وأنا اليوم أرجوك .. اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار ولا لغرس الأشجار .. ولكن لطول ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء .. ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالرُكب عند حلَقِ الذكر (١).
أخي الحبيب .. أرأيت الحياة لديهم كيف تكون ولماذا يعيشون؟ أين نحن من ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء؟ أين نحن من طلب العلم والاستماع للعلماء؟ كيف نرى أوقاتنا الضائعة إذا وافانا الأجل وحان الرحيل؟
كان حبيب العجمي عند موته يبكي ويقول: أريد أن أسافر سفرًا ما سافرته قط .. وأسلك طريقًا ما سلكته قط .. وأزور سيدي ومولاي وما رأيته قط .. وأشرف على أهوال ما شاهدتها قط ..
أما عمر بن عبد العزيز فقد قال: لولا أن تكون بدعة لحلفت أن لا أفرح من الدنيا بشيء أبدًا، حتى أعلم مما في وجوه رسل ربي إليَّ عند الموت، وما أحب أن يهون على الموت لأنه آخر ما يؤجر عليه المؤمن (٢).
وقال بعضهم: عجبًا لمن يعرف أن الموت حق، كيف يفرح؟ وعجبًا لمن يعرف أن النار حق، كيف يضحك؟ وعجبًا لمن رأى تقلب الدنيا بأهلها، كيف يطمئن إليها؟ وعجبًا لمن يعلم أن القدر
стр. 37
حق، كيف ينصب .. ؟ (١)
ونحن في هذه الدنيا تتخطفنا الآمال ونبحر في نهر التسويف .. نجاهد النفس والهوى والشيطان .. حينًا وحينًا .. لنا في نصيحة عمر بن عبد العزيز تطبيق عملي لغلبة الأماني والتفكر والمآل والمصير.
قال عمر بن عبد العزيز لأبي حازم: عظني. فقال: اضطجع ثم اجعل الموت عند رأسك ثم انظر ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة فجدَّ فيه الآن، وما تكره أن يكون فيك فدعه الآن.
يا أيها الناس .. اعملوا على مهل وكونوا من الله على وجل، ولا تغتروا بالأمل ونسيان الأجل، ولا تركنوا إلى الدنيا فإنها غدارة خداعة، قد تزخرفت لكم بغرورها، وفتنتكم بأمانيها، وتزينت لخُطَّابها، فأصبحت كالعروس المحيلة، العيون إليها ناظرة، والقلوب عليها عاكفةٌ، والنفوس لها عاشقةٌ، فكم من عاشق لها قتلت، ومطمئن إليها خذلت، فانظروا إليها بعين الحقيقة، فإنها دارٌ كثير بوائقها، وذمها خالقها. جديدها يبلى، ومُلكها يفنى، وعزيزها يذل، وكثيرها يقل، ودها يموت، وخيرها يفوت، فاستيقظوا رحمكم الله من غفلتكم ومن رقدتكم قبل أن يقال فلانٌ عليل أو مدنف ثقيل، فهل على الدواء من دليل؟ وهل إلى الطبيب من سبيل؟ فتُدعى لك الأطباء، ولا يُرجى لك الشفاء.
ثم يقال: فلانٌ أوصى، ولماله أحصى ..
стр. 38
ثم يقال: قد ثقل لسانه فما يكلم إخوانه، ولا يعرف جيرانه وعرق عند ذلك جبينك وتتابع أنينك، وثبت يقينك، وطمحت جفونك، وصدقت ظنونك، وتلجلج لسانك، وبكى إخوانك.
وقيل لك: هذا ابنك فلان، وهذا أخوك فلان، ومنعت من الكلام فلا تنطق، وختم على لسانك فلا ينطق، ثم حل بك القضاء، وانتزعت نفسك من الأعضاء، ثم عُرج بها إلى السماء، فاجتمع عند ذلك إخوانك، وأحضرت أكفانك، فغسلوك وكفنوك، فانقطع عوّادك واستراح حسادك، وانصرف أهلك إلى مالك، وبقيت مرتهنًا بأعمالك (١).
واعلم -رحمك الله- أن مما يعينك على التفكر في الموت ويفرغك له ويكثر اشتغالك به تذكر من مضى من إخوانك وخلاَّنك، وأصحابك وأقرانك، الذين مضوا قبلك وتقدموا أمامك، كانوا يحرصون حرصك ويسعون سعيك ويأملون أملك ويعملون في هذه الدنيا عملك، وقصت المنون أعناقهم، وقلعت أعراقهم وقصمت أصلابهم، وفجعت فيهم أهليهم وأحباءهم، فأصبحوا آية للمتوسمين وعبرة للمعتبرين (٢).
فالموت قد عدل .. ساوى بين الملك والصغير والكبير، يدخل الغرف الصغيرة .. ولا يرده حاجب القصور الكبيرة .. أفنى من ملكوا
стр. 39
الدنيا وقضى على من لا يملكون شيئًا من الدنيا، ولكن ...
الناس في غفلاتهم ... ورحى المنية تطحنُ
أما أصحاب القصور والدور وأصحاب المناصب الذين يغبطهم الكثير من أهل الدنيا على هذه النعمة لنرى حالهم عند الموت .. كيف يواجهونه؟ وكيف يستقبلونه؟ هل تبقى القوة والمنعة والأبهة والوجاهة أم يسقط كل ذلك ويبقى العمل؟
قال محمد بن منصور البغدادي: دخلت على عبد الله بن طاهر وهو في سكرات الموت فقلت: السلام عليكم أيها الأمير، فقال: لا تسمني أميرًا وسمني أسيرًا.
ولما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة جعل يقول: والله ولوددت أني عبد لرجل من تهامة أرعى غنيمات في جبالها ولم آلي (١).
وكان المنتصر يضطرب على نفسه عند موته فقيل له: لا بأس عليك يا أمير المؤمنين. فقال: ليس إلا هذا، لقد ذهبت الدنيا وأقبلت الآخرة (٢).
وهذا التفاوت في معايش الدنيا لا يرد الموت عن العدل بين الجميع فهو بأمر الله مهلك القوى ومفني الدول .. ولكن البدار البدار .. التوبة التوبة قبل الموت .. قال شفيق بن إبراهيم: استعد إذا جاءك الموت أن لا تسأل الرجعة (٣).
стр. 40
والرجعة -أخي الحبيب- لن تُعطي إياها، فلكل أجل كتاب .. ولكن استعد للموت من الآن بالعمل الصالح وبالتوبة النصوح قبل أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله .. إنه ذهاب لا رجوع بعده وندم لا تجدي معه دموع .. ورحيل من الدنيا بلا عودة .. إنه نهاية الدنيا .. والرحيل من فوق أرضها إلى داخلها .. من سعة القصور ورحابة الدور إلى ضيق القبور .. سؤال وجواب .. وحساب ونقاش ..
لما كان عمر بن عبد العزيز في مرضه الذي مات فيه قال: أجلسوني، فأجلسوه ثم قال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله. ثم رفع رأسه وأحدَّ النظر، فقالوا له: إنك لتنظر نظرًا شديدًا، قال: إني لأرى حضرة ما هم بأنس ولا جن، ثم قُبض (١).
وها هو أمير المؤمنين المأمون لما حضرته الوفاة أمر بجل دابته ففرش له، فاضطجع عليه، ووضع الرماد على رأسه وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه ارحم اليوم من قد زال ملكه (٢).
ولما حضرت الوفاة أبا جعفر المنصور أمير المؤمنين، قال للربيع: يا ربيع هذا السلطان .. لا سلطان من يموت (٣).
стр. 41
إنه الموت نهاية كل حي، لا يفلت منه أحد، ولا يُسبق فيفوته أحد.
وعندما أيقن عبد الملك بن مروان بالموت، قال: والله لوددت أني كنت منذ ولدت إلى يومي هذا حمالاً (١).
وقال أبو الدرداء ﵁: إذا ذكرت الموتى فعدّ نفسك كأحدهم (٢).
وقد قيل لعبد الملك بن مروان في مرض موته: كيف تجدك؟ فقال: أجدني كما قال الله -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾.
نعم .. لقد ذهب ملك الدنيا وزخرفها .. وقدم الكل على الله.
والعمر زمنٌ يمر سريعًا كأضغاث أحلام .. يراه الإنسان لا نهاية له .. ويلهه الأمل عن الآخرة ولذلك كان المعتصم يقول عند موته: لو علمت أن عمري هكذا قصيرٌ ما فعلت (٣).
كلنا أعمارنا قصيرة وآجالنا مكتوبة وأنفاسنا معدودة .. أعمارنا التي مضت كأنها حلم ووالله إنها كساعة من نهار ولكن الخوف من نار تلظى .. وحفرة تختلف فيها الأضلاع ..
لنتأمل فعل أمير المؤمنين هارون الرشيد وهو ينتقي أكفانه بيده
стр. 42
وينظر إليها، ويقول: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ سورة الحاقة، الآيتان: ٢٨، ٢٩.
من منا ينتقي أكفانه ويضعها في بيته .. بل ربما لو وجد البعض ثوبًا يشبه الكفن في بيته لأخرجه .. فلا داعي له وهل الموت قريب ليستعد له .. ؟ !
تنام ولم تنم عنك المنايا ... تنبه للمنية يا نؤومُ
أخي الحبيب .. لا تقف عن القراءة استمر لحظات وانظر في حال من سبقك واعتبر بحالهم فإن من أتى بعدك سيعتبر بحالك! !
لما احتضر عبد الرحمن بن الأسود بكى، فقيل له .. فقال: أسفًا على الصلاة والصوم .. ولم يزل يتلو حتى مات (١).
والخروج من هذه الدنيا خروج بكفن وعمل صالح، تُحمل ملفوفًا بكفن تاركًا وراءك قصورًا شيدتها ودورًا بنيتها، فيها أحباب وأصحاب، وزوجات وأبناء.
وكل هذا لديك ولكنك ترحل بكفن .. أرأيت كيف هوان الدنيا ونهايتها؟ قال عمر بن الخطاب لابنه: اقتصدوا في كفني فإن كان لي عند الله خيرٌ أبدلني ما هو خيرٌ منه، وإن كانت على غير ذلك سلبني فأسرع سلبي .. واقتصدوا في حفرتي .. فإنه إن كان لي عند الله خيرٌ أوسع لي منها مد بصري .. وإن كنت على غير ذلك ضيقها
стр. 43
عليَّ حتى تختلف أضلاعي (١).
ولما احتضر سعيد بن مروان قال: يا ليتني لم أكن شيئًا، يا ليتني كهذا الماء الجاري، ثم قال: هاتوا كفني .. أُفٍ لك، ما أقصر طويلك وأقل كثيرك (٢).
وقال عبد الملك بن مروان في مرض موته .. ارفعوني فرفعوه حتى شم الهواء، وقال: يا دنيا ما أطيبك .. إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لحقير، وإنا كنا بك لفي غرور (٣).
إخواني .. جدوا فقد سُبقتم، واستعدوا فقد لُحقتم، وانظروا بماذا من الهوى عُلقتم .. ولا تغفلوا عما له خُلقتم، ذهبت الأيام وما أطعتم، وكتبت الآثام وما أصغيتم، وكأنكم بالصادقين قد وصلوا وانقطعتم، أهذا التوبيخ لغيركم؟ أو ما قد سمعتم؟ !
كم سكن مثلك في هذه الدار ، فحام الموت حول حماهم ودار، ثم ناهضهم وسلب الجار، فمن أنذر قبل هجومه فما جار، يا هذا العمر عمرٌ قليل، وقد مضى أكثره بالتعليل، وأنت تعرض البقية للتأويل .. وقد آن الأوان أن يرحل النزيل (٤).
يروى عن عبد الله بن شرمة أنه قال: دخلت مع عامر الشعبي على مريض نعوده، فوجّدنا لما به .. ورجلٌ يلقنه الشهادة يقول له: قل
стр. 44
لا إله إلا الله، وهو يُكثر عليه، فقال له الشعبي: ارفق به، فتكلم المريض وقال: إن يلقني أو لا يلقني فإني لا أدعها، ثم قرأ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ فقال الشعبي: الحمد لله الذي نجى صاحبنا (١).
وقال القعقاع بن حكيم: قد استعددت للموت منذ ثلاثين سنة، فلو أتاني ما أحببت تأخير شيء عن شيء.
ويروى عن عبد الله بن المبارك أنه لما احتضر نظر إلى السماء، فضحك ثم قال: لمثل هذا فليعمل العاملون (٢).
واحتضر بعض الصالحين فبكت امرأته فقال: ما يبكيك؟ قالت: عليك أبكي .. قال: إن كنت باكية فابك على نفسك، فأما أنا فقد بكيت على هذا اليوم منذ أربعين سنة (٣).
وقال محمد بن القاسم: دخلت على ابن أسلم قبل موته بأربعة أيام بنيسابور، فقال: يا أبا عبد الله، تعال أبشرك بما صنع الله بأخيك من الخير، قد نزل بي الموت، وقد منَّ الله عليّ .. إنه مالي درهم يحاسبني الله عليه .. ثم قال: أغلق الباب ولا تأذن لأحد حتى أموت، وتدفنون كتبي، واعلم أني أخرج من الدنيا وليس أدع ميراثًا غير كسائي ولبدي وإنائي الذي أتوضأ فيه وكتبي هذه، فلا تكلفوا الناس
стр. 45
مؤنة .. وكان معه صرة فيها ثلاثين درهمًا، فقال: هذا لابني أهداه قريب له، ولا أعلم شيئًا أحل لي منه؛ لأن النبي ﷺ قال: «أنت ومالك لأبيك» وقال: «أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه» فكفنوني منها .. فإن أصبتم لي بعشرة ما يستر عورتي فلا تشتروا بخمسة عشرة، وابسطوا على جنازتي لبدي وغطوا عليها كسائي .. وأعطوا إنائي مسكينًا (١).
وقيل للكناني لما حضرته الوفاة: ما كان عملك؟ فقال: لو لم يقرُب أجلي ما أخبرتكم به .. وقفت على باب قلبي أربعين سنة فكلما مر فيه غير الله حجبته عنه (٢).
أخي: كم وقفنا على أبواب قلوبنا .. لنرى ولو ساعة من نهار .. ماذا في صحائفنا؟ وماذا نعمل في أيامنا وليالينا؟
هذا بلال مؤذن رسول الله ﷺ لما حضرته الوفاة قالت امرأته: واحزناه، فقال: بل واطرباه غدًا نلقى الأحبة؛ محمدًا وحزبه (٣).
وعن أنس بن عياض رأيت صفوان بن سليم ولو قيل له: غدًا القيامة ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة (٤).
وقد قيل لعبد الله بن عمر: توفي فلان الأنصاري، قال: رحمه
стр. 46
الله، قالوا: ترك مائة ألف، قال: لكن هي لم تتركه.
وكيف تتركه وهناك كتابٌ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. إنها الدنيا حلالها حساب وحرامها عذاب.
أخي الحبيب .. وقد دب الخوف إلى قلبك .. وتعثر لسانك واهتزت أطرافك وتبعثرت أوراقك ترغب في توبة صادقة وتُجِّد في طلب ملجأ آمن .. رنت عيناك نحو الدار الآخرة وهمك مطلب عالٍ سام .. ترجو رحمة ربك وتخشى عذابه.
أبشر برحمة ومغفرة لمن لجأ إلى جناب الله هاربًا من ذنوبه فارًا من معاصيه.
«ففروا إلى الله» إنه فرار من الله من المعاصي والذنوب ولجوء إلى الرحمن الرحيم غافر الذنب وقابل التوب.
ومن أراد الجنة فلا بد من الموت، رغم آلامه وأهواله وغُصصه وروعاته. قال ابن عبد ربه لمكحول: أتحب الجنة؟ قال: ومن لا يُحب الجنة؟ قال: فأحبب الموت فإنك لن ترى الجنة حتى تموت (١).
وقال بلال بن سعد ﵀: يقال لأحدنا تريد أن تموت؟ فيقول: لا، فيقال له: لِمَ؟ فيقول: حتى أتوب وأعمل صالحًا، فيقال له: اعمل، فيقول: سوف أعمل، فلا يُحب أن يموت ولا يحب أن يعمل، فيؤخر عمل الله تعالى ولا يؤخر عمل الدنيا (٢).
стр. 47
نصائح غالية ودرر نفيسة تقدم لمن أراد النجاة وأراد الآخرة ..
قال أبو حازم سلمة بن دينار: كل عمل تكره الموت من أجله فاتركه، ثم لا يضرك متى متّ (١).
أرأيت -أخي الكريم- كيف القياس ؟
هاك الأخرى ..
قال ميمون بن مهران: من كان يريد أن يعلم منزلته عند الله فلينظر في عمله، فإنه قادم على عمله كائنًا من كان (٢).
وجماع ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
قال أبو عياش القطان: كانت امرأة بالبصرة متعبدة يقال لها: مُنيبة ولها ابنة أشد عبادة منها، فكان الحسن ربما رآها وتعجب من عبادتها على حداثتها، فبينما الحسن ذات يوم جالس إذ أتاه آت، فقال: أما علمت أن الجارية قد نزل بها الموت، فوثب الحسن فدخل عليها، فلما نظرت إليه الجارية بكت، فقال لها: يا حبيبتي ما يبكيك؟ فقالت له: يا أبا سعيد .. التراب يحثى على شبابي ولم أشبع من طاعة ربي، يا أبا سعيد: انظر إلى والدتي وهي تقول لوالدي: احفر لابنتي
стр. 48
قبرًا واسعًا وكفنها بكفن حسن، والله لو كنت أُجهز إلى مكة لطال بكائي .. كيف وأنا أجهز إلى ظلمة القبور ووحشتها وبيت الظلمة والدود (١).
ولنتأمل في نصيحة محمد بن واسع وهي نصيحة قلبية صادقة في وقت حرج وزمنٍ ضيق. قال محمد بن عبد الله مولى الثقفيني: دخلنا على محمد بن واسع وهو يقضي، فقال: يا إخوتي، يا إخوتاه .. هبوني وإياكم سألنا الله الرجعة فأعطاكموها ومنعنيها، فلا تخسروا أنفسكم (٢).
نعم وأنا وأنت سألنا الرجعة فنحن في دار العمل فهيا إلى البدار ولنجلي صدأ القلوب بتوبة صادقة وأوبة سريعة فالأنفاس لم تتوقف بعد ولازالنا في دار العمل ..
كان بعض الصالحين ينادي بليل على سور المدينة .. الرحيلُ .. الرحيلُ، فلما توفي فَقَد صوته أمير المدينة فسأل عنه، فقيل: إنه مات. فقال:
ما زال يلهج بالرحيل وذِكره ... حتى أناخ ببابه الجمَالُ
فأصابه متيقظًا مُتشمِّرًا ... ذا أُهبةٍ لم تُلهه الآمال (٣)
قيل: إن يعقوب ﵇ قال لملك الموت: إني أسألك
стр. 49
حاجة؟ قال: وما هي؟ قال: أن تعلمني إذا دنا أجلي وأردت أن تقبض روحي؟ فقال: نعم، أرسل إليك رسولين أو ثلاثة، فلما انقضى أجله أتى إليه ملك الموت فقال: أزائر جئت أم لقبض روحي؟ فقال: لقبض روحك، فقال: أولست كنت أخبرتني أنك ترسل إليَّ رسولين أو ثلاثة؟ قال: قد فعلت .. بياض شعرك بعد سواده، وضعف بدنك بعد قوته، انحناء جسمك بعد استقامته، هذه رسلي يا يعقوب إلى بني آدم قبل الموت (١).
وليس هذا هو السائد فكم أخذ الموت من طفل رضيع .. وكم بغت من قد استقام عوده وشب ..
بل نرى أكثر أصحاب القبور من الشباب والأطفال والرضع .. ولكن هاك نصيحة موثقة تصلح لجميع الأعمار وتُبنى بها الديار في جنات الخلد ..
تأمل أيها الحبيب في وصية تكتب بماء الذهب وتحفظ في ثنايا القلوب ..
فقد قال رجل لزهير بن نعيم: يا أبا عبد الرحمن توصي بشيء؟ قال: نعم، احذر أن يأخذك الله وأنت على غفلة (٢).
وهذه هي النصيحة الباقية .. والمحبة في الله .. حثٌ على الطاعات وتواصٌ باجتناب المحرمات. تذكير بالآخرة واستعداد لها.
стр. 50
قال عبيد بن عمير: كان لرجل ثلاثة أخلاء بعضهم أخص له من بعض، فنزلت به نازلة، فلقي أخص الثلاثة به فقال: يا فلان إنه نزل بي كذا وكذا وإني أحب أن تُعينني، قال: ما أنا بالذي أفعل، فانطلق إلى الذي يليه في الخاصة، فقال: يا فلان إنه قد نزل بي كذا وكذا وأنا أحب أن تُعينني، قال: فانطلق معك حتى تبلغ المكان الذي تريد، فإذا بلغت رجعت وتركتك، قال: فانطلق إلى أبعد الثلاثة، فقال: يا فلان: إنه قد نزل بي كذا وكذا فأنا أحب أن تُعينني، قال: أنا أذهب معك حيث ذهبت، وأدخل معك حيث دخلت، قال: فالأول ماله، خلفه في أهله ولم يتبعه منه شيء، والثاني أهله وعشيرته ذهبوا معه إلى قبره، ثم رجعوا وتركوه، والثالث هو عمله وهو معه حيثما ذهب، ويدخل معه حيثما دخل (١).
أخي الحبيب ...
دعني أسحُ دموعًا لا انقطاع لها ... لو كنت تعلم ما بي تعذُرني
كأني بين تلك الأهل منطرحًا ... على الفراش وأيديهم تقلبني
كأني وحولي من ينوح ومن ... يبكي عليَّ وينعاني ويندبني
وقد أتوا بطبيب كي يعالجني ... ولم أر الطبيب اليوم ينفعني
واشتد نزعي وصار الموت يجذبها ... من كل عرقٍ بلا رفقٍ ولا هون
واستخرج الروح مني في تغرغرها ... وصار ريقي مريرًا حين غرغرني
وغمضوني وراح الكل وانصرفوا ... بعد الإياس وجدُّوا في شرى الكفن
стр. 51
وأنزلوا واحدًا منهم يلحدني
وأنزلوني في قبري على مهل
وكشف الثوب عن وجهي لينظرني ... وأسبل الدمع من عينيه أغرقني
فقام محتدمًا بالعزم مشتملاً ... وصَفَّف اللبن من فوقي وفارقني
وقال هُلوا عليه التراب واغتنموا ... حُسن الثواب من الرحمن ذي المننِ
إنها رحلة سريعة كلمح البصر .. سحابة بدت واختفت .. تلك هي الدنيا .. تمر مر السحاب، ساعة من زمن ثم تنقضي، ألا إنها -يا أخي- رحلة بدأت وستنتهي ..
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ على حصيرة فقام وقد أثَّر في جنبه، قلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاءً! فقال: «مالي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرةٍ ثم راح وتركها» رواه الترمذي.
أيها الحبيب .. سرت معي في دروب نالك فيها من الخوف الكثير فهانت الدنيا في عينك ولكن ها هو بصرك بدأت يفارق حروفي فأوصيك ونفسي بتقوى الله .. وانفض غبار الدنيا، ألق رداء الكسل وعليك بالعزيمة الصادقة في مجاهدة النفس .. واجعل آخر حرف في هذا الكتاب بداية للتوبة .. تسبقها دمعة تُجمِّل مآقيك وينفتح لها قلبك .. وأبشر بجنتين وعدك إياها من لا يخلف الوعد ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾.
أيها الحبيب .. سنستوحش أنا وأنت إذا افترقنا ولكن لنا في كتاب الله عصمة وفي حديث الرسول ﷺ قدوة وفي مجالسة الصالحين أنسٌ وفرحة .. فنعم الزاد ليوم المعاد.
стр. 52
أخي الحبيب ..
جمعني الله وإياك في دار كرامته وهون علينا سكرات الموت وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وآنس وحشتنا في القبور وثبتنا على الصراط يوم البعث والنشور .. وحرم وجوه آبائنا وأمهاتنا عن النار وجمعنا معهم في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر .. والحمد لله رب العالمين.