٤ - عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (أبو بكر) –ومحمد بن بشار (بندار).تابع أحدهما الآخر في روايتهما عن غندر.
٥ - عمرو بن عون –ومسدد بن مسرهد، تابع أحدهما الآخر في روايتهما عن خالد الطحان.
والمتابعات القاصرة أن يُتابع الراوي فيما فوق شيخه المباشر (١).
وهي كل ما سوى التامة من متابعات على أن لا يكون في الطريق نفسه؛ فكل راوٍ في أحد الأسانيد تابع كل الرواة في الأسانيد الأخرى شريطة ألا يكون تابعه متابعة تامة فمثلاً المتابعات القاصرة لشعبة بن الحجاج:
(عمرو بن عون، ومسدد، وخالد الطحان، وبيان بن بشر، ووبرة) في الطريق الأول فشعبة تابعهم وهم تابعوه في روايتهم عن عامر بن عبد الله.
و (عبد الله بن صالح، والليث، ويزيد، وعمر بن عبد الله، وعبد الله بن عروة) في الطريق الثاني تابعهم شعبة وهم تابعوه في روايتهم عن عبد الله بن الزبير.
وهكذا الحال لكل راوٍ من الرواة الآخرين.
المطلب الرابع: ترجمة رجال الإسناد .
تنقسم الترجمة إلى ثلاثة أقسام:
١ - ترجمة معرفية: وتعنى بعين المتَرجَم له، بما يميزه عن غيره ممن يشترك معه في الاسم أو الكنية أو اللقب أو البلد أو العشيرة، وهي على أهميتها في ذلك بيد أنها لا تفيد الحكم على الراوي من حيث جرحه أو تعديله.
стр. 37
فمثلاً: قال البخاري في صحيحه: حدثنا إسحاق أخبرنا عبد الصمد حدثنا عبد الرحمن بن دينار قال: سمعت أبي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ :" أنّ رجلا رأى كلبا يأكل الثرى من العطش فأخذ الرجل خفه فجعل يغرف له به حتى أرواه فشكر الله له فأدخله الجنة".
فللحكم على هذا الإسناد -مثلاً- لابد من معرفة رجاله، ولكي نترجم للرواة لابد من معرفتهم فمن إسحاق هذا، ومن عبد الصمد، ومن أبو صالح؟ فحينما نترجم لهم معرفياً نميزهم عن غيرهم، وهو أمر يسير جدا على المتمرس، وأحياناً يعسر الأمر، وذلك حينما يُذكر راوٍ باسمه أو كنيته فقط – مثلاً- ويكون عندنا راويان أو أكثر لهم الاسم نفسه أو الكنية، يشتركان في روايتهما عن الشيخ ذاته وتلميذهما واحد، فمثلاً في إسحاق شيخ البخاري هنا، من المقصود به؟
إذ للبخاري أكثر من شيخ اسمه إسحاق، هل هو إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، أو إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي، أو إسحاق بن منصور الكوسج أو إسحاق بن شاهين؟ فهؤلاء كلهم من شيوخ البخاري وممن روى عنهم في صحيحه، وطريقة تمييزه تكون بالرجوع إلى شيوخه أو تلامذته، يعني من (روى عنه) ومن (روى هو عنهم)،وخير ما يفيد الباحث في رجال الكتب الستة كتاب تهذيب الكمال للمزي.
والنكتة هنا هي أنّ البخاري روى عن إسحاق بن راهويه وعن إسحاق بن منصور الكوسج كلاهما من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث، فلا نقدر على تمييزه لا من شيخه ولا تلميذه، لذا فلابد من الرجوع إلى أقوال الأئمة النقاد لعلهم ميزوه، وخير ما ينفعك كتب تحرير المشتبهات، والمؤتلف والمختلف، والمبهمات، والمستخرجات، والشروح.
стр. 38
ورجح أبو علي الجيّاني أنّ البخاري إذا أطلق إسحاق هكذا يريد ابن منصور الكوسج، فقال:" والأشبه عندي أنه إسحاق بن منصور فإن البخاري إذا حدّث عنه كثيراً ما يبهمه ولا ينسبه " (١).
ووضع الحافظ ابن حجر العسقلاني قاعدة استقرائية جزم بها أن البخاري إذا أطلق إسحاق وقال إسحاق أخبرنا فهو ابن راهويه جزماً، فقال:" التعبير بالأخبار قرينة في كون إسحاق هو ابن راهويه لأنه لا يعبر عن شيوخه إلا بذلك " (٢).
وقال مرة في شيخ للبخاري اسمه إسحاق:"هو ابن إبراهيم، المعروف بابن راهويه، وإنما جزمت بذلك مع تجويز أبي علي الجياني أن يكون هو، أو إسحاق بن منصور؛ لتعبيره بقوله: «أخبرنا يعقوب بن إبراهيم»، لأن هذه العبارة يعتمدها إسحاق بن راهويه، كما عُرف بالاستقراء من عادته أنه لا يقول إلا: «أخبرنا» ولا يقول: «حدثنا» " (٣).
قلت: وهذه القاعدة ليست على إطلاقها فإسحاق هنا وإن قال: أخبرنا، فليس هو ابن راهويه وإنما هو ابن منصور الكوسج كما نص الحافظ ابن حجر نفسه فقال:" إسحاق هو ابن منصور الكوسج كما جزم به أبو نعيم في المستخرج " (٤).
والمسألة تحتاج إلى تدقيق ومراجعة، ولكل قاعدة شواذ، فلعل اختلاف النسخ سبب في اختلاف ألفاظ التحديث فتنبه (٥).
стр. 39
وهكذا ندرك أهمية الترجمة المعرفية في تمييز الرجل عن غيره، ونعرف جهد العلماء في تقييد المهمل وتبيينه.
لذا فأحياناً تجد النقاد لا يتمكنون من تمييز الرجل فيقولون: إن كان الرجل فلاناً فهو ثقة والإسناد صحيح وإلا فلا، وعبارات نحو ذلك.
فمثلا: جاء في سؤالات البرقاني للدارقطني:"قلت ابن أبي فديك يروى عن عبد الله بن يزيد عن أبيه عن أبي هريرة؟ فقال: إن كان هذا يزيد مولى المنبعث فهو ثقة" (١).
وقال ابن أبي حاتم في العلل:"وسألت أبي عن حديث رواه عبد الله بن نمير، عن حجاج بن دينار، عن شعيب بن خالد، عن الحسين بن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : إن من حسن إسلام المرء: تركه ما لا يعنيه"؟ قال أبي: إن كان شعيب بن خالد الرازي فبينهما الزهري، ولا أدري هو أو لا " (٢).
٢ - الترجمة المنقبية:
وهي ترجمة تعنى بمناقب الراوي ومحاسن أخلاقه، وتبرز جوانبه الروحية التعبدية كقولنا: زاهد، شجاع، تقي، ورع، كثير البكاء، كثير الصلاة ..... الخ، فهذه العبارات وإن كانت تفيد في عدالة الرجل ولكنها لا تفيد في ضبطه البتة، فكم من زاهد ضعيف الحديث، بل قد يكون الراوي صالحاً تقياً ولا يؤخذ من حديثه حرف، وقد نبه الإمام مسلم على مثل هذا في مقدمته فنقل عن يحيى القطان قوله: "لن ترى الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث" (٣).ثم
стр. 40
بين مسلم ذلك فقال:"يجري الكذب على ألسنتهم ولا يتعمدون الكذب" (١).لذا فقد يكون الرجل من أزهد الناس ولو شهد على تمرتين ما قبلت شهادته –كما قال أيوب السختياني-،فمنهم الضعيف كرشدين بن سعد، وعبّاد بن كثير، والحسن بن أبي جعفر وغيرهم. ومنهم متروك الحديث يتحرى الكذب ويتعمده مثل أحمد بن محمد بن غالب غلام خليل، وزكريا بن يحيى المصري. وقد فصل الإمام ابن رجب في شرح العلل (٢) الأقوال وبينها، فلتنظر لزاماً.
قال الذهبي في السير في ترجمة (غلام خليل):" الشيخ، العالم، الزاهد، الواعظ، شيخ بغداد، أبو عبد الله، أحمد بن محمد بن غالب بن خالد بن مرداس، الباهلي البصري، غلام خليل. سكن بغداد وكان له جلالة عجيبة، وصولة مهيبة، وأمر بالمعروف، وأتباع كثير، وصحة معتقد، إلا أنه يروي الكذب الفاحش، ويرى وضع الحديث. نسأل الله العافية" (٣).
فتأمل في قوله: (شيخ، عالم، زاهد، واعظ، شيخ بغداد .... صحة معتقد)،فهذه كلها مناقب وفضائل تدل على عبادة الرجل وحسن تدينه، بيد أنها لا تدفع عنه تعمد الكذب.
لذا نجد اليوم كثيراً ممن لا يحسن العلم ربما انخدع ببعض التراجم المنقبية، فيذهب إلى التعصب للرجل بحجة كونه رأساً في الزهد والورع، ولاسيما إن لم يكن الرجل متروكاً كالحارث المحاسبي ﵀، ومنصور بن عمار الواعظ، وغيرهم.
وهذه الترجمة تفيد كثيراً في التربية والدعوة، وأكثر ما تستعمل في كتب التواريخ والطبقات والزهد، كالحلية لأبي نعيم، وسير أعلام النبلاء، وتاريخ الإسلام للذهبي.
ولأن الصحابة كلهم عدول بنص القرآن الكريم والسنة الصحيحة فإننا نكتفي بالترجمة المنقبية لأحدهم
стр. 41
٣ - الترجمة النقدية:
وهي المعنية من الترجمة إذا أطلقت، فالقصد من ترجمة الراوي معرفة حاله من حيث العدالة والضبط، وهذه الترجمة تؤثر على الراوي إيجاباً أو سلباً من حيث قبول حديثه أو رده.
والرواة على أقسام من حيث توثيقهم أو عدمه، فمنهم الثقة، وهم مراتب، ومنهم الضعفاء وهم مراتب، ومنهم المتروكون.
فالثقة الذي لم يختلف النقاد على روايته، وحديثه واحد في كل حاله، ليس كحديث الثقة الذي قد اختلف النقاد على حديثه، وليس له حالة واحدة، وباعتبار شيخ معين دون غيره: كأبي معاوية الضرير، فحديثه صحيح إذا روى عن الأعمش، ومضطرب في غير الأعمش (١).
أو باعتبار بلد دون بلد: كـ معمر بن راشد: حديثه في اليمن صحيح، وحديثه في البصرة فيه أغاليط (٢). ويزيد بن هارون فحديثه بواسط أصح من حديثه ببغداد (٣).
أو باعتبار احتراق كتبه: كعبد الله بن لهيعة، فحديثه قبل احتراق كتبه أصح منه بعد الاحتراق (٤).
أو باعتبار ذهاب بصره: كـ عبد الرزاق بن همام الصنعاني (٥).
أو باعتبار اختلاطه: أي تغير فصار حفظه وضبطه خفيفاً، كسعيد بن أبي عروبة (٦) وعطاء بن السائب (٧)،وغيرهما، فمن سمع منهم قبل الاختلاط أصح ممن سمع منهم بعده.
стр. 42
أو باعتبار التلقين: والتلقين هو اختبار حفظ الشيخ، فيجعل سند متن ما على متن آخر أو متن سند على سند آخر، وهكذا لغرض اختبار حفظ الشيخ (١)، وممن اشتهر بقبول التلقين: عبد الله بن صالح كاتب المغيرة (٢)،وسعيد بن إياس الجريري (٣).
وغيرها من الآفات التي تطرأ على الحافظ (٤).
المطلب الخامس: مذاهب العلماء في تراجم الرجال .
للعلماء في تصنيف كتب التراجم مذاهب، فمنهم من صنف في الثقات، ومنهم من صنف في الضعفاء، ومنهم من صنف في تراجم الرواة مطلقاً، ومنهم من صنف في تراجم رجال كتب معينة، ومنهم من صنف في تراجم رواة بلد معين أو في المدلسين أو المتهمين به .. وهكذا، ويمكن توضيح ذلك بما يأتي:
أولاً: الكتب المصنفة في الثقات:
١ - الثقات: لأحمد بن عبد الله بن صالح أبي الحسن العجلي الكوفي ت (٢٦١) هـ.
٢ –. الثقات: لابن حبان أبي حاتم محمد بن حبان البستي ت (٣٥٤هـ) هـ.
٣ - تاريخ أسماء الثقات: لابن شاهين، عمر بن أحمد أبي حفص الواعظ ت (٣٨٥) هـ.
ولابد من التنبيه على أن هذا لا يعني أن من ذكر في هذا الكتب هو ثقة، بل فيها من هو ضعيف، بل ومتهم، وكثيراً ما يصرح العجلي وابن شاهين بضعف الراوي فمثلا: قال العجلي في ترجمة
стр. 43
الحارث بن عبد الله الأعور: حدثني قاسم العرفطى حدثنا زائدة عن مغيرة عن إبراهيم قال: كان الحارث متهما" (١).
وقال في ترجمة حكيم بن عجيبة:" كوفي ضعيف الحديث غال في التشيع متروك" (٢).
وقال ابن شاهين في ترجمة البراء بن يزيد الغنوي:" صاحب أبي نضرة: ضعيف" (٣).
وأحياناً يذكر ابن حبان مثل ذلك، من ذلك قوله في ترجمة حبة بن جوين العربي: ضعيف" (٤).
وعلى كل حال فمن وثق في هذه الكتب قد يكون ثقة، وقد يكون الراجح عند التحقيق خلافه، لأن توثيقه هناك مبني على ترجيح صاحب الكتاب له فقط، قال ابن حبان في مقدمة الثقات: "وإنما أذكر في هذا الكتاب الشيخ بعد الشيخ وقد ضعفه بعض أئمتنا ووثقه بعضهم فمن صح عندي منهم أنه ثقة بالدلائل النيرة التي بينتها في كتاب الفصل بين النقلة أدخلته في هذا الكتاب" (٥).وهذا الأمر مشهور بين طلبة العلم، ولكني رأيت بعض طلبة العلم اليوم يوثق الرجل اعتماداً على إيراده في ثقات ابن حبان –مع إجلالنا لهذا الناقد الكبير-دون تحرير حال الرجل أو النظر في أقوال بقية الأئمة، وهذا غلط فاحش، فليتنبه.
ثانيا: كتب مصنفة في الضعفاء:
١ - الضعفاء لأبي زُرعة الرازي، عبيد الله بن عبد الكريم أبي زُرْعة الرَّازيّ ٢٦٤ هـ.
٢ - الضعفاء للبخاري، محمد بن إسماعيل أبي عبدالله البخاري الجعفي ٢٥٦هـ.
٣ - الضعفاء والمتروكين للنسائي، أحمد بن شعيب أبي عبد الرحمن النسائي ٣٠٣هـ.
стр. 44
٤ - المجروحين لابن حبان أبي حاتم محمد بن حبان البستي ٣٥٤هـ.
٥ – الضعفاء الكبير للعُقيلي أبي جعفر محمد بن عمر بن موسى العقيلي ٣٢٢هـ.
٦ - الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي، عبدالله بن عدي بن عبدالله بن محمد أبي أحمد الجرجاني ٣٦٠هـ.
٧ - ميزان الاعتدال للذهبي، مُحمَّد بن أحمد أبي عبد الله الذهبيّ الحافظ ٧٤٨هـ.
٨ - لسان الميزان لابن حجر، أحمد بن علي بن حجر أبي الفضل شهاب الدين العسقلاني ٨٥٢هـ.
ثالثا: كتب جمعت بين الثقات والضعفاء.
١ - التاريخ الكبير والصغير والأوسط للبخاري.
٢ - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم مُحمَّد بن إدريس الحنظليّ أبي حَاتم الرَّازيّ ٢٧٧هـ.
رابعًا: مصنفات في رجال كتب مخصوصة:
١ - المعجم المشتمل على ذكر أسماء شيوخ الأئمة النبل، للحافظ أبي القاسم ابن عساكر الدمشقي ت (٥٧١هـ).
٢ - الكمال في أسماء الرجال، لعبد الغني المقدسي ت (٦٠٠هـ).
٣ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال، لأبي الحجاج المزي ت (٧٤٣هـ).
ولأهمية هذا الكتاب نقول (١):
لم يجمع أحد شيوخ أصحاب الستة قبل الحافظ ابن عساكر (٥٧١) في كتابه " المعجم المشتمل على ذكر أسماء شيوخ الأئمة النبل "،واقتصر فيه على شيوخ أصحاب الستة دون الرواة الآخرين.
стр. 45
ورتب الكتاب على حروف المعجم، وأورد التراجم على سبيل الاختصار فذكر اسم المترجم ونسبته، ثم من روى عنه من أصحاب الكتب الستة، ثم توثيقه، وأتبع ذلك بتاريخ وفاته إن وقع له، وأشار في نهاية الترجمة فيما إذا وقع له من حديثه ما كان موافقة أو بدلا عالياً، ونحو ذلك من رتب العلو في الرواية. واستعمل لأصحاب الستة علامات تدل عليهم، وهي: (خ) للبخاري و (م) لمسلم، و (د) لأبي داود، و (ت) للترمذي، و (ن) للنسائي، و (ق) لابن ماجه القزويني.
ثم جاء الحافظ الكبير أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي ت (٦٠٠هـ) فألف كتابه " الكمال في أسماء الرجال " وتناول فيه رجال الكتب الستة.
ومما يظنه بعض طلبة العلم غلطاً أن المقدسي اختصر كتاب ابن عساكر، وهذا وهم فالحافظ ابن عساكر ألف في شيوخ أصحاب الكتب الستة حسب، أما المقدسي فألف في رواة الكتب الستة، ولم يقتصر على شيوخهم فقط.
وأهم ميزات كتاب الكمال للمقدسي، هي:
١ - حاول أن يستوعب جميع رجال هذه الكتب غاية الإمكان.
٢ - بين أحوال هؤلاء الرجال حسب طاقته ومبلغ جهده، وحذف كثيرا من الأقوال والأسانيد طلبا للاختصار.
٣ - استعمل عبارات دالة على وجود الرجل في الكتب الستة أو في بعضها، فكان يقول " روى له الجماعة " إذا كان في الكتب الستة، ونحو قوله: " اتفقا عليه " أو " متفق عليه " إذا كان الراوي ممن اتفق على إخراج حديثه البخاري ومسلم في " صحيحيهما " وأما الباقي فسماه تسمية.
٤ - أفرد الصحابة عن باقي الرواة، فجعلهم في أول الكتاب، وبدأهم بالعشرة المشهود لهم بالجنة، فكان أولهم الصديق أبو بكر ﵃، وأفرد الرجال عن النساء، فأورد الرجال
стр. 46
أولا، ثم أتبعهم بالنساء، ورتب الرواة الباقين على حروف المعجم، وبدأهم بالمحمدين لشرف هذا الاسم.
ثم جاء الحافظ المزي ليصنف (تهذيب الكمال في أسماء الرجال)،وقد ذهب البعض إلى أن الحافظ المزي اختصر كتاب " الكمال " لعبد الغني حينما ألف كتابه " تهذيب الكمال "،والحق أنه (هذبه)،فزاد وأنقص، وأبرز ما صنعه المزي في تهذيبه:
١ - استدرك ما فات المؤلف (عبد الغني المقدسي) من رواة هذه الكتب.
٢ - حذف بعض من هو ليس من شرطه.
٣ - أضاف الرواة الواردين في بعض ما اختاره من مؤلفات أصحاب الكتب الستة، فزاد للبخاري:
١ - كتاب القراءة خلف الإمام.
٢ - كتاب رفع اليدين في الصلاة.
٣ كتاب الأدب المفرد.
٤ كتاب خلق أفعال العباد.
٥ ما استشهد به في الصحيح تعليقا.
وزاد لمسلم: مقدمة كتابه الصحيح.
وزاد لأبي داود:
١ كتاب المراسيل.
٢ - كتاب الرد على أهل القدر.
٣ - كتاب الناسخ والمنسوخ.
٤ - كتاب التفرد (وهو ما تفرد به أهل الأمصار من السنن).
٥ - كتاب فضائل الأنصار.
стр. 47
٦ - كتاب مسائل الإمام أحمد (وهي المسائل التي سأل عنها أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل).
٧ - كتاب مسند حديث مالك بن أنس.
وللترمذي: كتاب الشمائل.
وللنسائي:
١ - كتاب عمل يوم وليلة.
٢ - كتاب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁
٣ - كتاب مسند علي ﵁.
٤ - كتاب مسند حديث مالك بن أنس.
ولابن ماجه القزويني: كتاب التفسير.
وبذلك زاد في تراجم الأصل أكثر من ألف وسبع مئة ترجمة.
ثانيا: وذكر جملة من التراجم للتمييز، وهي تراجم تتفق مع تراجم الكتاب في الاسم والطبقة، لكن أصحابها لم يكونوا من رجال أصحاب الكتب الستة.
ثالثا: أضاف المزي إلى معظم تراجم الأصل مادة تاريخية جديدة في شيوخ صاحب الترجمة، والرواة عنه، وما قيل فيه من جرح أو تعديل أو توثيق، وتاريخ مولده أو وفاته، ونحو ذلك، فتوسعت معظم التراجم توسعا كبيرا.
رابعا: وأضاف المزي بعد كل هذا أربعة فصول مهمة في آخر كتابه لم يذكر صاحب " الكمال " منها شيئا وهي:
١ - فصل فيمن اشتهر بالنسبة إلى أبيه أو جده أو أمه أو عمه أو نحو ذلك.
٢ - فصل فيمن اشتهر بالنسبة إلى قبيلة أو بلدة أو صناعة أو نحو ذلك.
٣ - فصل فيمن اشتهر بلقب أو نحوه.
стр. 48
٤ - فصل في المبهمات.
واستخدم المزيّ رموز من سبقه لأصحاب الكتب الستة وزاد عليها رموزاً أخرى مما زاده من مصنفات أخرى، فاستخدم: للبخاري (خ) ولمسلم (م) وللترمذي (ت) ولا ابن ماجه (ت) وللنسائي (س) ولأبي داود (د)، وللبخاري في الأدب (بخ) ولأبي داود في القدر (قد)، وللبخاري تعليقًا (خت)، ولمسلم في مقدمة صحيحه (مق)، وغيرها من الرموز.
-ثم جاء الذهبي وهذب تهذيب الكمال في تذهيب التهذيب.
-ثم جاء الخزرجي وهذب التذهيب في كتاب سماه: خلاصة تذهيب تهذيب الكمال.
-ثم جاء علاء الدين مغلطاي فاستدرك بعض من فات المزي في تهذيبه بكتاب سماه: الإكمال.
-وجاء ابن حجر العسقلاني فجمع بين تهذيب الكمال وإكمال مغلطاي في كتاب سماه تهذيب التهذيب، ثم اختصره ابن حجر في تقريب التهذيب.
خامسًا: كتب اختصت بتراجم الصحابة الكرام، مثل:
١ - معرفة الصحابة لأبي نعيم، أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني ٤٣٠هـ.
٢ - الاستيعاب في حياة الصحابة، لابن عبد البر يوسف بن عبد الله ٤٦٣هـ.
٢ - أسد الغابة في معرفة الصحابة: لابن الأثير، أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري المعروف بابن الأثير٦٣٠هـ.
٣ - الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني.
سادساً: تواريخ البلدان:
وهي التي تصنف في تراجم رواة بلدة معينة مثل:
١ - تاريخ دمشق لأبي قاسم علي بن الحسن المعروف بابن عساكر ت (٥٧١هـ).
٢ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (٤٦٣هـ).
٣ - تاريخ جُرجان لحمزة بن يوسف السهمي (٤٠٨هـ).
стр. 49
سابعاً: كتب مصنفة في المدلسين:
١ - المدلسين لأبي أحمد الحاكم ت (٣٧٨) هـ.
٢ – جامع التحصيل في أحكام المراسيل، لأبي سعيد العلائي ت (٧٦١) هـ.
٣ - أسماء المدلسين لحسين بن علي الكرابيسي.
٤ – التبيين في أسماء المدلسين لسبط ابن العجمي ت (٨٤١) هـ.
٥ - تعريف ذوي التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس لابن حجر ويسمى طبقات المدلسين.
المطلب السادس: مراتب الرواة من حيث الاحتجاج أو عدمه
يجدر بنا توضيح مراتب الرواة من حيث الاحتجاج بهم من عدمه وذكر ألفاظ كل مرتبة، وحق هذا المبحث ضمن المطلب السابق (ترجمة رجال الإسناد) ولكن لسعة الكلام فيه وفي المبحث الذي يليه آثرنا تأخيرهما أضف إلى إننا خشينا أن إرباك للقارئ ولاسيما المبتدئ في حالة تأخير مطلب الحكم على الحديث بعد هذين المبحثين، فنقول:
من يتتبع أقوال أئمة الحديث ونقادهم في أقسام الرواة يجدها تدور في أربع مراتب (١): رواة مرتبة الاحتجاج، ورواة مرتبة الاختبار، ورواة مرتبة الاعتبار، ورواة مرتبة الترك.
وكل أقوال أئمة النقد في مراتب الرواة تدور بين ذلك، فمثلاً: قال سفيان الثوري:" إني لأروي الحديث على ثلاثة أوجه أسمع الحديث من الرجل أتخذه دينا وأسمع الحديث من الرجل أوقف حديثه وأسمع من الرجل لا أعبأ بحديثه وأحب معرفته" (٢).وقال محمد بن المثنى لعبد الرحمن بن مهدي:" يا أبا سعيد هم يقولون: إنك تحدث عن كل أحد؟ قال: عمن أحدث؟ فذكرت له محمد بن راشد المكحولي، فقال لي: أحفظ عني: الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن فهذا لا
стр. 50
يختلف فيه، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة فهذا لا يترك حديثه؛ ولو ترك حديث مثل هذا لذهب حديث الناس، وآخر يهم والغالب على حديثه الوهم فهذا يترك حديثه" (١).
وقال مسلم في مقدمة صحيحه:" إنا نعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رسول الله ﷺ فنقسمها على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الناس على غير تكرار، إلا أن يأتي موضع لا يستغنى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى أو إسناد يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك ..... فأما القسم الأول: فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى، من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث وإتقان لما نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد ولا تخليط فاحش، كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين وبان ذلك في حديثهم، فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها أخباراً يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان كالصنف المقدم قبلهم، على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم فإن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم، كعطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد وليث بن أبي سليم وأضرابهم من حمال الآثار ونقال الأخبار، فهم وإن كانوا بما وصفنا من العلم والستر عند أهل العلم معروفين فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة في الرواية يفضلونهم في الحال والمرتبة، فعلى نحو ما ذكرنا من الوجوه نؤلف ما سألت من الأخبار عن رسول الله ﷺ ، فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون أو عند الأكثر منهم فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم، كعبد الله بن مسور أبي جعفر المدائني، وعمرو بن خالد، وعبد القدوس الشامي، ومحمد بن سعيد المصلوب، وغياث بن إبراهيم، وسليمان بن عمرو أبي داود النخعي، وأشباههم ممن اتهم بوضع الأحاديث وتوليد الأخبار، وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط أمسكنا أيضا عن حديثهم " (٢).
стр. 51
وقال ابن أبي حاتم:" وجدت الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى، وإذا قيل للواحد إنه ثقة أو متقن ثبت: فهو ممن يحتج بحديثه، وإذا قيل له إنه صدوق أو محله الصدق أو لا بأس به: فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه وهي المنزلة الثانية، وإذا قيل شيخ: فهو بالمنزلة الثالثة، يكتب حديثه وينظر فيه إلا أنه دون الثانية، وإذا قيل صالح الحديث فإنه يكتب حديثه للاعتبار، وإذا أجابوا في الرجل بلين الحديث فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه اعتبارا، وإذا قالوا ليس بقوي فهو بمنزلة الأولى في كتب حديثه إلا انه دونه، وإذا قالوا ضعيف الحديث فهو دون الثاني لا يطرح حديثه يعتبر به، وإذا قالوا متروك الحديث أو ذاهب الحديث أو كذاب فهو ساقط الحديث لا يكتب حديثه وهي المنزلة الرابعة " (١).
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي:" رواة الحديث أربعة أقسام:
من هو متهم بالكذب.
ومن هو صادق لكن يغلب على حديثه الغلط والوهم لسوء حفظه، وهذان القسمان متروكان.
ومن هو صادق ويغلط أحياناً، وهذا القسم هو المحتج بحديثه.
ومن هو صادق ويخطئ كثيراً ويهم، لكن لا يغلب الخطأ عليه، وهؤلاء مختلف في الرواية عنهم والاحتجاج بهم. وسبق الكلام على ذلك كله مستوفى.
وبقي الكلام في أن بعض الرواة يختلف الحفاظ فيه من أي هذه الأقسام هو؟ فمنهم من يختلف فيه هل هو متهم بالكذب أم لا، ومنهم من يختلف فيه هل هو ممن غلب على حديثه الغلط أم لا.
ومنهم من يختلف فيه هل هو ممن كثر غلطه وفحش، أم ممن قل خطؤه وندر.
стр. 52
وقد ذكر الترمذي هنا بعض من اختلف في ترك حديثه وفي الرواية عنه. ونحن نذكر أمثلة هذه الأقسام الثلاثة التي ذكرناها إن شاء الله تعالى:. .... " (١).
فهكذا يتبين أن مراتب الرواة تدور على أربع مراتب:
*-مرتبة الاحتجاج: وراويها يحتج بحديثه انفرد أم توبع.
*-مرتبة الاختبار: وهم ثقات ولكن لا يحتج بحديثهم مطلقاً إلا بعد اختباره كأن يكون له أوهام أو تغير أو طرأ عليه طارئ فهو ليس ممن جُزم بضعفه مطلقاً أو توثيقه مطلقاً، كما ذكر ابن رجب ﵀ بقوله: (وبقي الكلام في أن بعض الرواة يختلف الحفاظ فيه من أي هذه الأقسام .. ،فراويها يختبر حديثه إما أنْ يوثق أو يضعف بحسب القرائن، ودائما تكون هناك علة ما تمنع من توثيق الرجل، فان انتفت العلة المانعة احتج بحديثه منفرداً أو متابعاً، وإن رجحت العلة نزل الراوي إلى الاعتبار أو ربما رد أصلاً بسب تلك العلة كالمخالفة مثلاً، وإن كانت القرائن غير جلية ولا ترجح أحد الطرفين على الآخر يبقى في دائرة الاختبار (التوقف) حتى تأتي القرينة.
ومن ذلك مثلاً: قول ابن أبي حاتم: "وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ؛ رَوَاهُ الأَنْصَارِيّ، عَن بَهز بْن حكيم، عَن زرارة، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ :" أَنَّهُ كَانَ يوضع لَهُ وضوؤهُ وسواكه من الليل".
وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَن بهز، عَنْ سَعْدِ بْنِ هشام، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أيهما أصح؟ قَالَ أَبِي: إن كَانَ حفظ حَمَّاد فهذا أشبه" (٢).
стр. 53
وقال:" سألتُ أبي وأبا زُرْعَةَ عن حديثٍ رواه الثوري، عن أبي هاشم، عن سعيد بن جبير أَنه سئل عن النجاسة تصيب الثوب، قال: اقرأ على آية في غسل الثياب. فقلت لهما: من أبو هاشم هذا؟ قال أبي: هو إِسماعيل ابن كثير المكي وليس هو أبو هاشم الرماني قال أبو زُرْعَةَ الذي عندي أَنه الرماني قلت رواه محمد بن كثير فقال إِسماعيل بن كثير قال: إِن حفظ ابن كثير فهو كما يقول" (١).
*-مرتبة الاعتبار: ورواة هذه المرتبة لا يحتج بحديثهم مطلقاً، ولا يقبل حديث الراوي منهم ما لم يتابع فحديثه يصلح في المتابعات والشواهد (الاعتبار).
*مرتبة الترك: ورواتها لا يحتج بهم لا في الاحتجاج ولا في الاعتبار ولا يستشهد بحديثهم أصلاً.
ولذا فإن الحافظ ابن حجر العسقلاني جعل أحوال الرواة باعتبار المراتب اثنتي عشرة مرتبة، فقال:" أما المراتب:
فأولها: الصحابة: فأصرح بذلك لشرفهم.
الثانية: من أكد مدحه: إما: بأفعل: كأوثق الناس، أو بتكرير الصفة لفظا: كثقة ثقة، ومعنى: كثقة حافظ.
الثالثة: من أفرد بصفة: كثقة، أو متقن، أو ثبت، أو عدل.
الرابعة: من قصر عن درجة الثالثة قليلا وإليه الإشارة، بصدوق، أو لا بأس به، أو ليس به بأس.
стр. 54
الخامسة من قصر عن (درجة) الرابعة قليلا، وإليه الإشارة بصدوق سيئ الحفظ، أو صدوق يهم، أو: له أوهام، أو يخطئ، أو تغير بأخرة، ويلتحق بذلك من رمي بنوع من البدعة: كالتشيع، والقدر، والنصب، والإرجاء، والتجهم مع بيان الداعية من غيره.
السادسة: من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ: مقبول، حيث يتابع، وإلا فلين الحديث.
السابعة: من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق، وإليه الإشارة بلفظ: مستور، أو مجهول الحال، الثامنة: من لم يوجد فيه توثيق لمعتبر، ووجد فيه إطلاق الضعف، ولو لم يفسر، وإليه الإشارة بلفظ: ضعيف.
التاسعة: من لم يرو عنه غير واحد، ولم يوثق، وإليه الإشارة بلفظ: مجهول.
العاشرة: من لم يوثق البتة، وضعف مع ذلك بقادح، وإليه الإشارة بمتروك، أو متروك الحديث، أو واهي الحديث، أو ساقط.
الحادية عشرة: من اتهم بالكذب.
الثانية عشرة: من أطلق عليه اسم الكذب، والوضع" (١).
وهذه المراتب في حقيقتها تدور في المراتب الأربع التي ذكرتها، فالمرتبة (الأولى، والثانية، والثالثة، والرابعة): هم رواة مرتبة الاحتجاج.
و (الخامسة):هم رواة مرتبة الاختبار.
و (السادسة، والسابعة، والثامنة، والتاسعة):هم رواة مرتبة الاعتبار.
و (العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة)،رواة مرتبة الترك.
ومما يجدر التنبيه عليه هو أنّ الحافظ ابن حجر لم يكتف بالعبارات التي ذكرها في مقدمته بل زاد عليها ألفاظاً أخرى يمكن للمتمرس أن يعرف في أية مرتبة من المراتب، فمن ذلك: ثقة
стр. 55
يغرب، أو ثقة حافظ له مناكير، أو حافظ له أوهام أو ثقة يهم قليلاً، .... وغيرها. وفي الجملة فإن ألفاظ التوثيق إن اقترنت بعبارات تشعر بخطأ الراوي أو تغيره فإنه يكون من مرتبة الاختبار في الغالب الأعم، وبحسب القرائن، والله أعلم.
المطلب السابع: الحكم على الحديث .
وهذه المرحلة مهمة للغاية ودقيقة، إذ يترتب عليها قبول الحديث أو رده، والدراسة تنصب على قسمين (١):
١ - دراسة الإسناد.
٢ - دراسة المتن.
ومن المعلوم أن صحة الحديث تستلزم صحة السند والمتن جميعاً، ولا يصح إطلاق الصحة على الحديث لثقة رجال السند ما لم يسلم المتن من الشذوذ والعلة، وكذا المتن لا يصح ما لم يصح السند، وقد يضعف السند لعلة ما كانقطاع أو تدليس أو إرسال .... ولكن المتن صح من جهة إسناد آخر، وهنا أيضاً لا يصح إطلاق الصحة على الحديث بهذا الإسناد.
ويمكنك التفصيل في الحديث فتقول: إسناده ضعيف (باطل، منكر .. ) ومتنه صح من حديث آخر، أو إسناده باطل، وصح متنه من وجه آخر .. وهكذا.
стр. 56
ولدراسة الإسناد لابد من الترجمة لكل الرواة لننظر في رواة طرق الحديث هل هم ثقات أو دون ذلك أو فيهم ضعيف أو متهم بالكذب، وهل يصح من الطرق شيء أو علها صحت جميعها أو ربما لم يصح منها شيء.
فإن كان السند غريباً مطلقاً، أي ليس فيه متابعات ترجمنا لكل السند ثم حكمنا عليه بعد تتبع كتب العلل وأحكام الأئمة النقاد، وحسب ما سنذكره لاحقاً.
وإن كان السند فيه طرق متعددة نلاحظ موضع التفرد في الإسناد، ويمكننا الاستعانة بمخطط لشجرة الرواة يسهل علينا تحديد موضع التفرد في السند، وفائدة معرفة موضع التفرد هي معرفة المتابعات التامة والقاصرة لتسهيل دراسة الإسناد، إذ لو ثبت ضعف المدار فإن الإسناد يبقى ضعيفاً ولو كان الرواة دون المدار كلهم ثقاتٍ، فحينئذٍ نستطيع أن نحكم ابتداءً بضعف السند، أما إن كان موضع التفرد ومن فوقه من رواة مرتبة الاحتجاج، فحينئذ ٍ ندرس رواة الطرق طريقاً طريقاً، فإن صح الإسناد من طريق واحد فالإسناد صحيح، وبقية الطرق متابعات له إن كان رواتها من رواة الاعتبار، وقد تصح جميعها، وقد يصح بعضها، وقد تكون بمجموعها حسنة، فيكون الإسناد حسناً، وقد لا تصح كلها، وحينئذٍ يعد الإسناد ضعيفاً، وهكذا ..
وهذا إذا لم يكن هذا الإسناد معارضاً بإسناد أصح منه، أو حكم إمام ناقد بخلافه، كأن يكون معارضاً بإسنادٍ مرسلٍ، والمرسل هو الصواب، أو يكون أخطأ فيه راوٍ من رواته فرفعه، والصواب وقفه، إذ لابد من مراجعة كتب العلل كعلل ابن أبي حاتم، وعلل ابن المديني وعلل أحمد وعلل الدارقطني، وكتب التراجم كالجرح والتعديل لابن أبي حاتم، والكامل في الضعفاء لابن عدي، والضعفاء الكبير للعقيلي، إذ قد تذكر فيها الأحاديث الأغاليط المنتقدة على الراوي في ترجمته ويُتكلم في علته، وغيرها من الكتب الأخرى ككتب التخريج ولاسيما نصب الراية للزيلعي، والتلخيص الحبير لابن حجر العسقلاني، وغيرها.
стр. 57
فإن سلم لنا الإسناد حينئذٍ يأتي دور المتن لدراسته، هل فيه شذوذ أو نكارة، أو اضطراب ... الخ
أم هو سالم من تلك العلل؟ ولكي نعرف هذه المشكلة نجمع طرق الباب من المتابعات والشواهد، قال يحيى بن معين:" لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهاً ما عقلناه" (١).
وقال أحمد بن حنبل:" الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه والحديث يفسر بعضه بعضا" (٢).وقال علي بن المديني:" الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه " (٣).
وقال عبد الله بن المبارك:" إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضه ببعض" (٤).
وكما سلف في دراسة الإسناد من ضرورة مراجعة كتب العلل، فكذا يجب مراجعتها ههنا ويجب البحث أيضاً في كتب السنن والجوامع فأحيانا يذكر أصحابها العلل في موضعها، وكتب الشروح كالتمهيد لابن عبد البر، وفتح الباري لابن حجر، وغيرها وكتب مختلف الحديث كـ (مختلف الحديث) لابن قتيبة، أو الكتب التي اختصت بتوضيح مشكل التعارض في الحديث، ككتاب شرح مشكل الآثار لأبي جعفر الطحاوي، والتحقيق في أحاديث الخلاف لابن الجوزي، وغيرها.
فإذا عرفت أنّ الحديث فيه علة، ولم تتمكن من الوقوف عليها بعد البحث في الكتب المعتمدة فأعلم أن القصور في بحثك، فاجهد في ذلك، فقلما فات الأئمة المتقدمين والمتأخرين أحاديث من مثل ذلك، فعليك بالرجوع والبحث.
стр. 58
فإن لم تجد –بعد البحث الحثيث- تعارضاً أو إشكالا بين الروايات المتعددة، ووجدت المتن قد سلم من الشذوذ أو العلة فهذا يدل على أن المتن صحيح.
وقبل أن تشرع في إطلاق حكمك على الحديث يتوجب عليك الرجوع إلى أقوال الأئمة النقاد وأحكامهم والوقوف عند أقوال الأئمة المتقدمين، فإن اتفق المتقدمون على قبول حديثٍ، أو رده فلا يجوز مخالفتهم بوجه من الوجوه، أما إذا اختلفوا في حديث ما فلا مانع من دراسة أقوالهم والترجيح بينها وفق القواعد المقررة في التعارض والترجيح المعتبرة، والعبرة بقولهم لا بقولك فأنت إنما رجحت حسب. ولا مانع من الجمع بين القولين إن أمكن ذلك بتوجيه معتبر؛ ولكن لا يحل لك الخروج بقول ثالث يرد القولين، فلا يعقل المجيء بشيء فاتهم بالجملة!
وحكمك على الحديث إنما يكون على الإسناد حسب، فتقول: هذا إسناد صحيح أو حسن أو ضعيف، ولا يجوز إطلاق الحكم على الحديث كأن تقول:" حديث صحيح". إلا إن تكون مسبوقاً به، كأن يكون الحديث في صحيح البخاري، أو أنك:" تزعم أنك استقرأت جميع كتب السنّة، وتوصلت إلى أن هذا الحديث ليس له علّة باطلة تقدح في صحته. ولا يصح أن تستقرأ فقط، إلا أن تكون دقيق الفهم عالماً بالتخريج وعلم المصطلح والجرح والتعديل، وقد بلغت مبلغ العلماء فيها، وتجزم بعدم وجود علّة باطنة تقدح في الحديث " (١).
قال البيهقي: " أنّ الأحاديث التي قد صحّت، أو وقفت بين الصحّة والسُّقْم قد دُوّنت وكُتبت في الجوامع التي جمعها أئمةُ أهل العلم بالحديث، ولا يجوز أن يذهب منها شيءٌ على جميعِهم، وإن جاز أن تذهب على بعضهم؛ لضمان صاحب الشريعة حفظها. فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم، لم يُقبل منه .. " (٢).
стр. 59
ومن ذلك ما قاله الحافظ ابن حجر: "وبهذا التقرير يتبين عِظَمُ موقع كلام الأئمة المتقدمين، وشدةُ فحصهم، وقوةُ بحثهم، وصحةُ نظرهم، وتقدمُهم بما يوجب المصيرَ إلى تقليدهم في ذلك، والتسليمَ لهم فيه" (١).
وقال السخاوي: "ولذا كان الحكم من المتأخرين عسراً جداً، وللنظر فيه مجال، بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحر في علم الحديث والتوسع في حفظه كشعبة والقطان وابن مهدي ونحوهم وأصحابِهم مثل أحمد وابن المديني وابن معين وابن راهويه وطائفة، ثم أصحابِهم مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي، وهكذا إلى زمن الدارقطني والبيهقي ولم يجئ بعدهم مساوٍ لهم ولا مقاربٌ؛ أفاده العلائي، وقال: فمتى وجدنا في كلام أحد المتقدمين الحكم به كان معتمداً لما أعطاهم الله من الحفظ الغزير وإن اختلَف النقل عنهم عُدِل إلى الترجيح" (٢).
وقال البيهقي: " وهذا النوع من معرفة صحيح الحديث من سقيمه لا يعرف بعدالة الرواة وجرحهم وإنما يعرف بكثرة السماع ومجالسة أهل العلم بالحديث ومذاكرتهم والنظر في كتبهم والوقوف على روايتهم حتى إذا شذ منها حديث عرفه " (٣).
وقال ابن رجب الحنبلي: " وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد، وإن لم يرو الثقات خلافه: " إنه لا يتابع عليه " ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض
стр. 60
تفردات الثقات الكبار أيضاً ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه" (١).
ومما زاد الطين بلة، أن بعض المستعجلين أو جهلة القوم أو المغرضين راحوا يطعنون في أصح كتاب بعد كتاب الله (صحيح البخاري) أو في تصحيح أئمة النقد كأحمد وأبي داود والترمذي والنسائي بحجة أنّ في الإسناد رجلاً ضعيفاً، وهو خلاف (المقرر في قواعد المصطلح)! والحق أنهم استعجلوا في تطبيق هذه القواعد أو أنهم لم يحسنوا استعمالها، وإلا فأئمة المصطلح قرروا أنّ العالم الجهبذ الناقد الفطن قد ينتقي من أحاديث الضعيف أحسنها، كما فعل الأئمة المتقدمون، فهم أعرف بحديث الضعيف وتفريعاته، فليتنبه لهذه الدقيقة التي غابت أو غيبت عن بعض المعاصرين بل وحتى على بعض العلماء السابقين بسبب الاستعجال وعدم التدقيق، قال الذهبي:" فإن أولئك الأئمة، كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود عاينوا الأصول وعرفوا عللها، وأما نحن فطالت علينا الأسانيد، وفقدت العبارات المتيقنة، وبمثل هذا ونحوه دخل الدَّخَل على الحاكم في تصرفه في المستدرك " (٢).
وتأمل قوله أيضاً: " يا شيخ أرفق بنفسك والزم الإنصاف ولا تنظر إلى هؤلاء الحفاظ النظر الشَّزْر ولا ترمقنهم بعين النقص، ولا تعتقد فيهم أنهم من جنس محدثي زماننا حاشا وكلا، وليس في كبار محدثي زماننا أحد يبلغ رتبة أولئك في المعرفة فإني أحسبك لفرط هواك تقول بلسان الحال إن أعوزك المقال: من أحمد؟ وما ابن المديني؟ وأي شيء أبو زرعة وأبو داود؟ فاسكت بحلم أو انطق بعلم، فالعلم النافع هو ما جاء عن أمثال هؤلاء؛ ولكن نسبتك إلى
стр. 61
أئمة الفقه كنسبة محدثي عصرنا إلى أئمة الحديث فلا نحن ولا أنت، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذو الفضل " (١).
ويجدر بطالب العلم الحريص على السنة النبوية أن يعمق دراسته في طريقة الأئمة المتقدمين، ويكرس وقته لتتبع صنيعهم في مصنفاتهم العظيمة التي حق لنا أن نفتخر بها، وأن يستعين بكتب الأئمة المتأخرين الذي اقتفوا طريقتهم ولاسيما مصنفات الحافظ الذهبي، والحافظ ابن رجب الحنبلي وأخص منها كتابه الماتع شرح علل الترمذي، ومصنفات ابن عبد الهادي الحنبلي، وابن حجر العسقلاني، وغيرهم.
المطلب الثامن: التخريج عن طريق الحاسب الآلي
التخريج الآلي: أعني به التخريج من خلال الحاسب الآلي (الكمبيوتر).
стр. 62
الحاسب الآلي من نعم الله تعالى علينا، والخدمة التي يقدمها للباحث خدمة كبيرة، وهو يمثل مؤسسة كاملة تساندك وتعينك في عملك، فالحديث الذي تحتاج إلى ساعات طوال لمعرفة مظانه أو جمع طرقه، يعطيك ذلك الحاسب في ضغطة زر واحدة!
فهو فِهرس يُنتفع به كما يُنتفع بالفهارس التي مر ذكرها، فهو يعين على معرفة اسم الراوي، أو الصحابي، أو لفظة في الحديث، وغيرها، ومع كل هذا فهو لا يعدو أن يكون فِهرساً، ولا يمكنه الاستقلال في الحكم، فالحكم على الأحاديث يحتاج إلى نظر وفقه واستنباط، وليس عملاً آلياً.
وأهم ميزات هذه الطريقة: سرعة البحث، وكثرة المصادر وتنوعها، وكذا تنوع أساليب البحث (١).
وقد شرع الباحثون وبعض المؤسسات إلى استغلال الحاسوب في خدمة السنة النبوية بشكل خاص، والعلوم الشرعية بشكل عام منذ وقت مبكر، فانشئت المشاريع وظهرت المحاولات منذ زمن لجمع الأحاديث والآثار وفهرستها بالكمبيوتر، منها:
١ - مشروع برنامج الكتب التسعة، تابع لشركة صخر بالكويت.
٢ - مشروع قاعدة معلومات الأحاديث النبوية الشريفة. مركز الكمبيوتر الإسلامي بلندن تأسس عام ١٩٨٣هـ.
٣ - مشروع سلسبيل لخدمة السنة النبوية والسيرة النبوية. شركة سلسبيل للكمبيوتر بالقاهرة.
٤ - مشروع الموسوعة الذهبية للحديث وعلومه. مركز التراث بالأردن.
٥ - مشروع موسوعة الحديث النبوي. مركز بحوث السنة والسيرة بجامعة قطر.
وغيرها من المشاريع الأخرى. (٢)
стр. 63
أضف إلى الأقراص المضغوطة التي تضمنت كتب كبيرة وكثيرة، كالمكتبة الألفية ومكتبة الأجزاء الحديثية ومكتبة مؤلفات ابن تيمية وابن القيم، ومكتبة مؤلفات ابن حجر العسقلاني ... الخ.
وجاءت المكتبة الشاملة (باصداراتها) لتحوي أكثر المكتبات والموسوعات فحوت ألاف المصنفات!
فهذه مفيدة جداً للمشتغلين بهذا الفن شريطة حسن التعامل معها فقد لاحظنا على كثيرٍ من طلبة العلم ممن يعتمد على على الحاسب الآلي ولا يرجع الى الكتب المطبوعة الخطأ والتخبط في النقولات، ولاسيما أولئك الذين اتموا الدراسات العليا ولم يعرفوا الكتب الا من خلال شاشات حواسيبهم!
فالنقل من الحاسب فيه سلبيات، منها:
١ - قلة الضبط، والإتقان في النقل. فكم من حديث اسقط من سنده رجل أو أكثر، وكم من حكم في حديث تحرف، ولعل العجلة والتنافس بين الشركات المنتجة لهذه البرامج يجعلهم يستعجلون في إخراجها بغير دقة.
٢ - نشر الجهل المبطن، وأعني به عزل القارئ عن الاتصال المباشر بالمصادر والمناهج، فبعض الباحثين ظن امكانية أن يستغني بهذه البرامج عن الكتب الأصلية وهذا خطأ كبير.
٣ - إيهام بعض الباحثين المبتدئين بكثرة المصادر التي خرجت الحديث فيظن انه صحيح أو له أصل اغتراراً بهذه المصادر الكثيرة.
٤ - شجعت هذه الموسوعات بعض المرضى على السرقة والتلفيق! فهذه الموسوعات أكثر انتشارا بين يدي الناس من أي كتاب يطبع، فآلاف الكتب في قرص واحد سعره لا يتجاوز دولارات معدودة، فراجت هذه البضاعة بين عامة الناس، واغتر بعض الناس بها طلباً للشهرة
стр. 64
والصيت -أعاذنا الله- فراحوا يسرقون البحوث والرسائل الجامعية، ويلفقون بين النصوص وينشرونها على المنتديات بأسمائهم!
وعلى كل حال فالحاسب جهاز جيد ونافع والموسوعات مهمة ومفيدة، ولكن شريطة التعامل معه كونه فهرساً، واجتناب مثل هاتيك السلبيات، والله أعلم.
الفصل الثاني
الدراسة التطبيقية
المبحث الأول: نموذج أول
لو طلب منك تخريج هذا المتن: قال رسول الله ﷺ :" كَيْفَ بِكُمْ وَبِزمَانٍ، أَوْ يُوشِكُ أَنْ يَأْتيَ زَمَانٌ، يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً، تَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ، قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ، وَاخْتَلَفُوا، فَكَانُوا هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَقَالُوا: وَكَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ، وَتَذَرُونَ مَا تُنْكِرُونَ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمْرِ خَاصَّتِكُمْ، وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُمْ ".
فأول ما تبدأ به هو البحث عن مظانه في كتب السنة التي أخرجته، ويكون إما بالرجوع إلى طرفه (كيف بكم وبزمان .... )،ويعتمد في ذلك على الكتب التي عُنيت بالأطراف كتحفة الأشراف بمعرفة الأطراف للإمام المزي أو الجامع الصغير للسيوطي أو المسند الجامع أو موسوعة أطراف الحديث لبسيوني زغلول ... وكما سبق توضيحه، ولكن عليك أن تتنبه إلى أن صاحب الفهارس قد يورد طرف الحديث بلفظ غير اللفظ الذي تبحث عنه، لأنه من المحتمل أن تكون للحديث أكثر من لفظة، ولو ذهبت مثلاً إلى تحفة الأشراف -ويمكنك الرجوع إلى
стр. 65
الفهرست آخر الكتاب- فسيدلك على موضعه بالجزء والصفحة، فستجده هكذا في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ (١):
وكما في الصورة التوضيحية من فهارس كتاب تحفة الأشراف.
стр. 66
في هذه الصفحة من كتاب تحفة الأشراف تجد الطرف يبدأ بـ: كيف بكم ....
بينما لاحظه في كتاب المسند الجامع فإنه يبدأ بـ: كيف أنت إذا بقيت في حثالة ...
стр. 67
وكلاهما يدلك على موضع طرف الحديث في الكتاب، قريباً منه بعده بحديث أو قبله بحيث لذا فقد جاء برقم (٨٧٤١).
صفحة من فهرست كتاب المسند الجامع
стр. 68
ثم لو رجعت إلى الموضع المذكور من الكتاب فستجده هناك على هذه الصورة:
*من طريق عكرمة مولى ابن عباس عنه.
٨٨٩٢ - د سي حديث:" بينما نحن حول رسول الله ﷺ إذ ذكر الفتنة ... الحديثَ.
د في الملاحم (٨: ١٧) عن هارون بن عبد الله، عن الفضل بن دكين -
س في اليوم والليلة (٧٦ - ب: ٧) عن أحمد بن بكار، عن مخلد بن يزيد - كلاهما عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي العلاء هلال بن خبَّاب، عنه بِهِ.
*ومن طريق عمارة بن عمرو عنه.
٨٨٩٣ - د ق حديث: "كيف بكم وزمان أو يوشك أن يأتي زمان يغربل الناس فيه غربلة؟ " ... الحديث.
د في الملاحم (١٧: ٧) عن القعنبي ق في الفتن (١٠: ١) عن هشام بن عمار ومحمد بن الصباح ثلاثتهم عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عنه به (قال د: هكذا روي عن عبد الله بن عمرو عن النبي من غير وجه).
لاحظ في صورة الكتاب أدناه: فأعلى الصفحة الى اليمين أسم الصحابي صاحب المسند (عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁.وبعده أسم التابعي الراوي عنه (عمارة بن عمرو).
ثم يخرج الطرق أسفل إلى أن تتلقي بعمارة بن عمرو فيقول به. يعني بالإسناد أعلاه.
стр. 69
صورة من المجلد السادس من كتاب تحفة الأشراف للحافظ المزي
стр. 70
وستجده أيضا في المسند الجامع قد روي من حديث عبد الله بن عمرو بهذا الشكل:
- عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:"
كَيْفَ بِكُمْ وَبِزمَانٍ، أَوْ يُوشِكُ أَنْ يَأْتيَ زَمَانٌ، يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً، تَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ، قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ، وَاخْتَلَفُوا، فَكَانُوا هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَقَالُوا: وَكَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ، وَتَذَرُونَ مَا تُنْكِرُونَ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمْرِ خَاصَّتِكُمْ، وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُمْ ".
أخرجه أحمد ٢/ ٢٢١ (٧٠٦٣) قال: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن. وفي (٧٠٦٣) قال: حدثناه قتيبة بن سعيد، بإسناده ومعناه و"أبو داود" ٤٣٤٢ قال: حدثنا القعنبي، أن عبد العزيز بن أبي حازم حدثهم. و"ابن ماجه" ٣٩٥٧ قال: حدثنا هشام بن عمار، ومحمد بن الصباح. قالا: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم.
كلاهما (يعقوب، وعبد العزيز) عن أبي حازم، عن عمارة بن عمرو، فذكره.
٨٧٤٢ - عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. قَالَ:
((بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِذْ ذَكَرَ الْفِتْنَةَ، فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ النَّاسَ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، وَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ، وَكَانُوا هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ. فَقُلْتُ: كَيْفَ أَفْعَلُ عِنْدَ ذَلِكَ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ؟ قَالَ: الْزَمْ بَيْتَكَ، وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ بِمَا تَعْرِفْ، وَدَعْ مَا تُنْكِرْ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ.)).
أخرجه أحمد ٢/ ٢١٢ (٦٩٨٧) قال: حدثنا أبو نُعيم. و"أبو داود" ٤٣٤٣ قال: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا الفضل بن دُكين. و"النَّسائي" في "عمل اليوم والليلة" ٢٠٥ قال: أخبرني أحمد (١) بن بكار الحراني. قال: حدثنا مخلد.
كلاهما (أبو نُعيم، الفضل بن دُكين، ومخلد بن يزيد) قالا: حدثنا يونس بن أبي إِسحاق، عن هلال بن خَبَّاب، أبي العلاء. قال: حدثني عكرمة، فذكره.
стр. 71
٨٧٤٣ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّهُ قَالَ:" يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يُغَرْبَلُونَ فِيهِ غَرْبَلَةً، يَبْقَى مِنْهُمْ حُثَالَةٌ، قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ، وَاخْتَلَفُوا، فَكَانُوا هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. قَالُُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ، وَتَدَعُونَ مَا تُنْكِرُونَ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمرِ خَاصَّتِكُمْ، وَتَدَعُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُمْ.
أخرجه أحمد ٢/ ٢٢٠ (٧٠٤٩) قال: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا محمد بن مُطَرِّف، عن أبي حازم، عن عَمرو بن شُعيب، عن أبيه، فذكره.
٨٧٤٣ - عن الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو. قال: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : كَيْفَ أَنْتَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: إِذَا مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ، وَكَانُوا هَكَذَا، (وَشَبَّكَ يُونُسُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، يَصِفُ ذَاكَ)، قَالَ: قُلْتُ: مَا أَصْنَعُ عِنْدَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: اتَّقِ اللهَ ، وَخُذْ مَا تَعْرِفْ، وَدَعْ مَا تُنْكِرْ، وَعَلَيْكَ بِخَاصَّتِكَ، وَإِيَّاكَ وَعَوَامَّهُمْ.)).
أخرجه أحمد ٢/ ١٦٢ (٦٥٠٨) قال: حدثنا إسماعيل، عن يونس، عن الحسن، فذكره.
وستجده كما في الصورتين أدناه:
стр. 72
صورة من المجلد ١١ من كتاب المسند الجامع
стр. 73
قلت: وهكذا تسهل عليك مع هذه المرحلة (معرفة المظان) مرحلة أخرى هي (جمع الطرق)،وقد تنظم إليها المرحلة الثالثة (تحديد موضع التفرد) ما لم تجد طرقاً أخرى في مصنفات خارج حدود المسند الجامع، كأن يقع لك طريق في مستدرك الحاكم أو معاجم الطبراني أو سنن الدارقطني أو سنن البيهقي أو غيرها من المصنفات الأخرى التي لم تذكر في المسند الجامع، أو ربما قد تكون فاتت عليهم فيه.
وقد تنتفع أيضاً من الحاسب الآلي والموسوعات البحثية ولاسيما الموسوعة الشاملة فإن فيها كتباً كثيرة جداً قد تجد فيها ما فاتك أو قد يفوتك من الطرق، شريطة التثبت من الكتاب المطبوع قدر الممكن وإن لم تجده فلابد من التنبيه على أنك أخذته من الحاسب، لأنه قد يقع فيها خطأ في السند كأن يسقط منه رجل أو في المتن كأن تتحرف كلمة أو تسقط منه كلمة وهكذا ... فمثلاً في هذا الحديث سقط من سند الحاكم ٢/ ١٧١ أبو حازم، فجاء عن يعقوب عن عمارة فتنبه!
وهنا تأتي المرحلة المهمة وهي تحديد موضع التفرد في الإسناد، وبعد الرجوع إلى طرق الحديث وجدنا أنّ هناك طرقاً أخرى خارج المسند الجامع، وهي وإن كانت لا تؤثر على مدار الحديث ولكنها مهمة في البحث، ومن لوازم التتبع السليم، إذ وجدناها في مستدرك الحاكم، فقال في ٢/ ١٧١: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا بحر بن نصر بن سابق بن الخولاني ثنا عبد الله بن وهب حدثني يعقوب بن عبد الرحمن عن عمارة بن حزم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄
وقال في ٤/ ٤٨١: حدثنا أبو عون محمد بن أحمد بن ماهان الجزار بمكة حرسها الله تعالى على الصفا إملاء ثنا أبو عبد الله محمد بن علي بن زيد الصائغ المكي ثنا سعيد بن منصور المكي ثنا
стр. 74
يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم عن عمارة بن حزم بن عمرو بن حزم عن عبد الله بن عمرو.
وهكذا يكون موضع التفرد في هذا الحديث هو (عبد الله بن عمرو بن العاص) ﵁، رواه عنه عمارة بن حزم، وشعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وكما هو مبين في الشجرة الآتية:
стр. 75
النبي ﷺ
عبد الله بن عمرو بن العاص
عمارة بن عمرو بن حزم ... عكرمة ... شعيب بن محمد بن عبد الله
أبو حازم ... هلال بن خباب ... عمرو بن شعيب
عبد العزيز بن أبي حازم ... يعقوب بن عبد الرحمن ... يونس بن أبي اسحاق ... أبو حازم
هشام بن عمار ... محمد بن الصباح ... القعنبي ... قتيبة بن سعيد ... سعيد بن منصور ... عبد الله بن وهب ... ابن دكين ... مخلد ... محمد بن مطرف
ابن ماجه (٣٩٥٧) ... ابن ماجه (٣٩٥٧) ... أبو داود (٤٣٤٢) ... أحمد ٢/ ٢٢١ ... أحمد ٢/ ٢٢١ ... محمد بن علي ... بحر بن نصر ... هارون بن عبد الله ... ابن بكار ... حسين بن محمد
أبو عون ... أبو العباس
أبو داود (٤٣٤٣) ... النسائي (٢٥٠) ... أحمد ٢/ ٢٢٠
الحاكم ٤/ ٤٨١ ... الحاكم ٢/ ١٧١