربوبية الله، فمن ذلك قوله_تعالى_: [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] (الفاتحة: ٢) ، وقوله [إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ] (الذاريات: ٥٨) ، وقوله: [إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ] (يس: ٨٢، ٨٣) ، وقوله: [إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ] (البقرة:١٦٤) ، وقوله_تعالى_: [اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ] (الروم: ٤٠) .
ومن الدلالات على ربوبية الله على خلقه مايلي:
١_دلالة الفطرة: ذلك أن الله_سبحانه_فطر خلقه على الإقرار بربوبيته، وأنه الخالق، الرازق المدبر، المحيي المميت؛ فالإيمان بالربوبية أمر جبلي مركوز في فطرة كل إنسان، ولا يستطيع أحد دفعه ولا رفعه.
стр. 63
قال شيخ الإسلام ابن تيمية×: =ولما كان الإقرار بالصانع فطريّاً كما قال ": =كل مولود يولد على الفطرة+ (١) الحديث_فإن الفطرة تتضمن الإقرار بالله، والإنابة إليه، وهو معنى لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي يعرف ويعبد+ (٢) .
ولهذا فإن المشركين في الجاهلية كانوا مقرين بتوحيد الربوبية مع شركهم بالألوهية.
ومما يدل على ذلك ما هو مبثوث في ثنايا أشعارهم، ومن ذلك قول عنترة:
يا عبل أين من المنية مهربي **** إن كان ربي في السماء قضاها (٣)
وقول زهير ابن أبي سلمى:
فلا تكتُمُنَّ الله ما في نفوسكم **** ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يُؤَخر فَيُوضَعْ في كتاب فَيُدَّخرْ **** ليوم الحساب أو يعجل فينقم (٤)
ولقد بين الله_سبحانه وتعالى_ذلك في القرآن كما في قوله: [وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّا يُؤْفَكُونَ] (العنكبوت:٦١) .
٢_دلالة الأنفس: فالنفس آيةٌ كبيرةٌ من آيات الله الدالة على ربوبيته، ولو أمعن الإنسان النظر في نفسه وما فيها من العجائب لعلم أن وراء ذلك رباً حكيماً خالقاً قديراً.
قال_تعالى_: [وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ] (التغابن: ٣) ، وقال: [وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) ] (الشمس: ٧) .
٣_دلالة الآفاق: كما قال سبحانه: [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] (فصلت: ٥٣) .
стр. 64
فلو تأمل الإنسان الآفاق وما أودع الله فيها من الغرائب والعجائب_لأدرك أن هناك خالقاً لهذه الأكوان، وأنه عليم حكيم (١) .
إنكار الربوبية
لم ينكرْ توحيدَ الربوبية أحدٌ من البشر، إلا طائفة من الشذاذ، المكابرين، المعاندين، المنكرين لما هو متقرر في فطرهم؛ فإنكارهم إنما كان بألسنتهم مع اعترافهم بذلك في قرارة أنفسهم.
ومن أشهر من عرف بذلك فرعون؛ الذي قال لقومه_كما أخبر الله عنه_: [أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى] (النازعات: ٢٤) ، وقال: [مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي] (القصص: ٣٨) .
وكلامه هذا مجرد دعوى لم يَقُمْ عليها بينةٌ، ولا دليلٌ، بل كان هو نفسُه غير مؤمن بما يقول.
قال_سبحانه وتعالى_على لسان موسى_عليه السلام_: [لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً] (الإسراء:١٠٢) .
وأخبر_عز وجل_وهو العليم بذات الصدور_أن كلام فرعون ودعواه لم يكن عن عقيدة ويقين، وإنما هو مكابرة وعناد، قال_تعالى_: [وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً] (النمل: ١٤) .
وممن أنكر ذلك_أيضاً_الشيوعيون، فلقد أنكروا ربوبية الله، بل أنكروا وجوده_سبحانه وتعالى_بناءً على عقيدتهم الخبيثة الفاجرة التي تقوم على الكفر بالغيب، والإيمان بالمادة وحدها.
وهم في الحقيقة لم يزيدوا على أن سموا الله بغير اسمه، بحيث ألَّهوا الطبيعة، ونعتوها بنعوت الكمال التي لا تليق بأحد إلا الله_عز وجل_، فقالوا: الطبيعة حكيمة، الطبيعة تخلق، إلى غير ذلك.
وكلامهم هذا باطل متهافت، بل إن أصحاب هذا المبدأ انشقوا على أنفسهم، ولعن بعضُهم بعضاً، وكَفَرَ بعضُهم ببعض.
стр. 65
أنواع ربوبية الله على خلقه
ربوبية الله على خلقه على نوعين:
١_الربوبية العامة: وهي لجميع الناس؛ بَرِّهم وفاجرِهم مؤمنِهم وكافرِهم؛ وهي خلقه للمخلوقين، ورزقُهم، وهدايتهم، لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا.
٢_الربوبية الخاصة: وهي تربيته لأوليائه المؤمنين، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكملهم، ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه.
ولعل هذا المعنى هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب؛ فإن مطالبهم كلَّها داخلةٌ تحت ربوبيته الخاصة (١) .
توحيد الربوبية ليس هو الغاية في التوحيد
توحيد الربوبية حق، وأمره عظيم، ولا يصح إيمان العبد إذا لم يؤمن به، ولكن هذا النوع من أنواع التوحيد ليس هو الغايةَ التي جاءت بها الرسل، وأنزلت من أجلها الكتب، وليس الغايةَ التي من جاء بها فقد جاء بالتوحيد وكماله؛ ذلك أن الله أمر بعبادته التي هي كمال النفوس وصلاحها وغايتها، ولم يقتصد على مجرد الإقرار به كما هو غاية الطريقة الكلامية (٢) .
أضف إلى ذلك أن المشركين كانوا مقرين به كما مر، ومع ذلك لم يدخلهم في الإسلام؛ لأن الإقرار بتوحيد الربوبية لا يكفي وحده، بل لا بد من توحيد الألوهية.
ثم إن توحيد الربوبية مركوز في الفطر كلها، فلو كان هو الغاية لما كان هناك حاجة من إرسال الرسل وإنزال الكتب.
стр. 66
آثار توحيد الربوبية وثمراته
للإيمان بالربوبية آثار عظيمة، وثمرات كثيرة، فإذا أيقن المؤمن أن له ربّاً خالقاً هو الله_تبار ك وتعالى_وأن هذا الرب هو رب كلِّ شيءٍ ومليكُه وهو مصرف الأمور، وأنه هو القاهر فوق عباده، وأنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات والأرض_أَنِسَت رُوحُه بالله، واطمأنت نفسه بذكره، ولم تزلزله الأعاصير والفتن، وتوجه إلى ربه بالدعاء، والالتجاء، والاستعاذة، وكان دائماً خائفاً من تقصيره، وذنبه؛ لأنه يعلم قدرة ربه عليه، ووقوعه تحت قهره وسلطانه، فتحصل له بذلك التقوى، والتقوى رأس الأمر، بل هي غاية الوجود الإنساني (١) .
ولهذا قال": =ذاق طعم الإيمان من رضي الله ربَّاً وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ رسولاً+ (٢) .
ومن ثمراته أن الإنسان إذا علم أن الله هو الرزاق، وآمن بذلك، وأيقن أن الله بيده خزائن السموات والأرض، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع_قطع الطمع من المخلوقين، واستغنى عما بأيديهم، وانبعث إلى إفراد الله بالدعاء والإرادة والقصد.
ثم إذا علم أن الله هو المحيي المميت، النافع الضار، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن أمره كلَّه بيد الله_انبعث إلى الإقدام والشجاعة غير هياب، وتحرر من رق المخلوقين، ولم يعد في قلبه خوف من سوى الله_عز وجل_.
وهكذا نجد أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية.
والكلام في مقتضيات الربوبية وما تثمره من ثمرات يفوق الحصر والعد، وما مضى إنما هو إشارات عابرة يقاس عليها غيرُها.
стр. 67
ما ضد توحيد الربوبية
يضاد توحيد الربوبية الإلحاد، وإنكار وجود الرب_عز وجل_.
ويضاده_أيضاً_اعتقاد متصرف مع الله_عز وجل_في أي شيء؛ من تدبير الكون، من إيجاد، أو إعدام، أو إحياء، أو إماتة، أو جلب خير، أو دفع شر، أو غير ذلك من معاني الربوبية، أو اعتقاد منازع له في شيء من مقتضيات أسمائه وصفاته، كعلم الغيب، أو كالعظمة، والكبرياء، ونحو ذلك (١) .
وكما يضاده_أيضاً_اعتقاد مشرع مع الله_عز وجل_لأنه هو الرب وحده، وربوبيته شاملة لأمره الكوني والشرعي.
الفرق التي أشركت بالربوبية (٢)
هناك أقوامٌ أشركوا بالربوبية، وفِرَقٌ أشركت به، ومن هؤلاء:
١_المجوس: =الأصلية+ قالوا بالأصلين: النور والظلمة، وقالوا: إن النور أزليٌّ، والظلمة محدثة.
٢_الثنوية: =أصحاب الاثنين الأزلييّن+: يزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان، بخلاف المجوس الذين قالوا بحدوث الظلام، لكن قالوا باختلافهما في الجوهر، والطبع، والفعل، والخبر، والمكان، والأجناس، والأبدان، والأرواح، ولم يقولوا بتماثلهما في الصفات والأفعال، كما ترى، وإن قالوا بتساويهما في القدم.
٣_المانوية: =أصحاب ماني بن فاتك+: قالوا: إن العَالَمَ مصنوع من أصلين قديمين، ولكن قالوا باختلافهما في النفس، والصورة، والفعل، والتدبير.
٤_النصارى: =القائلون بالتثليث+: فالنصارى لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب ينفصل بعضها عن بعض، بل هم متفقون على أنه صانع واحد يقولون: باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد، ويقولون: واحد بالذات ثلاثة بالأقنوم.
أما الأقانيم فإنهم عجزوا عن تفسيرها.
стр. 68
وقولهم هذا متناقض أيما تناقض وتصوره كافٍ في رده، قال شيخ الإسلام ابن تيمية_رحمه الله تعالى_: =ولهذا قال طائفة من العقلاء: إن عامة مقالات الناس يمكن تصورُها إلا مقالة النصارى، وذلك أن الذين وضعوها لم يتصوروا ما قالوا، بل تكلموا بجهل، وجمعوا في كلامهم بين النقيضين ولهذا قال بعضهم: لو اجتمع عشرة نصارى لتفرقوا عن أحدَ عشرَ قولاً.
وقال آخر: لو سألت بعض النصارى وامرأته وابنه عن توحيدهم لقال الرجل قولاً، وامرأته قولاً آخر، وابنه قولاً ثالثاً+ (١) .
وقال ابن القيم_رحمه الله تعالى_ في معرض رده عليهم: =أما خبر ما عندكم أنتم فلا نعلم أمةً أشدَّ اختلافاً في معبودها منكم؛ فلو سألت الرجل، وامرأته، وابنته، وأمه، وأباه، عن دينهم لأجابك كلٌّ منهم بغير جواب الآخر+ (٢) .
بل قيل فيهم: =لو توجهت إلى أي نصراني على وجه الأرض، وطلبت منه أن يصور لك حقيقة دينه، وما يعتقده في طبيعة المسيح تصويراً دقيقاً_لما استطاع ذلك (٣) .
هذا وقد بيَّن الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه (إظهار الحق) ما عندهم من التناقض، وكذلك الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه (محاضرات في النصرانية) .
٥_القدرية: هم في الحقيقة مشركون في الربوبية، وهذا لازم لمذهبهم؛ لأنهم يرون أن الإنسان خالقٌ لفعله، فهم أثبتوا لكل أحد من الناس خَلْقَ فعله.
والخلق إنما هو مما اختص الله به، قال_تعالى_[وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ] (الصافات: ٩٦) .
وأفعال العباد لا يخرجها شيء من عموم خلقه_عز وجل_ (٤) .
стр. 69
٦_الفلاسفة الدهرية: في قولهم في حركة الأفلاك بأنها تسعة، وأن التاسع منها وهو الأطلس يحرك الأفلاك كلها، فجعلوه مبدأ الحوادث، وزعموا أن الله يحدث ما يقدره في الأرض.
٧_عبدة الأصنام من مشركي العرب وغيرهم: ممن كانوا يعتقدون أن الأصنام تضر وتنفع، فيتقربون إليها، وينذرون لها، ويتبركون بها.
٨_غلاة الصوفية: لغلوهم في الأولياء، وزعمِهم أنهم يضرون، وينفعون، ويتصرفون في الأكوان، ويعلمون الغيب، ولقولهم بوحدة الوجود، وربوبيةِ كلِّ شيءٍ (١) .
٩_الروافض: لقولهم بأن الدنيا والآخرة للإمام، يتصرف بها كيف يشاء، وأن تراب الحسين شفاءٌ من كل داء، وأمانٌ من كل خوف، ولقولهم: إن أئمتهم يعلمون الغيب، ويعلمون متى يموتون، ولا يموتون إلا بإذنهم.
وهذا باطل، وبطلانه لا يحتاج إلى دليل، بل إن فساده يغني عن إفساده (٢) .
١٠_النصيرية: لقولهم بألوهية علي بن أبي طالب÷وبأنه المتصرف بالكون، لوصفهم إياه بأوصاف لا يجوز أن يوصف بها أحد إلا الله_عز وجل_مع اختلاف أقوالهم في هذا؛ فبعضهم يقول: إنه يسكن في الشمس ويُسَمَّون بـ: الشمسية.
وبعضهم يقولون: إنه يسكن في القمر، ويُسَمَّون بـ: القمرية.
وبعضهم يقولون: إنه يسكن في السحاب، ولذا إذا رأوا السحاب قالوا: السلام عليك يا أمير النحل (٣) .
стр. 70
١١_الدروز: لقولهم بألوهية الحاكم بأمر الله العبيد، وغلوهم فيه، ووصفِه بأوصافٍ لا تليق إلا بالله وحده، كقولهم عنه: =إنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور+ (١) .
١٢_من يعتقدون تأثير النجوم والكواكب والأسماء: وذلك كحال الذين يتتبعون الأبراج ويقولون_رجماً بالغيب_إذا ولد فلان في البرج الفلاني أو الشهر الفلاني أو اليوم الفلاني، أو كان اسمه يبدأ بحرف كذا أو كذا_فسيصيبه كذا وكذا، ويضعون عليها دعاياتٍ تقول: مِنْ شهر ميلادك تعرف حظك، أو من اسمك تعرف حظك.
كل ذلك شرك في الربوبية؛ لأنه ادعاءٌ لعلم الغيبِ، والغيبُ لا يعلمه إلا الله وحده لا شريك له.
١٣_القانونيون: الذين يَصدون ويصدفون عن شرع الله، والذين يحكمون الناس بالقوانين الوضعية، التي هي من نحاتة أفكارهم، وزبالة أذهانهم.
فهؤلاء محاربون لله، منازعون له في ربوبيته وحكمه وشرعه (٢) .
стр. 71
توحيد الأسماء والصفات
تأليف الشيخ: محمد بن إبراهيم الحمد
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌ تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فإن العلم بأسماء الله وصفاته أشرف ما اكتسبته القلوب، وأزكى ما أدركته العقول؛ فهو زبدة الرسالة الإلهية، وهو الطريق إلى معرفة الله وعبادته وحده لا شريك له.
وفيما يلي من صفحات سيكون الحديث عن هذا النوع من أنواع التوحيد من خلال الوقفات التالية:
تعريف توحيد الأسماء والصفات.
أهميته.
ثمراته.
طريقة أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته.
الأدلة على صحة مذهب السلف.
قواعد في أسماء الله .
قواعد في صفات الله .
ما ضد توحيد الأسماء والصفات؟
الفرق التي ضلت في باب الأسماء والصفات.
حكم من نفى صفة من الصفات الثابتة بالكتاب والسنة.
مسائل أحدثها المتكلمون الكلمات المجملة.
دراسة موجزة لبعض الكلمات المجملة.
وقفة حول المجاز.
وأخيراً أسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يلهمنا رشدنا، ويعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا؛ إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
محمد بن إبراهيم الحمد
الزلفي: ص. ب: ٤٦٠
www.toislam.net
стр. 72
تعريف توحيد الأسماء والصفات
١_هو: الإيمان بما وصف الله به نفسَه في كتابه، أو وَصَفَه به رسوله"من الأسماء الحسنى والصفات العلى وإمرارها كما جاءت على الوجه اللائق به_سبحانه وتعالى_ (١) .
٢_أو هو: اعتقاد انفراد الله بالكمال المطلق من جميع الوجوه بنعوت العظمة، والجلال، والجمال. وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله"من الأسماء والصفات، ومعانيها وأحكامها الواردة بالكتاب والسنة (٢) .
٣_وعرفه الشيخ عبد الرحمن بن سعدي×بتعريف جامع حيث قال: =توحيد الأسماء والصفات: وهو اعتقاد انفراد الرب ﷻ بالكمال المطلق من جميع الوجوه بنعوت العظمة، والجلال، والجمال التي لا يشاركه فيها مشارك بوجه من الوجوه.
وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله"من جميع الأسماء، والصفات، ومعانيها، وأحكامها الواردة في الكتاب والسنة على الوجه اللائق بعظمته وجلاله، من غير نفي لشيء منها، ولا تعطيل، ولا تحريف، ولا تمثيل.
ونفي ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله"من النقائص والعيوب ومن كل ما ينافي كماله+ (٣) .
أهمية توحيد الأسماء والصفات
للعلم بتوحيد الأسماء والصفات والإيمان به أهمية عظيمة، ومما يدل على أهميته مايلي:
١_أن الإيمان به داخل في الإيمان بالله إذ لا يستقيم الإيمان بالله حتى يؤمن العبد بأسماء الله وصفاته.
٢_أن معرفة توحيد الأسماء والصفات والإيمان به كما آمن السلف الصالح عبادة لله فالله أمرنا بذلك، وطاعته واجبة.
٣_الإيمان به كما آمن السلف الصالح طريق سلامة من الانحراف والزلل الذي وقع فيه أهل التعطيل، والتمثيل، وغيرهم ممن انحرف في هذا الباب.
٤_الإيمان به على الوجه الحقيقي سلامة من وعيد الله، قال تعالى: [وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (الأعراف: ١٨٠) .
٥_أن هذا العلم أشرف العلوم، وأجلها على الإطلاق؛ فالاشتغال بفهمه، والبحث فيه اشتغال بأعلى المطالب، وأشرف المواهب.
стр. 73
٦_أن أعظم آية في القرآن هي آية الكرسي، وإنما كانت أعظم آية لاشتمالها على هذا النوع من أنواع التوحيد.
٧_أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن؛ لأنها أخلصت في وصف الله .
٨_أن الإيمان به يثمر ثمرات عظيمة، وعبودياتٍ متنوعةً، ويتبين لنا شيء من ذلك عند الحديث عن
ثمرات الإيمان بتوحيد الأسماء والصفات (١)
العلم بأسماء الله وصفاته، وتدبرها، وفهمها على مراد الله أهم العلوم وأشرفها كما مر؛ لما يثمره من الثمرات العظيمة النافعة المفيدة.
ولقد اعتنى علماء الإسلام قديماً وحديثاً في بيان أسماء الله وصفاته، وشرحها، وإيضاحها، وبيان ثمرات الإيمان بها، فمن الثمرات التي تحصل من جراء الإيمان بها ما يلي:
١_العلم بأسماء الله وصفاته هو الطريق إلى معرفة الله:
فالله خلق الخلق ليعرفوه، ويعبدوه، وهذا هو الغاية المطلوبة منهم؛ فالاشتغال بذلك اشتغال بما خُلق له العبد، وتركه وتضييعه إهمال لما خُلق له، وقبيح بعبد لم تزل نِعَمُ الله عليه متواترة أن يكون جاهلاً بربه، معرضاً عن معرفته.
стр. 74
وإذا شاء العباد أن يعرفوا ربهم فليس لهم سبيل إلى ذلك إلا التعرف عليه من خلال النصوص الواصفةِ له، المصرِّحةِ بأفعاله وأسمائه، كما في آية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وسورة الصمد، وغيرها.
٢_أن معرفة الله تدعو إلى محبته وخشيته وخوفه ورجائه وإخلاص العمل له: وهذا هو عين سعادة العبد، ولا سبيل إلى معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه وصفاته والتفقه بمعانيها، وأحكامها، ومقتضياتها.
٣_تزكية النفوس وإقامتها على منهج العبودية للواحد الأحد: وهذه الثمرة من أجل الثمرات التي تحصل بمعرفة أسماء الله وصفاته، فالشريعة المنزلة من عند الله تهدف إلى إصلاح الإنسان، وطريقُ الصلاح هو إقامة العباد على منهج العبودية لله وحده لا شريك له، والعلمُ بأسماء الله وصفاته، يعصم بإذن الله من الزلل، ويفتح للعباد أبواب الأمل، ويثبت الإيمان، ويعين على الصبر، فإذا عرف العبد ربه بأسمائه وصفاته، واستحضر معانيها أثّر ذلك فيه أيما تأثير، وامتلأ قلبه بأجل المعارف والألطاف.
فمثلاً أسماء العظمة تملأ القلب تعظيماً وإجلالاً لله.
وأسماء الجمال والبر والإحسان والرحمة والجود تملأ القلب محبة له، وشوقاً إليه، ورغبة بما عنده، وحمداً وشكراً له.
وأسماء العزة، والحكمة، والعلم، والقدرة تملأ القلب خضوعاً وخشوعاً وانكساراً بين يديه .
وأسماء العلم، والخبرة، والإحاطة، والمراقبة، والمشاهدة تملأ القلب مراقبةً لله في الحركات والسكنات في الجلوات والخلوات، وحراسةً للخواطر عن الأفكار الرديئة، والإرادات الفاسدة.
وأسماء الغنى، واللطف، تملأ القلب افتقاراً، واضطراراً، والتفاتاً إليه في كل وقت وحال.
٤_الانزجار عن المعاصي: ذلك أن النفوس قد تهفو إلى مقارفة المعاصي، فتذكر أن الله يبصرها، فتستحضر هذا المقام وتذكر وقوفها بين يديه، فتنزجر وترعوي، وتجانب المعصية.
стр. 75
٥_أن النفوس طُلعَة، تتطلع وتتشوق إلى ما في أيدي الآخرين، وربما وقع فيها شيء من الاعتراض أو الحسد، فعندما تتذكر أن الله من أسمائه =الحكيم+، والحكيم هو الذي يضع الشيء في موضعه عندئذٍ تكف عن حسدها، وتنقدع عن شهواتها، وتنفطم عن غيّها.
٦_أن العبد يقع في المعصية، فتضيق عليه الأرض بما رَحُبت، ويأتيه الشيطان؛ ليجعله يسيء ظنه بربه، فيتذكر أن من أسماء الله =الرحيم، التواب، الغفور+ فلا يتمادى في خطيئته، بل ينزع عنها، ويتوب إلى ربه، ويستغفره فيجده غفوراً تواباً رحيماً.
٧_ومنها أن العبد تتناوشه المصائب، والمكاره، فيلجأ إلى الركن الركين، والحصن الحصين، فيذهب عنه الجزع والهلع، وتنفتح له أبواب الأمل.
٨_ويقارع الأشرار، وأعداء دين الله من الكفار والفجار، فيجدُّون في عداوته، وأذيته، ومنع الرزق عنه، وقصم عمره، فيعلم أن الأرزاق والأعمار بيد الله وحده، وذلك يُثمر له الشجاعة، وعبودية التوكل على الله ظاهراً وباطناً.
٩_وتصيبه الأمراض، وربما استعصت وعزَّ علاجها، وربما استبد به الألم، ودب اليأس إلى قلبه، وذهب به كل مذهب، حينئذٍ يتذكر أن الله هو الشافي، فيرفع يديه إليه ويسأله الشفاء، فتنفتح له أبواب الأمل، وربما شفاه الله من مرضه، أو صرف عنه ما هو أعظم، أو عوضه عن ذلك صبراً وثباتاً ويقيناً هو عند العبد أفضل من الشفاء.
١٠_أن العلم به تعالى أصل الأشياء كلها: حتى إن العارف به حقيقة المعرفة يستدل بما علم من صفاته وأفعاله على ما يفعله ويشرعه من الأحكام؛ لأنه لا يفعل إلا ما هو مقتضى أسمائه وصفاته؛ فأفعاله دائرة بين العدل، والفضل، والرحمة، والحكمة.
١١_أن من انفتح له هذا الباب باب الأسماء والصفات انفتح له باب التوحيد الخالص، الذي لا يحصل إلا للكُمّل من الموحدين.