المحققين أنه إذا لم يخش تغيره، ينبغي انتظاره مائة أو أربعين رجي حضورهم قريبا، للحديث.
وفي مسلم: ما من مسلم يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له، إلا شفعوا فيه ولو صلي عليه فحضر من لم يصل، ندب له الصلاة عليه، وتقع فرضا، فينويه، ويثاب ثوابه.
والافضل له فعلها بعد الدفن، للاتباع.
ولا يندب لمن صلاها - ولو منفردا - إعادتها مع جماعة.
فإن أعادها وقعت نفلا.
وقال بعضهم: الاعادة خلاف الاولى.
(وتصح) الصلاة (على) ميت (غائب) عن بلد، بأن يكون الميت بمحل بعيد عن البلد بحيث لا ينسب
ــ
وقضيته أن التأخير له ليس بواجب.
اه.
(قوله: واختار بعض المحققين إلخ) مقابل لقوله: ولا يندب تأخيرها الخ.
وعبارة التحفة مع الأصل: ولا تؤخر - أي ولا يندب التأخير - لزيادة مصلين - أي كثرتهم - وإن نازع فيه السبكي، واختار - وتبعه الأذرعي والزركشي وغيرهما - أنه إذا لم يخش تغيره: ينبغي انتظار مائة أو أربعين رجي حضورهم قريبا، للحديث.
اه.
وفي ع ش: جرت العادة الآن بأنهم لا يصلون على الميت بعد دفنه، فلا يبعد أن يقال: يسن انتظارهم، لما فيه من المصلحة للميت، حيث غلب على الظن أنهم لا يصلون على القبر، ويمكن حمل كلام الزركشي عليه.
اه.
(قوله: للحديث وفي مسلم الخ) صنيعه يقتضي أن المراد بالحديث غير الحديث الذي ذكره بعده.
وصنيع التحفة يقتضي أنه هو، لأنه ذكر أولا ما في مسلم، ثم بعد ذلك أحال عليه وقال للحديث، يعني المتقدم ذكره.
ولعل في العبارة سقطا من النساخ، وهو لفظ وهو ما، أو أن المراد بالحديث حديث آخر غير حديث مسلم.
فلينظر.
(قوله: ما من مسلم يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة الخ) قال في التحفة: وفيه - أي مسلم - مثل ذلك في الأربعين.
اه.
وعبارة المغني: وفي مسلم عن ابن عباس ﵄ أنه كان يؤخر الصلاة للأربعين.
قيل: وحكمته: أنه لم يجتمع أربعون إلا كان لله فيهم ولي.
وحكمة المائة كالأربعين - كما يؤخذ من الحديث المتقدم.
اه.
(قوله: ولو صلي عليه) أي على الميت.
(قوله: فحضر من لم يصل) أي فحضر شخص لم يصل على الميت.
(قوله: ندب له الصلاة عليه) أي يندب لمن حضر
أن يصلي على الميت.
(قوله: وتقع فرضا) أي وتقع صلاته فرضا، ولو على القبر، كمن صلى أولا.
إذ ليس فعل بعضهم أولى بوصف الفرضية من بعض، وإن أسقط الأول الحرج.
ولا يقال: كيف تقع صلاة الثاني فرضا، مع أنه لو تركها لم يأثم، لأنه قد يكون الشئ غير فرض، فإذا دخل فيه صار فرضا - كالحج ممن قد حج، وإحدى خصال كفارة اليمين -.
وقولهم فرض الكفاية يسقط بفعل واحد: معناه يسقط الإثم به.
ولو فعله غيره: وقع فرضا أيضا.
(قوله: فينويه) أي الفرض.
(قوله: ويثاب ثوابه) أي ويثاب كما يثاب على الفرض.
(قوله: والأفضل له) أي لمن حضر.
(قوله: فعلها) أي الصلاة.
(وقوله: بعد الدفن) أي وبعد وجوب الصلاة عليه من الذين حضروا أولا، كما هو ظاهر.
(قوله: للاتباع) وهو ما روي أنه ﷺ صلى على قبور جماعة.
ومعلوم أنهم إنما دفنوا بعد الصلاة عليهم.
ومن هذا أخذ جمع أنه يسن تأخيرها عليه إلى بعد الدفن.
اه.
تحفة.
(قوله: ولا يندب الخ) قال ع ش: فتكون مباحة.
اه.
(قوله: إعادتها مع جماعة) وبالأولى عدم ندب إعادتها منفردا.
وإنما لم تندب إعادتها لأن المعاد نفل، وهذه لا يتنفل بها، لعدم ورود ذلك شرعا.
وقيل: تندب له الإعادة، كغيرها.
(قوله: فإن أعادها وقعت نفلا) أي ووجب لها نية الفرضية.
قال في النهاية: وهذه خارجة عن القياس، إذ الصلاة لا تنعقد حيث لم تكن مطلوبة، ويوجه انعقادها بأن المقصود من الصلاة على الميت الشفاعة والدعاء، وقد لا تقبل الأولى وتقبل الثانية.
اه.
(وقوله: وقال بعضهم الخ) مقابل لما يفهم من التعبير بعدم الندب، وهو الإباحة - كما مر آنفا عن ع ش - وصنيعه يقتضي أن قول بعضهم المذكور ضعيف.
وعبارة شرح الروض تفهم أنه معتمد، ونصها: قال في المهمات: وفي التعبير بقوله ولا تستحب إعادتها: قصور، فإن الإعادة خلاف الأولى.
ولا يلزم من نفي الاستحباب أولوية الترك، لجواز التساوي.
ولهذا عبر في المجموع بقوله لا يستحب له الإعادة، بل يستحب له تركها.
اه.
(قوله: وتصح الصلاة على ميت غائب) أي وإن قربت المسافة ولم يكن في جهة القبلة، خلافا لأبي حنيفة ومالك.
قال الزركشي: لانه ﷺ أخبر الناس وهو بالمدينة.
بموت النجاشي في اليوم الذي مات فيه وهو بالحبشة، وصلى عليه هو وأصحابه.
رواه الشيخان.
وذلك في رجب سنة تسع.
قال ابن القطان: لكنها
стр. 457
إليها عرفا، أخذا من قول الزركشي: إن خارج السور القريب منه كداخله.
(لا) على غائب عن مجلسه (فيها) وإن كبرت.
نعم، لو تعذر الحضور لها بنحو حبس أو مرض: جازت حينئذ - على الاوجه - (و) تصح على حاضر (مدفون) - ولو بعد بلائه (غير نبي) فلا تصح على قبر نبي، لخبر الشيخين.
(من أهل فرضها وقت موته)
ــ
لا تسقط الفرض عن الحاضرين.
قال الزركشي: ووجهه أن فيه ازدراء وتهاونا بالميت، لكن الأقرب السقوط، لحصول الفرض.
وظاهر أن محله - أي السقوط - إذا علم بها الحاضرون، ولا بد - في صحة الصلاة على الغائب - إن يعلم - أو يظن - أنه قد غسل، وإلا لم تصح.
نعم: إن علق النية على غسله، بأن نوى الصلاة إن كان غسل، فينبغي أن تصح - كما
هو أحد احتمالين للأذرعي.
اه.
مغني بزيادة.
(قوله: عن بلد) ليس بقيد، على ما سننقله عن سم قريبا.
(قوله: بأن يكون إلخ) تصوير لغيبته عن البلد.
وقوله بحيث الخ: تصوير للبعيد عن البلد.
أي أن البعيد مصور بأنه هو الذي لا ينسب إلى البلد عرفا، بأن يكون فوق حد القرب - كما يؤخذ من ضبط القرب الآتي.
(قوله: أخذا من قول الزركشي الخ) قال في النهاية: وعبارته من كان خارج السور إن كان أهله يستعير بعضهم من بعض.
لم تجز الصلاة على من هو داخل السور للخارج، ولا العكس.
اه.
(وقوله: القريب منه) أي السور.
قال في التحفة: ويؤخذ من كلام الأسنوي ضبط القرب هنا بما يجب الطلب منه في التيمم.
وهو متجه إن أريد به حد الغوث، لا القرب.
اه.
(قوله: لا على غائب عن مجلسه فيها) أي لا تصح الصلاة على ميت غائب عن مجلس من يريد الصلاة عليه، وهو حاضر في البلد، وإن كبرت البلد، لتيسر حضوره.
وشبهوه بالقضاء على من بالبلد مع إمكان حضوره.
وفي سم خلافه، ونص عبارته: المتجه أن المعتبر المشقة وعدمها.
فحيث شق الحضور - ولو في البلد لكبرها ونحو - صحت، وحيث لا - ولو خارج السور - لم تصح.
م ر.
والأوجه في القرى المتقاربة جدرانها أنها كالقرية الواحدة.
اه.
(قوله: نعم، الخ) إستدراك من عدم صحة الصلاة على غائب عن المجلس في البلد.
(قوله: جازت) أي الصلاة.
(وقوله: حينئذ) أي حين إذ تعذر الحضور لها.
(وقوله: على الأوجه) أي عند الرملي.
وفي التحفة خلافه، وعبارتها: فلا يصلى عليه وإن كبرت.
وعذر: بنحو مرض، أو حبس، كما شمله إطلاقهم.
اه.
(قوله: وتصح على حاضر مدفون) أي بشرط أن لا يتقدم المصلي على القبر - كما مر -.
قال ع ش: ويسقط بها الفرض على المعتمد.
وظاهر إطلاقهم أنه لا فرق بين المنبوشة وغيرها، وهو في المنبوشة مشكل، للعلم بنجاسة ما تحت الميت.
فلعل المراد غير المنبوشة.
اه.
وذكر ق ل خلافه، حيث قال: نعم، لا يضر اتصال نجاسة به في القبر، لأنه كانفجاره، وهو لا يمنع صحة الصلاة عليه.
اه.
بجيرمي.
(قوله: ولو بعد بلائه) غاية للصحة، وهي للرد على القائل بأنه يشترط بقاء شئ من الميت.
ونظر فيه في التحفة بأن عجب الذنب لا يفنى، أي فبقاء شئ منه أمر ضروري.
(قوله: فلا تصح على قبر نبي) أي لخبر: لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
أي بصلاتهم إليها.
قال البجيرمي: ودلالة هذا على المدعى إنما هي بطريق القياس، لأن اليهود والنصارى كانوا يصلون المكتوبة لقبور الأنبياء، والمدعى هنا صلاة الجنازة.
فتقاس على المكتوبة التي ورد اللعن فيها.
اه.
ونظر في التحفة في دلالة الحديث على المدعى، ووجهه الكردي بأن الدليل في الصلاة إليه - كما فسروا به الحديث - والمدعى هو الصلاة عليه، أي بأن صلى عليه صلاة الجنازة.
وفي قياس الصلاة عليه على الصلاة إليه نظر.
إذ في الصلاة إليه التعظيم
الذي لا يوجد في الصلاة عليه، بدليل أنه يصلى على الفسقة وغيرهم ممن يلاحظ فيه التعظيم.
وأما المنع من الصلاة إليه، فهو خاص بالأنبياء.
والتعليل المطابق للمدعى أنا لم نكن أهلا للفرض وقت موتهم.
اه.
ملخصا.
وتقدم - في مبحث مكروهات الصلاة - أن الصلاة لقبر نبي محرمة، لكن بقصد التبرك أو الإعظام لذلك القبر.
فلو لم يقصد ذلك، بل وافق في صلاته أن أمامه قبر نبي - كمن يصلي خلف قبر النبي ﷺ من الأغاوات وغيرهم - فلا حرمة ولا كراهة.
(قوله: لخبر الشيخين) ظاهره أنه دليل لعدم صحتها على قبر نبي.
ويحتمل أنه دليل له وللأول أيضا الذي هو صحتها على قبر غير نبي.
وذلك لأنه ثبت في الصحيحين الدليل لكل منهما، وهو في الثاني الخبر المار: لعن الله اليهود الخ، وفي
стр. 458
فلا تصح من كافر وحائض يومئذ، كمن بلغ أو أفاق بعد الموت، ولو قبل الغسل، كما اقتضاه كلام الشيخين.
(وسقط الفرض) فيها (بذكر) ولو صبيا مميزا، ولو مع وجود بالغ، وإن لم يحفظ الفاتحة، ولا غيرها، بل وقف بقدرها، ولو مع وجود من يحفظها، لا بأنثى مع وجوده.
وتجوز على جنائز صلاة واحدة، فينوي الصلاة عليهم
ــ
الاول أنه ﷺ صلى على قبر امرأة أو رجل كان يقم المسجد، لكن على هذا الاحتمال يراد من لفظ خبر، متعدد، وهو جائز، لأنه هنا منفرد مضاف فيعم.
ولو قال لخبري الشيخين، لكان أولى.
(قوله: من أهل فرضها وقت موته) متعلق بكل من قوله: تصح على ميت غائب، وقوله: تصح على حاضر مدفون.
أي تصح الصلاة على الميت الغائب وعلى الحاضر المدفون، إن كان من يريد الصلاة من أهل أداء فرضها وقت الموت بأن يكون حينئذ مسلما مكلفا طاهرا، لأنه يؤدي فرضا خوطب به.
اه.
تحفة وفي سم ما نصه: عبارة المنهج وشرحه: وإنما تصح الصلاة على القبر والغائب عن البلد ممن كان من أهل فرضها وقت موته.
اه.
وتلخص منه أن صلاة الصبي المميز صحيحة مسقطة للفرض، ولو مع وجود الرجال في الميت الحاضر دون الغائب، والقبر وهو مشكل.
فليحرر، فرق واضح.
اه.
(قوله: فلا تصح الخ) مفرع على مفهوم قوله من أهل فرضها وقت موته.
أي فلا تصح صلاة من كان كافرا عند الموت ثم أسلم بعده، أو كانت حائضا عند الموت ثم طهرت بعده.
(وقوله: يومئذ) أي يوم الموت.
(قوله: كمن بلغ أو أفاق بعد الموت) الكاف للتنظير، أي كما لا تصح ممن كان صغيرا عند الموت ثم بلغ بعده، أو كان مجنونا عنده ثم أفاق من جنونه بعده.
(وقوله: ولو قبل الغسل) غاية لعدم صحتها ممن أبلغ أو أفاق بعد الموت.
أي لا تصح الصلاة ممن ذكر، ولو كان البلوغ أو الإفاقة قبل غسل الميت.
وما جرى عليه المؤلف - من عدم الصحة بالنسبة لما إذا بلغ أو أفاق قبل الغسل - ضعيف.
والمعتمد أنه تصح الصلاة في هذه الحالة.
كما نص عليه في النهاية، وعبارتها: واعتبار الموت يقتضي أنه لو بلغ أو أفاق بعد الموت وقبل الغسل لم يعتبر ذلك، والصواب خلافه، لأنه لو لم يكن ثم غيره، لزمته الصلاة - اتفاقا - وكذا لو كان ثم غيره فترك الجميع فإنهم يأثمون.
بل لو زال المانع بعد الغسل أو بعد الصلاة عليه وأدرك زمنا تمكن فيه الصلاة.
كان كذلك.
وحينئذ فينبغي الضبط بمن كان من أهل فرضها وقت الدفن لئلا يرد ما قيل.
اه.
ومثله في الأسنى والمغني.
(قوله: كما اقتضاه) أي ما ذكر من عدم صحتها ممن ذكر ولو قبل الغسل.
(قوله: وسقط الفرض فيها) أي صلاة الجنازة.
(وقوله: بذكر) أي واحد.
وإنما سقطت به لحصول الفرض بصلاته، ولأن الجماعة لا تشترط فيها فكذا العدد كغيرها.
(وقوله: ولو صبيا مميزا) غاية في سقوط الفرض بالذكر، أي تسقط به ولو كان صبيا مميزا، لأنه من جنس الرجال، ولأنه يصلح أن يكون إماما لهم.
وكون صلاة الصبي تقع نفلا لا يؤثر، لأنه قد يجزئ عن الفرض - كما لو بلغ فيها أو بعدها في الوقت - ولحصول المقصود بصلاته مع رجاء القبول فيها أكثر.
قال البجيرمي: واعلم أن الصبي لا يكفي في أربعة من فروض الكفاية، وهي: رد السلام، والجماعة، وإحياء الكعبة بالحج، وإحياؤها بالعمرة.
وما عدا ذلك يكفي فيه الصبي - كالجنازة، والجهاد، والأمر بالمعروف، وسائر فروض الكفاية - ولو مع وجود الكاملين.
اه.
(قوله: ولو مع وجود بالغ) غاية ثانية لسقوط الفرض، لكن بالصبي المميز.
ولو حذف لفظ ولو - كما في التحفة - بأن قال ولو صبيا مميزا مع وجود بالغ، لكان أولى.
(قوله: وإن لم يحفظ الفاتحة) غاية ثالثة لسقوط الفرض بالذكر أي يسقط الفرض به ولو لم يحفظ الفاتحة ولا بدلها.
(وقوله: بل وقف يقدرها) أي الفاتحة.
(قوله: ولو مع وجود من يحفظها) غاية في سقوط الفرض بمن لا يحفظها.
أي يسقط الفرض به ولو مع وجود من يحفظها.
فهي غاية للغاية الثالثة.
قال ع ش: لو كان لا يحسن إلا الفاتحة فقط، بل الأولى أن يكررها أو لا؟ فيه نظر.
والأقرب - بل المتعين - الأول، لقيامها مقام الأدعية.
اه.
(قوله: لا بأنثى مع وجوده) أي لا يسقط الفرض بأنثى - ومثلها الخنثى - مع وجود ذكر.
أي ولو صبيا مميزا، وذلك لأنه أكمل منهما، ودعاؤه أقرب إلى الإجابة، ولأن في ذلك استهانة بالميت.
قال في النهاية: والأوجه أن المراد بوجوده حضوره في محل الصلاة على الميت، لا وجوده مطلقا، ولا في دون مسافة القصر.
لا يقال كيف لا يسقط بالمرأة وهناك صبي مميز، مع أنها المخاطبة به دونه؟ لأنا نقول قد يخاطب الشخص بشئ ويتوقف فعله على فعل شئ آخر، لا سيما
стр. 459
إجمالا.
وحرم تأخيرها عن الدفن، بل يسقط الفرض بالصلاة على القبر.
(وتحرم صلاة) على كافر، لحرمة الدعاء له بالمغفرة.
قال تعالى: * (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا) *.
ومنهم أطفال الكفار، سواء أنطقوا
بالشهادتين أم لا، فتحرم الصلاة عليهم.
و (على شهيد) وهو بوزن فعيل، بمعنى مفعول، لانه مشهود له
ــ
فيما يسقط عنه الشئ بفعل غيره.
اه.
بحذف.
وخرج بقوله مع وجوده، ما إذا لم يوجد ذكر، فإنها تجب عليها ويسقط الفرض بها.
(قوله: وتجوز على جنائز صلاة واحدة) أي برضا أوليائهم - اتحدوا أو اختلفوا - وذلك لأن أم كلثوم بنت سيدنا على بن أبي طالب ماتت هي وولدها زيد بن عمر بن الخطاب ﵃ فصلي عليهما دفعة واحدة، وجعل الغلام مما يلي الإمام، وفي القول جماعة من كبار الصحابة ﵃، فقالوا: هذا هو السنة.
رواه أبو داود
والنسائي بإسناد صحيح، كما قاله البيهقي.
وصلى ابن عمر ﵄ على تسع جنائز رجال ونساء، فجعل الرجال مما يلي الإمام، والنساء مما يلي القبلة.
ولأن الغرض من الصلاة الدعاء والجمع فيه ممكن.
وإذا حضرت الجنائز دفعة واحدة، واتحد نوعهم، وفضلهم، أقرع بين الأولياء - إن تنازعوا فيمن يقرب للإمام - وإلا قدم من قدموه.
فإن اختلف النوع قدم إليه الرجل، فالصبي، فالخنثى، فالمرأة.
أو اختلف الفضل، قدم الأفضل.
والمعتبر فيه الورع، والخصال التي ترغب في الصلاة عليه، ويغلب على الظن، قربه من رحمة الله، لا بالحرية والرق، لانقطاع الرق بالموت.
(قوله: فينوي) أي مريد الصلاة عليهم.
(وقوله: إجمالا) أي بأن يقول: أصلي على من حضر من أموات المسلمين، أو: على من يصلي عليهم الإمام.
فلو عين وأخطأ، كأن صلى على عشرة، فبانوا أحد عشر.
لم تصح، بخلاف ما لو صلى على أحد عشر، فبانوا عشرة، فإنها تصح.
(قوله: وحرم تأخيرها) أي الصلاة عن الدفن، فيأثم الدافنون الراضون بذلك لوجوب تقديمها عليه.
(قوله: بل يسقط الخ) الاضراب انتقالي، والأولى إسقاط لفظ بل، ويأتي بواو العطف بدلها، بأن يقول ويسقط الفرض بالصلاة على قبره إذا ارتكبت الحرمة ودفن قبل الصلاة عليه.
وعبارة التحفة: فإن دفن قبلها أثم كل من علم به ولو بعذر، وتسقط بالصلاة على القبر.
اه.
(قوله: وتحرم صلاة على كافر) أي بسائر أنواعه، حربيا كان أو ذميا، أو معاهدا، أو مستأمنا.
(قوله: لحرمة الدعاء له) أي للكافر.
(وقوله: بالمغفرة) أي والصلاة تتضمن الدعاء له بها.
(قوله: قال تعالى الخ) استدلال على حرمة الصلاة عليه.
أما دليل حرمة الدعاء له بالمغفرة فقوله تعالى: * (إن الله لا يغفر أن يشرك به) *.
والسبب في نزول الآية الأولى ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، عن ابن عمر ﵄، قال: لما توفي عبد الله بن أبي بن سلول أتى ابنه - عبد الله - رسول الله ﷺ فسأل أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ ، فقام عمر فأخذ ثوبه، فقال: يا رسول الله، أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ فقال: إن الله خيرني وقال: * (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) * وسأزيد على السبعين.
فقال إنه منافق.
فصلى عليه، فأنزل الله: * (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا) * الآية، فترك الصلاة عليهم.
(قوله: ومنهم) أي من الكفار المعلومين من السياق.
والأولى والأخصر أن يقول: وطفل الكافر مثله، سواء وصف بالإسلام أم لا.
(قوله: سواء نطقوا بالشهادتين) أي لأنه لا يحكم بإسلامهم بالنطق بهما إلا بعد البلوغ.
(قوله: فتحرم الصلاة عليهم) أي وإن قلنا إنهم من أهل الجنة، لأنهم مع ذلك يعاملون في أحكام الدنيا - من الإرث وغيره - معاملة الكفار، والصلاة من أحكام الدنيا، خلافا لمن وهم فيه.
ويظهر حل الدعاء لهم بالمغفرة، لأنه من
أحكام الآخرة، بخلاف صورة الصلاة.
اه.
تحفة بالمعنى.
(واعلم) أنه اختلف في أطفال الكفار على أربعة أقوال.
أحدها: أنهم في الجنة، وعليه المحققون.
الثاني: أنهم في النار تبعا لآبائهم.
الثالث: الوقوف، ويعبر عنه بأنهم تحت المشيئة.
الرابع: أنهم يجمعون يوم القيامة وتؤجج لهم نار ويقال لهم ادخلوها، فيدخلها من كان في علم الله شقيا.
اه.
بجيرمي.
стр. 460
بالجنة، أو فاعل، لان روحه تشهد الجنة قبل غيره.
ويطلق لفظ الشهيد على من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو شهيد الدنيا والآخرة.
وعلى من قاتل لنحو حمية، فهو شهيد الدنيا.
وعلى مقتول ظلما وغريق، وحريق، ومبطون - أي من قتله بطنه - كاستسقاء أو إسهال.
فهم الشهداء في الآخرة فقط.
(كغسله) أي الشهيد، ولو جنبا، لانه (ص) لم يغسل قتلى أحد.
ويحرم إزالة دم شهيد.
(وهو من مات في قتال كفار) أو كافر
ــ
(قوله: على شهيد) أي وتحرم الصلاة على الشهيد، لما صح أنه ﷺ أمر في قتلى أحد بدفنهم بدمائهم، ولم يغسلهم، ولم يصل عليهم.
وأما خبر: أنه ﷺ خرج فصلى على قتلى أحد صلاته على الميت زاد البخاري بعد ثمان سنين فالمراد - كما في المجموع - دعا لهم كدعائه للميت، والإجماع يدل له.
(قوله: وهو) أي لفظ شهيد.
(قوله: لأنه مشهود له بالجنة) بيان الحكمة كون شهيد بمعنى مشهود.
أي وإنما كان كذلك لأنه مشهود له بالجنة.
وقيل لأنه يبعث، وله شاهد بقتله إذ يبعث، وجرحه يتفجر دما.
وقيل: لأن ملائكة الرحمة يشهدونه فيقبضون روحه.
(قوله: أو فاعل) معطوف على مفعول، أي أو هو بوزن فعيل بمعنى فاعل فهو شهيد بمعنى شاهد.
وقوله لأن روحه إلخ.
بيان الحكمة كونه بمعنى فاعل، أي وإنما كان كذلك لأنه شاهد أي روحه تشهد الجنة قبل غيره.
(قوله: ويطلق لفظ الشهيد إلخ) الملائم والأخصر أن يعمم عند تعريف المتن للشهيد بأن يقول بعد قول المتن: وهو من مات في قتال كفار، سواء كان شهيدا في الدنيا والآخرة - وهو من قاتل لإعلاء كلمة الله تعالى - وشهيدا في الدنيا فقط - وهو من قاتل لنحو حمية - ثم يقول: وخرج بذلك شهيد الآخرة فقط - وهو من مات مقتولا ظلما - إلخ.
وقد تقدم الكلام على أقسام الشهيد أول الباب، فلا تغفل.
(قوله: لتكون كلمة الله إلخ) المراد بها كلمة التوحيد والدعوة إلى الإسلام.
(وقوله: هي العليا) أي الظاهرة الغالبة، ولا بد أن لا يصاحب ذلك رياء ولا غلول من غنيمة وغير ذلك.
(قوله: وعلى من قاتل لنحو حمية) أي لقومه، ودخل تحت لنحو: من قاتل للرياء، أو للغنيمة، أو نحو ذلك.
(قوله: فهو شهيد الدنيا) أي فتجري عليه أحكام الشهادة الدنيوية، من كونه لا يغسل ولا يصلى عليه.
(قوله: وعلى مقتول) معطوف على من قاتل الأولى، أي ويطلق لفظ الشهيد على مقتول.
(وقوله: ظلما) خرج به ما إذا كان مقتولا بحق - كأن كان لقصاص - فلا يكون شهيدا.
(قوله: وغريق) معطوف على مقتول، أي ويطلق لفظ الشهيد على غريق، أي مات غرقا في بحر أو ماء كثير.
(لطيفة) حكي أن شخصا نزل هو ومحبوبه يسبحان في البحر، فغرق محبوبه، فأشار إلى البحر وأنشد وقال:
ياماء: لك قد أتيت بضد ما * * قد قيل فيك مخبرا بعجيب؟ الله أخبر أن فيك حياتنا * * فلاي شئ مات فيك حبيبي؟ فلما قال ذلك أحياه الله تعالى، وطلع له من البحر (قوله: وحريق) أي ويطلق لفظ الشهيد على حريق، أي محروق بالنار.
(قوله: ومبطون) أي ويطلق لفظ الشهيد على مبطون.
(قوله: أي من قتله بطنه) أي داء في بطنه، وبينه بقوله: كاستسقاء أو إسهال، فإنهما دآن في البطن يكونان سببا في الهلاك غالبا.
(قوله: فهم) أي المقتول ظلما والغريق والحريق إلخ.
(وقوله: الشهداء في الآخرة فقط) أي لا في الدنيا، فتجرى عليهم أحكام غير الشهيد، من الغسل، والصلاة، وغير ذلك.
(قوله: كغسله) أي كتحريم غسله.
(وقوله: أي الشهيد) بيان لمرجع الضمير في غسله.
وإنما أرجعه للشهيد ولم يرجعه للمذكور من الكافر والشهيد، لأن غسل الأول ليس بحرام، بل هو جائز.
(قوله: ولو جنبا) أي يحرم غسله ولو كان جنبا، لأن حنظلة بن الراهب قتل يوم أحد وهو جنب، ولم يغلسه النبي ﷺ ، وقال: رأيت الملائكة تغسله.
رواه بن حبان والحاكم في صحيحهما.
(قوله: لأنه ﷺ لم يغسل قتلى أحد) ولما رواه الإمام أحمد أنه ﷺ قال: لا تغسلوهم، فإن كل جرح أو كلم أو دم يفوح مسكا يوم القيامة.
وحكمة ذلك أيضا: إبقاء أثر الشهادة عليهم، والتعظيم لهم باستغنائهم عن التطهير.
وفي ذلك حث على الجهاد الذي جبلت النفوس على الكراهة له والنفرة عنه لحبها البقاء في الدنيا.
(فإن قيل) الأنبياء والمرسلون أفضل من
стр. 461
واحد، قبل انقضائه، وإن قتل مدبرا (بسببه) أي القتال، كأن أصابه سلاح مسلم آخر خطأ، أو قتله مسلم استعانوا به، أو تردى ببئر حال قتال، أو جهل ما مات به، وإن لم يكن به أثر دم (لا أسير قتل صبرا) فإنه ليس
ــ
الشهداء، مع أنهم يغسلون، ويصلى عليهم؟ (أجيب) بأن الشهادة فضيلة تنال بالاكتساب، فرغب الشارع فيها، ولا كذلك النبوة والرسالة، فإنما ليستا بمكتسبتين.
قال الأبوصيري: تبارك الله ما وحي بمكتسب * * ولا نبي على غيب بمتهم وقال اللقاني: ولم تكن نبوة مكتسبة * * ولو رقى في الخير أعلى عقبه (قوله: ويحرم إزالة دم شهيد) أي لأنا نهينا عن غسله، ولأنه أثر عبادة.
وإنما لم تحرم إزالة الخلوف من الصائم - مع أنه أثر عبادة - لأنه هو المفوت على نفسه، بخلافه هنا، حتى لو فرض أن غيره أزاله بغير إذنه حرم عليه ذلك.
والمراد بالدم الذي يحرم إزالته: الخارج من المقتول نفسه، بخلاف ما لو طرأ عليه من غيره، فإنه يزال - كالنجاسة - ولو أدى إلى
زوال دم الشهادة معه.
(قوله: وهو من مات الخ) أي الشهيد الذي يحرم غسله والصلاة عليه هو من مات الخ.
(قوله: في قتال كفار) أي في حال مقاتلتهم.
(واعلم) أنه ذكر قيدين للشهيد، وهما: كون الموت حال المقاتلة، وكونه بسبب القتال، وبقي قيد ثالث، وهو: أن يكون القتال حلله العلماء.
وخرج بالقيد الأول من مات بعد المقاتلة، فإن فيه تفصيلا سيذكره في قوله: ولا من مات بعد انقضائه إلخ.
وبالقيد الثاني من مات لا بسبب القتال - كأن مات في حال المقاتلة بمرض أو فجأة - أي بغتة.
وبالقيد الثالث: من مات في قتال محرم، كقتال المسلم ذميا، فلا يسمى شهيدا.
وقد ذكر المؤلف بعض أفراد هذه المحترزات، كما ستعرفه.
(قوله: قبل انقضائه) أي القتال، ولا حاجة إلى هذا القيد، لأنه يغني عنه القيد الأول.
فتنبه.
(قوله: وإن قتل مدبرا) أي إن مات في المقاتلة يسمى شهيدا، وإن قتل حال كونه مدبرا عن القتال.
(قوله: بسببه) متعلق بمات، أي مات بسبب القتال، أي بسبب يحال عليه القتل، ولو احتمالا - كالمثال الأخير -.
قال ع ش: ومنه ما قيل إن الكفار يتخذون خديعة يتوصلون بها إلى قتل المسلمين، فيتخذون سردابا تحت الأرض يملؤنه بالبارود، فإذا مر به المسلمون أطلقوا النار فيه فخرجت من محلها وأهلكت المسلمين.
اه.
(قوله: كان أصابه الخ) تمثيل لمن مات في القتال بسببه، والأولى التعميم بأن يقول: سواء قتله كافر أو أصابه إلخ.
(وقوله: سلاح مسلم آخر) ظاهره أنه لا فرق في ذلك بين أن يقصد كافرا فيصيبه، أولا، ولا مانع منه.
اه.
ع ش.
(وقوله: خطأ) خرج به ما لو كان عمدا، فإنه لا يسمى المقتول به شهيدا، إلا إن كان المسلم استعان به الكفار - كما سيذكره -.
(قوله: أو قتله مسلم) معطوف على أصابه، أي وكأن قتله.
وقوله: استعانوا أي الكفار.
وقوله به.
أي بالمسلم فمقتول المستعان به شهيد، لأن هذا قتال كفار، ولا نظر إلى خصوص القاتل، فإن لم يستعينوا به ولم يكن خطأ فليس بشهيد.
(قوله: أو تردي ببئر) معطوف على أصابه أيضا.
أي وكأن تردى - أي سقط - المقاتل ببئر.
(قوله: أو جهل ما مات به) معطوف أيضا على أصابه.
أي وكأن جهل السبب الذي مات به.
ولا يرد أن الممثل له من مات بسبب القتال، وهذا فيه الجهل بالسبب، فلا يصلح مثالا، لما علمت أن المراد بالسبب لو احتمالا.
ويتصور الجهل به بأن يصيبه سهم وشك في الرامي: هل هو من المسلمين أو من الكفار؟ وعبارة التحفة: أو انكشف عنه الحرب وشك أمات بسببها وغيره؟ لأن الظاهر موته بسببها.
اه.
(قوله: وإن لم يكن به أثر دم) راجع لجميع الأمثلة، يعني أن من أصابه سلاح مسلم خطأ فمات، أو قتله مسلم استعانوا به فمات، أو تردى ببئر فمات، أو
جهل سبب موته، يحكم عليه بالشهادة - سواء كان به أثر دم أم لا - وذلك لأن الظاهر موته بسبب الحرب.
(فإن قيل) ينبغي
стр. 462
بشهيد على الاصح، لان قتله ليس بمقاتلة.
ولا من مات بعد انقضائه، وقد بقي فيه حياة مستقرة، إن قطع بموته بعد من جرح به.
أما من حركته حركة مذبوح عند انقضائه فشهيد جزما.
والحياة المستقرة ما تجوز أن يبقى يوما أو يومين - على ما قاله النووي والعمراني -.
ولا من وقع بين كفار فهرب منهم فقتلوه، لان ذلك ليس بقتال - كما أفتى به شيخنا ابن زياد رحمه الله تعالى -.
ولا من قتله اغتيالا حربي دخل بيننا.
نعم، إن قتله عن مقاتلة كان شهيدا - كما نقله السيد السمهودي عن الخادم - (وكفن) ندبا (شهيد في ثيابه) التي مات فيها، والملطخة بالدم
ــ
أن يخرج ذلك على قولي الأصل والغالب، إذ الأصل عدم الشهادة، والغالب أن من يموت بالمعترك أنه مات بسبب من أسباب القتل.
والقاعدة أنه يقدم الأصل على الغالب.
(أجيب) بأن السبب الظاهر يعمل به ويترك الأصل، كما إذا رأينا ظبية تبول في الماء ورأيناه متغيرا، فإنا نحكم بنجاسته، مع أن الأصل طهارة الماء: (قوله: لا أسير قتل صبرا) هذا خرج بقوله في قتال.
(قوله: فإنه) أي الأسير.
(وقوله: ليس بشهيد على الأصح) أي الشهادة المخصوصة المرادة هنا.
(قوله: لأن قتله الخ) تعليل لكونه ليس بشهيد.
(وقوله: بمقاتلة) أي في حال مقاتلة.
(قوله: ولا من مات بعد انقضائه) هذا خرج بقوله قبل انقضائه، ولو حذفه لخرج بقوله في قتال أيضا - كما علمت.
(قوله: وقد بقي فيه حياة مستقرة) الجملة حالية: أي مات بعد انقضاء القتال، ولكن حال الانقضاء كانت فيه حياة مستقرة.
والمراد بها: ما يوجد معها الحركة الاختيارية بقرائن وأمارات.
(قوله: وإن قطع بموته بعد) غاية لمقدر، أي فليس من مات بعد انقضائه إلخ بشهيد، وإن جزم بأنه يموت بعد انقضاء القتال.
قال الشوبري: وينبغي أن يكون شهيدا في حكم الآخرة، لأنه لا يتقاعد عن المبطون والغريق ونحوهما.
اه.
(وقوله: من جرح) من، تعليلية، فهي بمعنى اللام، أي قطع بموته لأجل جرح.
(وقوله: به) أي بمن مات بعد انقضائه.
والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لجرح.
(قوله: أما من الخ) مفهوم قوله وقد بقي فيه حياة مستقرة.
وقوله: حركة مذبوح هي التي لا يبقى معها سمع، ولا إبصار، ولا حركة اختيار.
(قوله: فشهيد جزما) أي في الدنيا، فلا يغسل ولا يصلى عليه.
وأما في الآخرة فبحسب قصده، فإن كان قصده إعلا كلمة الله، فكذلك، وإلا فلا.
كما مر.
(قوله: والحياة المستقرة ما تجوز إلخ) يعني أن الحياة المستقرة هي حركة اختيارية تجوز أن يبقى معها يوما أو يومين ثم يموت.
(وقوله: على ما قاله النووي والعمراني) كالتبري من هذا الضابط، والمعتمد ما ذكرته آنفا: من أنها حركة اختيارية توجد فيه عند انقضاء القتال، سواء قطع بموته بعد يوم أو يومين، أم لا، (قوله: ولا من وقع بين كفار) أي وليس بشهيد من دخل بين كفار فهرب منهم ولم يقاتلهم، وهذا أيضا خرج بقوله: في قتال كفار.
(وقوله: لأن ذلك الخ).
تعليل لمقدر - أي فليس بشهيد، لأن قتله لم يقع في قتال.
(قوله: ولا من قتله اغتيالا الخ) أي وليس بشهيد مسلم قتله كافر حربي على سبيل الاغتيال والخديعة، لأنه ليس في قتال.
وهذا أيضا خرج بقوله: في قتال.
(وقوله: دخل بيننا) أي بين المسلمين.
(قوله: إن نعم الخ) إستدراك من الأخير، ولو قال: فإن قتله الخ، لكان أولى، لأنه محترز
قوله اغتيالا، فلا معنى للاستدراك منه.
(وقوله: قتله عن مقاتلة) أي قتله الحربي مع مقاتلة المسلم له.
(قوله: كما نقله السيد السمهودي عن الخادم) نقله ع ش أيضا عن سم، وعبارته: (فرع) قال في تجريد العباب: لو دخل حربي بلاد الإسلام فقاتل مسلما فقتله، فهو شهيد قطعا.
ولو رمى مسلم إلى صيد فأصاب مسلما في حال القتال، فليس بشهيد.
قاله القاضي حسين.
اه.
سم على منهج.
اه.
(قوله: وكفن ندبا شهيد في ثيابه) أي إذا اعتيد لبسها غالبا، أما ما لا يعتاد لبسها كذلك - كدرع، وخف، وفروة، وجبة محشوة - فيندب نزعها منه - كسائر الموتى -.
وهل تنزع ثيابه التي مات فيها عند الموت ثم ترجع إليه ويكفن فيها كسائر الموتى أو لا؟، ذهب ابن حجر إلى الثاني.
ونقل ع ش، عن الزيادي أن المعتمد الأول.
(قوله: والملطخة بالدم أولى) الأولى أن يأتي بصيغة التعميم بأن يقول: سواء كانت ملطخة بالدم أم لا.
ثم يقول: والملطخة بالدم أولى، أي إذا مات في ثياب متعددة بعضها ملطخ بالدم، وبعضها غير ملطخ به، وأراد الوارث أن ينزع منه بعض الثياب ويكفنه في بعضها، فالأولى تكفينه بالملطخة.
قال في شرح البهجة: وليس
стр. 463
أولى، للاتباع، ولو لم تكفه بأن لم تستر كل بدنه تممت وجوبا، (لا) في (حرير) لبسه لضرورة الحرب، فينزع وجوبا.
(ويندب) أن يلقن محتضر - ولو مميزا على الاوجه - الشهادة: أي لا إله إلا الله، فقط - لخبر مسلم: لقنوا موتاكم - أي من حضره الموت - لا إله إلا الله مع الخبر الصحيح: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة، أي مع الفائزين.
وإلا فكل مسلم - ولو فاسقا - يدخلها، ولو بعد عذاب، وإن طال.
وقول جمع: يلقن محمد رسول الله أيضا، لان القصد موته على الاسلام، ولا يسمى مسلما إلا بهما مردود بأنه مسلم، وإنما القصد ختم كلامه بلا إله إلا الله ليحصل له ذلك الثواب.
وبحث تلقينه الرفيق الاعلى، لانه آخر ما تكلم به
ــ
بواجب، فللوارث إبدالها - كسائر الموتى -، وفارق الغسل بإبقاء أثر الشهادة على البدن.
اه.
(قوله: للاتباع) تعليل لكونه يكفن ندبا في ثيابه، وهو من رواه أبو داود بإسناد حسن عن جابر، قال: رمى رجل بسهم في صدره - أو حلقه - فمات، فأدرج في ثيابه كما هو، ونحن مع النبي ﷺ .
(قوله: ولو لم تكفه) أي لو لم تكفه ثيابه التي مات فيها.
(قوله: بأن لم تستر كل بدنه) تصوير لما إذا لم تكفه.
والتصوير المذكور مبني على المعتمد من أن الواجب ستر كل البدن.
أما على الضعيف القائل بأن الواجب ستر العورة، فيصور عليه عدم الإكتفاء بما إذا لم يستر العورة.
وهو ما جرى عليه في الروض وشرحه، ونصهما: فإن لم تكف ثيابه تمم عليها ندبا إن سترت العورة، وإلا فوجوبا.
اه.
(قوله: لا في حرير لبسه) أي لا يكفن الشهيد في حرير لبسه.
(وقوله: لضرورة الحرب) أي لضرورة هي الحرب، فالإضافة للبيان.
ومثلها: ما لو لبسه للحكة أو للقمل.
وهذا ما جرى عليه ابن حجر، وتقدم عند قوله ويكفن الميت بما له لبسه حيا: التفصيل بين كونه لبسه لحاجة فيكفن فيه، ولغير حاجة فلا يكفن.
ووافق عليه ابن قاسم، وعبارته: والمتجه أن من استشهد وهو لابسه لمسوغ، لم يجب نزعه، بل يدفن فيه، لأن دفن الشهيد في أثوابه التي قتل فيها مطلوب شرعا، بخلاف من استشهد، وهو معتد بلبسه، فلا عبرة بهذا اللبس، فينزع منه.
اه.
(قوله: فينزع) أي الحرير، وهو مفرع على كونه لا يكفن فيه.
(قوله: ويندب أن يلقن محتضر) أي بلا إلحاح عليه، لئلا يضجر، ولا يقال له: قل.
بل تذكر بين
يديه ليتدبر، أو يقال ذكر الله مبارك فنذكر الله جميعا.
ويسن أن يكون الملقن غير متهم بإرث أو عداوة أو حسد أو نحو ذلك، فإن يحضر غيره لقنه أشفق الورثة ثم غيره، ولا يترك التلقين حينئذ.
(قوله: ولو مميزا) أي ليحصل له الثواب الآتي.
وإنما لم يلقن في القبر لأمنه من السؤال.
وعبارة شرح البهجة: وكلامهم يشمل الصبي والمجنون، فيسن تلقينهما، وهو قريب في المميز.
اه.
قال سم: وانظر: لو كان نبيا؟ والأوجه أنه لا محذور من جهة المعنى.
اه.
(قوله: على الأوجه) متعلق بالغاية.
(قوله: الشهادة) مفعول ثان ليلقن.
(قوله: أي لا إله إلا الله) تفسير للشهادة.
(وقوله: فقط) أي من غير زيادة محمد رسول الله.
وسيذكر مقابله بقوله: وقول جمع الخ.
(قوله: لخبر الخ) دليل لندب تلقينه ما ذكر.
(قوله: أي من حضره الموت) تفسير مراد للأموات أي أن المراد بهم من قرب موته، فهو من باب تسمية الشئ بما يؤول إليه، كقوله تعالى: * (إني أراني أعصر خمرا) * (١).
(وقوله: مع الخبر الصحيح) رواه أبودواد بإسناد حسن.
(قوله: من كان آخر) يصح فيه الرفع على أنه اسم كان.
(وقوله: لا إله إلا الله) خبرها، ويصح العكس.
(قوله: أي مع الفائزين) أي من الله بالرتب العلية.
والفوز هو النجاة والظفر مع حصول السلامة.
(قوله: وإلا الخ) أي وإن لم يكن المراد بدخول الجنة مع الفائزين فلا يصح، لأن كل مسلم يدخل الجنة ولو لم يأت بالشهادة عند الموت.
(وقوله: يدخلها) أي الجنة.
(وقوله: وبعد عذاب) أي إذا استحقه، بأن كان فاسقا.
(وقوله: وإن طال) أي العذاب.
(قوله: وقول جمع) مبتدأ، خبره مردود.
(قوله: يلقن محمد رسول الله) مقول قول جمع.
(وقوله: أيضا) أي كما يلقن لا إله إلا الله.
(قوله: لأن القصد إلخ) تعليل لتلقينه محمد رسول الله.
(قوله: إلا بهما) أي بالكلمتين، وهما: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
(قوله: بأنه) أي من حضره الموت مسلم.
(قوله: وإنما القصد) أي من تلقينه.
(قوله: ليحصل له
стр. 464
رسول الله (ص)، مردود بأن ذلك لسبب لم يوجد في غيره، وهو أن الله خيره فاختاره.
وأما الكافر فيلقنهما قطعا، مع لفظ أشهد، لوجوبه أيضا - على ما سيأتي فيه - إذ لا يصير مسلما إلا بهما.
وأن يقف جماعة بعد الدفن عند القبر ساعة يسألون له التثبيت ويستغفرون له، و (تلقين بالغ، ولو شهيدا) كما اقتضاه إطلاقهم - خلافا للزركشي
ــ
ذلك الثواب) أي هو دخول الجنة مع الفائزين.
(قوله: وبحث تلقينه) مبتدأ، خبره مردود.
(قوله: الرفيق الأعلى) قال حجر في فتاويه الحديثية.
قيل هو أعلى المنازل - كالوسيلة التي هي أعلى الجنة - فمعناه: أسألك يا الله أن تسكنني أعلى مراتب الجنة.
وقيل معناه: أريد لقاءك يا الله يا رفيق يا أعلى.
والرفيق من أسمائه تعالى، للحديث الصحيح: إن الله رفيق.
فكأنه طلب لقاء الله.
اه.
ع ش.
(قوله: لأنه آخر ما تكلم الخ) أي لأن لفظ الرفيق الأعلى آخر كلامه ﷺ .
(قوله: مردود) أي فلو أتى به لم يحصل سنة التلقين، ويظهر أنه لا كراهة فيه.
اه.
ع ش.
(قوله: بأن ذلك) أي تكلمه ﷺ بالرفيق الأعلى.
(وقوله: لم يوجد) أي السبب.
(وقوله: في غيره) أي النبي ﷺ .
(وقوله: وهو إلخ) أي ذلك
السبب أن الله خير النبي ﷺ بين بقائه في الدنيا وبين لحوقه بالرفيق الأعلى، فاختار الرفيق الأعلى.
(قوله: وأما الكافر إلخ) مقابل لقوله بأنه مسلم.
ولو قدمه عنده وقال: ومن ثم يلقنها الكافر الخ لكان أنسب وأولى.
وعبارة شرح الرملي: وقول الطبري - كجمع - أن زيادتها أولى، لأن المقصود موته على الإسلام، مردود بأن هذا مسلم.
ومن ثم بحث الأسنوي أنه لو كان كافرا لقن الشهادتين وأمر بهما، لخبر الغلام اليهودي، ويكون ذلك وجوبا - كما أفاده الوالد رحمه الله تعالى - إن رجي إسلامه، وإلا فندبا.
اه.
وقوله: لخبر الغلام اليهودي: وهو ما رواه البخاري عن أنس.
قال: كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ ، فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم.
فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم، فأسلم.
فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار.
(قوله: فليلقنهما) أي كلمتي التوحيد.
(وقوله: مع لفظ أشهد) أي مع تلقينه لفظ أشهد.
(وقوله: لوجوبه) أي لفظ أشهد.
(وقوله: أيضا) أي كوجوب كلمتي التوحيد.
(وقوله: على ما سيأتي فيه) أي على ما سيأتي في باب الردة من الخلاف في لفظ أشهد، هل يجب تكريره أو لا؟ وعبارته في باب الردة - أعاذنا الله منها - بعد كلام: ويؤخذ من تكريره - أي الشافعي ﵁ لفظ أشهد: أنه لا بد منه في صحة الإسلام، وهو ما يدل عليه كلام الشيخين في الكفارة وغيرها، لكن خالف فيه جمع.
وفي الأحاديث ما يدل لكل.
اه.
(قوله: إذ لا يصير الخ) تعليل لوجوب تلقينهما مع لفظ أشهد.
(وقوله: إلا بهما) أي بكلمتي التوحيد.
أي النطق بهما.
(قوله: وأن يقف جماعة الخ) معطوف على أن يلقن، أي ويندب أن يقف جماعة إلخ.
والمناسب تأخير هذا وذكره بعد قوله.
وتلقين بالغ إلخ، وإنما ندب وقوف جماعة بعد الدفن، لانه ﷺ كان إذا فرغ من دفن ميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم، وأسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسئل.
(واعلم) أن السؤال عام لكل مكلف، ويكون بحسب لغته - على الصحيح - وقيل بالسرياني.
وهو - على القول به - أربع كلمات، الأولى: اتره.
الثانية: اترح.
الثالثة: كاره.
الرابعة: سالحين.
فمعنى الأولى: قم يا عبد الله إلى سؤال الملكين.
ومعنى الثانية: فيم كنت؟ ومعنى الثالثة: من ربك وما دينك؟ ومعنى الرابعة: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم وفي الخلق أجمعين؟ وقد ورد أن حفظ هذه الكلمات دليل على حسن الخاتمة.
(قوله: ساعة) أي بقدر ذبح جزور وتفرقة لحمها.
(وقوله: يسألون له التثبيت) كأن يقولوا اللهم ثبته.
فلو أتوا بغير ذلك - كالذكر على القبر - لم يكونوا آتين بالسنة وإن حصل لهم ثواب على ذكرهم.
والسؤال المذكور غير التلقين الآتي، وذلك لما روي عن عمرو بن العاص أنه قال: إذا دفنتموني فأقيموا بعد ذلك حول قبري ساعة، قدر ما تنحر جزور ويفرق لحمها، حتى أستأنس بكم
وأعلم ماذا أراجع به رسل ربي.
(قوله: وتلقين بالغ) معطوف على أن يلقن أيضا.
أي ويندب تلقين بالغ الخ، وذلك لقوله تعالى: * (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) * (١) وأحوج ما يكون العبد إلى التذكير في هذه الحالة.
وخرج بالبالغ
стр. 465
- (بعد) تمام (دفن) فيقعد رجل قبالة وجهه ويقول: يا عبد الله ابن أمة الله: اذكر العهد الذي خرجت عليه من
ــ
الطفل، فلا يسن تلقينه لأنه لا يفتن في قبره.
ومثله المجنون - إن لم يسبق له تكليف وإلا لقن - وعبارة النهاية: ولا يلقن طفل - ولو مراهقا - ومجنون لم يتقدمه تكليف - كما قيد به الأذرعي - لعدم افتتانهما.
اه.
(قوله: ولو شهيدا) الغاية للرد، ولا فرق بين شهيد المعركة وغيره.
وقال م ر: استثنى بعضهم شهيد المعركة، كما لا يصلى عليه.
وأفتى به الوالد رحمه الله تعالى.
والأصح أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لا يسألون، لأن غير النبي يسئل عن النبي، فكيف يسأل هو عن نفسه؟.
اه.
وقوله: شهيد المعركة: قال ع ش: أي لأنه لا يسأل.
وأفاد اقتصاره عليه أن غيره من الشهداء يسأل.
وعبارة الزيادي: والسؤال في القبر عام لكن مكلف، ولو شهيدا إلا شهيد المعركة.
ويحمل القول بعدم سؤال الشهداء ونحوهم، ممن ورد الخبر بأنهم لا يسألون: على عدم الفتنة في القبر، خلافا للجلال السيوطي.
اه.
واستدل القرطبي لعدم سؤال شهيد المعركة بخبر مسلم هل يفتن الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة.
قال: ومعناه أن السؤال في القبر إنما جعل لامتحان المؤمن الصادق في إيمانه، وثبوته تحت بارقة السيوف أدل دليل على صدقه في إيمانه.
(قوله: خلافا للزركشي) أي في قوله إن الشهيد لا يلقن لعدم سؤاله.
وانظر: هل الزركشي يخالف في الشهيد مطلقا أو في شهيد المعركة؟.
(قوله: بعد إلخ) متعلق بتلقين، أي يندب التلقين بعد تمام دفنه، لخبر: العبد إذا وضع في قبره وتولى وذهب أصحابه حتى أنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان.
الحديث.
فتأخير تلقينه لما بعد إهالة التراب، أقرب إلى حالة سؤاله.
(قوله: فيقعد رجل الخ) بيان لكيفية التلقين.
(قوله: يقول: يا عبد الله إلخ) رواه الطبراني بلفظ: إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمعه.
ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يستوي قاعدا.
ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله - ولكن لا تشعرون - فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما.
فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه
ويقول: انطلق بنا، ما يقعدنا عند من لقن حجته؟ فقال رجل يا رسول الله فإن لم يعرف أمه؟ قال فينسبه إلى أمه حواء، يقول يا فلان ابن حواء.
اه.
شرح الروض.
ورأيت في حاشية البرماوي على سم صيغة تلقين بأبسط مما هنا، ولا بأس بذكرها هنا تتميما للفائدة، وهي: ويسن تلقينه بعد الدفن وتسوية القبر، فيجلس عند رأسه إنسان يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، كل شئ هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون.
كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.
منها خلقناكم، وفيها نعيدكم، ومنها نخرجكم تارة أخرى.
منها خلقناكم للأجر والثواب، وفيها نعيدكم للدود والتراب، ومنها نخرجكم للعرض والحساب.
باسم الله وبالله ومن الله وإلى الله وعلى ملة رسول الله ﷺ .
هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون.
إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون.
يا فلان ابن فلانة، أو يا عبد الله، يا ابن أمة الله: يرحمك الله - ذهبت عنك الدنيا وزينتها، وصرت الآن في برزخ من برزخ الآخرة، فلا تنس العهد الذي فارقتنا عليه في دار الدنيا وقدمت به إلى دار الآخرة، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.
فإذا جاءك الملكان الموكلان بك وبأمثالك من أمة محمد ﷺ فلا يزعجاك ولا يرعباك، واعلم أنهما خلق من خلق الله تعالى - كما أنت خلق من خلقه - فإذا أتياك وأجلساك وسألاك وقالا لك: ما ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ وما اعتقادك؟ وما الذي مت عليه؟ فقل لهما: الله ربي.
فإذا سألاك الثانية، فقل لهما: الله ربي.
فإذا سألاك الثالثة وهي الخاتمة الحسنى فقل لهما بلسان طلق بلا خوف ولا فزع: الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد نبيي، والقرآن
стр. 466
الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا رسول الله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأنك رضيت بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبمحمد (ص) نبيا، وبالقرآن إماما، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانا.
ربي الله، لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم.
قال شيخنا: ويسن تكراره ثلاثا، والاولى للحاضرين الوقوف، وللملقن القعود.
ونداؤه بالام فيه - أي إن عرفت، وإلا فبحواء - لا ينافي دعاء الناس يوم القيامة بآبائهم، لان كليهما
ــ
إمامي، والكعبة قبلتي، والصلوات فريضتي، والمسلمون إخواني، وإبراهيم الخليل أبي، وأنا عشت ومت على قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.
تمسك يا عبد الله بهذه الحجة، واعلم أنك مقيم بهذا البرزخ إلى يوم يبعثون.
فإذا قيل لك ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم وفي الخلق أجمعين؟ فقل: هو محمد ﷺ .
جاءنا بالبينات من ربه فاتبعناه وآمنا به وصدقنا برسالته.
فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم.
واعلم يا عبد الله أن الموت حق، وأن نزول القبر حق، وأن سؤال منكر ونكير فيه حق، وإن البعث حق، وأن الحساب حق، وأن الميزان حق، وأن الصراط حق، وأن النار حق، وأن الجنة حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
ونستودعك الله.
اللهم يا أنيس كل وحيد، ويا حاضرا ليس يغيب، آنس وحدتنا ووحدته وارحم غربتنا وغربته، ولقنه
حجته ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله يا رب العالمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
(قوله: ويسن تكراره) أي التلقين.
وعبارة شرح الروض: قال الزركشي: قال صاحب الاستقصاء: ويسن إعادة التلقين ثلاثا.
قلت: وهو قياس التلقين عند الموت.
اه.
قال القمولي: قال العلماء ولا يعارض التلقين قوله تعالى: * (وما أنت بمسمع من في القبور) * وقوله: تعالى: * (إنك لا تسمع الموتى) * لانه ﷺ نادى أهل القليب وأسمعهم، وقال: ما أنتم بأسمع منهم لكنهم لا يستطيعون جوابا.
وقال في الميت إنه يسمع قرع نعالكم.
وهذا يكون في وقت دون وقت.
اه.
(قوله: والأولى للحاضرين) أي تلقين الميت.
(وقوله: الوقوف) أي للحديث المار، وهو أنه ﷺ كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه إلخ.
(قوله: وللملقن القعود) أي والأولى للملقن أن يقعد أي لأنه أقرب إلى إسماع الميت التلقين.
(قوله: ونداؤه بالأم فيه) أي نداء الميت بأمه في التلقين.
وهو مبتدأ، خبره جملة لا ينافي.
ولا يقال إنه لم يناد بها فيه، بل نودي بيا عبد الله.
وأما قوله ابن أمة الله، فليس بنداء، بل بدل، لأنا نقول: البدل على نية تكرار العامل، والتقدير يا ابن أمة الله.
(قوله: أي إن عرفت) أي التفسيرية ساقطة من عبارة شيخه، وهو الأولى.
ثم إن هذا يفيد أن الملقن يعين الأم باسمها - كفاطمة، وصالحة - وإلا فلا فائدة في التقييد به، لأنه معلوم أن لكل ميت أما.
وقوله: في صدر العبارة: ويقول عبد الله ابن أمة الله: يفيد عدم ذلك، ويؤيد الأول قول النبي ﷺ في حديث الطبراني المار، ثم يقول يا فلان بن فلانة، فإنهما كنايتان عن العلم، كزيد، وهند.
وقول الرجل فيه: يا رسول، فإن لم يعرف أمه.
الخ.
(قوله: وإلا فبحواء) أي وإن لم تعرف، فيناديه بحواء بأن يقول: يا عبد الله ابن حواء.
(قوله: لا ينافي دعاء الناس يوم القيامة بآبائهم) أي لقوله تعالى: * (ادعوهم لآبائهم) * أي للصلب، وانسبوهم إليهم، ولا تدعوهم إلى غيرهم.
(قوله: لأن كليهما) أي دعاء الميت بأمه في التلقين، ودعاء الناس بآبائهم يوم القيامة.
وقوله: توقيف.
أي وارد من الشارع.
وقوله:
стр. 467
توقيف، لا مجال للرأي فيه.
والظاهر أنه يبدل العبد بالامة في الانثى، ويؤنث الضمائر.
انتهى.
(و) يندب (زيارة قبور لرجل) لا لانثى، فتكره لها.
نعم، يسن لها زيارة قبر النبي (ص).
قال بعضهم: وكذا سائر الانبياء،
ــ
لا مجال للرأي فيه: أي لا دخل للعقل فيما هو توقيف.
(قوله: والظاهر أنه يبدل العبد بالأمة) بأن يقول: يا أمة الله.
(قوله: ويؤنث الضمائر) أي في اذكر، بأن يقول: اذكري.
وفي خرجت، بأن يكسر تاء المخاطب.
وفي رضيت كذلك.
(قوله: انتهى) أي قول شيخه في فتح الجواد لكن بتصرف.
وعبارته: وسن تلقين مكلف بعد تمام الدفن المأثور، وهو مشهور، ونداؤه بالأم فيه إن عرفت، وإلا فبحواء - كما دل الحديث الذي استدلوا به لأصل سنة التلقين ردا على من زعم أنه بدعة، ثم النداء بالأم لا ينافي دعاء الناس يوم القيامة بآبائهم، لأن كليهما توقيف لا مجال للرأي فيه.
وحكمته أن هذه دار ستر، وتلك دار هتك، لظهور آثار الأعمال على عاملها إلا على من وقي الله.
اه.
بحذف.
(قوله: ويندب زيارة قبور، لرجل) أي لخبر: كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكركم الآخرة.
وروي عنه ﷺ أنه قال: ما من أحد يمر بقبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه.
ويتأكد ندب الزيارة في حق الأقارب، خصوصا الأبوين، ولو كانوا ببلد آخر غير البلد الذي هو فيه، فقد روى الحاكم عن أبي هريرة ﵁: من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة مرة غفر الله له، وكان بارا بوالديه.
وفي رواية: من زار قبر والديه كل جمعة أو أحدهما، فقرأ عنده يس والقرآن الحكيم، غفر له بعدد ذلك آية أو حرفا.
وفي رواية: من زار قبر والديه أو أحدهما كأن كحجة.
وروي إن الرجل لا يموت والداه وهو عاق لهما فيدعو الله لهما من بعدهما فيكتبه الله من البارين.
فأفادت هذه الأخبار أن من زار قبر أبويه كان بارا لهما غير عاق ولا مضيع حقهما.
وكان ابن واسع يزور القبور يوم الجمعة ويقول: بلغني أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويوما بعده.
وورد أيضا: أن أرواح المؤمنين تأتي في كل ليلة إلى سماء الدنيا وتقف بحذاء بيوتها، وينادي كل واحد منها بصوت حزين ألف مرة.
يا أهلي، وأقاربي، وولدي.
يا من سكنوا بيوتنا، ولبسوا ثيابنا، واقتسموا أموالنا.
هل منكم من أحد يذكرنا ويتفكرنا في غربتنا ونحن في سجن طويل وحصن شديد؟ فارحمونا يرحمكم الله، ولا تبخلوا علينا قبل أن تصيروا مثلنا.
يا عباد الله: إن الفضل الذي في أيديكم كان في أيدينا، وكنا لا ننفق منه في سبيل الله، وحسابه ووباله علينا، والمنفعة لغيرنا.
فإن لم تنصرف - أي الأرواح - بشئ، فتنصرف بالحسرة والحرمان.
وورد أيضا عن النبي ﷺ أنه قال: ما الميت في قبره إلا كالغريق المغوث.
ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو أخيه أو صديق له، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها.
ويسن أن يكون الزائر على طهارة، وفي سم ما نصه: قال في شرح العباب: ولا يسن السفر لقصد زيارة غير نبي أو
عالم أو صالح، خروجا من خلاف من منعه كالجويني فإنه قال أن ذلك لا يجوز.
اه.
ولم يبينوا أن الزائر يزور قائما أو قاعدا؟ ويحتمل أن يقال يفعل ما يليق لو كان الميت حيا، وقد يستدل للقيام مطلقا أو للأكابر بالقيام في زيارة النبي ﷺ .
اه.
(قوله: لا لأنثى) تصريح بالمفهوم، ومثلها الخنثى.
(قوله: فتكره) أي الزيارة، لأنها مظنة لطلب بكائهن، ورفع أصواتهن، لما فيهن من رقة القلب، وكثرة الجزع، وقلة احتمال المصائب.
وإنما لم تحرم لانه ﷺ مر بامرأة تبكي على قبر صبي لها، فقال لها: اتقي الله واصبري متفق عليه.
فلو كانت الزيارة حراما لنهي عنها.
ولخبر عائشة ﵂ قالت: قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ - تعني إذا زرت القبور -.
قال: قولي: السلام على أهل الدار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون.
ومحل ذلك حيث لم يترتب على خروجها فتنة، وإلا فلا شك في التحريم.
ويحمل على ذلك الخبر الصحيح.
لعن الله زوارات القبور.
стр. 468
والعلماء، والاولياء.
ويسن - كما نص عليه - أن يقرأ من القرآن ما تيسر على القبر، فيدعو له مستقبلا للقبلة.
(وسلام) لزائر على أهل المقبرة عموما، ثم خصوصا، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين - عند أول
ــ
(قوله: نعم، يسن لها زيارة قبر النبي ﷺ ) أي لأنها من أعظم القربات للرجال والنساء.
(قوله: قال بعضهم) هو ابن الرفعة والقمولي وغيرهما.
(وقوله: وكذا الخ) أي مثل زيارة قبر النبي ﷺ ، زيارة سائر قبور الأنبياء والعلماء والأولياء، فتسن لها.
وفي التحفة ما نصه: قال الأذرعي إن صح - أي ما قاله بعضهم - فأقاربها أولى بالصلة من الصالحين.
اه.
وظاهره أنه لا يرتضيه.
لكن ارتضاه غير واحد، بل جزموا به.
والحق في ذلك أن يفصل بين أن تذهب لمشهد كذهابها للمسجد، فيشترط هنا ما مر، ثم من كونها عجوز ليست متزينة بطيب ولا حلي ولا ثوب زينة - كما في الجماعة - بل أولى، وإن تذهب في نحو هودج مما يستر شخصها عن الأجانب، فيسن لها - ولو شابة - إذ لا خشية فتنة هنا.
ويفرق بين نحو العلماء والأقارب بأن القصد إظهار تعظيم نحو العلماء بإحياء مشاهدهم، وأيضا فزوارهم يعود عليهم منهم مدد أخروي، لا ينكره إلا المحرومون، بخلاف الأكابر، فاندفع قول الأذرعي إن صح الخ.
اه.
وفي النهاية: والأوجه عدم إلحاق قبر أبويها وأخواتها وبقية أقاربها بذلك، أخذا من العلة، وإن بحث ابن قاضي شهبة الإلحاق.
اه.
(قوله: ويسن كما نص عليه أن يقرأ الخ) أي لما ورد إن فمن زار قبر والديه أو أحدهما فقرأ عنده يس والقرآن الحكيم، غفر له بعدد ذلك آية أو حرفا.
وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: إذا دخلتم المقابر فاقرأوا بفاتحة الكتاب والإخلاص والمعوذتين، واجعلوا ثواب ذلك لأهل المقابر، فإنه يصل إليهم.
فالاختيار أن يقول القارئ بعد فراغه: اللم أوصل ثواب ما قرأته إلى فلان.
(وحكى) بعض أهل العلم أن رجلا رأى في المنام أهل القبور في بعض المقابر قد خرجوا من قبورهم إلى ظاهر المقبرة، وإذا بهم يلتقطون شيئا ما يدري ما هو.
قال: فتعجبت من ذلك، ورأيت رجلا منهم جالسا لا يلتقط معهم شيئا، فدنوت منه وسألته: ما الذي يلتقط هؤلاء؟ فقال يلتقطون ما يهدي إليهم المسلمون من قراءة القرآن والصدقة والدعاء.
فقال: فقلت له: فلم لا تلتقط أنت معهم؟ قال أنا غني عن ذلك.
فقلت: بأي شئ أنت غني؟ قال بختمة يقرؤها ويهديها إلى كل يوم ولدي يبيع الزلابية في السوق الفلاني.
فلما استيقظت ذهبت إلى السوق حيث ذكر، فإذا شاب يبيع الزلابية، ويحرك شفتيه.
فقلت: بأي شئ تحرك شفتيك؟ قال أقرأ القرآن وأهديه إلى والدي في قبره.
قال: فلبثت مدة من الزمان، ثم رأيت الموتى قد خرجوا من القبور، وإذا بالرجل الذي كان يلتقط صار يلتقط، فاستيقظت وتعجبت من ذلك، ثم ذهبت إلى السوق لا تعرف خبر ولده فوجدته قد مات.
(قوله: من القرآن) بيان لما، مقدم عليه.
(قوله: فيدعو له) أي فعقب القراءة يسن أن يدعو للميت رجاء الإجابة، لأن الدعاء ينفع الميت، وهو عقب القراءة أقرب إلى الإجابة.
وسيأتي - في باب الوصية - كلام في حصول ثواب الدعاء والقراءة للميت - إن شاء الله تعالى - (وقوله: مستقبلا للقبلة) حال من فاعل يدعو، أي يدعو حال كون الداعي مستقبلا للقبلة.
وعبارة المغني: وعند الدعاء يستقبل القبلة وإن قال الخراسانيون باستحباب استقبال وجه الميت.
اه.
(قوله: وسلام لزائر إلخ) أي ويندب سلام لزائر على أهل المقبرة، أي لما روى عن أبي هريرة: قال أبو رزين: يا رسول الله، إن طريقي على الموتى، فهل لي كلام أتكلم به إذا مررت عليهم؟ قال: قل السلام عليكم يا أهل القبور من المسلمين والمؤمنين.
أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، وإنا شاء الله بكم لاحقون.
قال أبو رزين: هل يسمعون؟ قال: يسمعون ولا يستطيعون أن يجيبوا - أي جوابا يسمعه الحي -.
وقال: يا أبا رزين: ألا ترضى أن ترد عليك بعددهم الملائكة؟.
(قوله: عموما) أي لجميع من في المقبرة.
(وقوله: ثم خصوصا) أي لمن قصد زيارته من أقاربه.
(قوله: فيقول الخ)
стр. 469
المقبرة -.
ويقول عند قبر أبيه - مثلا -: السلام عليك يا والدي.
فإن أراد الاقتصار على أحدهما أتى بالثانية، لانه أخص بمقصوده، وذلك لخبر مسلم: أنه (ص) قال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون.
والاستثناء للتبرك، أو للدفن بتلك البقعة، أو للموت على الاسلام.
(فائدة) ورد أن من مات يوم الجمعة أو ليلتها أمن من عذاب القبر وفتنته.
وورد أيضا: من قرأ قل هو الله أحد، في مرض موته مائة مرة، لم يفتن في قبره، وأمن من ضغطة القبر،
ــ
تفريغ على الإتيان بالسلام عموما، وما بعده على الإتيان به خصوصا (قوله: ويقول عند قبر أبيه الخ) قال سم: عبارة العباب: ويقول وهو قائم أو قاعد مقابل وجه الميت: السلام عليكم إلخ.
وفي شرحه عقب وهو قائم أو قاعد - كما في المجموع عن الحافظ أبي موسى الأصبهاني - قال: كما أن الزائر في الحياة ربما زار قائما أو قاعدا أو مارا.
وروي القيام من حديث جماعة.
اه.
(واعلم) أنهم صرحوا في باب الحديث وغيره بأن قراءة القرآن جالسا أفضل.
وصرح به المصنف في التبيان، وقضيته أن من أراد القراءة عند القبر سن له الجلوس.
اه.
(قوله: فإن أراد الإقتصار على أحدهما) أي صيغة العموم، أو صيغة الخصوص.
(قوله: أتى بالثانية) أي الصيغة الثانية، وهي: السلام عليك يا والدي مثلا.
(قوله: لأنه) أي الثانية.
والأولى لأنها بضمير المؤنث.
(وقوله: أخص بمقصوده) أي أكثر دلالة على مقصوده الذي.
هو زيارة نحو أبيه، بخلاف الأولى، فإنها تشمله وغيره، فهي ليست أدل على مقصوده.
(قوله: وذلك) أي ما ذكر من سنية السلام على أهل المقبرة من حيث هو، لخبر مسلم الخ.
(قوله: السلام عليكم إلخ) زاد ابن السني عن عائشة ﵂: اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: من دخل المقابر فقال: اللهم رب الأجساد البالية، والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدخل عليها روحا من عندك، وسلاما مني.
استغفر له كل مؤمن مذ خلق الله آدم.
وأخرجه ابن أبي الدنيا بلفظ.
كتب الله له بعدد من مات من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة حسنات.
وأخرج البيهقي عن بشير بن منصور قال: كان رجل يختلف إلى الجبانة فيشهد الصلاة على الجنائز، فإذا أمسى وقف على باب المقابر فقال: آنس الله وحشتكم، ورحم الله غربتكم، وتجاوز الله عن سيئاتكم، وقبل الله حسناتكم - لا يزيد على هؤلاء الكلمات -.
قال ذلك الرجل: فأمسيت ذات ليلة فانصرفت إلى أهلي ولم آت المقابر، فبينما أنا نائم إذا أنا بخلق كثير جاؤني، قلت: من أنتم؟ وما حاجتكم؟ قالوا: نحن أهل المقابر.
وقد عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك.
قلت: وما هي؟ قالوا: الدعوات التي كنت تدعو بها.
قلت: فأنا أعود لذلك.
قال: فما تركتها بعد.
(قوله: والاستثناء للتبرك إلخ) جواب عما يقال إن اللحوق بهم محقق، فلا معنى للاستثناء.
وحاصل الجواب أنه أتى به للتبرك أو باعتبار الدفن في تلك البقعة، أو باعتبار الموت على الإسلام، أي نلحقكم في هذه البقعة إن شاء الله تعالى، أو نلحقكم ونموت على الإسلام إن شاء الله.
قال في شرح الروض: والصحيح أنه للتبرك، امتثالا لقوله تعالى: * (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) *.
اه.
(قوله: فائدة) الأولى أن يقول فوائد، بصيغة الجمع.
(قوله: أمن من عذاب القبر وفتنته) قال في التحفة: وأخذ منه أنه لا يسئل، وإنما يتجه ذلك إن صح عنه ﷺ أو عن صحابي، إذ مثله لا يقال من قبل الرأي.
ومن ثم قال شيخنا: يسأل من مات برمضان أو ليلة الجمعة - لعموم الأدلة الصحيحة.
اه.
والفرق بين فتنة القبر وعذابه، أن الأولى تكون بامتحان الميت بالسؤال.
وأما العذاب فعام يكون ناشئا عن عدم جواب السؤال، ويكون عن غير ذلك.
(قوله: وأمن من ضغطه القبر) أي ضمته للميت، وهي أول ما يلقاه الميت من أهوال القبر، فهي قبل السؤال.
стр. 470
وجاوز الصراط على أكف الملائكة.
وورد أيضا: من قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين - أربعين مرة - في مرضه فمات فيه، أعطي أجر شهيد، وإن برئ برئ مغفورا له.
غفر الله لنا، وأعاذنا من عذاب القبر وفتنته.
ــ
وقد صرحت الروايات والآثار بأن ضمة القبر عامة، للصالح وغيره.
وقد قال الشهاب ابن حجر: قد جاءت الأحاديث الكثيرة بضمة القبر، وأنه لا ينجو منها صالح ولا غيره، بل أخبر ﷺ في سعد بن معاذ سيد الأوس من الأنصار أنه اهتز لموته عرش الرحمن استبشارا لقدوم روحه، وإعلاما بعظيم مرتبته، وأنه لم ينج منها، وأنه شيع جنازته سبعون ألف ملك، وأنه لو كان أحد بنحو منها لنجا منها هذا العبد الصالح.
لكن الناس مختلفون فيها، قيل ضمة القبر: التقاء جانبيه على جسد الميت.
قال الحكيم الترمذي: لا نعلم أن للأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - في القبر ضمة ولا سؤالا، لعصمتهم.
قيل هي للمطيع حنو، ولغيره ضمة سخط.
ويرده ما ورد في سعد بن معاذ أنه ضغط في قبره ضغطة شديدة بحيث اختلفت أضلاعه فيها، وأن رسول الله ﷺ سئل عن ذلك، فقال إنه كان يقصر في بعض الطهور من البول.
وأن الضمة المذكورة تكون لكل أحد، حتى الأطفال.
لكن ذكر إن فاطمة بنت أسد ﵂ سلمت من هذه الضمة، وأن من قرأ قل هو الله أحد في مرضه الذي يموت فيه كذلك - أي يسلم منها، وكذا الأنبياء.
وحكمتها: أن الأرض أمهم، ومنها خلقوا، فغابوا عنها الغيبة الطويلة، فلما ردوا إليها ضمتهم ضمة الوالدة التي غاب ولدها ثم قدم عليها، فمن كان مطيعا لله ضمته برفق ورأفة، ومن كان عاصيا ضمته بعنف سخطا منها لله عليه.
اه.
بجيرمي.
(قوله: وجاوز الصراط على أكف الملائكة) في رواية.
وحمله الملائكة بأجنحتها حتى يجيزونه من الصراط إلى الجنة.
(قوله: ورود أيضا من قال الخ) في إرشاد العباد للمؤلف، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ألا أخبرك بأمر حق من تكلم به في أول مضجعه عن مرضه نجاه الله من النار؟ قلت: بلى قال: لا إله
إلا الله يحيي ويميت وهو حي لا يموت، وسبحان الله رب العباد والبلاد، والحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه على كل حال.
الله أكبر.
كبرياء ربنا وجلاله وقدرته بكل مكان.
اللهم إن كنت أمرضتني لقبض روحي في مرضي هذا فاجعل روحي في أرواح من سبقت لهم الحسنى، وأعذني كما أعذت أولئك الذي سبقت لهم منك الحسنى.
إن مت في مرضك ذلك، فإلى رضوان الله والجنة، وإن كنت قد اقترفت ذنوبا تاب الله عليك.
وروي.
ما من ميت يقرأ عنده يس إلا هون الله عليه.
ويستحب - إذا احتضر الميت - أن يقرأ عنده أيضا سورة الرعد فإن ذلك يخفف عن الميت سكرة الموت، وإنه أهون لقبضه، وأيسر لشأنه.
وذكر جماعة أن السواك يسهل خروج الروح، لاستياكه ﷺ عند موته.
وروى أنس عن النبي ﷺ : من أتاه ملك الموت وهو على وضوء، أعطي الشهادة.
نسأل الله أن يمن علينا بالشهادة، ويمنحنا الحسنى وزيادة، ويرزقنا التقوى والاستقامة، بجاه سيدنا محمد ﷺ المظلل بالغمامة.
(خاتمة) نسأل الله حسن الختام - تسن تعزية المصاب، لما أخرجه الترمذي عن ابن مسعود ﵁ قال: قال
стр. 471
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رسول الله ﷺ : من عزى مصابا فله مثل أجره.
وأخرج الترمذي أيضا عن أبي برزة: من عزى ثكلى كسي بردا.
وأخرج ابن ماجه والبيهقي عن عمرو بن حزم: ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله عزوجل من حلل الكرامة يوم القيامة.
وقد أرسل الإمام الشافعي ﵁ إلى بعض أصحابه يعزيه في ابن له قد مات بقوله: إني معزيك لا إني على ثقة * * من الخلود، ولكن سنة الدين فما المعزى بباق بعد ميته * * ولا المعزي ولو عاشا إلى حين والتعزية: هي الأمر بالصبر، والحمل عليه بوعد الأجر، والتحذير من الوزر بالجزع، والدعاء للميت بالمغفرة وللحي بجبر المصيبة، فيقال فيها: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك، وجبر معصيتك، أو أخلف عليك، أو نحو ذلك.
وهذا في تعزية المسلم بالمسلم.
وأما تعزية المسلم بالكافر فلا يقال فيها: وغفر لميتك، لأن الله لا يغفر الكفر.
وهي مستحبة قبل مضي ثلاثة أيام من الموت، وتكره بعد مضيها.
ويسن أن يعم بها جميع أهل الميت من صغير
وكبير، ورجل وامرأة، إلا شابة وأمرد حسنا، فلا يعزيهما إلا محارمهما، وزوجهما.
ويكره ابتداء أجنبي لهما بالتعزية، بل الحرمة أقرب.
ويكره لأهل الميت الجلوس للتعزية، وصنع طعام يجمعون الناس عليه، لما روى أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام بعد دفنه من النياحة، ويستحب لجيران أهل الميت - ولو أجانب - ومعارفهم - وإن لم يكونوا جيرانا - وأقاربه الأباعد - وإن كانوا بغير بلد الميت - أن يصنعوا لأهله طعاما يكفيهم يوما وليلة، وأن يلحوا عليهم في الأكل.
ويحرم صنعه للنائحة، لأنه إعانة على معصية.
وقد اطلعت على سؤال رفع لمفاتي مكة المشرفة فيما يفعله أهل الميت من الطعام.
وجواب منهم لذلك.
(وصورتهما).
ما قول المفاتي الكرام بالبلد الحرام دام نفعهم للأنام مدى الأيام، في العرف الخاص في بلدة لمن بها من الأشخاص أن الشخص إذا انتقل إلى دار الجزاء، وحضر معارفه وجيرانه العزاء، جرى العرف بأنهم ينتظرون الطعام، ومن غلبة الحياء على أهل الميت يتكلفون التكلف التام، ويهيئون لهم أطعمة عديدة، ويحضرونها لهم بالمشقة الشديدة.
فهل لو أراد رئيس الحكام - بما له من الرفق بالرعية، والشفقة على الأهالي - بمنع هذه القضية بالكلية ليعودوا إلى التمسك بالسنة السنية، المأثورة عن خير البرية وإلى عليه ربه صلاة وسلاما، حيث قال: اصنعوا لآل جعفر طعاما يثاب على هذا المنع المذكور؟ أفيدوا بالجواب بما هو منقول ومسطور.
(الحمد لله وحده) وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والسالكين نهجهم بعده.
اللهم أسألك الهداية للصواب.
نعم، ما يفعله الناس من الاجتماع عند أهل الميت وصنع الطعام، من البدع المنكرة التي يثاب على منعها والي الأمر، ثبت الله به قواعد الدين وأيد به الإسلام والمسلمين.
قال العلامة أحمد بن حجر في (تحفة المحتاج لشرحك المنهاج): ويسن لجيران أهله - أي الميت - تهيئة طعام يشبعهم يومهم وليلتهم، للخبر الصحيح.
اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد جاءهم ما يشغلهم.
ويلح عليهم في الأكل ندبا، لأنهم قد يتركونه حياء، أو لفرط جزع.
ويحرم تهيئه للنائحات لأنه إعانة على معصية، وما اعتيد من جعل أهل الميت طعاما ليدعوا الناس إليه، بدعة مكروهة - كإجابتهم لذلك، لما صح عن جرير ﵁.
كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام بعد دفنه من النياحة.
ووجه عده من النياحة ما فيه من شدة الاهتمام بأمر الحزن.
ومن ثم كره اجتماع أهل الميت ليقصدوا بالعزاء، بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم، فمن صادفهم عزاهم.
اه.
وفي حاشية العلامة الجمل على شرح المنهج: ومن البدع المنكرة والمكروه فعلها: ما يفعله الناس من الوحشة
стр. 472
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والجمع والأربعين، بل كل ذلك حرام إن كان من مال محجور، أو من ميت عليه دين، أو يترتب عليه ضرر، أو نحو ذلك.
اه.
وقد قال رسول الله ﷺ لبلال بن الحرث ﵁: يا بلال من أحيا سنة من سنتي قد أميتت من بعدي، كان له من الأجر مثل من عمل بها، لا ينقص من أجورهم شيئا.
ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله، كان عليه مثل من عمل بها، لا ينقص من أوزارهم شيئا.
وقال ﷺ : إن هذا الخير خزائن، لتلك الخزائن مفاتيح، فطوبى لعبد جعله الله مفتاحا للخير، مغلاقا للشر.
وويل لعبد جعله الله مفتاحا للشر، مغلاقا للخير.
ولا شك أن منع الناس من هذه البدعة المنكرة فيه إحياء للسنة، وإماته للبدعة، وفتح لكثير من أبواب الخير، وغلق لكثير من أبواب الشر، فإن الناس يتكلفون تكلفا كثيرا، يؤدي إلى أن يكون ذلك الصنع محرما.
والله أعلم.
كتبه المرتجي من ربه الغفران: أحمد بن زيني دحلان - مفتي الشافعية بمكة المحمية - غفر الله له، ولوالديه، ومشايخه، والمسلمين.
(الحمد لله) من ممد الكون أستمد التوفيق والعون.
نعم، يثاب والي الأمر - ضاعف الله له الأجر، وأيده بتأييده - على منعهم عن تلك الأمور التي هي من البدع المستقبحة عند الجمهور.
قال في (رد المحتار تحت قول الدار المختار) ما نصه: قال في الفتح: ويستحب لجيران أهل الميت، والأقرباء الأباعد، تهيئة طعام لهم يشبعهم يومهم وليلتهم، لقوله ﷺ : اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد جاءهم ما يشغلهم.
حسنه الترمذي، وصححه الحاكم.
ولأنه بر ومعروف، ويلح عليهم في الأكل، لأن الحزن يمنعهم من ذلك، فيضعفون حينئذ.
وقال أيضا: ويكره الضيافة من الطعام من أهل الميت، لأنه شرع في السرور، وهي بدعة.
روى الإمام أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح، عن جرير بن عبد الله، قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة.
اه.
وفي البزاز: ويكره اتخاذ الطعام في اليوم الأول والثالث وبعد الأسبوع، ونقل الطعام إلى القبر في المواسم إلخ.
وتمامه فيه، فمن شاء فليراجع.
والله أعلم.
كتبه خادم الشريعة والمنهاج: عبد الرحمن بن عبد الله سراج، الحنفي، مفتي مكة المكرمة - كان الله لهما حامدا مصليا مسلما.
وقد أجاب بنظير هذين الجوابين مفتي السادة المالكية، ومفتي السادة الحنابلة.
(واعلم) أنه يندب الصبر على المصائب، لما أخرجه الشيخان أن بنتا له ﷺ أرسلت إليه تدعوه وتخبره أن ابنها في الموت.
فقال ﷺ للرسول: ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شئ عنده بأجل مسمى.
فمرها: فلتصبر، ولتحتسب.
وأخرج البخاري: ما لعبدي المؤمن إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة.
وفي حديث: من أصيب بمصيبة، فليذكر مصيبته بي، فإنها أعظم المصائب.
ولذلك قال بعضهم: اصبر لكل مصيبة وتجلد * * واعلم بأن المرء غير مخلد واصبر كما صبر الكرام فإنها * * نوب تنوب اليوم تكشف في غد وإذا أتتك مصيبة تشجى بها * * فاذكر مصابك بالنبي محمد وقال آخر: تذكرت لما فرق الدهر بيننا * * فعزيت نفسي بالنبي محمد وقلت لها: إن المنايا سبيلنا * * فمن لم يمت في يومه مات في غد وقال آخر: مات خير الخلق من قد خصه * * ربه بالصحب من خير صحاب كل حي ذائق كأس الفنا * * هكذا المسطور في أم الكتاب
стр. 473
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أيها الناس لكم بالمصطفى * * أسوة، فالموت يدني للذهاب فثقوا بالله، وارضوا، وخذوا * * ما قضى الله بصبر واحتساب قال المؤلف في (إرشاد العباد): وكأن القاضي حسينا - من أكابر أئمتنا - أخذ من هذا قوله الذي أقروه عليه: يجب على كل مؤمن أن يكون حزنه على فراق النبي ﷺ من الدنيا أكثر منه على فراق أبويه، كما يجب عليه أن يكون ﷺ أحب إليه من نفسه، وأهله، وماله.
اه.
وفي حديث آخر: إنما الصبر عند الصدمة الأولى، أي إنما يحمد الصبر عند مفاجأة المصيبة، وأما فيما بعد فيقع السلو طبعا.
ومن ثم قال بعضهم: ينبغي للعاقل أن يفعل بنفسه أول أيام المصيبة ما يفعله الأحمق بعد خمسة أيام.
وفي حديث آخر: إن الضرب على الفخذ عند المصيبة يحبط الأجر.
وورد: من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الخنث، كانوا له حصنا من النار.
فقال أبو الدرداء ﵁.
قدمت اثنين.
قال: واثنين.
قال آخر: إني قدمت واحدا.
قال: وواحدا، ولكن ذلك في أول صدمة.
وفي حديث مسلم إن الأطفال دعاميص الجنة - أي حجاب أبوابها - يتلقى أحدهم أباه - أو قال أبويه - فيأخذه بثوبه - أو قال بيده - فلا ينتهي حتى يدخله الجنة.
وفي خبر مسلم: أنه مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت: لا يحدثه إلا أنا.
فلما جاء قربت إليه عشاءه، فأكل، وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كان تتصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأته أنه قد شبع، وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا.
قالت أم سليم: فاحتسب ابنك.
فغضب، ثم انطلق إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: بارك الله لكما في ليلتكما.
وروي أن ابن عمر ﵄، ضحك عند دفن ابنه، فقيل له: أتضحك؟ فقال: أردت أن أرغم الشيطان.
وقال أبو علي الرازي: صحبت الفضيل ثلاثين سنة، ما رأيته ضاحكا، ولا مبتسما، ولا مستبشرا، إلا يوم مات ابنه علي، فقلت له في ذلك، فقال: إن الله أحب أمرا فأحببته.
والأخبار والحكايات الدالة على تأكد الصبر كثيرة شهيرة، ويتأكد لمن ابتلي بمصيبة - بميت، أو في نفسه، أو أهله، أو ماله، وإن خفت - أن يكثر * (إنا لله وإنا إليه راجعون) * (١) اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف علي خيرا منها.
لأن الله تعالى وعد من قال ذلك * (عليهم صلوات من ربهم ورحمة) * (٢) وأنهم * (هم المهتدون) * ولخبر مسلم أن من قال ذلك آجره الله وأخلف له خيرا.
وقال ابن جبير: لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة ما لم يعطه غيرهم: * (إنا لله وإنا إليه راجعون) * ولو أوتوه لقاله يعقوب ﵇.
ولم يقل يا أسفى على يوسف.
جعلنا الله من الصابرين في الضراء، الشاكرين في السراء.
آمين.
والله أعلم.
стр. 474
باب الزكاة هي لغة: التطهير والنماء.
وشرعا: اسم لما يخرج عن مال، أو بدن، على الوجه الآتي.
وفرضت زكاة المال في السنة الثانية من الهجرة بعد صدقة الفطر.
ووجبت في ثمانية أصناف من المال: النقدين، والانعام،
ــ
باب الزكاة
لما أنهى الكلام على الركن الأعظم من أركان الإسلام - وهو الصلاة - شرع يتكلم على الركن الثاني منها، وهو
الزكاة.
والأصل في وجوبها - قبل الإجماع - قوله تعالى: * (وآتوا الزكاة) *.
وأخبار كخبر بني الإسلام على خمس.
(قوله: هي لغة: التطهير والنماء) يعني أن الزكاة في اللغة جاءت بمعنى التطهير، وبمعنى النمو.
قال تعالى: * (قد أفلح من زكاها) * (١) أي طهرها.
ويقال: زكا الزرع إذا نما.
وجاءت أيضا فيها بمعنى المدح، قال تعالى: * (فلا تزكوا أنفسكم) * أي تمدحوها.
وبمعنى البركة، ويقال: زكت النفقة: إذا بورك فيها.
وبمعنى كثير الخير، يقال: فلان زاك، أي كثير الخير.
(قوله: وشرعا: اسم لما يخرج) أي لقدر يخرج إلخ، وسمي بذلك للمناسبة بينه وبين المعاني اللغوية المذكورة، وذلك لأن المال ينمو ببركة إخراجها ودعاء الآخذ لها، ولأنها تطهر مخرجها من الإثم، وتمدحه حين تشهد له بصحة الإيمان.
والقدر المخرج عن المال هو العشر فيما سقي بما لا مؤنة فيه، أو نصفه فيما فيه مؤنة، أو ربعه في الذهب والفضة والخمس في الركاز.
أو ما ورد عن الشارع في الحيوان، كبنت مخاض عن خمس وعشرين.
والقدر المخرج عن البدن، وهو صاع.
(وقوله: عن مال) هو ما سيذكره بعد بقوله النقدين إلخ.
وزكاة التجارة ترجع للنقد لأنها تقوم به، ثم إن المال المذكور بعضه حولي وبعضه غير حولي - كما ستعرفه.
(وقوله: أو بدن) أي أو ما يخرج عن البدن، وهو صاع زكاة الفطر.
ولا يشترط حول لوجوبها عمن ولد قبل الغروب.
(وقوله: على الوجه الآتي) أي من وجود الشروط، وانتفاء الموانع، ونية الدافع.
(قوله: وفرضت زكاة المال في السنة الثانية) اختلف في أي شهر منها.
والذي قال شيخنا البابلي أن المشهور عن المحدثين أنها فرضت في شوال من السنة المذكورة.
اه.
بجيرمي.
(قوله: بعد صدقة الفطر) أي بعد فرض صدقة الفطر، لأنها فرضت قبل العيد بيومين في السنة الثانية أيضا - كما في المواهب اللدنية.
(قوله: ووجبت) أي زكاة المال.
(قوله: في ثمانية أصناف من المال) أي بعد النقدين صنفين، والأنعام ثلاثة، وعروض التجارة داخلة في النقدين، لأنها تقوم بهما - كما علمت - وترجع هذه الثمانية إلى ضربين: ما يتعلق بالقيمة - وهو زكاة التجارة - وما يتعلق
стр. 475
والقوت، والتمر، والعنب لثمانية أصناف من الناس.
ويكفر جاحد وجوبها، ويقاتل الممتنع عن أدائها، وتؤخذ منه - وإن لم يقاتل - قهرا (تجب على) كل (مسلم) ولو غير مكلف، فعلى الولي إخراجها من ماله.
وخرج
ــ
بالعين: وهو ثلاثة أنواع: نبات، وجوهر النقدين، وحيوان.
(قوله: النقدين الخ) بدل من ثمانية أصناف.
(وقوله: والأنعام) أي الإبل، والبقر، والغنم.
(قوله: والقوت) أي من الحبوب، كبر، وشعير، وأرز.
(قوله: والتمر، والعنب) عبر بعضهم عن هذين وعن القوت بالنابت، فإنه يشمل الزرع والنخل والكرم.
(قوله: لثمانية إلخ) متعلق بوجبت، أي وجبت في ثمانية أصناف من المال، لثمانية أصناف من الناس، وهم المذكورون في آية * (إنما الصدقات للفقراء) * إلخ.
(قوله: ويكفر جاحد وجوبها) أي الزكاة.
ومحله أن أنكر وجوبها على الإطلاق، بأن أنكر أصلها من غير نظر لأفرادها، أو أنكر بعض أفرادها الجزئية المجمع عليه، بخلاف المختلف فيه - كوجوبها في مال الصبي والركاز - فلا يكفر جاحده.
(قوله: ويقاتل الممتنع عن أدائها) أي الزكاة - كما فعل الصديق ﵁ وكما يقاتل الممتنع من الأداء يقاتل الممتنع من أخذها.
وعبارة ش ق: ولو امتنع المستحقون من أخذها قاتلهم الإمام، لأن قبولها فرض كفاية، فيقاتلون على ذلك، لتعطيلهم هذا الشعار العظيم، كتعطيل الجماعة، بناء على أنها فرض كفاية، بل أولى.
أفاده الرملي.
اه.
(قوله: وتؤخذ) أي الزكاة.
(وقوله: منه) أي من الممتنع.
(وقوله: وإن لم يقاتل) الأولى تأخيره عن قوله قهرا.
(وقوله: قهرا) صفة لمصدر محذوف، أي تؤخذ أخذا قهرا، سواء قاتل الممتنع الإمام أم لا.
وفي البجيرمي ما نصه: والحاصل أن الناس فيها على ثلاثة أقسام: قسم يعتقد وجوبها ويؤديها، فيستحق الحمد، وفيه نزل قوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم) * (١).
وقسم يعتقد وجوبها ويمتنع من إخراجها، فإن كان في قبضة الإمام أخذها من ماله قهرا، وإلا قاتله، كما فعلت الصحابة رضوان الله عليهم بمانع الزكاة.
وقسم لا يعتقد وجوبها، فإن كان ممن يخفى عليه - لكونه قريب عهد بالإسلام - عرفه أي الوجوب وينهى عن العود، وإلا حكم بكفره.
اه.
(قوله: تجب الخ) شروع في بيان شروط من تجب عليه زكاة الأموال التي هي: النقدان، والأنعام، والقوت، والتمر، والعنب.
وبدأ ببيان شروط من تجب عليه زكاة النقدين - لأنهما أشرف من بقية الأموال - إذ بهما قوام الدنيا، ونظام أحوال الخلق، لأن حاجات الناس كثيرة، وكلها تقضى بهما، بخلاف غيرهما من الأموال.
وذكر لمن تجب عليه زكاتهما خمسة شروط - متنا وشرحا - وهي: إسلام، وحرية، وتعين مالك، ونصاب وحول.
وبقي من الشروط: قوة الملك، ويعبر عنه بالملك التام، ليخرج به ما ملكه المكاتب، فلا زكاة فيه عليه، لضعف ملكه عن احتمال المواساة.
وتيقن وجود المالك: فلا زكاة في مال الحمل الموقوف له بإرث أو وصية، لعدم الثقة بحياته.
ومعظم هذه الشروط يأتي في غيره ممن تجب
عليه زكاة بقية الأموال - كما ستقف عليه.
(قوله: على كل مسلم) أي لقول الصديق ﵁ في كتابه: هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين.
رواه البخاري.
(قوله: ولو غير مكلف) غاية في المسلم، وهو الصبي والمجنون.
(قوله: فعلى الولي الخ) هذا بيان للمراد بلزومها على غير المكلف، يعني أن المراد بذلك أنها تلزم في ماله، ويلزم الولي إخراجها منه، فالمخاطب بالإخراج الولي.
قال في النهاية: ومحل وجوب ذلك عليه في مال الصبي والمجنون، حيث كان ممن يعتقد وجوبها على المولى عليه، فإن كان لا يراه - كحنفي - فلا وجوب.
والاحتياط له أن يحسب زكاته، فإذا كملا أخبرهما بذلك، ولا يخرجها، فيغرمه الحاكم.
قاله القفال.
وفرضه في الطفل ومثله المجنون - كما مر - والسفيه.
اه.
(فائدة) أجاب السبكي عن سؤال صورته: كيف تخرج الزكاة من أموال الأيتام من الدراهم المغشوشة والغش فيها ملكهم؟ بأن الغش إن كان يماثل أجرة الضرب والتخليص فيسامح به، وعمل الناس على الإخراج منها.
اه.
مغنى.
стр. 476
بالمسلم الكافر الاصلي، فلا يلزمه إخراجها، ولو بعد الاسلام (حر) معين، فلا تجب على رقيق لعدم ملكه، وكذا المكاتب لضعف ملكه، ولا تلزم سيده، لانه غير مالك في (ذهب) ولو غير مضروب، خلافا لمن زعم
ــ
(ظريفة) للفخر الرازي: طلبت من المليح زكاة حسن * * على صغر من السن البهي فقال: وهل على مثلي زكاة * * على رأي العراقي الكمي؟ فقلت: الشافعي لنا إمام * * يرى أن الزكاة على الصبي فقال: اذهب إذا واقبض زكاتي * * بقول الشافعي - من الولي وتممه التقي السبكي فقال: فقلت له فديتك من فقيه * * أيطلب بالوفاء سوى الملي نصاب الحسن عندك ذو امتناع * * بخدك والقوام السمهري فإن أعطيتنا طوعا، وإلا * * أخذناه - بقول الشافعي (قوله: وخرج بالمسلم الكافر الأصلي) احترز بالأصلي عن المرتد، فإن فيه تفصيلا، وهو أنه إن ارتد بعد أن وجبت الزكاة عليه، أخذت منه مطلقا، سواء أسلم أم لا.
وإن وجبت عليه بعد أن ارتد فتوقف كبقية أمواله، إن عاد إلى الإسلام لزمه أداؤها، لتبين ملكه.
وإن مات مرتدا بان أن لا مال له من حين الردة ويكون فيئا.
(قوله: فلا يلزمه إخراجها)
بمعنى أنه لا يطالب بها في الدنيا، فلا ينافي أنها تلزمه من حيث أنه يعاقب على تركها في الآخرة، كبقية الفروع المتفق عليها.
(قوله: ولو بعد الإسلام) أي فلا يلزمه أن يخرجها لقوله تعالى: * (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) * (١).
وإنما لم تسقط الكفارة بالإسلام لأنها محض مواساة، فينبغي أن لا يتركها بعد الإسلام، بخلاف الزكاة، فإنها وإن كان فيها مواساة، لكن فيها شائبة معاوضة في مقابلة ما نما من المال.
وأيضا: فالكفارة شأنها ندرة الوقوع، فلا يشق إخراجها لعدم كثرتها، بخلاف الزكاة فإنها كثيرة الوقوع، فيشق إخراج ما استقر عليه حال كفره.
(قوله: حر) أي كله أو بعضه، فتجب الزكاة عليه، ولو كان مبعضا ملك ببعضه الحر نصابا.
(وقوله: معين) أي غير مبهم، فلا زكاة في ريع موقوف على جهة عامة، ولا في مال بيت المال.
ومن الأول: الموقوف على إمام المسجد أو مؤذنه، لأنه لم يرد به شخص معين، وإنما أريد به كل من اتصف بهذا الوصف - كما سيذكره: (قوله: فلا تجب على رقيق) محترز حر.
(وقوله: لعدم ملكه) تعليل لعدم الوجوب، فلو ملكه سيده مالا لم يملكه، فيكون باقيا على ملك سيده، فتلزمه زكاته.
(قوله: وكذا المكاتب) أي وكذا لا تجب على المكاتب، ولو كانت الكتابة فاسدة.
(قوله: لضعف ملكه) أي عن احتمال المواساة، ولذا لا تلزمه نفقة قريبة، ولا يرث ولا يورث.
(قوله: ولا تلزم) أي الزكاة، في مال المكاتب.
(وقوله: سيده) أي المكاتب.
(قوله: لأنه) أي السيد.
(وقوله: غير مالك) أي لمال المكاتب.
قال في الروض وشرحه: فإن زالت الكتابة لعجز أو عتق أو غيره، انعقد حوله من حين زوالها.
(قوله: في ذهب إلخ) متعلق بتجب.
أي تجب في ذهب وما عطف عليه.
(والأصل) في وجوبها فيهما - قبل الإجماع - قوله تعالى: * (والذين يكنزون الذهب والفضة) * (١) والكنز: هو الذي لم تؤد زكاته.
ووجه دلالة الآية على وجوب الزكاة أنه توعد على عدم الزكاة بالعذاب، والوعيد على الشئ يقتضي النهي عنه، فكأنه قال لا تتركوا الزكاة.
والنهي عن الشئ أمر بضده، فكأنه قال: أدوا الزكاة وهو أمر والأمر للوجوب ولا تجب الزكاة في سائر الجواهر - كاللؤلؤ والياقوت والفيروزج - لعدم ورود الزكاة فيها.
ولأنها معدة للاستعمال - كالماشية العاملة.
(قوله: ولو غير مضروب) أي ولو كان الذهب غير مضروب، كسبيكة ذهب، فإنه تجب الزكاة فيه.
(قوله:
стр. 477
اختصاصها بالمضروب (بلغ) قدر خالصه (عشرين مثقالا) بوزن مكة تحديدا.
فلو نقص في ميزان وتم في آخر فلا زكاة، للشك.
والمثقال: اثنان وسبعون حبة شعير متوسطة.
قال الشيخ زكريا: ووزن نصاب الذهب بالاشرفي: خمسة وعشرون وسبعان وتسع.
وقال تلميذه - شيخنا - والمراد بالاشرفي: القايتبايي.
(و) في (فضة بلغت مائتي درهم) بوزن مكة: وهو خمسون حبة وخمسا حبة.
فالعشرة دراهم: سبعة مثاقيل ولا وقص فيهما
ــ
خلافا لمن زعم اختصاصها) أي الزكاة.
(قوله: بلغ قدر خالصه) أي الذهب، فلا زكاة في مغشوش حتى يبلغ خالصه ما ذكر، فتخرج زكاته خالصا أو مغشوشا خالصه قدرها، لكن يتعين على الوالي إخراج الخالص، حفظا للنحاس مثلا على
المولى.
وتقدم عن السبكي سؤال في ذلك.
(قوله: عشرين مثقالا) أي لقوله ﷺ : ليس في أقل من عشرين دينارا شئ، وفي عشرين نصف دينار.
رواه أبو داود بإسناد صحيح.
(قوله: بوزن مكة) أي ويعتبر ذلك بوزن مكة، للخبر الصحيح: المكيال مكيال المدينة، والوزن وزن مكة.
(قوله: فلو نقص الخ) تفريع على قوله تحديدا.
(قوله: فلا زكاة) أي واجبة فيه.
(وقوله: للشك أي في النصاب.
(قوله: والمثقال هو لم يتغير، جاهلية وإسلاما.
(قوله: متوسطة) أي معتدلة لم تقشر، وقطع من طرفيها ما كان دقيقا رفيعا.
(قوله: ووزن نصاب الذهب بالأشرفي) نسبة للسلطان الأشرف قايتباي، وليس المراد به من بنى جامع الأشرفية، وهو خليل البرسبائي - بضم الباء والراء، وسكون السين، وبموحدة بعدها مدة -.
(قوله: خمسة وعشرون) أي أشرفيا، وهو أقل وزنا من الدينار المعروف الآن.
(قوله: والمراد بالأشرفي: القايتبايي) أي لأنه الذي كان في زمن الشيخ زكريا، وبه يعلم نصاب ما زاد على وزنه من المعاملة الحادثة الآن، على أنه حدث أيضا تغيير في المثقال لا يوافق شيئا مما مر.
فليتنبه لذلك.
شرح م ر مع زيادة من الشوبري.
بجيرمي.
وقال في حواشي الإقناع: واعلم أن الذي تحرر أن النصاب في البنادقة والفنادقة سبعة وعشرون من كل منهما إلا ثلثا لأن البندقي ثمانية عشر قيراطا، والمثقال أربعة وعشرون قيراطا، والقيراط ثلاث شعيرات، فكل ثلاثة مثاقيل أربعة بنادقة.
والفندقي كالبندقي في الوزن، لكنه - أي الفندقي - ليس سالما من الغش، وفي المحابيب خمسة وثلاثون محبوبا كاملة.
والدراهم المعروفة الآن كل عشرة منها سبعة مثاقيل، فتكون الأواقي الخمس مائتي درهم.
وقد كان في السابق درهم يقال له البغلي، وكان ثمانية دوانق.
ودرهم يقال له الطبري، أربعة دوانق.
فالدراهم مختلفة في الجاهلية، ثم أخذ نصف كل منهما وهو ستة دوانق، وجعل درهما في زمن عمر وعبد الملك بن مروان، وأجمع عليه المسلمون.
قال الأذرعي - كالسبكي - ويجب اعتقاد أنها كانت في زمنه ﷺ وزمن الخلفاء الراشدين، ويجب تأويل خلاف ذلك.
اه.
م ر.
(قوله: وفي فضة) معطوف على ذهب، أي وتجب في فضة.
وسمي الذهب ذهبا لأنه يذهب ولا يبقى.
وسميت الفضة بذلك لأنها تنفض ولا تبقى، وسمي المضروب من الذهب دينارا، ومن الفضة درهما، لأن الدينار آخره نار، والدرهم آخره هم، والمرء إن أحبهما قلبه معذب بين الهم في الدنيا، والنار في الآخرة، بسبب اكتسابهما من حرام أو عدم أداء زكاتهما.
وأنشد بعضهم في ذلك فقال: النار آخر دينار نطقت به * * والهم آخر هذا الدرهم الجاري والمرء بينهما - ما لم يكن ورعا - معذب القلب بين الهم والنار
(قوله: بلغت مائتي درهم) وذلك لقوله ﷺ : ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة.
والأوقية أربعون درهما بالنصوص المشهورة والإجماع.
قال البجيرمي: وقد حدث للناس عرف آخر، فجعلوها عبارة عن اثني عشر درهما، وعند الطيبي عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم، وبعضهم سمى هذه الأوقية: أوقية الطيبي.
اه.
وفي ش ق: وهي - أي المائتا درهم - ثمانية وعشرون ريالا ونصف تقريبا، هذا إن كان في كل ريال درهمان من النحاس، فإن كان فيه درهم فقط كانت خمسة وعشرين ريالا.
اه.
(قوله: بوزن مكة) أي لما تقدم تقريبا.
(قوله: وهو) أي الدرهم.
وعبارة التحفة: والمثقال لم يتغير جاهلية ولا إسلاما: ثنتان وسبعون حبة شعير متوسطة لم تقشر، وقطع من طرفيها ما دق وطال.
стр. 478
كالمعشرات، فيجب في العشرين، والمائتين، وفيما زاد على ذلك، ولو ببعض حبة: (ربع عشر) للزكاة، ولا يكمل أحد النقدين بالآخر، ويكمل كل نوع من جنس بآخر منه.
ويجزئ جيد، وصحيح عن ردئ ومكسر، بل هو أفضل، لا عكسهما.
وخرج بالخالص المغشوش، فلا زكاة فيه حتى يبلغ خالصه نصابا.
(ك) - ما يجب
ــ
والدرهم اختلف وزنه جاهلية وإسلاما، ثم استقر على أنه ستة دوانق، والدانق: ثمان حبات وخمسا حبة، فالدرهم خمسون حبة وخمسا حبة، والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم.
فعلم أنه متى زيد على الدرهم ثلاثة أسباعه كان مثقالا، ومتى نقص من المثقال ثلاثة أعشاره كان درهما، فكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وكل عشرة مثاقيل أربعة عشر درهما وسبعان.
اه.
(قوله: وخمسا حبة) أي حبة شعير متوسطة - كما تقدم.
(قوله: فالعشرة دراهم) الأولى فعشرة الدراهم - بإدخال أل على الثاني - وذلك لأن القاعدة أن العدد المضاف إذا أريد تعريف الجزء الأخير، وهو المضاف إليه، فيصير الأول مضافا إلى معرفة، فيقال: ثلاثة الأثواب، ومائة الدرهم، وألف الدينار.
والعدد المركب إذا أريد تعريفه: يعرف الجزء الأول فقط، فيقال: الأحد عشر درهما.
والعدد المعطوف إذا أريد تعريفه: يعرف هو مع المعطوف عليه، فيقال: الأحد والعشرون درهما.
وقد نظم هذه القاعدة العلامة الأجهوري في قوله: وعددا تريد أن تعرفا * * فأن بجزأيه صلن إن عطفا وإن يكن مركبا فالأول * * وفي مضاف عكس هذا يفعل وخالف الكوفي في الأخير * * فعرف الجزأين - يا سميري نعم، ذكر العلامة الصبان في حاشية الأشموني عن شيخه أن منهم في التركيب الأول من لا يضيف بل يعرف الأول فقط، فيقول: هذه الخمسة أثوابا، وخذ المائة درهما، ودع الألف دينارا.
اه.
فلعل المؤلف جرى على ما ذكر.
فتنبه.
(قوله: ولا وقص فيهما) أي لا عفو في الذهب والفضة، فالزائد على النصاب بحسابه، ولو يسيرا، وذلك لإمكان التجزي في ذلك بلا ضرر، بخلافه في المواشي، فإنه لو حسب الزائد على النصاب فيها لتضرر هو والفقراء بالمشاركة فيه.
(قوله: كالمعشرات) الكاف للتنظير في عدم العفو عن الزائد.
(قوله: فيجب) دخول على المتن.
(وقوله: في العشرين) أي مثقالا بالنسبة للذهب.
(وقوله: والمائتين) أي درهما بالنسبة للفضة.
(قوله: وفيما زاد على ذلك) الأولى تأخيره عن فاعل الفعل وزيادة فبحسابه، بأن يقول: وفيما زاد على ذلك فبحسابه.
(وقوله: ربع عشر) فاعل يجب.
والمراد ربع عشر العشرين في الأول، وربع عشر المائتين في الثاني.
وإذا كان هناك زائد فبحسابه.
فإذا كان عنده خمسة وعشرون مثقالا، ففي العشرين نصف مثقال، وفي الخمسة ثمن مثقال، فالجملة خمسة أثمان مثقال، لخبر أبي داود وغيره بإسناد صحيح أو حسن، كما في المجموع: ليس في أقل من عشرين دينارا شئ، وفي عشرين نصف دينار.
ولقوله ﷺ : وفي الرقة ربع العشر.
(قوله: ولا يكمل أحد النقدين بالآخر) أي لا يكمل نصاب أحد النقدين إذا نقص عنه من النقد الآخر، لاختلاف الجنس، كما في الحبوب.
فلو كانت عنده مائة درهم فضة وعشرة مثاقيل من الذهب لا زكاة عليه فيهما، ولا يكمل نقص أحدهما بالآخر.
وعبارة الروض وشرحه: فإن نقص النصاب - ولو بعض حبة، ولو في بعض الموازين - أوراج رواج التام، لم تجب فيه الزكاة، لعموم الأخبار، ولا يكمل نصاب أحدهما بالآخر لاختلاف الجنس، كما لا يكمل التمر بالزبيب.
(قوله: ويكمل كل نوع الخ) يعني أنه يكمل نوع بنوع آخر من جنس واحد، فإذا كان عنده من جنس الذهب مثلا نوعان - كجيد وردئ، أو متوسط - وكل منهما ينقص عن نصاب، كمل أحدهما بالآخر، ويؤخذ من كل نوع بالقسط إن سهل بأن قلت الأنواع، وإن شق - بأن كثرت - أخذ من الوسط، كما في المعشرات.
(قوله: ويجزئ جيد إلخ) أي يجزئ إخراج نوع جيد عن نوع ردئ بلغ نصابا.
والمراد بالجودة: النعومة ونحوها - كاللين - وبالرداءة: الخشونة ونحوها - كاليبوسة - وإخراج نوع صحيح عن نوع مكسر.
(قوله: بل هو) أي إخراج الجيد عن الردئ، والصحيح عن المكسر، أفضل.
أي لأنه زاد خيرا.
(قوله: لا عكسهما) أي لا يجزئ عكسهما، وهو إخراج
стр. 479
ربع عشر قيمة العرض في (مال تجارة) بلغ النصاب في آخر الحول، وإن ملكه بدون نصاب.
ويضم الربح
ــ
الردئ عن الجيد، والمكسر عن الصحيح.
وإذا لم يجزئ ذلك، استرده المالك إن بين عند الدفع أنه عن ذلك المال، وإلا فلا يسترده - كما لو عجل الزكاة فتلف ماله قبل الحول وإذا جاز الاسترداد.
فإن بقي أخذه، وإلا أخذ التفاوت.
فيقوم المخرج بجنس آخر ليأخذ التفاوت منه.
ومحل عدم إجزاء المكسر عن الصحيح إن نقصت قيمته عنه - كما هو الغالب - وإلا اتجه الإجزاء.
كما بحثه في الإيعاب: (قوله: وخرج بالخالص المغشوش) هو المخلوط بما هو أدون منه.
(قوله: فلا زكاة فيه) أي المغشوش.
(قوله: حتى يبلغ خالصه نصابا) أي فحينئذ يخرج قدر الزكاة خالصا أو مغشوشا خالصه قدر
الزكاة، ويكون متطوعا بالنحاس.
(قوله: كما يجب ربع عشر الخ) شروع في بيان زكاة عروض التجارة.
والأصل فيها قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم) * قال مجاهد: نزلت في التجارة.
وقوله ﷺ : في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته.
والبز بباء موحدة مفتوحة وزاي معجمة مشددة - يطلق على الثياب المعدة للبيع، وعلى السلاح.
قاله الجوهري.
وزكاة العين غير واجبة في الثياب والسلاح، فتعين الحمل على التجارة.
(واعلم) أن لزكاة التجارة شروطا ستة - زيادة على ما مر في زكاة النقدين -.
أحدهما: أن يكون ملك ذلك المال بمعاوضة ولو غير محضة، وذلك لأن المعاوضة قسمان: محضة، وهي ما تفسد بفساد مقابلها، كالبيع والشراء.
وغير محضة، وهي ما لا تفسد بفساد مقابلها كالنكاح.
ثانيها: أن تقترن نية التجارة بحال المعاوضة في صلب العقد أو في مجلسه، وذلك لأن المملوك بالمعاوضة قد يقصد به التجارة، وقد يقصد به غيرها، فلا بد من نية مميزة، إن لم يجددها في كل تصرف بعد الشراء بجميع رأس المال.
ثالثها: أن لا يقصد بالمال القنية، وهي الإمساك للانتفاع.
رابعها: مضي حول من الملك.
خامسها: أن لا ينض جميعه، أي مال التجارة من الجنس، ناقصا عن النصاب في أثناء الحول، فإن نض كذلك ثم اشترى به سلعة للتجارة، فابتداء الحول يكون من الشراء.
سادسها: أن تبلغ قيمته آخر الحول نصابا، وكذا إن بلغته دون نصاب ومعه ما يكمل به، كما لو كان معه مائة درهم فابتاع بخمسين منها وبلغ مال التجارة آخر الحول مائة وخمسين - فيضم لما عنده، وتجب زكاة الجميع.
اه.
ملخصا من البجيرمي.
(وقوله: قيمة العرض) - بفتح العين، وسكون الراء - اسم لكل ما قابل النقدين من صنوف الأموال.
ويطلق أيضا على ما قابل الطول.
وبضم العين ما قابل النصل في السهام.
وبكسرها: محل الذم والمدح من الإنسان.
وبفتح العين والراء معا.
ما قابل الجوهر.
واحترز بقوله قيمة: عن نفس العرض، فلا يجوز إخراج زكاته منه.
(واعلم) أن مال التجارة يقوم آخر الحول بما ملك به إن ملك بنقد ولو في ذمته، فإن ملك بغير نقد - كعرض،
ونكاح، وخلع - فبغالب نقد البلد.
(وقوله: في مال تجارة) متعلق بيجب.
ولا يخفى ما في عبارته من الركاكة.
إذ العرض الذي يجب ربع عشر قيمته هو مال التجارة.
ولو حذف لفظ العرض ولفظة: في - لكان أولى وأخصر.
والتجارة: هي تقليب المال المملوك بالمعاوضة بالنية - كشراء - سواء كان بعرض أم نقد أم دين - حال، أم مؤجل -.
وخرج بذلك ما ملك بغير معاوضة كإرث، فإذا ترك لورثته عروض تجارة لم تجب عليهم زكاتها، وكهبة بلا ثواب.
(قوله: بلغ النصاب في آخر الحول) هذا
стр. 480
الحاصل في أثناء الحول إلى الاصل في الحول إن لم ينض، أما إذا نض بأن صار ذهبا أو فضة وأمسكه إلى آخر الحول فلا يضم إلى الاصل، بل يزكي الاصل بحوله، ويفرد الربح بحول ويصير عرض التجارة للقنية بنيتها، فينقطع الحول بمجرد نية القنية، لا عكسه.
ولا يكفر منكر وجوب زكاة التجارة - للخلاف فيه -.
ــ
مكرر مع قوله الآتي: أما زكاة التجارة إلخ، فالأولى: الإقتصار على أحدهما: إما هذا، وحذف ما سيأتي - وهو الأولى - أو حذف هذا، وإثبات ما يأتي.
(قوله: وإن ملكه الخ) غاية في وجوب ربع عشر قيمة العرض.
أي يجب ذلك، وإن اشتراه بأقل من نصاب.
(قوله: ويضم الخ) أي قياسا على النتاج مع الأمهات، ولعسر المحافظة على حول كل زيادة مع اضطراب الأسواق في كل لحظة ارتفاعا وانخفاضا.
وقوله: الربح الحاصل في أثناء الحول، أي بزيادة في نفس العرض كسمن الحيوان، أو بارتفاع الأسواق.
(قوله: إلى الأصل) أي أصل مال التجارة، وهو متعلق بيضم.
(وقوله: في الحول) متعلق بيضم أيضا، أي يضم إليه في الحول، فيكون حول الربح والأصل واحدا، ولا يفرد الربح بحول جديد.
(قوله: إن لم ينض الخ) قيد في الضم.
أي يضم إليه إن لم ينض بما يقوم به بأن لم ينض أصلا، أو نض بغير ما يقوم به.
ومعنى النض: أن يصير ناضا دراهم أو دنانير.
ويفسر بالبيع بالنقد الذي اشترى به تفسيرا باللازم.
قال أبو عبيدة: إنما يسمون النقد ناضا إذا تحول بعد أن كان متاعا، لأنه يقال ما نض منه شئ: أي ما حصل - كما في المصباح.
فلو اشترى عرضا بمائتي درهم، فصارت قيمته في الحول - ولو قبل آخره بلحظة - ثلثمائة، زكاة آخره.
(قوله: أما إذا نض) أي بما يقوم به: بأن اشترى عرضا للتجارة بمائتي درهم، وباعه بعد ستة أشهر بثلثمائة.
(قوله: بأن صار ذهبا أو فضة) تصوير للنض.
وعبارة التحفة مع الأصل: لا إن نض - أي صار ناضا ذهبا أو فضة - من جنس رأس المال النصاب (١)، وأمسكه إلى آخر الحول، أو اشترى به عرضا قبل تمامه، فلا يضم إلى الأصل، بل يزكى الأصل بحوله، ويفرد الربح بحول - في الأظهر - ومثله أصله (٢) بأن يشتري عرضا بمائتي درهم، ويبيعه بعد ستة أشهر بثلاثمائة ويمسكها إلى تمام الحول، أو يشتري به عرضا يساوي ثلثمائة آخر الحول، فيخرج آخره زكاة مائتين، فإذا مضت ستة أشهر أخرى، أخرج عن المائة، لأن الربح متميز، فاعتبر بنفسه.
فعلم أنه لو نض بغير جنس المال: فكبيع عرض بعرض، فيضم الربح للأصل، وكذا لو كان (٣)
رأس المال دون نصاب ثم نض بنصاب وأمسكه تمام حول الشراء.
اه.
بحذف.
(قوله: وأمسكه إلى آخر الحول) أي أو اشترى به عرضا قبل تمامه، فلا يضم إلى الأصل.
(قوله: ويفرد الربح بحول) أي فإذا تم حوله زكاة، ولا يقال إن شرط وجوب الزكاة النصاب، والربح ليس نصابا كاملا.
لأنا نقول إن الإخراج ليس عنه وحده، بقطع النظر عما بيده، بل المعتبر في وجوب الإخراج أن يضمه لما عنده.
اه.
بجيرمي.
(قوله: ويصير عرض التجارة) أي كله أو بعضه إن عينه، وإلا لم يؤثر - على الأوجه اه.
حجر وفي المغني: قال الماوردي: ولو نوى ببعض عرض التجارة ولم يعينه، ففي تأثيره وجهان -: أقربهما - كما قال شيخي - إنه يؤثر، ويرجع في التعيين إليه، وإن قال بعض المتأخرين: أقربهما المنع.
اه.
(وقوله: للقنية) - بكسر القاف، وضمها - الحبس للانتفاع.
قال ع ش: ويصدق في دعواه ذلك - وإن دلت القرينة - على خلاف ما ادعاه.
اه.
وفي التحفة: لو نوى القنية لاستعمال المحرم - كلبس الحرير - فهل تؤثر هذه النية؟ قال المتولي: فيه وجهان: أصلهما أن من عزم على معصية وأصر: هل يأثم أو لا؟ اه.
والظاهر أن مراده بأصر: صمم، لأن التصميم: هو الذي اختلف في أنه هل يوجب الإثم أو لا؟ والذي عليه المحققون أنه يوجبه.
ومع ذلك، الذي يتجه ترجيحه أنه لا أثر لنيته هنا، وإن أثرت ثم.
اه.
(وقوله: بنيتها) أي القنية.
(قوله: فينقطع الخ) مفرع على صيرورة عرض التجارة
стр. 481
(وشرط) لوجوب الزكاة في الذهب والفضة، لا التجارة (تمام نصاب) لهما (كل الحول) بأن لا ينقص المال عنه في جزء من أجزاء الحول.
أما زكاة التجارة فلا يشترط فيها تمامه، إلا آخره، لانه حالة وجوب.
(وينقطع) الحول (بتخلل زوال ملك) أثناءه بمعاوضة أو غيرها.
نعم، لو ملك نصابا ثم أقرضه آخر بعد ستة أشهر لم ينقطع الحول.
فإن كان مليا أو عاد إليه أخرج الزكاة آخر الحول، لان الملك لم يزل بالكلية، لثبوت بدله في ذمة
ــ
للقنية، أي وإذا انقطع احتاج إلى تجديد قصد مقارن للتصرف.
اه.
تحفة.
(قوله: لا عكسه) معطوف على عرض التجارة، أي لا يصير عرض القنية للتجارة بنية التجارة، لأن القنية: الحبس للانتفاع، والنية محصلة له.
والتجارة: التقليب بقصد الأرباح، والنية لا تحصله.
(قوله: لا يكفر منكر وجوب زكاة التجارة) أي كما لا يكفر منكر زكاة الثمار والزروع في الأرض الخراجية، والزكاة في مال غير المكلف، وذلك لاختلاف العلماء في وجوبها، ولا يكفر إلا منكر الزكاة المجمع عليها - كما مر.
(قوله: للخلاف فيه) أي في وجوب زكاة مال التجارة، أي لأن الإمام أبا حنيفة لا يقول
بوجوب زكاة مال التجارة.
(قوله: وشرط لوجوب الزكاة إلخ) أي زيادة على ما مر من الشروط، وهذا الشرط متضمن لأمرين: الحول، والنصاب.
ولو قال: وشرط حول، ووجود نصاب من أول الحول إلى آخره.
لكان أولى.
(قوله: لا التجارة) أي لا مال التجارة، وإن ملك بأحد النقدين وكان التقويم به.
(قوله: تمام نصاب) أي نصاب تام، فالإضافة من إضافة الصفة للموصوف.
(وقوله: لهما) أي الذهب والفضة.
(وقوله: كل الحول) ظرف متعلق بتمام.
(قوله: بأن لا ينقص إلخ) تصوير لتمام النصاب في كل الحول.
(وقوله: المال) المراد به الذهب والفضة.
ولو قال بان لا ينقصا - بألف التثنية العائدة إليهما - لكان أولى، إذ المقام للإضمار.
(وقوله: عنه) أي النصاب.
(قوله: أما زكاة التجارة) محترز قوله لا التجارة.
(قوله: فلا يشترط فيها) أي في زكاة التجارة.
(وقوله: تمامه) أي النصاب.
(وقوله: لا آخره) أي الحول - أي لا جميعه، ولا طرفيه.
وذلك لأن الاعتبار فيها بالقيمة، ويعسر مراعاة القيمة كل وقت، لاضطراب الأسعار انخفاضا وارتفاعا.
(وقوله: لأنه حالة الوجوب) تعليل لاعتباره آخر الحول، أي وإنما اعتبر آخر الحول لأنه وقت الوجوب.
فلو تم الحول وقيمة العرض دون النصاب وليس معه يكمله به من جنس ما يقوم به، فلا تجب الزكاة فيه.
ومحل اعتبار آخر الحول: إن لم ترد عروض التجارة في أثناء الحول إلى نقد تقوم به، بأن بقيت عنده، أو بيعت بعرض آخر، أو بيعت بنقد لا تقوم به، فإن ردت في أثنائه إلى النقد المذكور - فإن كان نصابا دام الحول، وإن نقص عن النصاب انقطع الحول، لتحقق نقص النصاب حينئذ.
فلو اشترى عرضا آخر بعد ذلك ابتدئ حول جديد من حين شرائه.
(قوله: وينقطع الحول) أي حول زكاة الذهب والفضة، لا التجارة، بدليل قوله بمعاوضة، فإن هذا لا يأتي فيها - كما ستعرفه.
وأما زكاة التجارة فقد بين أنها ينقطع حولها بنية القنية، ويعلم بالأولى انقطاعه بزوال الملك بغير المعاوضة.
ولو أخر هذا وذكره بعد بيان زكاة الماشية، لكان أولى.
إذ ما ذكره له تعلق بكل ما سيأتي.
وعبارة الإرشاد مع شرحه: وينقطع حول تجارة بنية قنية وينقطع حول غيرها - وهو زكاة العين - يتخلل زوال ملك في أثناء الحول بمعاوضة أو غيرها.
اه.
(قوله: بتخلل زوال ملك أثناءه) أي الحول.
(وقوله: بمعاوضة) أي في غير التجارة، أما هي: فلا تضر فيها المعاوضة أثناء الحول.
(وقوله: أو غيرها) أي غير المعاوضة - كهبة بلا ثواب، أو موت فلو زال ملكه كله أو بعضه في الحول ببيع أو غيره انقطع الحول، فلو عاد بشراء أو غيره استأنف الحول، لانقطاع الأول بما فعله، فصار ملكا جديدا، فلا بد له من حول جديد.
ولو مات المالك في أثناء الحول استأنف الوارث حوله من وقت الموت.
(قوله: نعم، لو ملك نصابا الخ) استدراك على انقطاع الحول بتخلل زوال الملك، وهو استدراك صوري - كما تفيده العلة.
(قوله: لم ينقطع الحول) أي
بل يبني على ما مضى من الستة أشهر.
قال في فتح الجواد: صرح به الشيخ أبو حامد وجعله أصلا مقيسا عليه.
وجزم به الرافعي في زكاة التجارة أثناء تعليل، وتبعوه.
ونظر فيه البلقيني ثم أجاب بأنا لما بنينا مع حصول بدل مخالف - وهو العرض - فلأن نبني مع حصول بدل موافق - وهو بدل العرض - أولى.
قال: ولا يخرج هذا على مبادلة النقود لعدم القصد إليها في القرض، وإنما القصد به الإرفاق.
اه.
وبه يتضح الرد على من زعم أن ذلك مفرع على الضعيف أن الزكاة تجب
стр. 482
المقترض.
(وكره) أن يزيل ملكه ببيع أو مبادلة عما تجب فيه الزكاة (لحيلة) بأن يقصد به دفع وجوب الزكاة، لانه فرار من القربة.
وفي الوجيز: يحرم.
وزاد في الاحياء: ولا يبرئ الذمة باطنا، وأن هذا من الفقه الضار.
وقال ابن الصلاح: يأثم بقصده، لا بفعله.
قال شيخنا: أما لو قصده لا لحيلة، بل لحاجة، أو لها وللفرار، فلا كراهة.
(تنبيه) لا زكاة على صيرفي بادل ولو للتجارة في أثناء الحول بما في يده من النقد غيره من جنسه أو غيره.
وكذا لا زكاة على وارث مات مورثه عن عروض التجارة حتى يتصرف فيها بنيتها، فحينئذ يستأنف حولها.
(ولا
ــ
على الصيارفة.
اه.
بحذفه.
(وقوله: الرد على من زعم إلخ) في حاشية ش ق ما يوافق من زعم ذلك، ونص عبارته: قوله: نعم الخ - هذا استدراك مبني على ضعيف، والمعتمد وجوب الاستئناف في حق كل من المقترض والمقرض، أما الأول فظاهر، لأن النصاب لم يدخله في ملكه إلا بقبضه، وإن لم يتصرف فيه.
وأما الثاني، فلأنه خرج عن ملكه بالقرض.
فتجب عليه الزكاة إذا تم الحول من القرض، بمعنى أنها تستقر في ذمته، ولا يجب الإخراج إلا إذا وجب له النصاب.
اه.
بتصرف.
(قوله: فإن كان) أي المقترض مليا، أي موسرا.
(وقوله: أو عاد) أي النصاب إليه، أي المقرض، فإن لم يكن مليا ولم يعد إليه النصاب استقرت الزكاة في ذمته حتى يعود.
(قوله: أخرج الزكاة آخر الحول) فاعل الفعل يعود على القرض، فالزكاة في المال الذي أقرضه واجبة عليه، لأن ملكه لم يزل بالقرض رأسا، لأنه بقي بدله في ذمة المقترض، وكذلك تجب على المقترض إذا بقي ما اقترضه عنده حولا كاملا من القرض.
(قوله: لأن الملك الخ) تعليل لعدم انقطاع الحول.
(وقوله: لثبوت بدله) أي النصاب المقرض.
(قوله: وكره أن يزيل ملكه) أي تنزيها، وقيل تحريما، وأطالوا في الإنتصار له.
اه.
فتح الجواد.
(قوله: ببيع) متعلق بيزيل.
(قوله: أو مبادلة) أي من جنس واحد كذهب بذهب، أو من جنس آخر كذهب بفضة.
(قوله: عما تجب فيه الزكاة) متعلق بيزيل، أي يزيل ملكه عن المال الذي تجب فيه الزكاة.
(قوله: لحيلة) متعلق بكره، واللام للتعليل، أي وكره ذلك إذا كان لأجل الحيلة.
(قوله: بأن يقصد) تصوير لزوال الملك للحيلة.
(قوله: لأنه) أي زوال الملك بهذا القصد، وهو تعليل للكراهة.
(قوله: وفي الوجيز يحرم) أي زوال الملك بقصد الفرار.
(قوله: ولا يبرئ الذمة) أي زوال ملكه عنه لحيلة لا يبرئ ذمته عن الزكاة باطنا، فتتعلق بذمته فيه.
وعبارة المغنى: وقال في الوجيز: يحرم إذا قصد بذلك الفرار من الزكاة، وزاد في الإحياء: أنه لا تبرأ الذمة في الباطن، وأن أبا يوسف كان يفعله.
ثم قال: والعلم علمان: ضار ونافع.
قال: وهذا من العلم الضار.
اه.
(قوله: بقصده) أي قصده بزوال الملك دفع وجوب الزكاة - يعني إذا قصد بزوال الملك عما تعلقت به الزكاة الدفع المذكور: أثم -
أي من جهة قصده ذلك، وأما نفس الفعل: فهو جائز، لا يتعلق به إثم.
(قوله: أما لو قصده الخ) محترز قوله لحيلة.
(قوله: بل لحاجة) أي قصد زوال الملك لحاجة، أي ضرورة، كاحيتاجه إلى بيع ما تعلقت به الزكاة لينتفع بثمنه.
(قوله: أولها وللفرار) أي أو قصد ذلك للحاجة وللفرار معا.
قال في المغنى.
فإن قيل يشكل عدم الكراهة فيما إذا كان للحاجة، وللفرار بما إذا اتخذ ضبة صغيرة لزينة وحاجة فإنه يكره.
أجيب بأن الضبة فيها اتخاذ، فقوى المنع، بخلاف إزالة الملك، فإن فيها ترك اتخاذ.
اه.
بتصرف.
(قوله: تنبيه إلخ) هو مما شمله قوله وينقطع بتخلل زوال ملك.
(قوله: لا زكاة على صيرفي) أي لتخلل زوال الملك أثناء الحول.
(قوله: بادل إلخ) وكلما بادل استأنف الحول، ولذلك قال ابن سريج بشر الصيارفة أن لا زكاة عليهم.
(قوله: ولو للتجارة) أي ولو كانت المبادلة - أي المعاوضة - بقصد التجارة فإنه لا زكاة عليه.
قال في التحفة: لأن التجارة في النقدين ضعيفة نادرة بالنسبة لغيرهما، والزكاة الواجبة زكاة عين، فغلبت وأثر فيها انقطاع الحول.
اه.
(وقوله: بما في يده) هو وما قبله متعلقان ببادل.
(قوله: من النقد) بيان لما.
(وقوله: غيره) مفعول بادل، أي بادل شخصا غيره.
(وقوله: من جنسه) أي كذهب بذهب، أو فضة بفضة.
(وقوله: أو غيره) أي غير جنسه، بأن لا يكون كذلك، كذهب بفضة، أو عكسه.
(قوله: وكذا لا زكاة على وارث إلخ) أي لتخلل زوال الملك
стр. 483
زكاة في حلي مباح، ولو) اتخذه الرجل بلا قصد لبس أو غيره، أو اتخذه (لاجارة)، أو إعارة لامرأة، (إلا) إذا اتخذه (بنية كنز) فتجب الزكاة فيه.
(فرع) يجوز للرجل تختم بخاتم فضة، بل يسن في خنصر يمينه أو يساره، للاتباع.
ولبسه في اليمين
ــ
أيضا، وانتقاله من المورث للوارث فلا بد من نية من الوارث مقرونة بتصرف، كبيع وغيره.
(قوله: فحينئذ إلخ) أي فحين إذ تصرف الوارث فيها بنية التجارة يستأنف الحول، فابتداؤه من حين التصرف المقرون بالنية، لا من الموت، بخلاف غير عروض التجارة، فإنه يستأنف الحول فيها من الموت، لأنها غير محتاجة إلى نية.
(قوله: ولا زكاة في حلي مباح) أي إن علمه.
فإن لم يعلمه، بأن ورثه ولم يعلمه حتى مضى حول، فتجب زكاته، لأنه لم ينو إمساكه لاستعمال مباح.
وخرج بقوله مباح: غيره، وهو المحرم: كحلي النساء اتخذه الرجل ليلبسه، وبالعكس - كما في السيف والمنطقة - فتجب الزكاة فيه.
ومنه الميل للمرأة وغيرها، إلا إن اتخذه شخص من ذهب أو فضة لجلاء عينه، فهو مباح فلا زكاة فيه.
والمكروه: كضبة فضة كبيرة لحاجة، وصغيرة لزينة.
قال في النهاية: ولو اتخذه لاستعمال محرم فاستعمله في المباح في وقت، وجبت فيه الزكاة، وإن عكس، ففي الوجوب احتمالان، أو جههما عدمه، نظرا لقصد الابتداء.
فإن طرأ قصد محرم ابتدأ لها حولا من وقته، ولو اتخذه لهما وجبت قطعا.
اه.
وعدم وجوب الزكاة في الحلي المباح مذهبنا، وكذا عند مالك، ورواية مختارة عن أحمد.
وأما عند أبي حنيفة فتجب الزكاة في الحلي مطلقا، أي سواء كان لرجل أو امرأة.
(قوله: ولو
اتخذه الرجل الخ) غاية في عدم وجوب الزكاة في الحلي يعني لا زكاة في؟ حلي مباح، سواء اتخذه امرأة أو رجل لم يقصد شيئا، لا لبسا ولا غيره.
ووجه عدم وجوب الزكاة في هذه، أن الزكاة إنما تجب في مال نام، والنقد غير نام، وإنما ألحق بالنامي لتهيئه للإخراج، وبالصياغة بطل تهيؤه له.
(وقوله: أو غيره) معطوف على لبس.
أي أو بلا قصد غير اللبس.
(قوله: واتخذه لإجارة الخ) معطوف على الغاية، فهو غاية أيضا ثانية، أي ولا زكاة فيه، ولو اتخذه لإجارة أو إعارة لمن يجوز له استعماله، وهو المرأة.
ووجه عدم وجوب الزكاة في هذه أنه صار معدا لاستعمال مباح، فأشبه العوامل من النعم.
(قوله: إلا إذا اتخذه بنية كنز) أي بأن اتخذه ليدخره ولا يستعمله، لا في محرم ولا غيره، كما لو دخره ليبيعه عند الاحتياج إلى ثمنه.
ولا فرق في هذه الصورة بين الرجل والمرأة.
والفرق بينها وبين صورة ما لو لم يقصد شيئا أصلا - لم تجب فيها الزكاة - أن قصد الكنز صارف لهيئة الصياغة عن الاستعمال، فصار مستغنى عنه - كالدراهم المضروبة.
(قوله: فتجب الزكاة فيه) مفرع على ما بعد إلا.
(قوله: (فرع) الأولى: فروع - بالجمع.
(قوله: يجوز للرجل) ومثله الخنثى، بل أولى.
(قوله: بخاتم فضة) وهو الذي يلبس في الإصبع، سواء ختم به الكتب أو لا، وأما ما يتخذ لختم الكتب من غير أن يصلح لأن يلبس فلا يجوز اتخاذه من ذهب ولا فضة.
ومثل خاتم الفضة: خاتم حديد، أو نحاس، أو رصاص، لخبر الصحيحين: التمس ولو خاتما من حديد.
وفي سنن أبي داود: كان خاتمه ﷺ من حديد، عليه فضة.
وأما خبر: مالي أرى عليك حلية أهل النار لرجل وجده لابسا خاتم حديد، فهو ضعيف.
(قوله: بل يسن) إضراب انتقالي، ولو قال من أول الأمر: سن للرجل تختم الخ.
لكان أخصر.
(قوله: في خنصر يمينه) متعلق بيسن، ويصح تعلقه بيجوز.
وخرج بالخنصر: غيره، فيكره وضع الخاتم فيه.
وقيل يحرم.
وعبارة شرح الروض بعد كلام: لو تختم في غير الخنصر - ففي حله وجهان قال الأذرعي قلت: أصحهما التحريم، للنهي عنه، ولما فيه من التشبيه بالنساء.
اه.
والذي في شرح مسلم عدم التحريم، فعنه: والسنة للرجل جعل خاتمه في الخنصر، لأنه أبعد من الامتهان فيما يتعاطى باليد، لكونه طرف، ولأنه لا يشغل اليد عما تتناوله من أشغالها، بخلاف غير الخنصر.
ويكره له جعله في الوسطى والسبابة، للحديث، وهي كراهة تنزيه.
اه.
(قوله: للاتباع) دليل لسنية التختم بخاتم الفضة، وهو أنه ﷺ اتخذ خاتما من فضة.
(قوله: ولبسه في اليمين أفضل) أي ولبس الخاتم في خنصر اليمين أفضل من لبسه في خنصره اليسار.
(وسئل) ابن حجر: هل الأفضل لبس الخاتم باليمين أو اليسار؟ (فأجاب) بقوله: ورد في أحاديث إيثار اليمين، وفي أخرى إيثار اليسار، وقد بينتها وما يتعلق بها في شرح الشمايل للترمذي.
стр. 484
أفضل.
وصوب الاذرعي ما اقتضاه كلام ابن الرفعة من وجوب نقصه عن مثقال للنهي عن اتخاذه مثقالا، وسنده حسن، لكن ضعفه النووي.
فالاوجه أنه لا يضبط بمثقال بل بما لا يعد إسرافا عرفا.
قال شيخنا: وعليه، فالعبرة بعرف أمثال اللابس.
ولا يجوز تعدده، خلافا لجمع، حيث لم يعد إسرافا.
وتحليته آلة حرب، كسيف ورمح، وترس، ومنطقة - وهي ما يشد بها الوسط - وسكين الحرب - دون
ــ
(والحاصل) أن الأفضل عندنا لبسه في اليمين، للحديث الصحيح: كان يحب التيامن في شأنه كله أي مما هو من باب التكريم.
ولا شك أن في التختم تكريما أي تكريم، فيكون في اليمين.
واعترض بعض الناس قول مالك ﵁ يكره في اليمين ويكون في اليسار فإنه يلزم (١) عليه الاستنجاء بالخاتم، مع أن أكثر الخواتيم فيا نقش القرآن والأذكار إلخ.
اه.
من الفتاوي.
(قوله: من وجوب نقصه) أي الخاتم، وهو بيان لما.
(قوله: للنهي عن اتخاذه مثقالا) أي في صحيح ابن حبان وسنن أبي داود، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال للابس الخاتم الحديد: ما لي أرى عليك حلية أهل النار؟ فطرحه، فقال: يا رسول الله: من أي شئ أتخذه؟ قال: اتخذه من ورق، ولا تتمه مثقالا.
(قوله: وسنده) أي الحديث المتضمن للنهي.
(وقوله: حسن) عبارة النهاية: والخبر المذكور ضعفه المصنف في شرحي المهذب ومسلم.
وقال النيسابوري: إنه منكر.
واستغر به الترمذي، وإن صححه ابن حبان وحسنه ابن حجر.
اه.
(قوله: فالأوجه أنه) الضمير يعود على الخاتم المباح.
أي مقداره بدليل الاستدراك بعده، ولولاه لصح رجوعه للمنهي عنه.
(وقوله: لا يضبط بمثقال) المناسب أن يقول لا يضبط بمثقال) المناسب أن يقول لا يضبط بأقل من مثقال ولا بأكثر.
(قوله: بل بما لا يعد إسرافا عرفا) أي بل يضبط مقداره بما لا يعد إسرافا في العرف، فما عده العرف إسرافا حرم سواء كان مثقالا، أو أقل، أو أكثر، وإلا فلا.
(قوله: قال شيخنا وعليه) أي على الضبط المذكور.
(وقوله: فالعبرة بعرف أمثال اللابس) أي في البلد التي هو فيها.
وعبارة المغنى: وهو - أي العرف - عرف تلك البلد، وعادة أمثاله فيها، فما خرج عن ذلك كان إسرافا - كما قالوه في خلخال المرأة -.
اه.
قال الكردي وفي الإمداد: ينبغي أن العرف لو اختلف باختلاف المحال أو الحرف ونحوهما، يقيد أهل كل محل أو حرفة بعرفة، وحينئذ لو انتقل بعض أهل بلد اعتيد أن خاتمهم مثقالان إلى بلد اعتيد فيها مثقال فقط، فهل العبرة ببلد المنتقل أو بلد المنتقل إليه؟ ثم ذكر ما يفيد أنه متردد في ذلك.
اه.
(قوله: ولا يجوز تعدده) أي الخاتم لبسا، أما اتخاذا ليلبس واحدا بعد واحد فجائز.
كما صرح به في التحفة، وعبارتها: وأل في الخاتم للجنس، فيصدق بقوله في الروضة وأصلها: لو اتخذ الرجل خواتيم كثيرة ليلبس الواحد منها بعد الواحد جاز.
وظاهره جواز الاتخاذ، لا اللبس.
واعتمده المحب الطبري، لكن صوب الأسنوي جواز اتخاذ خاتمين فأكثر ليلبسها كلها معا.
ونقله عن الدرامي وغيره، ومنع الصيدلاني أن يتخذ في كل يد زوجا.
وقضيته: حل زوج بيد، وفرد بأخرى.
وبه صرح
الخوارزمي.
والذي يتجه اعتماده كلام الروضة الظاهرة في حرمة التعدد مطلقا، لأن الأصل في الفضة التحريم على الرجل، إلا ما صح الإذن فيه، ولم يصح في الأكثر من الواحد.
ثم رأيت المحب علل بذلك، وهو ظاهر جلي، على أن التعدد صار شعارا للحمقاء والنساء، فليحرم من هذه الجهة، حتى عند الدارمي وغيره.
اه.
(وقوله: خلافا لجمع، حيث لم يعد إسرافا) أي خلافا لجمع جوزوا التعدد حيث لم يعد إسرافا.
فحيث: متعلقة بمحذوف، ويجوز تعلقها بخلافا.
وممن اعتمد جواز التعدد حينئذ: الخطيب في مغنيه، وعبارته: وتوحيد المصنف ﵀ الخاتم وجمع ما بعده: قد يشعر بامتناع التعدد، اتخاذا ولبسا، وهو خلاف ما في المحرر.
والذي ينبغي اعتماده: ما أفاده شيخي من أنه جائز، ما لم يؤد إلى سرف.
اه.
بحذف.
ومثله في النهاية.
(قوله: وتحليته) مصدر مضاف إلى فاعله العائد على الرجل، معطوف على تختم، أي ويجوز للرجل أن يحلي آلة حرب، أي وإن كانت عند من لم يحارب، لأن إغاظة الكفار -
стр. 485
سكين المهنة - والمقلمة: بفضة، بلا سرف، لان ذلك إرهابا للكفار، لا بذهب، لزيادة الاسراف والخيلاء.
والخبر المبيح له ضعفه ابن القطان، وإن حسنه الترمذي.
وتحليته مصحفا.
قال شيخنا: أي ما فيه قرآن، ولو للتبرك، كغلافه بفضة.
وللمرأة تحليته بذهب إكراما
ــ
ولو ممن بدارنا - حاصلة مطلقا.
وخرج بالرجل: غيره - من امرأة وخنثى - فلا يجوز له تحليلته آلة حرب بذهب ولا فضة، وإن جاز له المحاربة بآلتها وبآلة حرب أوعيتها: كالقراب، وغمد السيف، فلا يجوز تحليتها.
وقال سم: يحتمل أن غلاف السيف كهو، والتحلية جعل عين النقد في محال متفرقة مع الإحكام حتى تصير كالجزء، ولا مكان فصلها مع عدم ذهاب شئ من عينها فارقت التمويه الآتي أنه حرام.
(قوله: كسيف إلخ) أمثلة لألة الحرب.
(قوله: وترس) بضم فسكون، المسمى بالدرقة، وتتخذ من حديد وجلد ونحوهما، ليتقى بها المحارب سهام العدو.
(قوله: ومنطقة) بكسر الميم.
(قوله: وهي) أي المنطقة.
(وقوله: ما يشد بها الوسط) أي كالسبتة، وتسمى الآن بالحياصة، وجعلها من آلة الحرب لأنها تنفع فيه من حيث كونها تمنع وصول السهم للبدن، فالمراد بالآلة - فيما مر - كل ما ينفع في الحرب - كذا في البجيرمي.
(قوله: وسكين الحرب) أي التي تتخذ للحرب، كالجردة.
(قوله: دون سكين المهنة) أي دون السكين التي تتخذ للمهنة - أي الخدمة - كقطع اللحم وغيره.
فلا يجوز تحليتها.
(قوله: والمقلمة) هي بكسر الميم، وعاء الأقلام، ثم إنه يحتمل أنه معطوف على سكين المهنة أي ودون المقلمة.
ويحتمل عطفه على المهنة فيصير لفظ سكين مسلطا عليه، أي ودون سكين المقلمة، وهو المقشط - كما نص عليه البجيرمي -.
ويرد على هذا أن ع ش جعل من سكين المهنة المقشط، إلا أن يكون من ذكر الخاص بعد العام.
وعبارة المغني: وأما سكين المهنة والمقلمة فيحرم تحليتهما
على الرجل وغيره، كما يحرم عليهما تحلية المرآة والدواة.
اه.
وهي تؤيد الاحتمال الأول.
(قوله: بفضة) متعلق بتحلية.
(قوله: بلا سرف) متعلق بيجوز المقدر، أو بتحلية.
أما التحلية مع السرف فتحرم، لما فيه من زيادة الخيلاء.
(فائدة) السرف مجاوزة الحد، ويقال في النفقة: التبذير، وهو الإنفاق في غير حق.
فالمسرف: المنفق في معصية، وإن قل إنفاقه.
وغيره: المنفق في الطاعة، وإن أفرط.
قال ابن عباس ﵄: ليس في الحلال إسراف، وإنما السرف في ارتكاب المعاصي.
قال الحسن بن سهل: لا سرف في الخير، كما لا خير في السرف.
وقال سفيان الثوري: الحلال لا يحتمل السرف.
وقال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز حين زوجه ابنته: ما نفقتك؟ قال الحسنة بين السيئتين ثم تلا قوله تعالى: * (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) (١) * الآية.
اه.
(قوله: لأن في ذلك) أي ما ذكر من تحلية آلة الحرب، وهو تعليل للجواز.
(وقوله: إرهابا للكفار) أي وإغاظة لهم.
(قوله: لا بذهب) معطوف على بفضة، وهو تصريحك بالمفهوم، أي لا يجوز له التحلية بذهب.
(قوله: والخبر المبيح له) أي للذهب، أي التحلية به.
وذلك الخبر هو أن سيفه ﷺ يوم الفتح كان عليه ذهب وفضة.
(وقوله: ضعفه ابن القطان الخ) عبارة التحفة: وخبر أن سيفه ﷺ الخ: يحتمل أنه تمويه يسير بغير فعله ﷺ قبل ملكه له، ووقائع الأحوال الفعلية تسقط بمثل هذا، على أن تحسين الترمذي له معارض بتضعيف ابن القطان.
اه.
(قوله: وتحليته مصحفا) معطوف على تختم أيضا، أي ويجوز تحلية الرجل - وكذا غيره - مصحفا.
قال سم: وينبغي كما قاله الزركشي: إلحاق اللوح المعد لكتابة القرآن بالمصحف في ذلك.
اه.
شرح الرملي.
أقول: ينبغي إلحاق التفسير - حيث حرم مسه - بالمصحف، بل على قول الشارح - يعني ما فيه قرآن - لا فرق.
اه.
(قوله: أي ما فيه القرآن) تفسير مراد للمصحف، أي أن المراد به كل ما فيه قرآن، سواء كان كله أو بعضه.
(وقوله: ولو للتبرك) أي ولو كانت كتابة القرآن بقصد التبرك، كالتمائم، فإنه يجوز تحليته، فلا يشترط أن تكون للدراسة.
(قوله: كغلافه) أي كتحلية غلاف المصحف، أي ظرفه المعد له، فإنها جائزة.
وفي البجيرمي: وكذا كيسه، وعلاقته، وخيطه، لا كرسيه.
اه.
(قوله: بفضة) متعلق بتحلية.
стр. 486
فيهما.
وكتبه بالذهب حسن.
ولو من رجل، لا تحلية كتاب غيره، ولو بفضة.
والتمويه حرام قطعا مطلقا.
ثم إن حصل منه شئ بالعرض على النار حرمت استدامته، وإلا فلا، وإن اتصل بالبدن، خلافا لجمع.
ويحل الذهب والفضة - بلا سرف - لامرأة، وصبي - إجماعا - في نحو السوار، والخلخال، والنعل، والطوق.
وعلى الاصح في المنسوج بهما.
ويحل لهن التاج - وإن لم يعتدنه - وقلادة فيها دنانير معراة قطعا،
ــ
(قوله: وللمرأة تحليته بذهب) يعني أنه يجوز للمرأة تحلية المصحف بذهب، لعموم خبر أحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورها.
والطفل كالمرأة.
وأما الخنثى فليس هنا مثلها.
بل مثل الرجل، فيحرم عليه ذلك.
(قوله: إكراما فيهما) أي في التحلية بفضة من الرجل، وفي التحلية بذهب من المرأة، وهو علة الجواز.
(قوله: وكتبه بالذهب
حسن) المناسب ذكره بعد قوله: والتمويه حرام مطلقا، ويجعله كالاستثناء منه، وذلك لأنه الكتابة بالذهب إنما تكون بالتمويه، وإنما جازت كتابة حروف القرآن به، وحرم في المكتوب عليه القرآن ونحوه كجلده، للفرق بينهما، بأنه يغتفر في إكرام حروف القرآن ما لا يغتفر في نحو ورقه وجلده، على أنه لا يتأتى إكرامها إلا بذلك، فكان مضطرا إليه، بخلاف غيرها، فإنه يمكن إكرامه بالتحلية، فلم يحتج للتمويه فيه رأسا.
(قوله: لا تحلية الخ) معطوف على وتحليته مصحفا، وهو مفهومه، أي لا يجوز تحلية كتاب غير المصحف.
وعبارة المغني: واخترز المصنف بتحلية المصحف على تحلية الكتب، فلا يجوز تحليتها على المشهور.
قال في الذخائر: سواء فيه كتب الحديث وغيرها.
ولو حلي المسجد أو الكعبة أو قناديلها بذهب أو فضة حرم، لأنها ليست في معنى المصحف، ولأن ذلك لم ينقل عن السلف، فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة، إلا ما استثنى.
اه.
(وقوله: ولو بفضة) غاية في عدم الجواز، أي لا تجوز تحلية كتاب غيره، ولو كانت بفضة.
(قوله: والتمويه حرام) أي فعل التمويه حرام.
(وقوله: مطلقا) أي سواء كان في آلة الحرب أو المصحف أو غيرهما، وسواء كان للمرأة أو للرجل بذهب أو فضة، وسواء حصل منه شئ بالعرض على النار أم لا.
(فإن قلت) لم حرم بالنسبة للمصحف ونحو غلافه، مع أن العلة في جواز التحلية الإكرام وهو حاصل بكل؟ (قلت) لكنه في التحلية لم يخلفه محظور، بخلافه في التمويه، لما في من إضاعة المال، وإن حصل منه شئ.
(قوله: ثم إن حصل منه) أي التمويه بمعنى المموه، وأفاد كلامه أن حرمة التمويه مطلقا بالنسبة لأصل الفعل، وأما بالنظر للاستدامة فإن حصل منه شئ بالعرض على النار حرمت، وإلا فلا، وعبارة سم - في مبحث الآنية - قال في شرح العباب: وبما تقرر - من أن التفصيل إنما هو في الاستدامة، وأن الفعل حرام مطلقا - يجمع بين ما قاله الشيخان هنا من حل المموه بما لا يحصل منه شئ وما قاله النووي في الزكاة واللباس واقتضاه كلام الرافعي من تحريمه.
اه.
(قوله: وإلا فلا) أي وإن لم يحصل منه شئ بالعرض فلا تحرم استدامته.
(قوله: وإن اتصل بالبدن) أي لا تحرم استدامته، وإن اتصل المموه بالبدن.
(قوله: خلافا لجمع) مرتبط بقوله والتمويه حرام.
أي خلافا لجمع نازعوا في حرمة التمويه مطلقا وجوزوه في نحو المصحف.
وعبارة سم: قوله حرمة التمويه هنا: الوجه عدم الحرمة، وإضاعة المال لغرض، جائزة.
م ر.
اه.
وقوله: هنا: أي بالنسبة للمصحف.
(قوله: ويحل الذهب والفضة) أي لبسهما، للحديث المار بالنسبة للمرأة، ولأن الصبي ليس له شهامة تنافي خنوثة الذهب والفضة، بخلاف الرجل.
اه.
شرح الروض.
(قوله: إجماعا) أي يحل ذلك بالإجماع.
(قوله: في نحو السوار) متعلق بمحذوف حال من فاعل يحل، أي ويحلان حال كونهما متخذين في نحو السوار كالخاتم بالإجماع.
(واعلم) أن هذه الظرفية - كالتي بعدها - لا تخلو عن شئ، فكان الأولى والأخصر أن يقول: ويحل نحو سوار من الذهب والفضة، إجماعا، والمنسوج بهما على الأصح.
فتنبه.
(قوله: والخلخال) بفتح فسكون، كبلبال: حلي يلبس في الساق.
(قوله: والنعل) مثله القبقاب.
(قوله: والطوق) هو الذي يلبس في العنق.
(قوله: وعلى الأصح) معطوف على قوله إجماعا.
أي ويحلان حال كونهما متخذين في المنسوج.
بهما من الثياب على الأصح، لأن ذلك من جنس الحلي.
وخرج بقولي من الثياب: الفرش - كالسجادة المنسوجة بهما - فتحرم، لأنها لا تدعو للجماع، كالملبوس.
(قوله: ويحل لهن) أي للنسوة، والأولى لهما - أي للمرأة والصبي - لتقدم ذكرهما.
(وقوله: التاج) هو ما يلبس على الرأس، وكان من
стр. 487
وكذا مثقوبة، ولا تجب الزكاة فيها.
أما مع السرف: فلا يحل شئ من ذلك، كخلخال وزن مجموع فردتيه مائتا مثقال، فتجب الزكاة فيه.
(و) تجب على من مر (في قوت) اختياري من حبوب (كبر)، وشعير، (وأرز)، وذرة،
ــ
الذهب أو الفضة.
(قوله: وإن لم يعتدنه) أي وإن لم تعتد النسوة لبسه، فإنه يحل لهن.
وعبارة الروض وشرحه.
وكذا يحل لهن التاج إن تعودنه، وإلا فهو لباس عظماء الفرس، فيحرم.
وكأن معناه أنه يختلف بعادة أهل النواحي، فحيث اعتدنه جاز، وحيث لم يعتدنه لا يجوز، حذرا من التشبه بالرجال.
وذكر مثله في المجموع هنا وقال فيه - في باب ما يجوز لبسه - والمختار، بل الصواب، حله مطلقا، بلا ترديد، لعموم الخبر، ولدخوله في اسم الحلي.
اه.
(قوله: وقلادة) معطوف على التاج، أي ويحل لهن قلادة.
(قوله: فيها دنانير معراة) هي التي تجعل لها عرى من ذهب أو فضة، وتعلق بها في خيط كالسبحة، فإنها لا زكاة فيها - كما سيذكره - لأنها صرفت بذلك عن جهة النقد إلى جهة أخرى.
(وقوله: قطعا) أي بلا خلاف.
(قوله: وكذا مثقوبة) أي ومثل المعراة في الحل: المثقوبة.
قال في التحفة بعده على الأصح في المجموع لدخولها في اسم الحلي، وبه رد الأسنوي وغيره ما في الروضة وغيرها من التحريم، بل زعم الأسنوي أنه غلط، لكنه غلط فيه.
ومما يؤيد غلطه قوله: تجب زكاتها لبقاء نقديتها، لأنها لم تخرج بالثقب، عنها.
اه.
والوجه أنه لا زكاة فيها، لما تقرر أنها من جملة الحلي، إلا إن قيل بكراهتها، وهو القياس، لقوة الخلاف في تحريمها.
اه.
وقال سم: اعتمد م ر ما في الروضة - أي من التحريم - اه.
(قوله: ولا تجب الزكاة فيها) أي في المذكورات من السوار والخلخال وغيرهما.
وفي بعض نسخ الخط فيهما - بالتثنيه - فيكون راجعا للدنانير المعراة والمثقوبة.
(قوله: أما مع السرف الخ) محترز قوله بلا سرف.
وقال ع ش: المراد بالسرف في حق المرأة أن تفعله على مقدار لا يعد مثله زينة.
اه.
والفرق بين الإسراف والتبذير.
أن الأول هو صرف الشئ فيما ينبغي زائدا على ما ينبغي، والثاني: صرف الشئ فيما لا ينبغي - كما قاله الكرماني على البخاري.
اه.
وقد تقدم في فائدة كلام أبسط مما هنا.
(قوله: فلا يحل شئ من
ذلك) أي مما ذكر من نحو السوار وما بعده.
(قوله: كخلخال إلخ) تمثيل للسرف.
(وقوله: وزن مجموع فرديته) أي لاحداهما فقط، خلافا لمن وهم فيه.
(قوله: مائتا مثقال) قال في التحفة: لم يرتض الأذرعي التقييد بالمائتين، بل اعتبر العادة، فقد تزيد وقد تنقص.
وبحث غيره أن السرف في خلخال الفضة أن يبلغ ألفي مثقال، وهو بعيد، بل ينبغي الاكتفاء فيه بمائتي مثقال كالذهب.
اه.
(قوله: فتجب الزكاة فيه) أي في الخلخال جميعه، لا قدر السرف فقط.
(تتمة) لم يتعرض لبيان زكاة المعدن والركاز.
وحاصل ذلك أن ما استخرج من معادن الذهب أو الفضة يخرج منه إن بلغ نصابا بأربع العشر، لعموم خبر وفي الرقة ربع العشر.
ولخبر الحاكم أنه ﷺ أخذ من المعادن القبلية الصدقة.
ولا يعتبر فيه االحول، بل يخرج حالا، لأنه إنما يعتبر للتمكن من تنمية المال، والمستخرج من معدن نماء في نفسه، وإنما اعتبر النصاب لأن ما دونه لا يحتمل المواساة - كما في سائر الأموال الزكوية - وما يوجد من الركاز - وهو دفين الجاهلية - ففيه الخمس إن بلغ نصابا، ولا يعتبر الحول فيه، بل يخرج حالا، كزكاة المعدن، ويصرف الخمس وربع العشر في القسمين مصرف الزكاة - على المعتمد.
(قوله: وتجب الخ) لما أنهى الكلام على ما يتعلق بزكاة النقدين والتجارة، شرع يتكلم على ما يتعلق بزكاة القوت، والأصل فيها قوله تعالى: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * (١) وقوله تعالى: * (أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض) * (٢) فأوجب الإنفاق مما أخرجته الأرض، وهو الزكاة، لأنه لا حق فيما أخرجته غيرها.
(قوله: على من مر) أي المسلم الحر المعين.
(قوله: في قوت) أي مقتات، وهو ما يقوم به البدن غالبا، لأن الاقتيات ضروري للحياة، فأوجب الشارع منه شيئا لأرباب الضرورات.
وخرج به ما يؤكل تداويا، أو تنعما، أو تأدما كالزيتون، والزعفران، والورس، والخوخ، والمشمش، والتين، والجوز، واللوز، والتفاح - فلا تجب الزكاة في شئ منها، لأنها لا تستعمل للاقتيات.
(وقوله: اختياري) أي يقتات في حالة الاختيار.
وخرج به ما يقتات في حالة الاضطرار - كحب حنظل،
стр. 488
وحمص، ودخن، وباقلاء، ودقسة.
(و) في (تمر وعنب) من ثمار (بلغ) قدر كل منهما (خمسة أوسق) وهي بالكيل: ثلثمائة صاع.
والصاع: أربعة أمداد.
والمد: رطل وثلث (منقى) من تبن) وقشر لا يؤكل معه غالبا.
ــ
وغاسول، وترمس - فلا تجب الزكاة في شئ منها.
(قوله: من حبوب) بيان لقوت.
(قوله: كبير إلخ) تمثيل للقوت من الحبوب، وذكر ثمانية أمثلة.
والبر - بضم الموحدة - ويقال له قمح.
وحنظلة: كانت الحبة منه - حين نزل من الجنة - قدر بيضة النعامة، وألين من الزبد، وأطيب من رائحة المسك، ثم صغرت في زمن فرعون، فصارت الحبة قدر بيضة
الدجاجة، ثم صغرت حين قتل يحيى بن زكريا، فصارت قدر بيضة الحمامة، ثم صغرت فصارت قدر البندقة، ثم قدر الحمصة، ثم صارت إلى ما هي عليه الآن.
فنسأل الله أن لا تصغر عنه.
نقله ش ق عن الأجهوري.
ومثل البر: اللوبياء، والجلبان، والماش - وهو نوع من الجلبان - وإنما وجبت الزكاة في جميع ذلك لورود بعضها في الأخبار، وألحق به الباقي.
وأما قوله ﷺ لأبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل حين بعثهما إلى اليمن: لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير، والحنطة، والتمر، والزبيب.
فالحصر فيه إضافي، أي بالنسبة إلى ما كان موجود عندهم، لخبر الحاكم، وقال صحيح الإسناد عن معاذ أنه ﷺ قال: فيما سقت السماء والسيل والبعل، العشر.
وفيما سقي بالنضح نصف العشر.
وإنما يكون ذلك في التمر والحنطة والحبوب، فأما القناء والبطيخ والرمان والقصب فعفو - عفا رسول الله ﷺ .
(قوله: وأرز) بفتح الهمزة، وضم الراء، وتشديد الزاي - وهو أشهر لغاته.
والشائع على الألسنة رز - بلا همزة - وتسن الصلاة على النبي ﷺ عند أكله، لأنه خلق من نوره.
(فإن قيل) إن الأشياء كلها خلقت من نوره.
(أجيب) بأنه خلق من نوره بلا واسطة، وكل الأشياء التي تنبت من الأرض فيها داء ودواء، إلا الرز: فإن فيه دواء، ولا داء فيه.
(قوله: وحمص) بكسر الحاء مع فتح الميم المشددة أو كسرها وما اشتهر على الألسنة من ضم الحاء وتشديد الميم المضمومة فليس بلغة.
(قوله: ودخن) بضم الدال المهملة وإسكان الخاء المعجمة: نوع من الذرة، إلا أنه أصغر منها.
(قوله: وباقلا) بالتشديد مع القصر، أو بالتخفيف مع المد: وهي الفول.
(قوله: ودقسة) قال في القاموس: وهي حب كالجاورش.
(قوله: وفي تمر، وعنب) معطوف على في قوت، وصنيعه يقتضي أنهما ليسا من القوت، وليس كذلك، فلو قال أولا وهو من الحبوب كبر الخ، ثم قال ومن الثمار كتمر وعنب، لكان أولى.
ويحتمل إن قول الشارح من ثمار مؤخر من النساخ، وأن الأصل ومن ثمار في تمر وعنب.
وعبارة المنهاج تختص بالقوت - وهو من الثمار: الرطب، والعنب.
ومن الحب: الحنطة، والشعير، والأرز، والعدس.
وسائر المقتات اختيارا.
اه.
(قوله: منهما) أي من المذكورين: القوت، والتمر والعنب.
(وقوله: خمسة أوسق) أي أقله ذلك، وما زاد فبحسابه، فلا وقص فيها.
والمراد أنها لا تجب فيما دون خمسة أوسق، لخبر الشيخين: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة.
والأوسق: جمع وسق - بالفتح على الأشهر - مصدر بمعنى الجمع، قال الله تعالى: * (والليل وما وسق) * (١) أي جمع.
(قوله: وهي) أي خمسة الأوسق.
(وقوله: ثلمائة صاع) أي لأن الوسق ستون صاعا فإذا ضربت خمسة الأوسق في الستين صاعا كانت الجملة ثلثمائة صاع.
(قوله: والصاع أربعة أمداد) وإذا ضربت أربعة الأمداد في ثلثمائة الصاع صارت الجملة ألفا ومائتي مد.
(قوله:
والمد رطل وثلث) أي بالبغدادي، وجملة خمسة الأوسق بالأرطال: ألف وستمائة رطل.
وضبطت بالكيل المصري: ستة أرادب وربع أردب.
وقال بعض المحققين: النصاب الآن بالكيل المصري أربعة أرادب وويبة، لأن الكيل الآن نقص عدده عما كان، بسبب ما يكال به الآن، حتى صارت الأرادب وويبة مقدار ستة الأرادب وربع الأردب المقدرة نصابا سابقا، فالتفاوت بينهما إردبان وكيلة.
(قوله: منفي) حال من فاعل بلغ بالنسبة للقوت فقط، وإن كان صنيعه يقتضي رجوعه له ولقسيمه، أي يعتبر في القوت بلوغه خمسة أوسق حال كونه منقى، أي مصفى من تبنه لأنه لا يدخر فيه، ولا يؤكل معه، ويغتفر قليل لا يؤثر في الكيل، وحال كونه منقى من قشره الذي لا يؤكل معه
стр. 489
واعلم أن الارز مما يدخر في قشره ولا يؤكل معه، فتجب فيه إن بلغ عشرة أوسق (عشر) للزكاة.
(إن سقي بلا مؤنة) كمطر، (وإلا) أي وإن سقي بمؤنة كنضح (فنصفه) أي نصف العشر.
وسبب التفرقة: ثقل المؤنة في هذا، وخفتها في الاول، سواء أزرع ذلك قصدا، أم نبت اتفاقا - كما في المجموع - حاكيا فيه الاتفاق، وبه يعلم ضعف قول الشيخ زكريا في تحريره تبعا لاصله: يشترط لوجوبها أن يزرعه مالكه أو نائبه، فلا زكاة فيما
ــ
في الغالب، فإن كان يؤكل معه في الغالب - كذرة - فلا يعتبر تنقيته منه فيدخل قشره في الحساب وأما غير القوت فيعتبر بلوغه خمسة أوسق حال كونه تمرا إن تتمر الرطب، أو حال كونه زبيبا إن تزبب العنب، وإن لم يتتمر الأول أو لم يتزبب الثاني: فيعتبر ذلك حال كونه رطبا أو عنبا، وتخرج الزكاة منهما في الحال.
(قوله: واعلم أن الأرز) ومثله العلس بفتحتين، وهو نوع من الحنطة.
قال في التحفة: وهو قوت نحو أهل صنعاء في كل كمام حبتان وأكثر.
اه.
(قوله: فتجب) أي الزكاة.
(وقوله: فيه) أي في الأرز، ومثله ما مر.
(قوله: وإن بلغ عشرة أوسق) أي اعتبارا لقشرة الذي ادخاره فيه أصلح له وأبقى بالنصف، وبعد ذلك له أن يخرج الواجب عليه حال كونه في قشره، وله أن يخرجه خالصا لا قشر عليه.
(قوله: عشر للزكاة) انظر موقعه من الإعراب؟ وظاهر صنيعه أنه مبتدأ، والجار والمجرور بعده خبر.
أي عشر يخرج للزكاة.
ويرد عليه أن عشر نكرة، ولا يجوز الابتداء بها، ويمكن على بعد جعل الجار والمجرور صفة له، ويكون هو المسوغ وجملة الشرط بعده خبر المبتدأ، ولو قال - كسابقه - ويجب فيما ذكر عشر إلخ، أو أبقى المتن على ظاهره، ولم يقدر عند قوله وفي قوت المتعلق وهو تجب، لكان أولى وأخصر.
وعليه: يكون الجار والمجرور خبرا مقدما.
وقوله عشر: مبتدأ مؤخرا، ويكون المعنى عليه: والعشر واجب في القوت إن سقي بلا مؤنة.
ثم ظهر صحة جعل بدلا من الضمير المستتر في تجب العائد على الزكاة، بناء على أنه لا يشترط في البدل صحة إحلاله محل المبدل منه، أما على اشتراط ذلك فلا يصح، لأنه يلزمه عليه إسناد المبدوء بتاء الغيبة للاسم الظاهر المذكر، وهو لا يجوز.
ومنع العلامة الصبان - في حاشية الأشموني - إبدال الظاهر من ضمير الغيبة المستتر، وقال: فلا يقال هند أعجبتني جمالها - على الإبدال.
فتنبه.
(قوله: إن سقي) أي ما ذكر من القوت وما عطف عليه.
(قوله: بلا مؤنة) أي بلا مؤنة كثيرة، بأن لم يكن هناك مؤنة أصلا، أو مؤنة قليلة.
ولو سقي بما فيه مؤنة
وغيره وجب القسط من كل، باعتبار عيش الزرع والثمر ونمائها، لا بأكثر المدتين، ولا بعدد السقيات.
فلو كانت المدة من وقت الزرع إلى وقت الإدراك ثمانية أشهر، واحتيج في أربعة منها إلى سقيتين فسقي بالمطر، وفي الأربعة الأخرى إلى سقيتين فسقي بالنضح، وجب ثلاثة أرباع العشر، أو احتاج في ستة منها إلى سقيتين فسقي بماء السماء، وفي شهرين إلى ثلاث سقيات فسقي بالنضح، وجب ثلاثة أرباع العشر، وربع نصف العشر.
(قوله: كمطر) تمثيل لما كان بغير مؤنة، ومثله ماء انصب إليه من جبل، أو نهر، أو عين.
(قوله: أي وإن سقي) الأولى بأن سقي، بباء التصوير.
(قوله: كنضح) أي نقل الماء من محله إلى الزرع بحيوان أو غيره.
(قوله: فنصفه) أي فالواجب نصف العشر.
والأصل فيه - وفيما قبله - خبر البخاري: فيما سقت السماء أو العيون أو كان عثريا، العشر.
وفيما سقي بالنضح، نصف العشر.
(قوله: وسبب التفرقة) أي بين ما سقي بلا مؤنة حيث كان واجبه العشر، وما سقي بمؤنة حيث كان واجبه نصف العشر.
(قوله: ثقل المؤنة في هذا) أي فيما سقي بمؤنة.
(وقوله: وخفتها في الأول) أي فيما سقي بلا مؤنة، ولا يقال إن بين خفتها وبين بلا مؤنة تنافيا، لأن خفتها تثبت أصل المؤنة، وبلا مؤنة ينفيه، لأنا نقول المراد من المؤنة المنفية الكثيرة، وهو يصدق بوجودها مع خفتها - كما علمت - ثم إن المراد بخفتها أن شأنها ذلك، وإلا فقد لا تكون هناك مؤنة أصلا - كما علمت أيضا -.
(قوله: سواء الخ) تعميم في وجوب الزكاة في القوت، وما عطف عليه، ولو قدمه على قوله عشر الخ لكان أولى.
(وقوله: أزرع ذلك قصدا) أي زرعه مالكه أو نائبه عمدا.
(وقوله: أم نبت اتفاقا) أي كأن وقع الحب بنفسه من يد مالكه عند حمل الغلة مثلا، أو بإلقاء نحو طير في أرضه، فنبت.
(قوله: كما في المجموع) أي كما ذكره فيه، وهو راجع للتعميم.
(وقوله: حاكيا) أي الإمام النووي، وهو حال من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور.
(وقوله: فيه) أي في المجموع أو في التعميم.
(قوله: وبه يعلم الخ) أي بما حكاه في المجموع من الاتفاق على التعميم المذكور
стр. 490
انزرع بنفسه، أو زرعه غيره بغير أذنه.
ولا يضم جنس إلى آخر لتكميل النصاب، بخلاف أنواع الجنس، فتضم.
وزرعا العام يضمان إن وقع حصادهما في عام.
(فرع) لا تجب الزكاة في مال بيت المال، ولا في ريع موقوف من نخل أو أرض على جهة عامة
ــ
يعلم إلخ.
(قوله: ويشترط الخ) مقول قول الشيخ زكريا، لكن بنوع تصرف في عبارته، ونصها: وشرط وجوبها أن يبلغ خمسة أوسق، وأن يزرعه مالكه أو نائبه، فلا زكاة فيما انزرع بنفسه أو زرعه غيره بغير إذنه، كنظيره في سوم الماشية.
انتهت.
قال في التحفة - بعد أن ساق العبارة المذكورة وضعفها -: وفي الروضة وأصلها - ما حاصله - إن ما تناثر من حب مملوك بنحو ريح أو طير، زكي.
وجرى عليه شراح التنبيه وغيرهم، فقالوا: ما نبت من زرع مملوك بنفسه.
زكي.
وعليه، يفرق بين هذا والماشية بأن لها نوع اختيار، فاحتيج لصارف عنه، وهو قصد إسامتها، بخلافه هنا.
وأيضا فنبات القوت
بنفسه نادر، فألحق بالغالب، ولا كذلك في سوم الماشية، فاحتيج لقصد مخصص، ويظهر أن يلحق بالمملوك ما حمله سيل إلى أرضه مما يعرض عنه فنبت، وقصد تملكه بعد النبت أو قبله.
اه.
وكتب ش ق على قول التحرير المار ما نصه: هو قول مرجوح، والمعتمد خلافه، بل المعتبر تمام الملك وإن لم يباشر المالك - ولا نائبه - زراعته، كأن وقع الحب بنفسه من يد مالكه عند حمل الغلة مثلا، أو بإلقاء نحو طير.
كأن وقعت العصافير على السنابل فتناثر الحب ونبت، فتجب الزكاة في ذلك أن بلغ نصابا.
وخرج بالملك المذكور ما نبت من حب حمله السيل من دار الحرب إلى أرضنا غير المملوكة لأحد فلا زكاة فيه، لأنه فئ، والمالك غير معين.
أما لو كانت مملوكة فيملكه من نبت بأرضه.
ومثل ما حمله السيل إلى الأرض غير المملوكة: ثمار النخل المباح بالصحراء، وما وقف من ثمار بستان أو حب قرية على المساجد والربط والقناطر والفقراء والمساكين، فلا زكاة في شئ من ذلك.
ولو حمل الهواء أو الماء حبا مملوكا فنبت بأرض - فإن أعرض عنه مالكه فهو لصاحب الأرض، وعليه زكاته، وإن لم يعرض عنه فهو له، وعليه زكاته، وأجره مثل الأرض لصاحبها.
اه.
(قوله: ولا يضم جنس إلى آخر) أي كضم الحنطة إلى الأرز، أو التمر إلى العنب.
وهذا مجمع عليه في التمر والزبيب.
ومقيس في نحو البر والشعير.
قال في التحفة: يقع كثيرا أن البر يختلط بالشعير، والذي يظهر أن الشعير إن قل - بحيث لو ميز لم يؤثر في النقص - لم يعتبر، فلا يجزئ إخراج شعير، ولا يدخل في الحساب، وإلا لم يكمل أحدهما بالآخر.
فما كمل نصابه أخرج عنه من غير المختلط.
اه.
(قوله: بخلاف أنواع الجنس فتضم) أي فيضم نوع منه إلى نوع آخر منه، وذلك كتمر معقلي فيضم إلى برني، وكبر مصري فيضم إلى شامي، لاتحاد الاسم، ويخرج من كل بقسطه، لأنه لا مشقة فيه، فإن عسر التقسيط - لكثرة الأنواع - أخرج الوسط.
لا أعلاها، ولا أدناها - رعاية للجانبين - فإن تكلف وأخرج من كل بقسطه فهو أفضل.
(قوله: وزرعا العام يضمان) العام ليس بقيد، بل المدار على حصادهما في عام واحد، ولو كانا زرعي عامين.
ولو قال والزرعان يضمان إن وقع الخ، لكان أولى وأخصر.
(قوله: إن وقع حصادهما في عام) أي بأن يكون بين حصادي الأول والثاني دون اثني عشر شهرا عربية، ولا عبرة بابتداء الزرع، لأن الحصاد هو المقصود، وعنده يستقر الوجوب.
قال في المغنى: وهل المراد بالحصاد أن يكون بالفعل أو بالقوة؟ قال الكمال ابن أبي شريف: تعليلهم يرشد إلى الثاني.
اه.
(تتمة) لم يتعرض لوقت وجوب الزكاة في القوت وما عطف عليه، وحاصله أن وقته إذا بدا صلاح الثمر - ولو في بعضه - لأنه حينئذ ثمرة كاملة.
وقبله بلح أو حصرم.
والمراد ببدو الصلاح: بلوغه صفة يطلب فيها غالبا، فعلامته في
الثمر المتلون أخذه في حمرة أو سواد أو صفرة، وفي غير المتلون - كالعنب الأبيض - لينه وتمويهه، وهو صفاؤه، وجريان الماء فيه.
وإذا اشتد الحب ولو في البعض أيضا لأنه حينئذ قوت، وقبله بقل.
ومع وجوبها بما ذكر لا يجب الإخراج إلا بعد التصفية والجفاف فيما يجف، بل لا يجزئ قبلهما.
(قوله: فرع الخ) هذا الفرع له تعلق بجميع الأصناف التي تتعلق بها الزكاة، وهو محترز قول الشارح فيما مر معين، فكان الأولى أن يقدمه هناك، أو يؤخره عن بيان زكاة النعم.
فتنبه.
стр. 491
- كالفقراء والفقهاء والمساجد - لعدم تعين المالك.
وتجب في موقوف على معين واحد، أو جماعة معينة - كأولاد زيد -، ذكره في المجموع.
وأفتى بعضهم في موقوف على إمام المسجد أو المدرس بأنه يلزمه زكاته - كالمعين -.
قال شيخنا: والاوجه خلافه، لان المقصود بذلك: الجهة: دون شخص معين.
(تنبيه) قال الجلال البلقيني في حاشية الروضة، تبعا للمجموع: إن غلة الارض المملوكة أو الموقوفة على معين، إن كان البذر من مال مالكها أو الموقوف عليه: فتجب عليه الزكاة فيما أخرجته الارض.
فإن كان البذر من مال العامل وجوزنا المخابرة، فتجب الزكاة على العامل، ولا شئ على صاحب الارض، لان الحاصل له أجرة أرضه.
وحيث كان البذر من صاحب الارض، وأعطي منه شئ للعامل، لا شئ على العامل، لانه أجرة عمله.
اه.
ــ
(قوله: في مال بيت المال) إضافة مال إلى بيت لأدنى ملابسة، أي مال المسلمين المحفوظ في بيت المال.
(قوله: ولا في ريع موقوف) هذا التركيب إضافي، أي لا تجب الزكاة في ريع الشئ الموقوف.
والمراد بالريع: ما يستخرج منه من الفوائد.
(وقوله: من نخل أو أرض) بيان لموقوف.
(قوله: على جهة عامة) متعلق بموقوف.
(قوله: كالفقراء إلخ) تمثيل للجهة العامة.
(قوله: لعدم تعين المالك) تعليل لعدم وجوب الزكاة فيما ذكر.
(قوله: وتجب) أي الزكاة.
(قوله: في موقوف) أي ريع موقوف.
(قوله: على معين واحد) أي كزيد.
(قوله: في موقوف) أي شئ موقوف من أرض أو نخل أو غيرهما.
(قوله: على إمام المسجد) أي من يصلي في هذا المسجد إماما.
(قوله: أو المدرس) أي في هذا المسجد مثلا.
(قوله: بأنه) متعلق بأفتى، وضميره يعود على من ذكر من الإمام والمدرس.
(قوله: يلزمه زكاته) أي الموقوف، أي ريعه.
(قوله: قال شيخنا) عبارته: وأفتى بعضهم في موقوف على إمام المسجد أو المدرس بأنه يلزمه زكاته كالمعين، وفيه نظر ظاهر، بل الوجه خلافه، لأن المقصود بذلك الجهة، دون شخص معين.
كما يدل عليه كلامهم في الوقف.
اه.
(وقوله: لأن المقصود بذلك: الجهة) أي كل من اتصف بهذا الوصف، لا شخص معين.
(قوله: إن غلة الأرض الخ) مقول القول، والغلة هي الريع المار، وقد علمته.
(قوله: المملوكة) بالجر، صفة للأرض.
(قوله: أو الموقوفة على معين) احترز به عن الموقوفة على غير معين، فإنه لا تجب فيه الزكاة - كما مر آنفا.
(قوله: من مال مالكها) أي الأرض، وهذا بالنسبة لما إذا كانت مملوكة.
(وقوله: أو الموقوف عليه) أي أو من مال الموقوف عليه، وهذا بالنسبة لما إذا كانت موقوفة، فكلامه على اللف والنشر المرتب.
(قوله: فتجب عليه) أي من ذكر من المالك، أو الموقوف عليه المعين.
(قوله: فإن كان البذر من مال العامل) أي الذي يعمل في الأرض ويزرعها.
(قوله: وجوزنا المخابرة) أي وجرينا على أنها جائزة، أي صحيحة.
وهذا ليس بقيد، بل لو جرينا على أنها فاسدة يكون الحكم كذلك، لأن فاسد
الإجارة كصحيحها، فتكون الزكاة واجبة على العامل، لأن الزرع ملك له، وعليه لمالك الأرض أجرتها فقط.
وعبارة الروض وشرحه: وتجب الزكاة على مالك الثمار والحبوب.
وإن كانت الأرض مستأجرة أو ذات خراج.
اه.
والمخابرة: هي معاملة على أرض ببعض ما يخرج منها، والبذر من العامل - كما سيأتي - والمعتمد فيها عدم الصحة، لقوله ﷺ : من لم يذر المخابرة، فليؤذن بحرب من الله ورسوله.
(قوله: ولا شئ على صاحب الأرض) أي لا زكاة عليه، سواء كان مالكا أو موقوفا عليه.
(قوله: لأن الحاصل له الخ) أي لان الشئ الذي يحصل لصاحب الأرض يأخذه مما استخرجته الأرض أجرة أرضه، وهي لا زكاة فيها.
وفي فتاوى ابن حجر ما نصه: (سئل) عمن أكرى مزرعة لأحد على أن له شيئا معلوما من الغلة كل سنة، فهل يجب عليه - إذا أخذ تلك الأجرة - أن يؤدي زكاتها إذا بلغت نصابا أو لا؟ وإذا كانت الأجرة نقدا، ماذا حكمها؟ (فأجاب) بقوله: لا تلزمه زكاة الأجرة إن كانت حبا إلا إذا كان للتجارة ووجدت فيه شروطها، ولا تلزمه زكاتها إذا كانت نقدا إلا إن مضى عليه حول من حين ملكها وهي نصاب.
اه.
بتصرف.
(قوله: وحيث كان البذر من صاحب الأرض إلخ) هذه هي المزارعة، لأنها معاملة على أرض ببعض ما يخرج منها، والبذر من المالك - كما سيأتي - والمعتمد فيها أيضا عدم الصحة.
(قوله: وأعطي منه شئ للعامل) الفعل مبني للمجهول، وأسند إلى مفعوله الثاني ومفعوله الأول
стр. 492
وتجب الزكاة لنبات الارض المستأجرة مع أجرتها على الزارع.
ومؤنة الحصاد والدياس على المالك.
ــ
للعامل، واللام زائدة.
أي وأعطى المالك العامل في مقابلة عمله شيئا من البذر، والمراد مما تخرجه الأرض بعد بذرها ببذر المالك.
(قوله: لا شئ على العامل) أي لا زكاة عليه.
(قوله: لأنه أجرة عمله) أي لأن ما يأخذه مما استخرجته الأرض إنما هو أجرة عمله، وهي لا زكاة فيها.
(قوله: وتجب الزكاة لنبات الأرض المستأجرة) مثلها الأرض الخراجية، فتجب الزكاة فيها مع الخراج.
وعبارة الروض: وتجب وإن كانت الأرض مستأجرة أو ذات خراج.
وقال في شرحه: فتجب الزكاة مع الأجرة أو الخراج.
ثم قال: وأما خبر: لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم فضعيف، قاله في المجموع، وعبارة التحفة: لو أجر الخراجية، فالخراج على المالك، ولا يحل لمؤجر أرض أخذ أجرتها من حبها قبل أداء زكاته، فإن فعل لم يملك قدر الزكاة، فيؤخذ منه عشر ما بيده، أو نصفه، كما لو اشترى زكوبا لم تخرج زكاته، ولو أخذ الإمام أو نائبه - كالقاضي - الخراج على أنه بدل من العشر، فهو كأخذ القيمة بالاجتهاد أو التقليد، والأصح إجزاؤه - أو ظلما.
لم يجز عنها، وإن نواها المالك وعلم الإمام بذلك.
وقول بعضهم يحتمل الإجزاء.
يرد بأن الفرض أنه قاصد الظلم، وهذا صارف عنها، وقولهم يجوز دفعها لمن لا يعلم أنها زكاة، لأن العبرة بنية المالك: محله عند عدم الصارف
من الآخذ، أما معه - كأن قصد بالأخذ جهة أخرى - فلا، وبهذا يعلم أن المكس لا يجزئ عن الزكاة إلا إن أخذه الإمام أو نائبه، على أنه بدل عنها باجتهاد أو تقليد صحيح، لا مطلقا، خلافا لمن وهم فيه.
اه.
وقوله: بدل من العشر: أي في الزكاة، وقوله: كأخذ القيمة: أي في الزكاة في غير عروض التجارة.
(وسئل) ابن حجر عن أخذ السلطان الجائر العشور المعهودة في ذا الزمن باسم الزكاة ونوي به المأخوذ منه الزكاة، فهل يسقط به الغرض أولا فأجاب بقوله: نعم يسقط بأخذه على الوجه المذكور فرض الزكاة عن المأخوذ منه، لأن الإمام الجائر كالعادل في الزكاة وغيرها، ويقع لبعض التجار - الذين ليس لهم كبير تقوى، ويغلب عليهم البخل والخزي - أنهم يكثرون الأسئلة عما يأخذه منهم أعوان السلاطين من الملوك: هل يقع عنهم من الزكاة إذا نووها؟ فنجيبهم بما هو المعروف المقرر.
وبسط الكلام فيه بعض شراح الإرشاد من أن ذلك لا يحسب من زكواتهم.
لأن الإمام لم يأخذه باسم الزكاة، بل باسم الذب عنهم وعن أموالهم، فهو وأعوانه يعتقدون أن ذلك حق له في أموال التجار يستحق أخذه قهرا عليهم، ولو سمع هو أو بعض أعوانه عن بعض التجار أنه يدفع ذلك لهم باسم الزكاة: لما قبلوا منه ذلك، وأخذوه قهرا عليه على غير هذا الوجه، بل ربما آذوه وسبوه، والدفع للإمام أو نائبه العام إنما يجزئ عن الزكاة حيث لم يمتنع الإمام أو نائبه من أخذه على هذا الوجه، أو يأخذه بقصد مغاير له، فحينئذ لا يمكن حسبان ما أخذه عن الزكاة.
وبقي مانع آخر من ذلك، وهو أن الدفع إلى السلطان غير ممكن، وإنما يقع الدفع لنائبه العام أو الخاص، والدفع للنائب العام ... وهو الوزير الأعظم، أو نحوه - متعسرا أيضا، وإنما الواقع والمتيسر الدفع إلى النائب الخاص، وهذا النائب الخاص لا يولونه على أخذه زكاة بوجه، وإنما يولونه على أخذ العشور، ومرادهم بها المكوس - كما هو معلوم من أحوالهم، وعباراتهم، وعاداتهم - فمن أراد الدفع إليهم باسم الزكاة ولم يدفعها لإمام ولا لنائبه فيها فكيف تجزئ عنه؟ فليتأمل ذلك، وليشع لهم، فإن بعض فسقة المتفقهة والتجار ربما حسبوا ما يؤخذ منهم من المكوس من الزكوات الواجبة عليهم، وما دروا أنها * (يحمى عليها في نار جهنم، فتكوى بها جباهم، وجنوبهم، وظهورهم) * وتقول لهم ملائكة العذاب * (هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) *.
أعاذنا الله من ذلك وأمثاله بمنه وكرمه.
اه.
(قوله: ومؤنة الحصاد والدياس على المالك) هذه المسألة مستقلة، وليست مرتبطة بما قبلها - أعني قوله: وتجب الزكاة لنبات الأرض المستأجرة وإن كان هو ظاهر منعه ووجه عدم ارتباطها به أنه إن أريد بالمالك مالك الأرض الذي هو المؤجر فلا يصح لأنه ليس عليه شئ أصلا لأنه مؤجر يستلم أجره أرضه فقط وإن أريد به مالك -، د،، الزرع الذي هو المستأجر، فلا يصح اختصاص الحكم المذكور به.
وأيضا لو كان هذا هو المراد، لقال
عليه بالضمير العائد على الزراع.
إذا علمت ذلك، فكان الأولى للشارح أن يقدم هذه المسألة قبيل
стр. 493
(و) تجب على من مر للزكاة (في كل خمس إبل شاة) جذعة ضأن لها سنة، أو ثنية معز لها سنتان، ويجزئ الذكر، وإن كانت إبله إناثا، لا المريض إن كانت إبله صحاحا (إلى خمس وعشرين) منها.
ففي عشر شاتان، وخمسة عشر ثلاث، وعشرين إلى الخمس والعشرين أربع، فإذا كملت الخمس والعشرون (فبنت مخاض) لها سنة، هي واجبها إلى ست وثلاثين.
سميت بذلك لان أمها آن لها أن تصير من المخاض - أي
ــ
الفرع، أو يفصلها عما قبلها بترجمة مستقلة، كأن يقول: فرع إلخ.
دفعا لما يوهمه صنيعه.
ومعنى ما ذكر: إن مؤنة الحصاد والدياسة - ومثلهما مؤنة جذاذ الثمر وتجفيفه - تكون من خالص مال المالك للزرع، سواء كان مالكا للأرض أيضا أم لا - بأن كان مستأجرا لها - لا من مال الزكاة.
وكثيرا ما يخرجون ذلك من التمر أو الحب، ثم يزكون الباقي، وهو خطأ، ويدل لما ذكرته عبارة الروض وشرحه، ونصها: (فرع) مؤنة الجفاف، والتصفية، والجذاذ، والدياس والحمل، وغير ذلك - مما يحتاج إلى مؤنة - على المالك، لا من مال الزكاة.
اه.
ومثلها عبارة شرح المنهج، والتحفة، والنهاية، والمغنى.
فتنبه.
(قوله: وتجب الخ) شروع في بيان مقدار نصاب النعم.
ما يجب إخراجه منه.
(وقوله: على من مر) أي المسلم الحر المعين.
وتضمن من الشروط ثلاثة، وبقي منها أن تبلغ نصابا وأسامة مالك لها كل الحول، ومضى حول في ملكه، وأن لا تكون عوامل.
(قوله: للزكاة) متعلق بتجب.
(قوله: في كل خمس إبل: شاة إلخ) بدأ بالإبل لأنها أشرف أموال العرب.
والأصل فيما ذكره فيها ما رواه البخاري عن أنس ﵁، أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين على الزكاة: بسم الله الرحمن الرحيم.
هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سئلها على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطه: في أربع وعشرين من الإبل، فما دونها الغنم في كل خمس: شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين: ففيها بنت مخاض أنثى، فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكر.
فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين: ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين: ففيها حقه طروقة الجمل.
فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين: ففيها جذعة.
فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين، ففيها بنتا لبون.
فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة، ففي كل أربعين: بنت لبون، وفي كل خمسين حقه وقوله: في الحديث لا يعطه أي الزائد، بل يعطى الواجب.
(واعلم) أن هذا العدد تعبدي، لا يسأل عن حكمته، بل يتلقى عن الشارع بالقبول.
(قوله: جذعة ضأن) بدل من شاة.
(وقوله: لها سنة) أي تحديدية، لكن لو أجذعت مقدم أسنانها - أي أسقطته - بعد ستة أشهر، أجزأت.
فالأول منزل منزلة البلوغ بالسن، والثاني منزل منزلة البلوغ بالاحتلام.
(وقوله: أو ثنية معز) أو: للتخيير، فهو مخير بين الجذعة والثنية.
(وقوله: لها سنتان) أي تحديدا.
(قوله: ويجزئ الذكر إلخ) أي لصدق اسم الشاة عليه، فإنها تطلق على الذكر والأنثى، إذ تاؤها للوحدة لا للتأنيث،
ولأنها من غير الجنس، وبه فارق منع إخراج الذكر عن الإناث في الغنم.
(قوله: لا المريض الخ) أي لا يجزئ المريض إن كانت إبله صحاحا، أي سليمة.
ومقتضى التقييد بما ذكر أنه يجزئ المريض إن كانت إبله غير صحاح، وهو ضعيف، والمعتمد عدم إجزاء المريض مطلقا - كما صرح به في التحفة - ونصها: ويشترط - كما صححه في المجموع، خلافا لما قد يقتضي تصحيحه كلام الروضة وأصلها - صحة الشاة وكمالها، وإن كانت الإبل مريضة أو معيبة، لأن الواجب هنا في الذمة، فلم يعتبر فيه صفة المخرج عنه، بخلافه فيما يأتي بعد الفصل.
فإن لم يجد صحيحة فرق قيمتها دراهم - كمن فقد بنت المخاض مثلا فلم يجدها، ولا ابن لبون ولا بالثمن، فيفرق قيمتها للضرورة.
اه.
(وقوله: بخلافه فيما يأتي) أي وهو أنه لا تؤخذ مريضة ولا معيبة من الغنم إلا من مثلها.
(قوله: إلى خمس وعشرين) متعلق بمحذوف، أي ويستمر وجوب الشاة في كل خمس إبل إلى أن يبلغ عددها خمسا وعشرين، فإذا بلغ عددها ذلك وجب فيها بنت مخاض.
(وقوله: منها) أي الإبل.
(قوله: ففي عشر الخ) تفريع على ما قبله.
(قوله: وخمسة عشر: ثلاث) أي وفي خمسة عشر: ثلاث شياه.
(قوله: وعشرين إلخ) أي وفي عشرين إلى الخمس والعشرين أربع شياه، والغاية ليست داخلة.
(قوله: فإذا كملت) أي استكملت.
(قوله: فينت مخاض) أي بنت ناقة مخاض.
فإن عدمها فابن لبون، أو
стр. 494
الحوامل -.
(وفي ست وثلاثين) إلى ست وأربعين (بنت لبون) لها سنتان.
سميت بذلك لان لها أمها آن لها أن تضع ثانيا، وتصير ذات لبن.
(و) في (ست وأربعين) إلى إحدى وستين: (حقة) لها ثلاث سنين، وسميت بذلك لانها استحقت أن تركب، ويحمل عليها، أو أن يطرقها الفحل.
(و) في (إحدى وستين: جذعة) لها أربع سنين.
سميت بذلك لانها يجذع مقدم أسنانها، أي يسقط.
(و) في (ست وسبعين: بنتا لبون.
و) في (إحدى وتسعين: حقتان.
و) في (مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون.
ثم) الواجب (في كل أربعين بنت لبون.
و) في كل (خمسين حقة.
و) يجب (في ثلاثين بقرة - إلى أربعين - تبيع) له سنة، سمي بذلك لانه يتبع أمه.
(و) في
ــ
حق وإن كان أقل قيمة منها.
(قوله: لها سنه) أي إن بنت المخاض ما كان لها سنة، أي وطعنت في الثانية.
وكذا يقال فيما بعد، لأن الأسنان المذكورة تحديدية.
(قوله: هي) أي بنت المخاض.
(وقوله: واجبها) أي الخمس والعشرين.
(وقوله: إلى ست وثلاثين) أي ويستمر هذا الواجب فيها إلى أن يبلغ عددها ستا وثلاثين.
والغاية ليست بداخلة.
(قوله: سميت) أي الناقة التي تخرج عن الخمس والعشرين.
(وقوله: بذلك) أي بنت مخاض.
(قوله: لأن أمها آن) هو بمد الهمزة: من الأوان، بمعنى الوقت، أي قرب.
(وقوله: أن تصير من المخاض) وعبارة الرملي لأن لها أمها بعد سنة من ولادتها أن لها أن تحمل مرة أخرى، فتصير من المخاض.
اه.
ولا يخالف كلام الشرح، لأنها تسمى بهذا الاسم إلا بعد بلوغ السنة.
(قوله: وفي ست وثلاثين) أي وتجب في ست وثلاثين من الإبل.
(وقوله: إلى ست وأربعين) أي ويستمر هذا الواجب - أعني بنت اللبون - إلى أن تبلغ ستا وأربعين (قوله: بنت لبون) أي بنت ناقة لبون، ولا يؤخذ ابن اللبون، وألحق عنها عند فقدها.
والفرق بينها وبين بنت المخاض: أن كلا منهما يزيد على بنت المخاض بقوته على ورود الماء والشجر، وامتناعه من صغار السباع بنفسه، ولم يزد بذلك على بنت اللبون لوجود تلك القوة فيها أيضا، فلم يجزئ
عنها.
(قوله: سميت) أي الناقة التي تخرج عن الست والثلاثين.
(وقوله: بذلك) أي بنت اللبون.
(قوله: وفي ست وأربعين) أي وتجب في ست وأربعين.
(وقوله: حقه) - بكسر الحاء - ويجزئ عنها بنتا لبون.
(قوله: وفي إحدى وستين) أي وتجب في إحدى وستين من الإبل.
(وقوله: جذعة) - بفتحتين -: ما قبل الثني، ويجزئ عنها حقتان، أو بنتا لبون، لإجزائهما عما زاد.
(قوله: سميت) أي الناقة التي تجزئ عن الإحدى والستين.
(وقوله: بذلك) أي بالجذعة.
(قوله: وفي ست وسبعين بنتا لبون) وهذا تعبدي، لا بالحساب، وإلا فمقتضى الحساب أن يجب في اثنين وسبعين بنتا لبون، لأن بنت اللبون وجبت في ست وثلاثين، فلو اعتبر الحساب لوجب في اثنتين وسبعين: بنتا لبون.
(قوله: في إحدى وتسعين: حقتان) أي تعبدا، لا بالحساب، كما في الذي قبله، وإلا بأن اعتبر الحساب، لما وجبت الحقتان إلا في اثنتين وتسعين، ومثله يقال فيما بعد.
(قوله: وفي مائة وإحدى وعشرين: ثلاث بنات لبون) فإن نقصت الواحدة لم يحسب سوى الحقتين.
(قوله: ثم الواجب في كل أربعين إلخ) ظاهره يقتضي أنه متى زاد على مائة وإحدى وعشرين - ولو واحدة - يتغير الواجب، ويكون في كل أربعين إلخ.
ويستقيم الحساب.
وليس كذلك، بل إنما يتغير الواجب بزيادة تسع على المائة والإحدى والعشرين، ثم بزيادة عشر عشر، ويستقيم الحساب.
ففي مائة وثلاثين: حقة وبنتا لبون، وفي مائة وأربعين: حقتان وبنت لبون.
وهكذا.
(قوله: ويجب في ثلاثين بقرة الخ) شروع في بيان نصاب البقر.
وأول النصاب فيه ثلاثون.
والبقر شامل للعراب والجواميس من الذكور والإناث.
والثور خاص بالذكر.
والأصل فيما ذكره فيه: ما رواه الترمذي وغيره، عن معاذ ﵁، قال: بعثتي رسول الله ﷺ إلى اليمن وأمرني إن أخذ من كل أربعين بقرة مسنة، ومن كل ثلاثين: تبيعا.
وصححه الحاكم وغيره.
(قوله: تبيع) لو أخرج تبيعة أجزأت - بطريق الأولى - لأنها أنفع من الذكر، لما فيها من الدر والنسل.
وتبيع بمعنى تابع، كما يؤخذ من قوله لأنه يتبع أمه.
(قوله: له سنة) أي وطعن في الثانية.
(قوله: سمي) أي ما يخرج عن الثلاثين من البقر.
(وقوله: بذلك) أي بتبيع.
(قوله: لأنه يتبع
стр. 495
(أربعين) إلى ستين: (مسنة) لها سنتان، سميت بذلك لتكامل أسنانها.
(و) في (ستين: تبيعان، ثم في كل ثلاثين: تبيع.
و) في كل (أربيعن: مسنة.
و) يجب (في أربعين غنما) إلى مائة وإحدى وعشرين: (شاة.
و) في (مائة وإحدى وعشرين) إلى مائتين وواحدة (شاتان.
و) في (مائتين وواحدة) إل ثلثمائة (ثلاث) من الشياه.
(و) في (أربعمائة: أربع) منها، (ثم في كل مائة: شاة) جذعة ضأن لها سنة، أو ثنية معز لها سنتان.
وما بين النصابين يسمى وقصا.
ولا يؤخذ خيار كحامل ومسمنة للاكل.
وربى وهي حديثة العهد بالنتاج بأن يمضي لها من ولادتها نصف شهر - إلا برضا مالك.
(وتجب الفطرة) أي زكاة الفطر.
سميت بذلك لان وجوبها به.
وفرضت - كرمضان - في ثاني سني
ــ
أمه) أي في المرعى.
ويجمع على أتبعة كرغيف وأرغفة.
(قوله: وفي أربعين: مسنة) لو أخرج عن أربعين، تبيعين، أجزأ على الصحيح.
(قوله: سميت) أي البقرة.
(قوله: بذلك) أي بمسنة.
(قوله: وفي ستين: تبيعان) أي يجب في ستين بقرة: تبيعان.
(قوله: ثم في كل ثلاثين: تبيع) أي ثم بعد الستين بزيادة عشرة عشرة يتغير الواجب، ويكون في كل ثلاثين: تبيع، وفي كل أربعين: مسنة.
(قوله: ويجب في أربعين غنما الخ) شروع في بيان نصاب الغنم، وأول نصابها
أربعون، فلا زكاة في أقل من ذلك، ويصدق مخرجها في عددها إن كان ثقة، وإلا عدت، والأسهل عند مضيق تمر به واحدة واحدة، وبيد كل من المالك والساعي - أو نائبهما - قضيب، يشيران به إلى كل واحدة، أو يصيبان به ظهرها، لأن ذلك أبعد عن الغلط.
(واعلم) أنه يجزئ في الغنم نوع آخر: كضأن عن معز، وعكسه، كما يجزئ أرحبية عن مهرية، وعكسه في الإبل وعراب عن جواميس وعكسه في البقر.
(قوله: وفي مائتين وواحدة إلى ثلثمائة) صوابه إلى أربعمائة، إذ ما بين المائتين والواحدة والأربعمائة: وقص لا يتغير فيه الواجب.
تأمل.
(قوله: ثم في كل مائة: شاة) أي لحديث أنس في ذلك، رواه البخاري.
ونقل الشافعي أن أهل العلم لا يختلفون في ذلك، ولو تفرقت ماشية المالك في أماكن: فهي كالتي في مكان واحد، حتى لو ملك أربعين شاة في بلدين لزمته الزكاة، ولو ملك ثمانين في بلدين.
وفي كل أربعون لا يلزمه إلا شاة واحدة، وإن بعدت المسافة بينهما، خلافا للإمام أحمد، فإنه يلزمه عنده عند التباعد شاتان.
اه.
مغنى.
(قوله: وما بين النصابين) أي في الإبل والبقر والغنم يسمى وقصا.
قال في التحفة: أكثر ما يتصور من الوقص في الإبل تسعة وعشرون ما بين إحدى وتسعين ومائة وإحدى وعشرين.
وفي البقر: تسع عشرة ما بين أربعين وستين.
وفي الغنم: مائة وثمانية وتسعون ما بين مائتين وواحدة وأربعمائة.
اه.
(قوله: ولا يؤخذ خيار) لقوله ﷺ : إياك وكرائم أموالهم ولقول عمر ﵁: ولا تؤخذ الأكولة، ولا الربى، ولا الماخض - أي الحامل - ولا فحل الغنم.
نعم: ما كانت ماشيته كلها كذلك أخذ منها، إلا الحوامل، فلا يطالب بحامل منها.
(قوله: كحامل) تمثيل لخيار.
(وقوله: ومسمنة) - بالجر - عطف على حامل.
(وقوله: للأكل) اللام تعليلية، متعلقة بمسمنة.
(قوله: وربى) بضم الراء وتشديد الباء الموحدة والقصر، ووزنها فعلى: بضم الأول والقصر، وجمعها: ربات، ومكسرها: رباب - بالكسر.
(قوله: وتجب الفطرة) لما أنهى الكلام على بيان زكاة الأموال وشرائطها، شرع في بيان زكاة الأبدان وشرائطها، فقال: وتجب الفطرة، وهي بكسر الفاء: الخلقة، قال الله تعالى: * (فطرة الله التي فطر الناس عليها) *.
وتطلق في اصطلاح الفقهاء على القدر المخرج عن البدن، ولذلك فسرها المؤلف به، فقال - أي زكاة الفطرة - والإضافة فيه من إضافة الشئ إلى أحد سببيه، وهما إدراك جزء من شوال، وإدراك آخر جزء من رمضان.
والأصل في وجوبها: خبر ابن عمر ﵄: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان على الناس: صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى، من المسلمين.
وخبر أبي سعيد ﵁ قال: كنا نخرج زكاة الفطر إذا كان فينا رسول الله ﷺ صاعا