في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وهي منحصرة عندنا فيه، فأرجاها: أو تاره، وأرجى أوتاره عند الشافعي: ليلة الحادي أو الثالث والعشرين، واختار النووي - وغيره - انتقالها.
وهي أفضل ليالي السنة، وصح: من قام ليلة
ــ
قاله الأزهري وغيره.
ثم إن شرفها يحتمل أن يكون راجعا للفاعل فيها على معنى أن من أتى فيها بالطاعة صار ذا قدر وشرف، ويحتمل أن يرجع إلى نفس العمل.
(قوله: والعمل فيها خير من العمل في ألف شهر) هذا من جملة التعليل، بل هو محطة.
أي وإنما تأكد إكثار العبادات فيه رجاء مصادفة ليلة القدر، التي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر، وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر.
وروي عن ابن عباس ﵄ أنه: ذكر لرسول الله ﷺ رجل من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألف شهر فتعجب رسول الله ﷺ لذلك وتمنى ذلك لأمته، فقال: يا رب جعلت أمتي أقصر الأمم أعمارا، وأقلها أعمالا فأعطاه الله تعالى ليلة القدر خيرا من ألف شهر.
وقيل إن الرجل فيما مضى ما كان يقال له عابد حتى يعبد الله تعالى ألف شهر، فأعطوا ليلة إن إحيوها كانوا أحق بأن يسموا عابدين من أولئك العباد.
وما أحسن قول بعضهم: هي ليلة القدر التي شرفت على * * كل الشهور وسائر الأعوام
من قامها يمحو الإله بفضله * * عنه الذنوب وسائر الآثام فيها تجلى الحق ﷻ * * وقضى القضاء وسائر الأحكام فادعوه واطلب فضله تعط المنى * * وتجاب بالإنعام والإكرام فالله يرزقنا القبول بفضله * * ويجود بالغفران للصوام ويذيقنا فيها حلاوة عفوه * * ويميتنا حقا على الإسلام (قوله: ليس فيها ليلة القدر) الجملة صفة لألف شهر، أي ألف شهر موصوفة بكونها ليس فيها ليلة القدر، وإنما قيد به ليصح ما ذكره، وإلا بأن دخلت ليلة القدر في ألف الشهر: لزم تفضيل الشئ على نفسه بمراتب.
قال ق ل: ظاهر كلامهم أن ألف الشهر كاملة، وأنها تبدل ليلة القدر بليلة غيرها، ويحتمل نقصها منها.
ولعل المراد بالشهور: العربية، لأنها المنصرف إليها الاسم شرعا وعرفا.
اه.
بجيرمي.
(قوله: وهي منحصرة إلخ) كالعلة للعلة السابقة.
(وقوله: عندنا) أي معاشر الشافعية - أي جمهورهم، وهو الأصح - وعلى مقابله قيل إنها ليلة تسع عشرة، وقيل سبع عشرة، وقيل ليلة النصف، وقيل جمع رمضان.
وادعى المحاملي أنه المذهب، وصح فيه حديث.
وقيل جميع السنة - وعليه جماعة - وقيل غير ذلك.
اه.
كردي، نقلا عن الإيعاب.
(وقوله: فيه) أي في العشر الأخير لا تنتقل منه إلى غيره، وتلزم ليلة منه بعينها في المذهب.
قال البجيرمي: ومعناه أنها إذا كانت في الواقع ليلة حادي وعشرين مثلا تكون كل عام كذلك، لا تنتقل عن هذه الليلة، فمن عرفها في سنة عرفها فيما بعدها.
اه.
(قوله: فأرجاها: أوتاره) أي أقرب الأوقات لليلة القدر من العشر الأخير: أوتاره، وهي الحادي والعشرون، والثالث والعشرون، والخامس والعشرون، وهكذا.
(وقوله: وأرجى أوتاره) أي العشر.
(قوله: واختار النووي وغيره انتقالها) أي من ليلة من العشر إلى ليلة أخرى منه.
وإنما اختار ذلك جمعا بين الأخبار المتعارضة في محلها.
قال الكردي: وكلام الشافعي ﵁ في الجمع بين الأخبار يقتضيه، وعليه قال الغزالي وغيره إنها تعلم فيه باليوم الأول من الشهر، فإن كان أوله يوم الأحد أو يوم الأربعاء: فهي ليلة تسع وعشرين.
أو يوم الاثنين: فهي ليلة إحدى وعشرين.
أو يوم الثلاثاء أو الجمعة: فهي ليلة سبع وعشرين.
أو الخميس: فهي ليلة خمس وعشرين.
أو يوم السبت: فهي ليلة ثلاث وعشرين.
قال الشيخ أبو الحسن: ومنذ بلغت سن
стр. 597
القدر إيمانا - أي تصديقا بأنها حق وطاعة - واحتسابا - أي طلبا لرضا الله تعالى وثوابه - غفر له ما تقدم من ذنبه وفي رواية: وما تأخر.
وروى البيهقي خبر من صلى المغرب والعشاء في جماعة حتى ينقضي شهر رمضان:
ــ
الرجال ما فاتتني ليلة القدر بهذه القاعدة المذكورة.
قال الشهاب القليوبي في حاشيته على المحلى شرح المنهاج، وقد
نظمتها بقولي: يا سائلي عن ليلة القدر التي * * في عشر رمضان الأخير حلت فإنها في مفردات العشر * * تعرف من يوم ابتداء الشهر فبالأحد والأربعاء: التاسعة، * * وجمعة مع الثلاثا: السابعه وإن بدا الخميس: فالخامسة، * * وإن بدا بالسبت: فالثالثة وإن بدا الاثنين فهي الحادي * * - هذا عن الصوفية الزهاد وقد رأيت قاعدة أخرى تخالف هذه، وقد نظمت فلا حاجة لنا في الإطالة بها.
اه.
قوله وقد رأيت قاعدة أخرى: وقد نظمها بعضهم بقوله: وإنا جميعا إن نصم يوم جمعة * * ففي تاسع العشرين خذ ليلة القدر وإن كان يوم السبت أول صومنا * * فحادي وعشرين اعتمده بلا عذر وإن هل يوم الصوم في أحد فذا * * بسابعة العشرين ما رمت فاستقر وإن هل بالاثنين فاعلم بأنه * * يوافيك نيل الوصل في تاسع العشري ويوم الثلاثا إن بدا الشهر فاعتمد * * على خامس العشرين تحظى بها فادر وفي الأربعا إن هل - يا من يرومها - * * فدونك فاطلب وصلها سابع العشري ويوم الخميس إن بد الشهر فاجتهد * * توافيك بعد العشر في ليلة الوتر وفي التحفة ما نصه: وحكمة إبهامها في العشر: إحياء جميع لياليه، وهي من خصائصنا، وباقية إلى يوم القيامة، والتي يفرق فيها كل أمر حكيم.
وشذ وأغرب من زعمها ليلة النصف من شعبان، وعلامتها أنها معتدلة، وأن الشمس تطلع صبيحتها، وليس لها كثير شعاع، لعظيم أنوار الملائكة الصاعدين والنازلين فيها، وفائدة ذلك معرفة يومها: إذ يسن الاجتهاد فيه - كليلتها.
اه.
(قوله: وهي) أي ليلة القدر.
(وقوله: أفضل ليالي السنة) لما مر من أن العمل فيها خير من العمل في ألف شهر، وللحديث الذي ذكره بقوله: وصح الخ.
(قوله: من قام إلخ) (فإن قلت) لفظ قام ليلة القدر، هل يقتضي قيام تمام الليلة،
أو يكفي أقل ما ينطلق عليه اسم القيام فيها؟ (قلت) يكفي الأقل، وعليه بعض الأئمة، حتى قيل بكفاية أداء فرض العشاء في دخوله تحت القيام فيها، لكن الظاهر منه عرفا أنه لا يقال قام الليلة إلا إذا قام كلها أو أكثرها.
(فإن قلت) ما معنى القيام فيها: إذ ظاهره غير مراد قطعا؟ (قلت) القيام الطاعة فإنه معهود من قوله تعالى: * (وقوموا لله قانتين) * (١) وهو حقيقة شرعية، فيه.
كرماني على البخاري.
اه بجيرمي.
(وقوله: إيمانا) هو وما بعده منصوبان على المفعول لأجله، أو التمييز، أو الحال بتأويل المصدر باسم الفاعل.
(وقوله: أي تصديقا) تفسير لإيمانا، وقوله بأنها: أي ليلة القدر.
(قوله: واحتسابا) معطوف على إيمانا.
(قوله: أي طلبا الخ) تفسير مراد لاحتسابا.
(قوله: غفر له الخ) جواب من.
والنكتة في وقوعه ماضيا مع أن الغفران واقع في المستقبل أنه متيقن الوقوع، فضلا من الله تعالى على عباده.
(وقوله: ما تقدم من ذنبه) أي من الصغائر، أو الأعم، دون التبعات، وهي حقوق الآدميين، أما هي: فلا يكفرها إلا الاستحلال من مستحقها
стр. 598
فقد أخذ من ليلة القدر بحظ وافر.
وروى أيضا: من شهد العشاء الاخيرة في جماعة من رمضان فقد أدرك ليلة القدر.
وشذ من زعم أنها ليلة النصف من شعبان.
(تتمة) يسن اعتكاف كل وقت، وهو لبث فوق قدر طمأنينة الصلاة، ولو مترددا في مسجد أو رحبته التي لم
ــ
إن كان موجودا أهلا للاستحلال منها، فإن لم يكن أهلا، أو لم يكن موجودا، فوارثه.
(قوله: وشذ من زعم أنها ليلة النصف من شعبان) أي من زعم أن ليلة القدر هي ليلة النصف من شعبان: فقد شذ، أي خالف الجماعة الثقات.
(قوله: تتمة) أي في بيان حكم الاعتكاف.
وقد أفرده الفقهاء بكتاب مستقل.
وذكره عقب الصوم لمناسبته له من حيث إن المقصود من كل منهما واحد، وهو كف النفس عن شهواتها، ومن حيث أن الذي يبطل الصوم قد يبطل الاعتكاف، ولأنه يسن للمعتكف الصيام.
والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: * (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) * وخبر الصحيحين: أنه ﷺ اعتكف العشر الأوسط من رمضان، ثم اعتكف العشر الأواخر ولازمه حتى توفاه الله تعالى.
ثم اعتكف أزواجه من بعده.
وأركانه أربعة: لبث، ونية، ومعتكف، ومعتكف فيه.
ويشترط لها شروط.
فشرط اللبث: أن يكون فوق قدر طمأنينة الصلاة، فلا يكفي لبث أقل ما يجزئ من طمأنينة الصلاة كمجرد العبور، لأن كلا منهما لا يسمى اعتكافا.
وشرط النية: المقارنة للبث - كما في الصلاة وغيرها - والتعرض للفرضية إن كان منذورا ليتميز عن النفل، فيقول: نويت فرض الاعتكاف، أو: الاعتكاف المنذور.
ويقع جميعه فرضا، وإن طال مكثه، ونوزع فيه بأن ما يمكن تجزؤه يقع أقل ما
ينطلق عليه الاسم فرضا والباقي نفلا - كالركوع ومسح الرأس - فمقتضاه أن يكون هنا كذلك.
وفرق ع ش: بأن القاعدة المذكورة فيما له أقل وأكمل كالركوع، وأما الاعتكاف فلم يجعلوا له إلا أقل.
اه.
وفرق غيره أيضا بأنا لو قلنا أنه لا يقع جميعه فرضا لاحتاج الزائد إلى نية، ولم يقولوا به، وبخلاف الركوع ومسح الرأس.
وشرط المعتكف الإسلام والتمييز والخلو من الموانع.
فلا يصح من كافر، لتوقفه على النية، وهو ليس من أهلها.
ولا من صبي غير مميز، ومجنون، ومغمى عليه، وسكران - إذ لا نية لهم - ولا من جنب، وحائض، ونفساء، لحرمة مكثهم في المسجد.
وشرط المعتكف فيه أن يكون كله مسجدا، سواء سطحه ورحبته المعدودة منه وصحته، فلا يصح في غيره، ولا فيما وقف جزؤه شائعا مسجدا.
وجميع ما ذكر يعلم من تعريفه الآتي: (قوله: يسن اعتكاف) وقد يجب بالنذر، ويحرم على الزوجة والرقيق بلا إذن من الزوج أو السيد - مع الصحة - ويكره لذات الهيئة - مع الإذن - فتعتريه الأحكام، ما عدا الإباحة.
(وقوله: كل وقت) أي حتى أوقات الكراهة، وإن تحراها.
ع ش: وتقدم أنه في العشر الأخير من رمضان أفضل - للاتباع.
(قوله: وهو لبث إلخ) هذا معناه شرعا، وأما لغة: فهو اللبث والحبس والملازمة على الشئ، وإن كان شرا.
قال تعالى: * (يعكفون على أصنام لهم) * والمراد من اللبث هنا ما يشمل التردد - بدليل الغاية بعده.
(قوله: فوق قدر طمأنينة الصلاة) أي ولو بيسير.
واحترز به عما إذا لم يكن اللبث كذلك، فلا يكفي - كما علمت.
(قوله: ولو مترددا) أي ولو كان اللابث مترددا في المسجد غير ساكن فيه، فلا يشترط السكون والاستقرار فيه، بل الشرط إما السكون أو والتردد، بخلاف مجرد العبور، فلا يكفي - كما تقدم -.
وفي البجيرمي ما نصه: قال المناوي في أحكام المساجد: ويندب للمار أن ينويه أي الاعتكاف ويقف وقفة تزيد على أقل طمأنينة الصلاة، فإن نواه ولم يقف، أو وقف قدرها، أو دونها لم يصح على الأصح.
اه.
стр. 599
يتيقن حدوثها بعده، وأنها غير مسجد بنية اعتكاف.
ولو خرج - ولو لخلاء - من لم يقدر الاعتكاف - المندوب أو
ــ
في حاشية السيد الرحماني على التحرير: قال شيخنا ولا بد من إيقاعها حال الاستقرار، فلا يكفي حال المرور حتى يستقر.
اه.
وفي حاشية الكردي نقلا عن ابن حجر في حاشيته على فتح الجواد، ما نصه: هل هو أي التردد اسم للذهاب مع العود، أو لابتداء العود المسبوق بالذهاب؟ والفرق بين هذين أن الأول يجعل مسماه مركبا من الأمرين.
والثاني: يجعله اسما للثاني المسبوق بالأول، فهو شرط لقسيمه الثاني، لا أنه من المسمى.
ويترتب على ذلك أن قولهم الاعتكاف يحصل بالتردد مرادهم به أنه إذا دخل المسجد قاصدا العود نوى من حينئذ على الأول، ومن حين الأخذ في العود على الثاني، فإن دخل لا بنية عود بل طرأ له العود عند وصوله لبابه الثاني مثلا فهل يسمى أخذه الآن في العود ترددا، فتكفي النية حينئذ أو لا يتصور هنا تردد لأنه لم ينو العود أولا، وإنما طرأ له في الأثناء، فكان العود كإنشاء دخول آخر، فلا تردد كل محتمل.
الخ.
اه.
(قوله: في مسجد) متعلق بلبث، ويشترط فيه زيادة على ما مر أن لا تكون أرضه محتكرة.
قال في التحفة: أما ما أرضه محتكرة فلا يصح فيه إلا إن بنى فيه مسطبة أو بلطه، ووقف ذلك مسجدا، لقولهم: يصح وقف السفل دون العلو.
وعكسه، وهذا منه: اه.
وكتب سم: قوله: أو بلطه: أي أو سمر فيه دكة من خشب أو نحو سجادة.
م ر.
اه.
وقوله: أو سمر: التسمير قيد، لأنه به يصير مثبتا، فهو في حكم وقف العلو دون السفل، أما إذا لم يسمر فلا يصح وقفه مسجدا.
وفي النهاية في باب الوقف: أما جعل المنقول مسجدا كفرش وثياب فموضع توقف، لأنه لم ينقل عن السلف مثله.
وكتب الأصحاب ساكتة عن تنصيص بجواز أو منع، وإن فهم من إطلاقهم الجواز، فالأحوط المنع كما جرى عليه بعد شرح الحاوي وما نسب للشيخ من إفتائه بالجواز لم يثبت عنه.
اه.
واعلم أن الجامع وهو ما تقام فيه الجمعة والجماعة أولى بالاعتكاف فيه من غيره، للخروج من خلاف من أوجبه، ولكثرة الجماعة فيه، وللاستغناء عن الخروج للجمعة، وقد يجب الاعتكاف فيه إن نذر مدة متتابعة تتخللها جمعة وهو من أهلها.
ولم يشترط الخروج لها، لأن الخروج لها بلا شرط يقطع التتابع، لتقصيره بعدم شرطه، مع علمه بمجئ الجمعة.
وإذا عين المسجد الحرام في نذره الاعتكاف، تعين، فلا يقوم غيره مقامه.
لتعلق النسك به، وزيادة فضله، والمضاعفة فيه.
وكذا مسجد المدينة، ومسجد الأقصى إذا عينهما الناذر في نذره، تعينا، ولا يجزئ غيرهما، ويقوم المسجد الحرام مقامهما، ولا عكس، لأنهما دونه في الفضل، ويقوم مسجد المدينة مقام الأقصى، لأنه أفضل منه، ولا عكس - لما سبق.
(قوله: أو رحبته) أي أو في رحبة المسجد.
(وقوله: التي لم يتيقن إلخ) فإن تيقن حدوثها بعده مع كونها غير
مسجد فلا يصح الاعتكاف فيها.
ولنا كلام في نظير هذه العبارة سبق في مبحث الجماعة، فارجع إليه إن شئت.
وعبارة غيره ورحبته المعدودة منه.
وكتب عليها ع ش ما نصه: قوله المعدودة منه صفة كاشفة، ويحتمل أن المراد المتصلة به، فإن خرج إلى رحبته المنفصلة عنه انقطع اعتكافه - أخذا مما سيأتي في خروج المؤذن الراتب إلى منارة بابها فيه أو في رحبته المتصلة به، فإن مفهومه أن المنفصلة عنه ينقطع تتابعه بالخروج إلى المنارة التي بابها بالمنفصلة.
اه.
(قوله: بنية اعتكاف) متعلق بلبث.
وتقدم ما يشترط فيها، فلا تغفل.
(قوله: ولو خرج إلخ) حاصل الكلام على ذلك أنه إذا أطلق الاعتكاف بأن لم يقيده بمدة، منذورا كان أو مندوبا كأن قال في الأول: لله علي أن أعتكف، وفي الثاني: نويت الاعتكاف، ثم خرج من المسجد بلا عزم على العود عند خروجه لزمه استئناف نية الاعتكاف إذا أراد مطلقا، سواء خرج لقضاء حاجة أم لا، لأن ما مضى عبادة تامة، وهو يريد اعتكافا جديدا.
فإن خرج عازما على العود لم يلزمه استئنافها، لأن عزمه حينئذ قائم مقام النية.
وإذا لم يطلقه بأن قيده بمدة، كيوم أو شهر، ولم يشترط فيها التتابع منذورا
стр. 600
المنذور - بمدة بلا عزم عود جدد النية وجوبا - إن أراده -.
وكذا إذا عاد بعد الخروج لغير نحو خلاء من قيده بها، كيوم.
فلو خرج عازما لعود فعاد لم يجب تجديد النية.
ولا يضر الخروج في اعتكاف نوى تتابعه، كأن نوى
ــ
كان أو مندوبا أيضا كأن قال في الأول: لله علي أن أعتكف شهرا، وفي الثاني: نويت الاعتكاف شهرا، ثم خرج من المسجد في تلك المدة وعاد إليه، فإن كان خروجه لغير قضاء حاجة من بول أو غائط، لزمه استئناف نية الاعتكاف أيضا إن أراده، ما لم يعزم على العود عند خروجه، وإلا فلا يلزمه كما في سابقه وإن كان خروجه لقضاء الحاجة لم يلزمه استئنافها، وإن طال زمن قضاء الحاجة لأنه لا بد منه، فهو كالمستثنى عند النية.
وإذا شرط التتابع في مدته - منذورا كان أو مندوبا كأن قال في الأول: لله علي أن أعتكف شهرا متتابعا، وفي الثاني: نويت الاعتكاف شهرا متتابعا، ثم خرج لعذر لا يقطع التتابع - كقضاء حاجة، وحيض لا تخلو المدة عنه غالبا - ثم عاد إليه لم ينقطع اعتكافه، فلا يلزمه استئناف النية عند العود، لشمولها جميع المدة.
وتجب المبادرة إلى العود عند زوال العذر، فإن أخر ذاكرا، عالما مختارا، انقطع تتابعه، وتعذر البناء على ما مضى.
وإن خرج لعذر يقطع التتابع - كعيادة مريض، وزيارة قادم انقطع اعتكافه ووجب استئنافه إذا كان منذورا، ولا يجب إذا كان مندوبا.
(قوله: ولو لخلاء) أي ولو كان خروجه لخلاء أي يقضي فيه حاجته.
ويحتمل أن يكون كناية عن نفس قضائها.
(قوله: من لم يقدر) فاعل خرج.
ويقدر يقرأ بضم الأول وكسر الدال المشددة، بمعنى يخصص.
(وقوله: المندوب) صفة للاعتكاف.
(وقوله: أو المنذور) معطوف على المندوب.
(وقوله: بمدة) متعلق بيقدر.
(وقوله: بلا عزم عود) متعلق بخرج - وسيذكر محترزه.
(قوله: جدد النية)
جواب لو.
(قوله: إن أراده) أي الاعتكاف.
(قوله: وكذا عاد الخ) أي وكذلك يجدد النية إذا أراده من قيد الاعتكاف بمدة ولم يعزم على العود عند الخروج، سواء كان تطوعا أو نذرا كما علمت (وقوله: لغير نحو خلاء) متعلق بالخروج.
فإن خرج لنحو الخلاء لا يلزمه تجديد النية.
وانظر ما نحو الخلاء؟ ويمكن أن يكون المراد به: محل قضاء الحاجة غير المعد لها.
لكن هذا إن خصص الخلاء بالمعد له.
وعبارة الإرشاد فيها إسقاط لفظ نحو، وهو الأولى.
(قوله: من قيده) فاعل عاد.
(وقوله: بها) أي بمدة.
(وقوله: كيوم) تمثيل للمدة.
(قوله: فلو خرج الخ) محترز قوله بلا عزم عود في الصورتين: صورة من لم يقدر الاعتكاف بمدة، وصورة من قدره بها، والأولى هي ما قبل، وكذا الثانية هي ما بعده.
(قوله: لم يجب تجديد النية) أي لأن عزمه على العود قائم مقام النية كما مر.
قال في المغنى: (فإن قيل) اقتران النية بأول العبادة شرط، فكيف يكتفي بعزيمة سابقة؟ أجيب بأن نية الزيادة وجدت قبل الخروج، فصار كمن نوى المدتين بنية واحدة.
كما قالوه فيمن نوى ركعتين نفلا مطلقا، ثم نوى قبل السلام زيادة، فإنه يصح.
اه.
وقوله: المدتين: أي مدة ما قبل الخروج، ومدة ما بعد العود.
(قوله: ولا يضر الخروج في اعتكاف نوى تتابعه) أي لا يقطع الخروج لهذه الأعذار تتابع الاعتكاف منذورا كان أو مندوبا ومع عدم الضرر: يجب في المنذور قضاء زمن خروجه إلا زمن نحو تبرز، مما لم يطل زمنه عادة كالأكل فلا يجب قضاؤه، لأنه لا بد منه، فكأنه مستثنى، بخلاف ما يطول زمنه عادة كمرض، وحيض.
(وقوله: نوى تتابعه) يفيد أن نية التتابع توجب التتابع، وهو ما اعتمده جمع متأخرون، وأطالوا في الاستدلال له.
والذي صححه الشيخان عدم وجوبه بالنية، فلا يجب عندهما، إلا أن صرح به لفظا كأن قال شهرا متتابعا لأنه وصف مقصود.
وعبارة التحفة مع الأصل: والصحيح أنه لا يجب التتابع بلا شرط، وإن نواه، لأن مطلق الزمن كأسبوع، أو عشرة أيام صادق بالمتفرق أيضا.
اه.
وفي الكردي: ولو عين مدة كهذا الأسبوع، أو هذه السنة وتعرض للتتابع فيها لفظا وفاته، لزمه التتابع في
стр. 601
اعتكاف أسبوع، أو شهر متتابع، وخرج لقضاء حاجة - ولو بلا شدتها - وغسل جنابة، وإزالة نجس وإن أمكنهما في المسجد، لانه أصون لمروءته ولحرمة المسجد، أكل طعام، لانه يستحيا منه في المسجد، وله الوضوء بعد قضاء الحاجة تبعا له.
لا الخروج له قصدا، ولا لغسل مسنون، ولا يضر بعد موضعها، إلا أن يكون لذلك موضع أقرب منه، أو يفحش البعد، فيضر، ما لم يكن الاقرب غير لائق به، ولا يكلف المشي على غير سجيته،
ــ
القضاء.
وإن لم يتعرض للتتابع لفظا، لم يلزمه في القضاء.
ولو نذر اعتكاف شهر، دخلت الليالي مع الأيام.
أو ثلاثين يوما لم تدخل الليالي على الأصح.
اه.
(قوله: كأن نوى اعتكاف إلخ) أي وكأن قال: لله علي اعتكاف أسبوع أو شهر متتابع.
ثم عند دخول المسجد نوى اعتكاف المنذور.
(قوله: وخرج) لا حاجة إليه بعد قوله الخروج، فالصواب حذفه، ويكون قوله بعد لقضاء حاجة متعلقا بقوله الخروج، أي ولا يضر الخروج لقضاء حاجة.
والمراد بالحاجة: البول والغائط.
(قوله: ولو بلا شدتها) أي الحاجة.
وهو غاية لعدم ضرر الخروج للحاجة، فلا تشترط شدتها.
وعبارة الروض وشرحه: ولو بلا شدتها، ولو كثر خروجه لقضائها لعارض، نظرا إلى جنسه، ولكثرة اتفاقه.
اه.
(قوله: وغسل جنابة) هو وما بعده معطوف على قضاء حاجة، أي ولا يضر الخروج في ذلك لأجل غسل جنابة وإزالة نجس.
(قوله: وإن أمكنهما) فاعل الفعل ضمير مستتر يعود على المعتكف، والضمير البارز يعود على غسل الجنابة وإزالة النجس، وهذا خلاف القياس.
والقياس العكس، بأن يجعل الضمير العائد إليه مفعولا، والعائد إليهما مرفوعا، بأن يقول: وإن أمكناه، وذلك لأن علامة الفاعل أن يصلح أن يحل في محله ضمير المتكلم المرفوع، وعلامة المفعول أن يصلح أن يحل في محله ضمير المتكلم المنصوب، وهنا لا يصلح أن تقول أمكنت إياهما، ويصلح أن تقول أمكنني هما كما قالوه في أمكن المسافر السفر، من أن المسافر منصوب، والسفر مرفوع، لصحة قولك أمكنني السفر، دون أمكنت السفر انظر الأشموني في آخر باب الفاعل - ثم أن ما ذكر غاية لعدم ضرر الخروج لغسل الجنابة وإزالة النجاسة، وإذا أمكناه في المسجد فله فعلهما فيه كأن يكون في المسجد بركة يغطس فيها، وإناء يغسل النجاسة فيه ثم يقذفه خارجه.
فإن قلت كيف يتصور الغسل من الجنابة في المسجد، مع أنه يحرم عليه المكث فيه؟ قلت يصور ذلك في بركة يغطس فيها وهو ماش أو عائم، أو يكون عاجزا عن الخروج.
(قوله: لأنه أصون الخ) علة لعدم ضرر الخروج لذلك مع إمكانه في المسجد، أي وإنما لم يضر الخروج لذلك، لأن الخروج أحفظ لمروءته، وأحفظ لحرمة المسجد.
وعبارة الإرشاد مع فتح الجواد: وله الخروج له - أي للغسل الواجب من حدث أو خبث، وإن أمكنه فيه، لأنه أصون لمروءته، ولحرمة المسجد.
اه.
(قوله: وأكل طعام) عطف على قضاء حاجة.
أي ولا يضر الخروج في ذلك لأجل أكل طعام.
وخرج بالأكل الشرب إذا وجد الماء في المسجد فلا يخرج لأجله، إذ لا يستحيا منه فيه.
(قوله: لأنه يستحيا منه) أي الأكل.
قال في شرح الروض: ويؤخذ من العلة أن الكلام في مسجد مطروق، بخلاف المختص، والمهجور، وبه صرح الأذرعي.
اه.
(قوله: وله الوضوء) أي يجوز الوضوء له خارج المسجد.
قال الكردي: وقيد في الإيعاب الوضوء بكونه واجبا.
وقال في النهاية: واجبا كان أو مندوبا.
(وقوله: تبعا له) أي لقضاء الحاجة.
(قوله: لا الخروج له قصدا) أي لا يجوز له الخروج للوضوء استقلالا،
بمعنى أنه ينقطع به التتابع.
نعم، إن تعذر في المسجد: جاز.
قال ش ق: ويؤخذ من ذلك أن الوضوء في المسجد جائز، وإن تقاطر فيه ماؤه، لأنه غير مقصود، فلا يحرم، ولا يكره.
ولا يشكل بطرح الماء المستعمل فيه، فإنه قيل بحرمته، وقيل بكراهته وهو المعتمد حيث لا تقذير، لأن طرح ذلك مقصود، بخلاف المتقاطر من أعضاء الوضوء.
اه.
(قوله: ولا لغسل مسنون) أي ولا يجوز الخروج لغسل مسنون.
(قوله: ولا يضر) أي لا يقطع تتابع الاعتكاف.
(وقوله: بعد موضعها) أي موضع قضاء الحاجة، وغسل الجنابة، وإزالة النجاسة، وأكل الطعام.
فالضمير يعود على الأربعة المذكورة.
(قوله: إلا إن يكون لذلك) أي المعتكف الذي أراد الخروج لقضاء الحاجة وما عطف عليه.
(وقوله: موضع أقرب منه) أي من الموضع الذي قضى فيه الحاجة، أو اغتسل، أو أزال النجاسة، أو أكل.
(قوله: أو يفحش
стр. 602
وله صلاة على جنازة إن لم ينتظر.
ويخرج جوازا في إعتكاف متتابع لما استثناه من غرض دنيوي: - كلقاء أمير - أو أخروي - كوضوء، وغسل مسنون، وعيادة مريض، وتعزية مصاب، وزيارة قادم من سفر - ويبطل بجماع -
ــ
البعد) أي أو لم يكن له موضع أقرب منه، ولكن فحش بعد الموضع الذي فعل فيه ما ذكر، وهكذا يفيد صنيعه.
وفيه أنه إذا لم يكن له موضع أقرب.
فعل ذلك في الأبعد، ولا يضر وعبارة ابن حجر على بأفضل، تدل على أنه مع فحش البعد له موضع أقرب منه.
ونصها: وإذا خرج لداره لقضاء الحاجة أو الأكل، فإن تفاحش بعدها عن المسجد عرفا، وفي طريقه مكان أقرب منه لائق به - وإن كان لصديقه - أو كان له دار إن لم يتفاحش بعدهما وأحدهما أقرب، تعين الأقرب في الصورتين، وإلا انقطع تتابعه.
اه.
وضابط الفحش: أن يذهب أكثر الوقت المنذور في الذهاب إلى الدار - كأن يكون وقت الاعتكاف يوما، فيذهب ثلثاه، ويبقى ثلثه.
(قوله: ما لم يكن الأقرب غير لائق به) أي أو لم يكن هناك أقرب أصلا - كما علمت فإنه لا يضر حينئذ البعد، وإن تفاحش.
(قوله: ولا يكلف الخ) أي ولا يكلف إذا خرج لما ذكر الإسراع، بل يمشي على سجيته وطبيعته المعهودة، فإن تأنى أكثر من ذلك بطل تتابعه كما في زيادة الروضة.
(قوله: وله صلاة على جنازة إلخ) يعني له في خروجه لما ذكر صلاة على جنازة، وله أيضا عيادة مريض، وزيارة قادم.
وإن تعدد كل منها ما لم يعدل عن طريقه في الكل، ولم يطل وقوفه في الأخيرين، ولم ينتظر ما في الأولى، فإن عدل عن طريقه في الكل، أو طال وقوفه في الأخيرين، أو انتظرها في الأولى، ضر.
وفي البجيرمي ما نصه: قوله: ولو عاد مريضا في طريقه الخ: صنيعه يقتضي أن الخروج ابتداء لعيادة المريض يقطع التتابع: ومثله الخروج للصلاة على الجنازة، وهو كذلك.
(وقوله: إن لم ينتظر) أي صلاة الجنازة، فإن انتظر ضر كما علمت.
(قوله: ويخرج جوازا إلخ) هذا مفروض في المنذور المتتابع، كما صرح به الفقهاء.
ففاعل يخرج يعود على ناذر الاعتكاف، المعلوم من المقام.
أما غير المنذور
فيجوز الخروج منه مطلقا لما استثناه وغيره وإن كان يقطع التتابع كما سيصرح به.
وحاصل الكلام على هذه المسألة: أنه إذا شرط ناذر الاعتكاف متتابعا الخروج من المسجد لعارض مباح مقصود لا ينافي الاعتكاف، صح الشرط، ثم إن عين شيئا لم يتجاوزه، وإلا جاز له الخروج لكل عرض، ولو دنيونا مباحا كلقاء أمير بخلاف ما إذا شرط الخروج لا لعارض، كأن قال إلا إن يبدو لي الخروج، أو شرطه لعارض محرم كسرقة أو غير مقصود كتنزه أو مناف للاعتكاف كجماع فإنه لا يصح شرطه في هذه الأمور الأربعة، بل لا ينعقد نذره أصلا.
نعم، إذا كان المنافي لا يقطع التتابع كحيض، لا تخلو المدة عنه غالبا فيصح شرط الخروج له.
ثم زمن الخروج لما شرطه إن كان في نذر مطلق كشهر: قضاه وجوبا، لتتميم المدة، أو في نذر معين كهذا الشهر فلا يلزمه قضاؤه، لأنه لم ينذره.
(قوله: لما استثناه) متعلق بيخرج.
أي يخرج للشئ الذي استثناه أي في نذره كأن قال: لله علي نذر أن أعتكف شهرا متتابعا، بشرط أنه إذا بدا لي غرض أخرج لأجله.
(وقوله: من غرض) بيان لما، ويشترط فيه أن يكون مباحا مقصودا غير مناف للاعتكاف كما علمت.
(قوله: كلقاء أمير) أي لحاجة اقتضت خروجه للقائه، لا مجرد التفرج عليه.
اه.
ع ش.
(قوله: أو أخروي) معطوف على دنيوي.
أي أو غرض أخروي.
(قوله: كوضوء) تمثيل للأخروي.
(قوله: وغسل مسنون) قيد به، لأن الواجب يجوز له الخروج من غير استثناء - كما مر.
(قوله: ويبطل) أي الاعتكاف مطلقا، منذورا كان أو مندوبا.
وحاصل ما يبطل به تسعة أشياء، ذكر منها المؤلف شيئين، وهما: الجماع، والإنزال.
وبقي عليه سبعة، وهي: السكر المتعدى به، والردة، والحيض إذا كانت مدة الاعتكاف تخلو عنه غالبا كخمسة عشر يوما فأقل والنفاس، والخروج من غير عذر والخروج لاستيفاء عقوبة ثبتت بإقراره، وكذا الخروج لاستيفاء حق ماطل به والخروج لعدة باختيارها، كأن علق الطلاق على مشيئتها، فقالت وهي معتكفة: شئت، أو خالعته على مال.
فمتى طرأ واحد من هذه على الاعتكاف المنذور المقيد بالمدة والتتابع، أو المقيد بالمدة دون التتابع، أو المطلق الذي لم يقيد بشئ أصلا، أبطله في الجميع.
لكن معنى البطلان في الأول: أنه يخرج منه، ويجب عليه الاستئناف، وإن أثيب على ما مضى في غير الردة.
ومعناه في الثاني: أن زمن ذلك لا يحسب من الاعتكاف، فإذا زال ذلك جدد النية، وبنى على ما مضى.
стр. 603
وإن استثناه - أو كان في طريق قضاء الحاجة، وإنزال مني بمباشرة بشهوة - كقبلة - وللمعتكف الخروج من التطوع لنحو عيادة مريض.
وهل هو أفضل، أو تركه، أو سواء؟ وجوه، والاوجه - كما بحث البلقيني - أن الخروج لعيادة نحو رحم وجار وصديق، أفضل.
واختار ابن الصلاح الترك، لانه (ص) كان يعتكف ولم يخرج لذلك.
ــ
ومعناه في الثالث: أن ينقطع استمراره ودوامه، ولا بناء، ولا تجديد نية، وما مضى معتد به، ويحصل به الاعتكاف.
وقد نظم هذه التسعة م د بقوله:
وطئ وإنزال وسكر رده * * حيض نفاس لاعتكاف مفسده خروجه من مسجد وما عذر * * كذاك لاستيفا عقوبة المقر وبخروجه اعتكافه بطل * * بأخذ حق يا فتى به مطل أفاد ذلك كله البجيرمي.
ومما يبطل به الاعتكاف أيضا غير هذه التسعة: الجنون، والإغماء إن طرآ بسبب تعدى به، لأنهما حينئذ كالسكر، أما إذا لم يطرآ بسبب تعدى به فلا يقطعانه، إن لم يخرج كل منهما من المسجد، أو أخرج ولم يمكن حفظه فيه، أو أمكن لكن بمشقة، بخلاف ما إذا أخرج من المسجد وقد أمكن حفظه فيه بلا مشقة - على ما اقتضاه كلام الروضة وغيرها إذ لا عذر في إخراجه.
(قوله: بجماع) أي من واضح عمدا مع العلم والاختيار.
أما المشكل، فلا يضر وطؤه وإمناؤه بأحد فرجيه لاحتمال زيادته.
وكذا الناسي، والجاهل، والمكره كما في الصوم.
(قوله: وإن استثناه) غاية في البطلان.
أي يبطل به، وإن استثناه الناذر في نذره لما مر أنه مناف للعبادة.
(قوله: أو كان) أي الجماع.
وهو عطف على الغاية، فهو غاية أيضا في البطلان.
أي يبطل بالجماع وإن كان وقع في طريق لقضاء الحاجة التي خرج من المسجد لأجلها.
(قوله: وإنزال مني) عطف على جماع.
أي ويبطل أيضا بإنزال مني.
(وقوله: بمباشرة بشهوة) متعلق بإنزال.
أي إنزال بسبب مباشرة حاصلة مع شهوة.
وخرج بالمباشرة: ما إذا نظر أو تفكر فأنزل، فلا يبطل به.
وبشهوة: ما إذا باشر بلا شهوة، كأن قبل بقصد الإكرام أو الشفقة، أو بلا قصد فأنزل، فلا يبطل به.
والاستمناء - وإن لم يكن بمباشرة كالمباشرة بشهوة، فإن أنزل بطل، وإلا فلا.
واعلم أن الوطئ والمباشرة بشهوة حرام في المسجد مطلقا، ولو من غير معتكف.
وكذا خارجه في الاعتكاف الواجب دون المستحب لجواز قطعه.
(قوله: كقبلة) أي من غير حائل ومع شهوة، وهو تمثيل للمباشرة بشهوة.
(قوله: وللمعتكف الخروج من التطوع) أي ولو قيده بمدة.
(وقوله: لنحو عيادة مريض) أي كتشييع جنازة.
(قوله: وهل هو) أي الخروج لنحو عيادة مريض.
(وقوله: أفضل) أي من إدامة الاعتكاف.
(وقوله: أو سواء) أي أو هما سواء، لأنهما طاعتان مندوب إليهما.
وعبارة الخطيب: وهل الأفضل للمتطوع بالاعتكاف الخروج لعيادة المريض، أو دوام الاعتكاف؟ قال الأصحاب: هما سواء.
وقال ابن الصلاح: أن الخروج لها مخالف للسنة، لان النبي ﷺ لم يكن يخرج لذلك، وكان اعتكافه تطوعا.
وقال البلقيني: ينبغي أن يكون موضع التسوية في عيادة الأجانب، أما ذو الرحم
والأقارب والأصدقاء والجيران فالظاهر أن الخروج لعيادتهم أفضل، لا سيما إذا علم أنه يشق عليهم.
وعبارة القاضي الحسين مصرحة بذلك.
وهذا هو الظاهر.
اه.
وكتب البجيرمي: قوله: الأجانب أي غير الأصدقاء وغير الجيران، بدليل ما بعده.
وكتب أيضا: قوله: وهذا هو الظاهر وهو المعتمد، فالخروج من الاعتكاف في هذا مندوب، وفيما قبله غير مندوب.
والوجه أن يقال: يراعى ما هو أكثر ثوابا منهما.
ق ل.
اه.
(قوله: واختار ابن الصلاح: الترك) أي ترك الخروج لما ذكر.
(قوله: لانه ﷺ إلخ) تعليل لاختيار ابن الصلاح ما ذكر.
(وقوله: ولم يخرج لذلك) أي لنحو عيادة
стр. 604
(مهمة) قال في الانوار: يبطل ثواب الاعكتاف بشتم، أو غيبة.
أو أكل حرام.
ــ
مريض.
(قوله: يبطل ثواب الاعتكاف) أي وأما نفس الاعتكاف فلا يبطل.
(قوله: بشتم أو غيبة) أي أو نحوهما من كل محرم - ككذب ونميمة - أما الكلام المباح، فلا يبطل ثواب الاعتكاف.
نعم.
ينبغي تجنبه، والاشتغال بالذكر، والقراءة، والصلاة على سيدنا محمد سيد ولد عدنان، لأن الكلام المباح في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، نص على ذلك الشنواني في حاشيته على مختصر ابن أبي جمرة، وعبارته: قال في المدخل: وينهي الناس عن الجلوس في المسجد للحديث في أمر الدنيا.
وقد ورد: أن الكلام في المسجد بغير ذكر الله تعالى يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
وورد أيضا عنه ﵊ أنه قال: إذا أتى الرجل المسجد فأكثر الكلام، تقول الملائكة: اسكت يا ولي الله.
فإن زاد، فتقول: اسكت يا بغيض الله تعالى، فإن زاد: فتقول اسكت عليك لعنة الله تعالى.
اه.
(خاتمة) نسأل الله حسن الختام.
يسن للمعتكف: الصوم للاتباع، وللخروج من خلاف من أوجبه ولا يضر الفطر، بل يصح اعتكاف الليل وحده، لخبر الصحيحين: أن سيدنا عمر ﵁ قال: يا رسول الله: إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية.
قال: أوف بنذرك.
فاعتكف ليلة.
ولخبر أنس: ليس على المعتكف صيام، إلا أن يجعله على نفسه.
ولا يضر في الاعتكاف التطيب، والتزين باغتسال، وقص شارب، ولبس ثياب حسنة، ونحو ذلك من دواعي الجماع، لأنه لم ينقل أنه ﷺ تركه، ولا أمر بتركه، والأصل بقاؤه على الإباحة، وله أن يتزوج ويزوج.
ولا تكره له الصنائع في المسجد كالخياطة، والكتابة ما لم يكثر منها، فإن أكثر منها كرهت لحرمته إلا كتابة العلم فلا يكره الإكثار منها، لأنها طاعة، كتنظيم العلم.
وله أن يأكل ويشرب ويغسل يديه فيه إن كانت أرضه ترابية تشرب الماء، وإلا حرم - للتقذير - والأولى أن يأكل في سفره أو نحوها، وأن يغسل يديه في طشت أو نحوه ليكون أنظف للمسجد.
والله أعلم.
стр. 605
فصل
(في صوم التطوع) وله من الفضائل والمثوبة ما لا يحصيه إلا الله تعالى، ومن ثم، أضافه تعالى إليه دون غيره من العبادات، فقال: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به.
وفي الصحيحين: من صام يوما في سبيل
ــ
فصل في صوم التطوع أي في بيان حكمه، وهو الاستحباب.
وكان الأنسب ذكره قبل الاعتكاف - كما صنع غيره.
(واعلم) أن صوم التطوع ثلاثة أقسام: قسم يتكرر بتكرر السنة - كصوم يوم عرفة، وعاشوراء، وتاسوعاء - وقسم يتكرر بتكرر الأسبوع - كالاثنين، والخميس -.
وقسم يتكرر بتكرر الشهور - كالأيام البيض -.
كما يعلم من كلامه.
والتطوع شرعا: التقرب إلى الله تعالى بما ليس بفرض من العبادات.
والصوم من أبلع الأشياء في رياضة النفس، وكسر الشهوة، واستنارة القلب، وتأديب الجوارح وتقويمها وتنشيطها للعبادة.
وفيه الثواب العظيم، والجزاء الكريم الذي لا نهاية له، و: للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه.
و: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
ومن أجل هذا الخلوف ومكانته عند الله، كره الاستياك للصائم بعد الزوال حتى يفطر - كما تقدم.
(قوله: وله) أي الصوم.
(وقوله: من الفضائل) بيان لما مقدم عليها.
(وقوله: والمثوبة) مصدر بمعنى الثواب.
وفي حاشية الجمل - نقلا عن السمين - ما نصه: المثوبة فيها قولان: أحدهما أن وزنها مفعولة، والأصل مثوبة - بواوين - فنقلت الضمة التي على الواو الأولى إلى الساكن قبلها، فالتقى ساكنان، فحذف أولهما - الذي هو عين الكلمة - فصار مثوبة، على وزن مفولة، كمحوزة، وقد جاءت مصادر على مفعول، كالمعقول، فهي مصدر - نقل ذلك الواحدي.
والثاني: أنها مفعلة بضم العين، وإنما نقلت الضمة منها إلى الثاء.
اه.
(قوله: ومن ثم أضافه) أي ومن أجل أن له من الفضائل إلخ أضافه الله إليه في الحديث القدسي، فقال: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به.
يدع طعامه وشرابه من أجلي.
واختلفوا في معنى تخصيصه بكونه له، على أقوال تزيد على خمسين: منها - كما قاله م ر - كونه أبعد عن الرياء من غيره.
ومنها ما نقل عن سفيان بن عيينة أن يوم القيامة تتعلق خصماء المرء بجميع أعماله إلا الصوم فإنه لا سبيل لهم عليه، فإنه إذا لم يبق إلا الصوم، يتحمل الله تعالى ما بقي من المظالم، ويدخله بالصوم الجنة، وهذا مردود، والصحيح تعلق الغرماء به - كسائر الأعمال - وفي البجيرمي: وعبارة عبد البر نصها: في الحديث القدسي وهو قوله كل عمل إلخ، فإضافته تعالى إليه إضافة تشريف وتكريم، كما قال تعالى: * (ناقة الله) * مع أن العالم كله لله.
وقيفل لأنه لم يعبد غيره به، فلم تعظم الكفار في عصر من الأعصار معبوداتهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونهم بصورة الصلاة والسجود وغيرهما.
وقيل لأن الصيام بعيد عن الرياء، لخفائه، بخلاف الصلاة والغزو وغير ذلك من العبادات
الظاهرة.
وقيل لأن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب، فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه.
اه.
بحذف.
(قوله: في سبيل الله) أي في الجهاد - كما هو الغالب في إطلاقه.
وقال ع ش: يمكن حمل
стр. 606
الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا.
(ويسن) متأكدا (صوم يوم عرفة) لغير حاج، لانه يكفر السنة التي هو فيها والتي بعدها - كما في خبر مسلم - وهو تاسع ذي الحجة، والاحوط صوم الثامن مع عرفة.
والمكفر: الصغائر التي لا تتعلق بحق الآدمي، إذ الكبائر لا يكفرها إلا التوبة الصحيحة.
وحقوق الآدمي متوقفة على رضاه، فإن لم تكن له صغائر زيد في حسناته.
ويتأكد صوم الثمانية قبله: للخبر الصحيح فيها، المقتضي
ــ
سبيل الله على الطريق الموصل إليه، بأن يخلص في صومه، وإن لم يكن في جهاد.
وهذا المعنى يطلق عليه سبيل الله كثيرا وإن كان خلاف الغالب.
اه.
وفي شرح مسلم للنووي: هو - أي الصوم - في الجهاد محمول على من لا يتضرر ولا يفوت به حقا ولا يختل به قتاله ولا غيره من مهمات غزوه.
اه.
(قوله: باعد الله وجهه) أي ذاته.
(وقوله: سبعين خريفا) أي عاما، فأطلق الجزء وأراد الكل، وخص الخريف بالذكر لأنه أعدل أيام السنة.
والمراد أنه يبعد عن النار مسافة لو قدرت لبلغ زمن سيرها سبعين سنة.
(قوله: ويسن متأكدا) أي سنا متأكدا، فمتأكدا صفة لمصدر محذوف.
(قوله: صوم يوم عرفة) قال ع ش: ورد في بعض الأحاديث أن الوحوش في البادية تصومه، حتى أن بعضهم أخذ لحما وذهب به إلى البادية ورماه لنحو الوحوش، فأقبلت عليه ولم تأكل، وصارت تنظر إلى الشمس وتنظر إلى اللحم، حتى غربت الشمس أقبلت إليه من كل ناحية.
اه.
(قوله: لغير حاج) أي وغير مسافر وغير مريض، بأن يكون قويا مقيما.
أما الحاج، فلا يسن له صومه، بل يسن له فطره.
وإن كان قويا، للاتباع، وليقوى على الدعاء.
ومن ثم يسن صومه لحاج غير مسافر، بأن كان وطنه قريبا من عرفة ونوى الحج وهو في وطنه وأخر الوقوف إلى الليل.
وأما المسافر والمريض: فيسن لهما فطره، لكن إن أجهدهما الصوم - أي أتعبهما - كما في التحفة.
(قوله: لأنه) أي صوم يوم عرفة.
(وقوله: يكفر السنة إلخ) أي ذنوبه الحاصلة فيها.
(قوله: كما في خبر مسلم) لفظة: صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده.
وقوله: أحتسب: قال بعضهم: هو بلفظ المضارع، وضميره عائد إلى النبي ﷺ .
وقال بعضهم: بلفظ الماضي، وضميره عائد إلى الصوم، وفيه بعد.
وقوله: السنة التي قبله: أي قبل يوم عرفة، والمراد بها: السنة التي تتم بفراغ شهره.
وقوله: والسنة التي بعده: أي بعد يوم عرفة، والمراد بها: السنة التي أولها المحرم الذي يلي الشهر المذكور، إذا الخطاب الشرعي محمول على عرف الشرع.
وفي تكفير هذه السنة إشارة إلى أنه لا يموت فيها، في ذلك بشرى.
وقد نقل ذلك المدابغي عن ابن عباس، وعبارته: (فائدة) قال ابن عباس ﵄ وهذه بشرى بحياة سنة مستقبلة لمن صامه، إذ هو ﷺ بشر بكفارتها، فدل لصائمه على الحياة فيها، إذ هو ﷺ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
اه.
وورد أيضا عن ابن عمر ﵄: من صام يوم عرفة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
(قوله: وهو) أي يوم عرفة.
(قوله: والأحوط صوم الثامن) أي لأنه ربما يكون هو التاسع في الواقع.
(قوله: مع عرفة) أي مع صوم يومها.
(قوله: والمكفر: الصغائر) قال الكردي: اعتمده الشارح في كتبه، وأما الجمال الرملي فإنه ذكر كلام الإمام، ثم كلام مجلي في الرد على الإمام.
ثم كلام ابن المنذر المفيد خلاف ما قاله الإمام، وسكت عليه، فكأنه وافقه.
ولهذا قال القليوبي في حواشي المحلي: عممه ابن المنذر في الكبائر أيضا.
ومشى عليه صاحب الذخائر، وقال: التخصيص بالصغائر - تحكم.
ومال إليه شيخنا الرملي في شرحه.
اه.
والذي يظهر: أن ما صرحت به الأحاديث فيه بأن شرط التكفير اجتناب الكبائر: لا شبهة في عدم تكفيره الكبائر.
وما صرحت الأحاديث فيه بأن يكفر الكبائر: لا ينبغي التوقف فيه بأنه يكفرها بعد تصريح الشرع به.
ويبقى الكلام فيما أطلقت الأحاديث التكفير فيه.
وملت في الأصل إلى أن الإطلاق يشمل الكبائر، والفضل واسع.
اه.
ببعض حذف.
(قوله: ويتأكد صوم الثمانية قبله) أي يوم عرفة، فعليه يكون الثامن مطلوبا من جهتين: جهة الاحتياط لعرفة، وجهة دخوله في العشر غير العيد.
كما أن صوم يوم عرفة مطلوب أيضا من جهتين: كونه من عشر ذي الحجة، وكونه يوم عرفة.
(قوله: للخبر الصحيح فيها) أي الثمانية: أي صومها مع صوم يوم عرفة، وذلك لخبر هو أنه ﷺ قال: ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر.
وورد أيضا أنه ﷺ : كان يصوم تسع ذي الحجة.
(وقوله:
стр. 607
لافضلية عشرها على عشر رمضان الاخير.
(و) يوم (عاشوراء): وهو عاشر المحرم، لانه يكفر السنة الماضية - كما في مسلم -.
(وتاسوعاء): وهو تاسعه، لخبر مسلم: لئن بقيت إلى قابل لاصومن التاسع.
فمات قبله.
والحكمة: مخالفة اليهود، ومن ثم سن لمن لم يصمه: صوم الحادي عشر، بل إن صامه، لخبر فيه.
وفي الام: لا بأس أن يفرده.
وأما أحاديث الاكتحال والغسل، والتطيب في يوم عاشوراء، فمن وضع الكذابين (و) صوم
ــ
المقتضى إلخ) في الكردي: الراجح أن عشر رمضان الأخير أفضل من عشر ذي الحجة، إلا يوم عرفة.
اه.
(قوله: ويوم عاشوراء) بالمد، معطوف على يوم عرفة.
أي ويسن متأكدا صوم يوم عاشوراء، لقوله ﷺ فيه: أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله.
وإنما لم يجب صومه للأخبار الدالة بالأمر بصومه.
لخبر الصحيحين: إن هذا اليوم يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر.
وحملوا الأخبار الواردة بالأمر بصومه على تأكد الاستحباب.
(فائدة) الحكمة في كون صوم يوم عرفة بسنتين وعاشوراء بسنة، أن عرفة يوم محمدي - يعني أن صومه مختص بأمة محمد ﷺ - وعاشوراء موسوي، ونبينا محمد أفضل الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - فكان يومه بسنتين.
اه.
مغنى.
(قوله: وهو) أي عاشوراء.
(وقوله: عاشر المحرم) أي اليوم العاشر منه.
(قوله: لأنه يكفر السنة الماضية) علة لسنية صومه.
(قوله: كما في مسلم) أي في رواية مسلم، وقد علمتها آنفا.
(قوله: وتاسوعاء) بالمد أيضا، وهو معطوف
على عاشوراء، أي ويسن صوم يوم تاسوعاء.
(قوله: وهو) أي تاسوعاء.
(وقوله: تاسعه) أي المحرم.
(قوله: لخبر مسلم) دليل لسنية صوم تاسوعاء.
(وقوله: إلى قابل) أي إلى عام قابل، وهو مصروف - كما هو ظاهر -.
(وقوله: فمات) أي النبي ﷺ .
(وقوله: قبله) أي قبل مجئ تاسوعاء العام القابل.
(قوله: والحكمة) أي في صوم يوم التاسع مع العاشر مخالفة اليهود، أي فإنهم يصومون العاشر فقط، فنخالفهم ونصوم التاسع معه.
والحكمة أيضا: الاحتياط، لاحتمال الغلط في أول الشهر، والاحتراز من إفراده بالصوم - كما في يوم الجمعة - شرح الروض: قال في النهاية: وظاهر ما ذكر من تشبيهه بيوم الجمعة: أنه يكره إفراده.
لكن في الأم لا بأس بإفراده.
اه.
(قوله: ومن ثم) أي ومن أجل أن الحكمة إلخ.
(قوله: لمن لم يصمه) أي التاسع.
(قوله: بل وإن صامه) أي بل يسن صيام الحادي عشر، وإن صام التاسع.
(قوله: لخبر فيه) أي لورود خبر في صيامه الحادي عشر مع ما قبله من صيام العاشر والتاسع، وهو ما رواه الإمام أحمد: صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، وصوموا قبله يوما، وبعده يوما.
ذكره في شرح الروض، وذكر فيه أيضا أن الشافعي نص في الأم والإملاء على استحباب صوم الثلاثة، ونقله عنه الشيخ أبو حامد وغيره.
اه.
(لا بأس أن يفرده) أي لا بأس أن يصوم العاشر وحده.
(وأما أحاديث الاكتحال إلخ) في النفحات النبوية في الفضائل العاشورية - للشيخ العدوي - ما نصه: قال العلامة الأجهوري: أما حديث الكحل، فقال الحاكم إنه منكر، وقال ابن حجر إنه موضوع، بل قال بعض الحنفية إن الاكتحال يوم عاشوراء، لما صار علامة لبغض آل البيت، وجب تركه.
قال: وقال العلامة صاحب جمع التعاليق: يكره الكحل يوم عاشوراء، لأن يزيد وابن زياد اكتحلا بدم الحسين هذا اليوم، وقيل بالإثمد، لتقر عينهما بفعله.
قال العلامة الأجهوري: ولقد سألت بعض أئمة الحديث والفقه عن الكحل وطبخ الحبوب ولبس الجديد وإظهار السرور، فقال: لم يرد فيه حديث صحيح عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من الصحابة، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين، وكذا ما قيل: أنه من اكتحل يومه لم يرمد ذلك العام، ومن اغتسل يومه لم يمرض كذلك، قال: وحاصله أن ما ورد من فعل عشر خصال يوم عاشوراء لم يصح فيها إلا حديث الصيام والتوسعة على العيال، وأما باقي الخصال الثمانية: فمنها ما هو ضعيف، ومنها ما هو منكر موضوع.
وقد عدها بعضهم اثنتي عشرة خصلة، وهي: الصلاة، والصوم، وصلة الرحم، والصدقة والاغتسال، والاكتحال، وزيارة عالم، وعيادة مريض، ومسح رأس اليتيم، والتوسعة على العيال، وتقليم الأظفار، وقراءة سورة الإخلاص - ألف مرة -.
ونظمها بعضهم فقال:
стр. 608
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في يوم عاشوراء عشر تتصل * * بها اثنتان ولها فضل نقل صم، صل، صل، زر عالما، عد، واكتحل * * رأس اليتيم امسح، تصدق واغتسل وسع على العيال، قلم ظفرا * * وسورة الإخلاص قل ألفا تصل (فائدة) عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله عزوجل افترض على بين إسرائيل صوم يوم في السنة، وهو يوم عاشوراء، - وهو اليوم العاشر من المحرم - فصوموه ووسعوا على عيالكم فيه، فإنه من وسع فيه على عياله وأهله من ماله وسع الله عليه سائر سنته فصوموه، فإنه اليوم الذي تاب الله فيه على آدم فأصبح صفيا، ورفع فيه إدريس مكانا عليا، وأخرج نوحا من السفينة (١) ونجى إبراهيم من النار، وأنزل الله فيه التوراة على موسى، وأخرج فيه يوسف من السجن، ورد فيه على يعقوب بصره، وفيه كشف الضر عن أيوب، وفيه أخرج يونس من بطن الحوت، وفيه فلق البحر لبني إسرائيل، وفيه غفر لداود ذنبه، وفيه أعطى الله الملك لسليمان، وفي هذا اليوم غفر لمحمد ﷺ ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو أول يوم خلق الله فيه الدنيا.
وأول يوم نزل فيه المطر من السماء يوم عاشوراء، وأول رحمة نزلت إلى الأرض يوم عاشوراء.
فمن صام يوم عاشوراء فكأنما صام الدهر كله، وهو صوم الأنبياء.
ومن أحيا ليلة عاشوراء بالعبادة فكأنما عبد الله تعالى مثل عبادة أهل السموات السبع.
ومن صلى فيه أربع ركعات يقرأ في كل ركعة الحمد لله مرة، وقل هو الله أحد، إحدى وخمسين مرة، غفر الله له ذنوب خمسين عاما.
ومن سقى في يوم عاشوراء شربة ماء سقاه الله يوم العطش الأكبر كأسا لم يظمأ بعدها أبدا، وكأنما لم يعص الله طرفة عين.
ومن تصدق فيه بصدقة فكأنما لم يرد سائل قط.
ومن اغتسل وتطهر يوم عاشوراء لم يمرض في سنته إلا مرض الموت.
ومن مسح فيه على رأس يتيم أو أحسن إليه فكأنما أحسن إلى أيتام ولد آدم كلهم.
ومن عاد مريضا في يوم عاشوراء فكأنما عاد مرضى أولاد آدم كلهم.
وهو اليوم الذي خلق الله فيه العرش، واللوح، والقلم.
وهو اليوم الذي خلق الله فيه جبريل، ورفع فيه عيسى.
وهو اليوم الذي تقوم فيه الساعة.
(فائدة أخرى) روي أن فقيرا كان له عيال في يوم عاشوراء، فأصبح هو وعياله صياما، ولم يكن عندهم شئ، فخرج يطوف على شئ يفطرون عليه فلم يجد شيئا، فدخل سوق الصرف، فرأى رجلا مسلما قد فرش في دكانه النطوع
стр. 609
(ستة) أيام (من شوال) لما في الخبر الصحيح أن صومها مع صوم رمضان كصيام الدهر.
واتصالها بيوم العيد
ــ
المثمنة، وسكب عليها أكوام الذهب والفضة، فتقدم إليه، وسلم عليه، وقال له: يا سيدي أنا فقير، لعل أن تقرضني درهما واحدا أشتري به فطورا لعيالي، وأدعو لك في هذا اليوم.
فولى بوجهه عنه، ولم يعطه شيئا، فرجع الفقير وهو مكسور القلب، وولى ودمعه يجري على خده، فرآه جار له صيرفي - وكان يهوديا - فنزل خلف الفقير وقال له أراك تكلمت مع جاري فلان، فقال قصدته في درهم واحد لأفطر به عيالي، فردني خائبا، وقلت له أدعو لك في هذا اليوم.
فقال اليهودي: وما هذا اليوم؟ فقال الفقير: هذا يوم عاشوراء - وذكر له بعض فضائله - فناوله اليهودي عشرة دراهم، وقال له: خذ هذه وأنفقها على عيالك إكراما لهذا اليوم.
فمضى الفقير، وقد انشرح لذلك، ووسع على أهله النفقة، فلما كان الليل، رأى الصيرفي - المسلم - في المنام كأن القيامة قد قامت، وقد اشتد العطش والكرب، فنظر، فإذا قصر من لؤلؤة
بيضاء، أبوابه من الياقوت الأحمر، فرفع رأسه وقال: يا أهل هذا القصر اسقوني شربة ماء.
فنودي: هذا القصر كان قصرك بالأمس، فلما رددت ذلك الفقير مكسور القلب.
محي اسمك من عليه، وكتب باسم جارك اليهودي الذي جبره وأعطاه عشرة دراهم.
فأصبح الصيرفي مذعورا، يناوي على نفسه بالويل والثبور، فجاء إلى جاره اليهودي، وقال: أنت جاري، ولي عليك حق، ولي إليك حاجة.
قال: وما هي؟ قال: تبيعني ثواب العشرة دراهم - التي دفعتها بالأمس للفقير - بمائة درهم.
فقال: والله ولا بمائة ألف دينار، ولو طلبت أن تدخل من باب القصر الذي رأيته البارحة لما مكنتك من الدخول فيه.
فقال: ومن كشف لك عن هذا السر المصون؟.
قال: الذي يقول للشئ كن فيكون، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
(إخواني) كان هذا يهوديا، فأحسن الظن بيوم عاشوراء، وما كان يعرف فضله، فأعطاه الله ما أعطاه، ومن عليه بالإسلام، فكيف بمن يعرف فضله وثوابه، ويهمل العمل فيه؟ ولله در القائل: يا غاديا في غفلة ورائحا * * إلى متى تستحسن القبائحا؟ وكم - أخي - كم لا تخاف موقفا * * يستنطق الله به الجوارحا؟ واعجبا منك وأنت مبصر * * كيف تجنبت الطريق الواضحا؟ كيف تكون حين تقرأ في غد * * صحيفة قد حوت الفضائحا؟ وكيف ترضى أن تكون خاسرا * * يوم يفوز من يكون رابحا؟ فاعمل لميزانك خيرا فعسى * * يكون في يوم الحساب راجحا؟ وصم، فهذا يوم عاشوراء الذي * * ما زال بالتقوى شذاه فائحا يوم شريف، خصنا الله به * * يا فوز من قدم فيه صالحا (قوله: وصوم ستة أيام من شوال) معطوف على صوم يوم عرفة.
أي ويسن متأكدا صوم ستة أيام من شهر شوال.
وكان المناسب للشارح أن يقدر لفظ صوم في جميع المعطوفات، أو يتركه في الجميع.
(قوله: لما في الخبر الصحيح) لفظه: من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال، كان كصيام الدهر.
(قوله: إن صومها مع صوم رمضان) أي دائما، فلا تكون المرة من صيام رمضان وستة من شوال كصيام الدهر، بدليل رواية: صيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام - أي من شوال - بشهرين.
فذلك صيام السنة.
فالحاصل أن كل مرة بسنة.
اه.
سم بزيادة.
وفي البجيرمي: وهذا يقتضي أن المراد بالدهر: العمر، وبه قال ع ش، لكن كلام الشارح الآتي يدل على أن المراد به السنة.
اه.
(قوله:
كصيام الدهر) أي فرضا، وإلا لم يكن لخصوصية ست شوال معنى، إذ من صام مع رمضان ستة غيرها يحصل له ثواب الدهر، لأن الحسنة بعشرة أمثالها.
(والحاصل) أن من صامها مع رمضان كل سنة، تكن كصيام الدهر فرضا بلا مضاعفة، ومن صام ستة غيرها كذلك، تكون كصيامه نفلا بلا مضاعفة، كما أن صوم ثلاثة من كل شهر تحصله.
اه.
تحفة بتصرف.
стр. 610
أفضل: مبادرة للعبادة، (وأيام) الليالي (البيض) وهي: الثالث عشر وتالياه، لصحة الامر بصومها، لان صوم الثلاثة كصوم الشهر، إذ لحسنة بعشر أمثالها، ومن ثم تحصل السنة بثلاثة وغيرها، لكنها أفضل، ويبدل - على الاوجه - ثالث عشر ذي الحجة بسادس عشره، وقال الجلال البلقيني: لا بل يسقط.
ويسن صوم أيام السود:
ــ
وفي المغني: (تنبيه) قضية إطلاق المصنف استحباب صومها لكل أحد - سواء صام رمضان أم لا - كمن أفطر لمرض، أو لصبا، أو كفر، أو غير ذلك، وهو الظاهر - كما جرى عليه بعض المتأخرين - ثم قال: ولو صام في شوال قضاء أو نذرا أو غير ذلك: هل تحصل له السنة أو لا؟ لم أر من ذكره، والظاهر الحصول.
لكن لا يحصل له هذا الثواب المذكور، خصوصا من فاته رمضان وصام عنه شوالا، لأنه لم يصدق عليه المعنى المتقدم، ولذلك قال بعضهم: يستحب له في هذه الحالة أن يصوم ستا من ذي القعدة، لأنه يستحب قضاء الصوم الراتب.
اه.
وهذا إنما يأتي إذا قلنا إن صومها لا يحصل بغيرها، أما إذا قلنا بحصوله - وهو الظاهر: كما تقدم - فلا يستحب قضاؤها.
اه.
(قوله: واتصالها بيوم العيد أفضل) أي من عدم اتصالها به، ولكن يحصل أصل السنة بصومها غير متصلة به كما يحصل بصومها غير متتابعة، بل متفرقة في جميع الشهر.
(قوله: مبادرة للعبادة) علة لأفضلية اتصالها بيوم العيد.
أي وإنما كان أفضل لأجل المبادرة في العبادة.
أي ولما في التأخير من الآفات.
(قوله: وأيام الليالي) معطوف على يوم عرفة أيضا.
أي ويسن متأكدا صوم أيام الليالي البيض، وقدر الشارح لفظ الليالي: لأنها هي التي توصف بالبيض، وبالسود، دون الأيام.
(قوله: البيض) صفة لليالي، ووصفت بذلك: لأنها تبيض بالقمر من أولها إلى آخرها.
(قوله: وهي الثالث إلخ) الاحتياط صوم الثاني عشر معها.
(وقوله: وتالياه) أي وهما الرابع عشر والخامس عشر.
(قوله: لصحة الأمر بصومها) أي في رواية أحمد والترمذي وابن حبان عن أبي ذر: إذا صمت من الشهر ثلاثا، فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة.
اه إرشاد العباد.
(قوله: لأن صوم الثلاثة الخ) علة للعلة، ولو كانت علة للمعلل: لراد الواو وأتى بالضمير بدل الاسم الظاهر، ولو قال - كما في التحفة - وحكمة كونها ثلاثة أن الحسنة بعشر أمثالها فصومها كصوم الشهر كله لكان أولى.
(وقوله: كصوم الشهر) في رواية عن أبي ذر أن: من صام ثلاثة أيام من كل شهر فقد صام الدهر كله.
وهذه الرواية لا تنافي الحكمة المذكورة، لأن الذي في الرواية إذا كان ذلك على الدوام، بدليل قوله من كل شهر.
وفي الكردي ما نصه: قوله: كصوم الشهر - كان أبو ذر ﵁ يعد نفسه صائما في أيام فطره لهذا الحديث، فقد روى البيهقي عن عبد الله بن شقيق، قال: أتيت المدينة، فإذا رجل طويل أسود، فقلت: من هذا؟ قالوا: أبو ذر: فقلت: لأنظرن علي أي حال هو اليوم.
قلت: صائم أنت؟ قال: نعم.
وهم ينتظرون الإذن على عمر ﵁، فدخلوا، فأتينا بقصاع فأكل، فحركته أذكره بيدي، فقال إني لم أنس ما قلت لك، إني أخبرتك إني صائم، إني أصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فأنا أبدا صائم.
ورى البيهقي في سننه عن أبي هريرة قريبا من قصة أبي ذر، وأنه قال لهم أنا مفطر في تخفيف الله صائم في تضعيف الله.
اه.
(قوله: ومن ثم) أي ومن أجل أن صوم الثلاثة كصوم الشهر، لأن الحسنة بعشر أمثالها تحصل السنة بثلاثة غيرها من أيام الشهر.
قال في النهاية: (والحاصل) كما أفاده السبكي وغيره: أنه يسن صوم ثلاثة من كل شهر، وأن تكون أيام البيض، فإن صامها أتى بالسنتين.
فما في شرح مسلم - من أن هذه الثلاثة هي المأمور بصيامها من كل شهر - فيه نظر.
اه.
وقوله: بالسنتين - بضم السين وفتح النون المشددتين - أي سنة صوم الثلاثة، وسنة صوم أيام البيض.
(قوله: لكنها) أي أيام البيض.
(وقوله: أفضل) أي من غيرها من بقية الشهر.
(قوله: ويبدل على الأوجه ثالث عشر ذي الحجة) أي لأن صومه حرام، لكونه من أيام التشريق.
(قوله: وقال الجلال البلقيني: لا) أي لا يبدله به.
(قوله: بل يسقط) أي صومه أي طلبه.
(قوله: أيام السود) كان عليه أن يذكر هنا الليالي - كما ذكرها فيما مر - بأن يقول أيام الليالي السود، وإنما
стр. 611
وهي الثامن والعشرون وتالياه، (و) صوم (الاثنين والخميس) للخبر الحسن أنه (ص) كان يتحرى صومهما وقال: تعرض فيهما الاعمال، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم والمراد عرضها على الله تعالى.
وأما رفع الملائكة
لها: فإنه مرة بالليل ومرة بالنهار، ورفعها في شعبان محمول، على رفع أعمال العام مجملة.
وصوم الاثنين أفضل من صوم الخميس - لخصوصيات ذكروها فيه، وعد الحليمي اعتياد صومهما مكروه: شاذ.
ــ
وصفت بذلك، لسواد جميع الليل فيها، لعدم القمر.
قال في المغنى: وخصت أيام البيض وأيام السود بذلك - أي بالصيام - لتعميم ليالي الأولى بالنور، والثانية بالسواد، فناسب صوم الأولى شكرا، والثانية لطلب كشف السواد، ولأن الشهر ضيف قد أشرف على الرحيل، فناسب تزويده بذلك.
اه.
(قوله: وهي الثامن والعشرون وتالياه) لكن عند نقص الشهر يتعذر الثالث، فيعوض عنه أول الشهر، لأن ليلته كلها سوداء.
وعبارة التحفة: وهي السابع أو الثامن والعشرون وتالياه، فإن بدأ بالثامن ونقص الشهر صام أول تاليه، لاستغراق الظلمة لليلته أيضا، وحينئذ يقع صومه عن كونه أول الشهر أيضا، فإنه يسن صوم ثلاثة أول كل شهر.
(تنبيه) من الواضح أن من قال أولها السابع: ينبغي أن يقال إذا تم الشهر: يسن صوم الآخر، خروجا من خلاف
الثاني.
ومن قال الثامن: يسن له صوم السابع احتياطا - فنتج سن صوم الأربعة الأخيرة إذا تم الشهر عليهما.
انتهت.
(قوله: وصوم الاثنين والخميس) معطوف على صوم يوم عرفة.
أي ويسن متأكدا صوم يوم الاثنين ويوم الخميس.
(قوله: للخبر الحسن إلخ) دليل لتأكد صومهما.
(وقوله: إنه الخ) بدل من الخبر الحسن، أو عطف بيان له.
(وقوله: يتحرى) أي يقصد.
(وقوله: وقال) أي النبي ﷺ .
(وقوله: تعرض فيهما) أي الاثنين والخميس.
(وقوله: الأعمال) أي أعمال ما بينهما معهما، فتعرض أعمال الثلاثاء والأربعاء والخميس: في الخميس.
وأعمال الجمعة والسبت والأحد والاثنين: في الاثنين.
(وقوله: وأنا صائم) أي متلبس بالصوم حقيقة، لأن العرض قبل الغروب.
اه.
ش ق.
وفي البجيرمي: قوله: وأنا صائم، أي قريب من زمن الصوم، لأن العرض بعد الغروب.
اه.
(قوله: والمراد عرضها على الله تعالى) أي إجمالا.
وكان المناسب زيادته، لأن العرض إنما يكون على الله تعالى مطلقا - سواء كان عرض الاثنين والخميس، أو ليلة النصف من شعبان، أو ليلة القدر، فالفرق إنما هو في الإجمال والتفصيل - فعرض الإثنين والخميس، على الله تعالى إجمالي، وكذا عرض ليلة النصف من شعبان وليلة القدر.
والعرض التفصيلي هو في كل يوم وليلة - كما نص على ذلك في التحفة - وعبارتها: أي تعرض على الله تعالى، وكذا تعرض في ليلة نصف شعبان، وفي ليلة القدر، فالأول - أي عرضها يوم الاثنين والخميس - إجمالي باعتبار الأسبوع، والثاني باعتبار السنة، وكذا الثالث، وفائدة تكرير ذلك إظهار شرف العاملين بين الملائكة.
وأما عرضها تفصيلا، فهو رفع الملائكة لها بالليل مرة، وبالنهار مرة.
اه.
بتصرف.
فتلخص أن العرض الإجمالي في كل أسبوع مرتين، وفي كل سنة كذلك.
والتفصيلي في كل يوم مرتين.
(قوله: وأما رفع الملائكة إلخ) يفيد أن ما قبله لا ترفعه الملائكة، مع أن الرفع إنما يكون من الملائكة مطلقا، في هذا، فيما قبله.
وكان المناسب أن يقول: وأما عرضها تفصيلا: فهو رفع الملائكة إلخ.
(قوله: فإنه) أي الرفع.
(وقوله: مرة بالليل ومرة بالنهار) وذلك لأنه تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار عند صلاة العصر، ثم ترتفع ملائكة النهار وتبقى ملائكة الليل، ويجتمعان عند صلاة الصبح، فترتفع ملائكة الليل وتبقى ملائكة النهار.
وهذا هو معنى قوله ﷺ : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار.
(قوله: ورفعها في شعبان) أي الثابت بخبر أحمد أنه ﷺ : سئل عن إكثاره الصوم في شعبان، فقال: إنه شهر ترفع فيه الأعمال، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم.
(قوله: وصوم الاثنين أفضل من صوم الخميس - لخصوصيات) هي أنه ﷺ ولد في يوم الإثنين، وبعث فيه، وتوفي فيه، وكذا بقية أطواره ﷺ .
روى السهيلي أن النبي ﷺ قال لبلال: لا يفتك صيام الاثنين، فإني ولدت فيه، وبعثت فيه، وأموت فيه أيضا.
وفي
стр. 612
(فرع) أفتى جمع متأخرون بحصول ثواب عرفة وما بعده بوقوع صوم فرض فيها، خلاف للمجموع.
وتبعه الاسنوي فقال: إن نواهما لم يحصل له شئ منهما.
قال شيخنا - كشيخه - والذي يتجه أن القصد وجود
ــ
المغني ما نصه: وسمي ما ذكر يوم الاثنين: لأنه ثاني الأسبوع.
والخميس: لأنه خامسه.
كذا ذكره المصنف ناقلا له عن أهل اللغة.
قال الأسنوي: فيعلم منه أن أول الأسبوع الأحد.
ونقله ابن عطية عن الأكثرين، وسيأتي في باب النذر أن أوله السبت.
وقال السهيلي: إنه الصواب، وقول العلماء كافة إلا ابن جرير.
اه.
وفي البجيرمي: سميا بذلك: لأنه ثاني أيام إيجاد المخلوقات - غير الأرض - والخميس خامسها، وما قيل لأنه ثاني الأسبوع مبني على مرجوح، وهو أن أوله الأحد، وإنما أوله السبت على المعتمد - كما في باب النذر -.
اه.
(قوله: وعد إلخ) مصدر مضاف إلى فاعله، وهو مبتدأ، خبره شاذ.
(وقوله: اعتياد) مفعول أول للمصدر.
(وقوله: صومهما) أي الاثنين والخميس.
(وقوله: مكروها) مفعول ثان للمصدر - يعني أن الحليمي عد المواظبة على صوم الاثنين والخميس من المكروه، وهذا غريب شاذ.
وعبارة المغني: وأغرب الحليمي فعد من المكروه اعتياد صوم يوم بعينه، كالاثنين، والخميس، لأن في ذلك تشبيها برمضان.
اه.
(تتمة) يستحب صوم يوم الأربعاء شكرا لله تعالى على عدم هلاك هذه الأمة فيه، كما أهلك فيه من قبلها.
ويستحب صوم يوم المعراج، ويوم لا يجد فيه الشخص ما يأكله، ويكره صوم الدهر - غير العيدين، وأيام التشريق - لمن خاف به ضررا، أو فوت حق.
ولو مندوبا، ويستحب لغيره، لإطلاق الأدلة، ولأنه ﷺ قال: من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا.
وعقد تسعين.
رواه البيهقي.
ومعنى ضيقت عليه: أي عنه، فلم يدخلها، أو لا يكون له فيها موضع.
أما صوم العيدين وأيام التشريق: فيحرم - كما سينص عليه - ويكره أيضا إفراد الجمعة أو السبت أو الأحد بالصوم، لقوله ﵊: لا يصم أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يوما قبله، أو يوما بعده.
رواه الشيخان: ولخبر: لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم.
رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه على شرط الشخين، ولأن اليهود تعظم يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، ومحل الكراهة الإفراد: ما لم يوافق عادة له - كأن كان يعتاد صوم يوم وفطر يوم، فوافق صومه يوما منها، وإلا فلا كراهة - كما في صوم يوم الشك.
قوله: فرع) أي في بيان أن صوم هذه الأيام المتأكد يندرج في غيره.
(قوله: أفتى إلخ) حاصل الإفتاء المذكور أنه إذا كان عليه صوم فرض قضاء أو نذر وأوقعه في هذه الأيام المتأكد صومها: حصل له الفرض الذي عليه، وحصل له ثواب صوم الأيام المسنون، وظاهر إطلاقه أنه لا فرق في حصول الثواب بين أن ينويه مع الفرض أو لا، وهو مخالف لقول ابن
حجر الآتي أنه لا يحصل له الثواب إلا إذا نواه، وإلا سقط عنه الطلب فقط.
(قوله: بحصول إلخ) متعلق بأفتى.
(وقوله: ثواب عرفة) أي صوم يومها.
(وقوله: وما بعده) ما: اسم موصول معطوف على عرفة، والظرف متعلق بمحذوف صلة ما، والضمير يعود على عرفة، والمناسب تأنيثه، لأن المرجع مؤنث: أي أفتى بحصول ثواب عرفة، وبحصول ثواب ما ذكر بعد عرفة، وهو عاشوراء وتاسوعاء وستة من شوال إلخ.
والمراد ثواب صومها كما هو ظاهر.
(قوله: بوقوع إلخ) متعلق بحصول.
(وقوله: صوم فرض) أي قضاء أو نذر.
(وقوله: فيها) متعلق بوقوع، والضمير يعود على المذكورات من عرفة وما بعده.
(قوله: فقال) أي النووي في المجموع، فالفاعل ضمير يعود عليه.
ويحتمل عوده على الأسنوي - كما صرح به هو أول الباب في مبحث النية، وصرح به أيضا في فتح الجواد - لكن ظاهر صنيعه هنا الأول، لأنه جعل الأسنوي تابعا للنووي، فيكون القول له.
(قوله: إن نواهما) أي الصوم المسنون والمفروض.
(قوله: لم يحصل له شئ منهما) أي من المسنون والمفروض - كما إذا نوى مقصودين لذاتهما، كسنة الظهر، وفرض الظهر.
(قوله: قال شيخنا) أي في فتح الجواد.
ونص عبارته: وقال الأسنوي: القياس أنه إن لم ينو التطوع حصل له الفرض، وإن نواهما لم يحصل له شئ منهما.
اه.
وإنما يتم له إن ثبت أن الصوم فيها مقصود لذاته.
والذي يتجه إلى آخر ما ذكره الشارح.
ثم قال: وعليه لو نوى ليلا الفرض وقبل الزوال النفل، فهل يثاب على النفل حينئذ - لأن القصد التقرب بالصوم عن الجهتين وقد
стр. 613
صوم فيها، فهي كالتحية، فإن نوى التطوع أيضا، حصلا، وإلا سقط عنه الطلب.
(فرع) أفضل الشهور للصوم بعد رمضان: الاشهر الحرم.
وأفضلها المحرم، ثم رجب، ثم الحجة، ثم القعدة، ثم شهر شعبان.
وصوم تسع ذي الحجة أفضل من صوم عشر المحرم اللذين يندب صومهما.
ــ
حصل - أولا - لأن صحة نية الصائم صوما آخر بعيدة -؟ كل محتمل.
اه.
(قوله: وجود صوم فيها) أي في هذه الأيام عرفة وما بعده.
(قوله: فهي) أي هذه الأيام.
أي صومها.
ولا بد من تقدير هذا المضاف ليصح التشبيه بالتحية.
(وقوله: كالتحية) أي فإنها تحصل بفرض أو نفل غيرها.
لأن القصد شغل البقعة بالطاعة، وقد وجدت.
(قوله: فإن نوى التطوع أيضا) أي كما أنه نوى الفرض.
(وقوله: حصلا) أي التطوع والفرض، أي ثوابهما.
(قوله: وإلا) أي وإن لم ينو التطوع، بل نوى الفرض فقط.
(وقوله: سقط عنه الطلب) أي بالتطوع، لاندراجه في الفرض.
(تنبيه) اعلم أنه قد يوجد للصوم سببان: كوقوع عرفة أو عاشوراء يوم اثنين أو خميس، أو وقوع اثنين أو خميس في ستة شوال، فيزداد تأكده رعاية لوجود السببين، فإن نواهما: حصلا - كالصدقة على القريب، صدقة وصلة - وكذا لو نوى أحدهما - فيما يظهر -.
(وقوله: أفضل الشهور إلخ) قد نظم ذلك بعضهم بقوله:
وأفضل الشهور بالإطلاق: * * شهر الصيام، فهو ذو السباق فشهر ربنا هو المحرم * * فرجب، فالحجة المعظم فقعدة، فبعده شعبان * * وكل ذا جاء به البيان (قوله: الأشهر الحرم) هي أربعة: ثلاثة منها سرد، وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، وواحد منها فرد وهو رجب.
وإنما كان الصوم فيها أفضل، لخبر أبي داود وغيره: صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك.
وإنما أمر المخاطب بالترك لأنه كان يشق عليه إكثار الصوم، كما جاء التصريح به في الخبر.
أما من لا يشق عليه، فصوم جميعها له فضيلة.
اه.
شرح الروض.
وإنما سميت حرما: لأن العرب كانت تتحرمها وتعظمها، وتحرم فيها القتال، حتى أن أحدهم لو لقي قاتل أبيه أو ابنه أو أخيه في هذه الأشهر لم يزعجه، وكان القتال فيها محرما في صدر الإسلام، ثم نسخ بقوله تعالى: * (فاقتلوهم حيث وجدتموهم) * (١).
(قوله: وأفضلها) أي الأشهر الحرم المحرم - لخبر مسلم: أفضل الصوم بعد رمضان شهر الله المحرم وإنما سمي محرما: لتحريم الجنة فيه على إبليس.
(قوله: ثم رجب) هو مشتق من الترجيب، وهو التعظيم، لأن العرب كانت تعظمه زيادة على غيره.
ويسمى الأصب: لانصاب الخير فيه.
والأصم: لعدم سماع قعقعة السلاح فيه.
ويسمى رجم - بالميم - لرجم الأعداء والشياطين فيه حتى لا يؤذوا الأولياء والصالحين.
(قوله: ثم الحجة ثم القعدة) بعضهم قدم القعدة على الحجة، لكن المعتمد تقديم الحجة، فهو أفضل، لوقوع الحج فيه، ولاشتماله على يوم عرفة.
والأفصح: فتح قاف القعدة، وكسر حاء الحجة.
وقد نظم ذلك بعضهم فقال: وفتح قاف قعدة قد صححوا * * وكسر حاء حجة قد رجحوا وسميا بذلك: لوقوع الحج في الأول، وللقعود عن القتال في الثاني.
(قوله: ثم شهر شعبان) أي ثم بعد الأشهر الحرم شهر شعبان، لخبر الصحيحين: عن عائشة ﵂: ما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياما في شعبان.
(واعلم) أن الأفصح ترك إضافة لفظ شهر إلى شعبان، وكذا بقية الأشهر ما عدا ثلاثة: رمضان، وربيع أول، وربيع ثان.
وقد أشار إلى ذلك بعضهم في قوله:
стр. 614
(فائدة) من تلبس بصوم تطوع أو صلاته، فله قطعهما - لا نسك تطوع - ومن تلبس بقضاء واجب، حرم قطعه ولو موسعا، ويحرم على الزوجة أن تصوم، تطوعا أو قضاء موسعا وزوجها حاضر إلا بإذنه أو علم رضاه.
(تتمة) يحرم الصوم في أيام التشريق والعيدين، وكذا يوم الشك لغير ورد، وهو يوم ثلاثي شعبان، وقد
ــ
ولا تضف شهرا إلى اسم شهر * * إلا لما أوله الرا - فادر - واستثن من ذا راجبا فيمتنع * * لأنه فيما رووه ما سمع (قوله: وصوم تسع ذي الحجة) أي التسع من أول الشهر، وهذا التعبير أولى من تعبير بعضهم بعشر ذي الحجة، لأنه يدخل فيه يوم العيد، مع أنه لا ينعقد.
(وقوله: أفضل من صوم عشر المحرم) للخبر الصحيح المار الذي قال الشارح فيه إنه يقتضي أنه أفضل من صيام عشر رمضان الأخير، وقد علمت أن الراجح خلافه.
(واعلم) أنه كان المناسب أن يذكر أولا تأكد صوم عشر المحرم بالخصوص، ثم يذكر تفضيل غيره عليه - كما صنع غيره.
(قوله: اللذين يندب إلخ) اسم الموصول نعت لتسع ذي الحجة ولعشر المحرم، ولا حاجة إليه، لأنه معلوم، إذ الأول قد صرح به فيما مر، والثاني يندرج في صيام المحرم.
(قوله: من تلبس بصوم تطوع أو صلاته) أي ونحوهما من كل عبادة متطوع بها، كاعتكاف، وطواف، ووضوء.
(قوله: فله قطعهما) أي لخبر: الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر.
رواه الترمذي.
ويقاس بالصوم: الصلاة ونحوها.
ولكن يكره القطع، إن لم يكن بعذر، وإلا كأن قطعه ليساعد الضيف في الأكل إذا شق عليه امتناع مضيفه منه، فلا كراهة.
ويترتب على الكراهة عدم الثواب على الماضي، ويترتب على عدمها وجود الثواب.
ويستحب قضاؤه إن قطعه، ولا يجب، لأن أم هانئ كانت صائمة صوم تطوع فخيرها النبي ﷺ بين أن تفطر بلا قضاء وبين أن تتم صومها.
رواه أبو داود.
وقيس بالصوم غيره.
(قوله: لا نسك تطوع) أما هو: فيحرم قطعه، لمخالفته غيره في لزوم الإتمام، والكفارة بإفساده بجماع.
واعترض كونه تطوعا: بأن الشروع فيه شروع في فرض الكفاية، فهو من فروض الكفايات، لا من النوافل.
ويمكن أن يقال: يتصور ذلك بما إذا كان الفاعل صبيا، وأذن له وليه.
أو عبدا وأذن له سيده.
قال ع ش: وعليه - فالوجوب - أي وجوب إتمامه - بالنسبة للصبي متعلق بالولي.
اه.
(قوله: ومن تلبس بقضاء واجب) ومثله الأداء.
ولو قال: ومن تلبس بواجب أداء أو قضاء - لكان أولى.
والمراد بالواجب: العيني.
قال في شرح المنهج: وخرج بالعيني فرض الكفاية، فالأصح - وفاقا للغزالي وغيره - أنه لا يحرم قطعه إلا الجهاد، وصلاة الجنازة، والحج، والعمرة.
وقيل لا يحرم: كالعيني.
اه.
(قوله: ولو موسعا) أي ولو كان قضاؤه على التراخي، بأن لم يتعد بترك الصوم أو الصلاة.
(قوله: ويحرم على الزوجة إلخ) هذا حيث جاز التمتع بها، وإلا كأن قام بالزوج مانع من الوطئ - كإحرام، أو اعتكاف - فلا حرمة، وحيث لم يقع بها مانع - كالرتق والقرن - وإلا فلا حرمة أيضا.
ومحل التحريم في الصوم المتكرر في السنة - كالاثنين والخميس - بخلاف صوم يوم عرفة وعاشوراء، لأنهما نادران في
السنة.
ومع الحرمة: ينعقد صومها - كالصلاة في دار مغصوبة - ولزوجها وطؤها، والإثم عليها.
(قوله: وزوجها حاضر) أي في البلد.
قال ع ش: ولو جرت عادته أن يغيب عنها من أول النهار إلى آخره، لاحتمال أن يطرأ له قضاء وطره في بعض الأوقات على خلاف عادته.
اه.
وخرج بكونه حاضرا في البلد: ما إذا كان غائبا عنها، فلا يحرم عليها ذلك، بلا خلاف.
قال في المغنى: (فإن قيل) هلا جاز صومها مع حضوره، وإذا أراد التمتع بها تمتع وفسد صومها؟ (أجيب) بأن صومها يمنعه التمتع عادة، لأنه يهاب انتهاك حرمة الصوم بالإفساد، ولا يلحق بالصوم صلاة النفل المطلق لقصر زمنه.
اه.
(قوله: إلا بإذنه) أي الزوج.
وذلك لخبر الصحيحين: لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد - أي حاضر - إلا بإذنه.
قال ابن حجر: وكالزوج: السيد - إن حلت له - وإلا حرم بغير إذنه، إن حصل لها به ضرر ينقص الخدمة، والعبد كمن لا تحل فيما ذكر اه.
وكتب الكردي: قوله: كمن لا تحل: أي فيحرم صومه بغير إذن سيده، إن حصل له به ضرر ينقص الخدمة.
اه.
(قوله: يحرم الصوم الخ) أي ولا ينعقد.
(قوله: في أيام التشريق) وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر،
стр. 615
شاع الخبر بين الناس برؤية الهلال ولم يثبت، وكذ بعد نصف شعبان، ما لم يصله بما قبله، أو لم يوافق عادته، أو لم يكن عن نذر أو قضاء، ولو عن نفل.
ــ
ويحرم صومها، ولو لتمتع عادم للهدي، لعموم النهي عنه.
وفي القديم: له صيامها عن الثلاثة الواجبة في الحج.
وقوله: والعيدين: أي عيد الفطر، وعيد الأضحى.
والأصل في حرمة صومهما: الإجماع المستند إلى نهي الشارع ﷺ في خبر الصحيحين.
(قوله: وكذا يوم الشك) أي وكذلك يحرم صيام يوم الشك، لقول عمار بن ياسر: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ .
رواه الترمذي وغيره، وصححوه.
قيل: والمعنى فيه القوة على صوم رمضان.
وضعفه السبكي بعدم كراهة صوم شعبان.
ويرد بأن إدمان الصوم يقوي النفس عليه، وليس في صوم شعبان إضعاف، بل تقوية، بخلاف صوم يوم ونحوه، فإنه يضعف النفس عما بعده، فيكون فيه افتتاح للعبادة مع كسل وضعف.
اه.
نهاية.
وما ذكر من تحريم صوم يوم الشك، هو المعتمد في المذهب.
وقيل يكره كراهة تنزيه.
قال الأسنوي: وهو المعروف المنصوص الذي عليه الأكثرون.
وفي البجيرمي ما نصه: (إن قلت) ما فائدة تنصيصهم على كراهة صوم يوم الشك أو حرمته مع أنه من جملة النصف الثاني من شعبان وهو محرم؟ (أجيب) بأن فائدته معرفة حقيقة يوم الشك حتى يرجع إليه لو علق به طلاقا أو عتقا.
وبيان أن صومه مكروه أو حرام، لشيئين: كونه يوم الشك وكونه بعد النصف، فيكون النهي فيه أعظم منه فيما قبله.
اه.
(قوله: لغير ورد) أي عادة، وتثبت بمرة.
فإن صامه لذلك، كأن كان يعتاد صوم الدهر أو صوم يوم وفطر يوم، أو
صوم يوم معين - كالاثنين - فصادف يوم الشك فلا يحرم.
ومثل الورد: ما لو صامه عن نذر مستقر في ذمته أو عن قضاء لنفل أو فرض أو كفارة، فلا يحرم.
(قوله: وهو يوم الخ) بيان لضابط يوم الشك.
(قوله: وقد شاع الخبر بين الناس برؤية الهلال) أما إذا لم يشع بين الناس: فليس اليوم يوم الشك بل هو من شعبان، وإن أطبق الغيم.
(وقوله: ولم يثبت) - أي الهلال - عند الحاكم لكونه لم يشهد بالرؤية أحد، أو شهد بها صبيان أو نساء، أو عبيد، أو فسقة.
(قوله: وكذا بعد نصف شعبان) أي وكذلك يحرم الصوم بعد نصف شعبان لما صح من قوله ﷺ : إذا انتصف شعبان فلا تصوموا.
(قوله: ما لم يصله بما قبله) أي محل الحرمة ما لم يصل صوم ما بعد النصف بما قبله، فإن وصله به ولو بيوم النصف، بأن صام خامس عشره وتالييه واستمر إلى آخر الشهر، فلا حرمة.
(قوله: أو لم يوافق عادته) أي ومحل الحرمة أيضا ما لم يوافق صومه عادة له في الصوم، فإن وافقها - كأن كان يعتاد صوم يوم معين كالاثنين والخميس - فلا حرمة.
(قوله: أو لم يكن عن نذر الخ) أي: ومحل الحرمة أيضا: ما لم يكن صومه عن نذر مستقر في ذمته، أو قضاء، ولو كان القضاء لنفل، أو كفارة، فإن كان كذلك، فلا حرمة، وذلك لخبر الصحيحين: لا تقدموا - أي لا تتقدموا - رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم يوما ويفطر يوما فليصمه.
وقيس بما في الحديث من العادة: النذر، والقضاء، والكفارة - بجامع السبب -.
والله أعلم.
стр. 616
باب الحج
ــ
باب الحج
(١) هو آخر أركان الإسلام، وأخره عن الصوم نظرا للقول بأن الصوم أفضل منه، واقتداء بخبر: بني الإسلام الخ.
واعلم أن فضائله لا تحصى.
منها خبر: من جاء حاجا يريد وجه الله تعالى، فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ويشفع فيمن دعا له.
ومنها خبر: من قضى نسكه، وسلم الناس من لسانه ويده، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
وروى ابن حبان عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: إن الحاج حين يخرج من بيته لم يخط خطوة إلا كتب الله له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا وقفوا بعرفات: باهى الله بهم ملائكته، يقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبرا، أشهدكم أني غفرت لهم ذنوبهم وإن كانت عدد قطر السماء ورمل عالج.
وإذا رمى الجمار: لم يدر أحد ما له حتى يتوفاه الله تعالى يوم القيامة، وإذا حلق شعره فله بكل شعرة سقطت من رأسه نور يوم القيامة.
فإذا قضى آخر طوافه بالبيت خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
وقال ابن العماد في كشف الأسرار: وحكمة تركب الحج من الحاء والجيم: الإشارة إلى أن
الحاء من الحلم، والجيم من الجرم - فكأن العبد يقول: يا رب جئتك بجرمي - أي ذنبي - لتغفره بحلمك اه.
وأعمال الحج كلها تعبدية، وقد ذكر لهما بعض حكم، فمن ذلك ما ذكره في (الروض الفائق في المواعظ والرقائق) أن ابن عباس ﵄ سئل عن الحكمة في أفعال الحج، وما في المناسك الشريفة من المعاني اللطيفة، فقال: ليس من أفعال الحج ولوازمه شئ إلا وفيه حكمة بالغة، ونعمة سابغة، ونبأ وشأن وسر يقصر عن وصفه كل لسان.
فأما الحكمة في التجرد عند الإحرام: فإن من عادة الناس إذا قصدوا أبواب المخلوقين، لبسوا أفخر ثيابهم من اللباس، فكأن الحق يقول: القصد إلى بابي خلاف القصد إلى أبوابهم، لأضاعف لهم أجرهم وثوابهم.
وفيه أيضا أن يتذكر العبد بالتجرد عند الإحرام: التجرد عن الدنيا عند نزول الحمام - كما كان أولا - لما خرج من بطن أمه مجردا عن الثياب، وفيه شبه أيضا بحضور الموقف يوم الحساب - كما قال تعالى: * (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) * (٢).
* (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة) * (٣).
اه.
وأما الاغتسال عند الإحرام: فلحكمة ظاهرة الإحكام، وهو أن الله تعالى يريد أن يعرض الحجاج على الملائكة ليباهي بهم الأنام، فلا يعرضون على الملائكة الكرام إلا وهم مطهرون من الأدناس والآثام.
وفيه أيضا حكمة أخرى: وهي أن الحجاج يضعون أقدامهم على مواضع أقدام الأنبياء الأبرار، فيكونون قبل ذلك قد اغتسلوا لينالوا بركتهم في تلك الآثار، كما قال تعالى وهو أصدق القائلين: * (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) *.
وأما الحكمة في التلبية: فإن الإنسان إذا ناداه إنسان جليل القدر أجابه بالتلبية وحسن الكلام، فكيف بمن ناداه مولاه الملك العلام، ودعاه إلى جنابة ليكفر عنه الذنوب والآثام؟ وإن العبد إذا قال: لبيك، يقول الله تعالى: ها أنا دان إليك، ومتجل عليك.
فسل ما تريد، فأنا أقرب إليك من حبل الوريد.
وأما الحكمة في الوقوف بعرفة وأخذ الجمار من المزدلفة: فإن فيه أسرار لذوي العلم والمعرفة، فمعناه: كأن العبد يقول - سيدي: حملت جمرات
стр. 617
وهو: بفتح أوله وكسره - لغة: القصد، أو كثرته إلى من يعظم.
وشرعا: قصد الكعبة للنسك الآتي.
وهو من الشرائع القديمة.
وروي أن آدم ﵇ حج أربعين حجة من الهند ماشيا، وأن جبريل قال له: إن
ــ
الذنوب والأوزار، وقد رميتها في طاعتك بالإقرار، إنك أنت الكريم الغفار.
وأما الحكمة في الذكر عند المشعر الحرام، وما فيه من الأجور العظام: فكأن الحق تعالى يقول: اذكروني أذكركم، من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه، فإذا ذكرتموني عند المشعر الحرام ذكرتكم بين ملائكتي الكرام، وكتبت لكم توقيع الأمان من حلول الانتقام.
وأما الحكمة في حلق الرأس بمنى، ففيه حكمة يبلغ بها العبد جميع المنى، وذلك أن فيه يقظة وتذكيرا لا يفهمهما إلا من كان عالما نحريرا، لأن الحاج إذا وقف بعرفة، وذكر الله عند المشعر الحرام، وضحى بمنى، وحلق رأسه، وطهر بدنه من الأدناس والآثام: كتب الله عزوجل له ثوابا، وضاعف له أجورا، ووقاه جحيما وسعيرا، وجعل له بكل شعرة يوم القيامة نورا، وأعطى توقيع الأمان - كما قال تعالى في كتابه المكنون: * (محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون) * (٢).
وأما الحكمة في الطواف، وما فيه من المعاني والألطاف: فإن الطائف بالبيت يقول بلسان حاله عند دعائه وابتهاله: سيدي، أنت المقصود، وأنت الرب المعبود، أتيت إليك مع جملة الوفود، وطفت ببيتك المشهود، وقمت ببابك أرجو الكرم والجود، وقد سبق خطابك لخليلك الأمين في محكم كتابك المبين: * (وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود) * (٣).
وأما الحكمة في الوقوف بعرفات وما فيه من المعاني البديعة الصفات، فإن فيه تنبيها وتذكيرا بالوقوف بين يدي الحق يوم القيامة حفاة عراة مكشوفي الرؤوس، واقفين على أقدام الحسرة والندامة، يضجون بالبكاء والعويل، ويدعون مولاهم دعاء عبد ذليل، فلله در أقوام دعاهم مولاهم إلى البيت العتيق، فأجابوا داعي الوجد والتشويق، وساروا إليه مشاة على قدم التصديق، * (وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) * (٤).
اه.
(قوله: هو) أي الحج، وهو مبتدأ، خبره القصد.
(وقوله: بفتح أوله وكسره) الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير الواقع مبتدأ - على رأي سيبويه - أي هو حال كونه متلبسا بفتح أوله - وهو الحاء - أو كسره، القصد.
والفتح لغة أهل الحجاز، والكسر لغة أهل نجد، وهما لغتان فصيحتان، قرئ بهما في السبع.
فبالكسر قرأ حفص وحمزة والكسائي، وبالفتح قرأ الباقون.
(وقوله: لغة القصد) أي على ما قاله الجوهري.
(وقوله: أو كثرته) أي على ما قاله الخليل.
(وقوله: إلى من يعظم) متعلق بالقصد: أي القصد إلى شئ يقصد تعظيمه - كعبة كان أو غيرها - وتعبيره بمن - التي للعاقل - على سبيل التغليب، لأن المعظم صادق بالعاقل وغيره، فغلب العاقل على غيره وعبر بمن، وهذا
الذي جرى عليه ضعيف، والصحيح أن معناه لغة: القصد مطلقا، إلى من يعظم، وإلى غيره.
(قوله: وشرعا: قصد الكعبة للنسك الآتي) أي الأفعال الآتية، من إحرام، ووقوف، وطواف، وسعي، وحلق، مع ترتيب المعظم.
وهذا التعريف هو الموافق لما هو الغالب من أن المعنى الشرعي يشتمل على المعنى اللغوي وزيادة.
ويرد عليه أنه يقتضي أن الحج الشرعي: القصد المذكور، وإن كان ماكثا في بيته.
وأجيب عنه بأن المراد القصد المذكور مع فعل الأعمال المذكورة.
وعرفه بعضهم بأنه نفس الأفعال الآتية، وهذا هو الموافق لقولهم: أركان الحج، وسنن الحج.
إذا الأركان: أفعال.
فجعلها أجزاء للحج: يفيد أنه مركب منها، فهو عبارة عن مجموع أفعال.
ويمكن أن يقال إن جعلهم إياها أركانا للحج مجاز، لا حقيقة.
والمراد أنها أركان للمقصود منه، وهو فعل الأعمال، لا للقصد نفسه الذي هو الحج.
(قوله: وهو من الشرائع القديمة) أي لا من خصوصيات هذه الأمة - كما قيل به - قال القليوبي: ينبغي أن يكون هذا بمعناه اللغوي، أما بهذه الهيئة المخصوصة، فهو من خصائص هذه الأمة.
(قوله: وروي أن آدم الخ) استدلال على كونه من الشرائع القديمة.
(وقوله: ماشيا) قيل لمجاهد - أفلا كان يركب؟ قال: وأي شئ كان يحمله؟ (قوله: وأن جبريل إلخ)
стр. 618
الملائكة كانوا يطوفون قبلك بهذا البيت سبعة آلاف سنة.
قاب ابن إسحاق: لم يبعث الله نبيا بعد إبراهيم عليه
ــ
هذا لا يدل على أن الحج من الشرائع القديمة، وإنما يدل على أن الطواف منها.
(قوله: بهذا البيت) (اعلم) أنه كان من زمردة خضراء، وفيه قناديل من قناديل الجنة، فلما جاء الطوفان في عهد نوح رفعه الله إلى السماء الرابعة، وأخذ جبريل الحجر الأسود، فأودعه في جبل أبي قبيس - صيانة له من الغرق فكان مكان البيت خاليا إلى زمن إبراهيم ﵇، فلما ولد له إسماعيل وإسحق، أمره الله ببناء بيت يذكر فيه، فقال: يا رب بين لي صفته، فأرسل الله سحابة على قدر الكعبة، فسارت معه حتى قدم مكة، فوقفت في موضع البيت، ونودي يا إبراهيم: ابن على ظلها، لا تزد ولا تنقص - فكان جبريل ﵇: يعلمه، وإبراهيم يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة.
وفي الإيضاح للنووي ما نصه: واختلف المفسرون في قوله تعالى: * (إن أول بيت وضع للناس) * (١).
فروى الأزرقي في كتاب مكة، عن مجاهد، قال: لقد خلق الله عزوجل موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفي
سنة، وأن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى.
وعن مجاهد أيضا إن هذا البيت أحد أربعة عشر بيتا: في كل سماء بيت، وفي كل أرض بيت، بعضهن مقابل لبعض.
وروى الأزرقي أيضا عن علي بن الحسين بن على بن أبي طالب ﵃ قال: إن الله تعالى بعث ملائكة، فقال ابنوا لي في الأرض بيتا تمثال البيت المعمور وقدره.
وأمر الله تعالى من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور.
قال: وهذا كان قبل خلق آدم.
وقال ابن عباس ﵄: هو أول بيت بناه آدم في الأرض.
اه.
وقد بني البيت عشر مرات - كما في القسطلاني على البخاري - وقد نظم بعضهم البانين على الترتيب فقال: بنى بيت رب العرش عشر فخذهم * * ملائكة الله الكرام، وآدم فشيث، فإبراهيم، ثم عمالق * * قصي، قريش - قبل هذين - جرهم وعبد الإله، ابن الزبير بنى - كذا * * بناء لحجاج - وهذا متمم وقوله: بناء لحجاج: أي بجانب الحجر فقط بأمر عبد الملك بن مروان، وبعض البناء كان ترميما.
قال ابن علان: قلت وقد سقط من بناء ابن الزبير ما بناه الحجاج الجدار الشامي، وجانب من الشرقي والغربي فسد محله بأخشاب من صبيحة سقوطه لعشرين من شعبان سنة ٩٣٠١ تسع وثلاثين وألف إلى أوائل جمادي من السنة بعده، وقد أفردت لذلك مؤلفا واسعا، ثم لخصته.
فبالنظر لما ذكر من السد وهو من صاحب مكة الشريف مسعود بن إدريس، ثم من العمارة، وهي من جانب السلطان مراد خان بن السلطان أحمد خان - تكون أبنية الكعبة اثنتي عشرة مرة، وقد نظمت ذلك فقلت: بنى الكعبة الأملاك آدم بعده * * فشيث، وإبراهيم، ثم العمالقه وجرهم، قص مع قريش، وتلوهم * * هو ابن زبير، فادر هذا وحققه وحجاج تلو، ثم مسعود بعدهم * * شريف بلاد الله بالنور أشرقه ومن بعد ذا حقا بنى البيت كله * * مراد بن عثمان فشيد رونقه اه.
قلت وقد حدث ترميم في باطن الكعبة المعظمة في شهر ربيع الأخير سنة ١٢٩٩ - ألف ومائتين وتسع وتسعين - في مدة سلطنة وخلافة مولانا السلطان الغازي عبد الحميد الثاني - نصره الله - ابن المرحوم مولانا السلطان الغازي عبد المجيد بن محمود بن عبد الحميد الأول.
وقد أرخ العمارة المذكورة شيخ الإسلام، وقدوة الأنام، فريد العصر والأوان - مولانا الأستاذ السيد أحمد بن زيني دحلان - في بيت واحد، وجعل قبله بيتين للدخول على بيت التاريخ
فقال: اه.
стр. 619
الصلاة والسلام إلا حج.
والذي صرح به غيره: أنه ما من نبي إلا حج، خلافا لمن استثنى هودا وصالحا.
ــ
لسلطاننا عبد الحميد محاسن * * ومن ذا الذي بالحصر يقوى يعدد؟ وقد حاز تعميرا لباطن قبلة * * وتاريخه بيت فريد يحدد بناء بدا زهوا لداخل كعبة * * وسلطاننا عبد الحميد المجدد ٨٢ ١٦٩ ٢٠٧ ٩٧ ٦٥٥ ١٩ ٧ ٥٣ - ٨٤١ سنة ٤٥٨ ١٢٩٩ (فائدة) قال وهب بن منبه ﵁: مكتوب في التوراة: إن الله عزوجل يبعث يوم القيامة سبعمائة ألف ملك من الملائكة المقربين، بيد كل واحد منهم سلسلة من ذهب إلى البيت الحرام، فيقول لهم: اذهبوا فزموه بهذه السلاسل، ثم قودوه إلى المحشر، فيأتونه، فيزمونه بتلك السلاسل، ويمدونه.
وينادي ملك: يا كعبة الله سيري فتقول: لست بسائرة حتى أعطى سؤلي.
فينادي ملك من جو السماء: سلى.
فتقول الكعبة: يا رب شفعني في جيراني الذين دفنوا حولي من المؤمنين.
فتسمع النداء: قد أعطيتك سؤلك.
قال: فتحشر موتى مكة بيض الوجوه كلهم محرمين مجتمعين حول الكعبة يلبون.
ثم تقول الملائكة: سيري يا كعبة الله.
فتقول: لست بسائرة حتى أعطى سؤلي.
فينادي ملك من جو السماء: سلي تعطي.
فتقول الكعبة: يا رب عبادك المذنبون الذي وفدوا إلي من كل فج عميق شعثا غبرا، تركوا الأهل والأولاد والأحباب وخرجوا شوقا إلي زائرين مسلمين طائعين حتى قضوا مناسكهم كما أمرتهم، فأسألك أن تشفعني فيهم، وتؤمنهم من الفزع الأكبر، وتجمعهم حولي.
فينادي الملك: فإن فيهم من ارتكب الذنوب بعدك، وأصر على الكبائر حتى وجبت له النار.
فتقول: يا رب، أسألك الشفاعة في المذنبين الذين ارتكبوا الذنوب العظام والأوزار، حتى وجبت لهم النار.
فيقول الله تعالى: قد شفعتك فيهم، وأعطيتك سؤلك.
فينادي ملك من جو السماء: ألا من زار كعبة الله فليعتزل عن الناس.
فيعتزلون، فيجعلهم الله تعالى حول البيت الحرام بيض الوجوه.
آمنين من النار، يطوفون ويلبون.
ثم ينادي ملك من جو السماء: ألا يا كعبة الله سيري.
فتقول الكعبة: لبيك اللهم لبيك، والخير كله بيديك، لبيك لا شريك لك لبيك.
إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
ثم يمدونها إلى المحشر.
(قوله: لم يبعث الله نبيا) أي رسولا، بدليل ذكر البعث، لأنه خاصة الرسول، لكن عبر جماعة بقولهم: إن جميع الأنبياء والرسل حجوا البيت.
(قوله: والذي صرح به غيره) أي غير ابن إسحاق.
وقصده بهذا بيان أن قول ابن إسحاق
بعد إبراهيم ليس بقيد.
(قوله: أنه ما من نبي إلا حج) أي من كان قبل إبراهيم، ومن كان بعده.
والمراد بالنبي ما يشمل الرسول.
(قوله: خلافا لمن استثنى هودا وصالحا) أي قال إنهما لم يحجا.
قال العلامة عبد الرؤوف: وقائله عروة بن الزبير ﵄ حيث قال: بلغني أن آدم ونوحا حجا دون هود وصالح، لاشتغالهما بأمر قومهما، ثم بعث الله إبراهيم فحجه وعلم مناسكه، ثم لم يبعث الله نبيا بعده إلا حجه.
ويجاب عن قول عروة بأن الحديث على فرض صحته معارض بأحاديث كثيرة أنهما حجا، منها قول الحسن في رسالته: أن رسول الله ﷺ قال: إن قبر نوح وهود وشعيب وصالح فيما بين الركن والمقام وزمزم.
ومن المعلوم أنهم لا يأتون البيت بغير حج.
مع أن المثبت مقدم على النافي.
ولا تكره الصلاة بين الركن والمقام وزمزم توهما من حديث الحسن، لكونهما مقبرة، لأنها مقبرة الأنبياء، وهم أحياء في قبورهم، ولا يقال الكراهة أو الحرمة من حيث أن المصلي يستقبل قبر نبي، وهو منهي عنه بقوله ﷺ : لا تتخذوا قبور أنبيائكم مساجدا.
لأن شرط الحرمة أو الكراهة تحقق ذلك، وهو منتف هنا اهـ.
ملخصا.
стр. 620
والصلاة أفضل منه، خلافا للقاضي.
وفرض في السنة السادسة على الاصح، حج (ص) قبل النبوة وبعدها وقبل الهجرة حججا لا يدرى عددها،
ــ
(قوله: والصلاة أفضل منه) أي من الحج.
أي ومن غيره من سائر عبادات البدن، وذلك لخبر الصحيحين: أي الأعمال أفضل؟ فقال: الصلاة لوقتها.
قال حجر: ولا بدع أن يخص قولهم: أفضل عبادات البدن الصلاة بغير العلم.
وقيل الصوم أفضل، لخبر الصحيحين: قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به.
ورد ذلك بأن الصلاة تجمع ما في سائر العبادات، وتزيد عليها بوجوب الاستقبال، ومنع الكلام والمشي وغيرهما، ولأنها لا تسقط بحال، ويقتل تاركها، بخلاف غيرها.
وقال ابن أبي عصرون: الجهاد أفضل.
(وقوله: خلافا للقاضي) أي فإنه قال إن الحج أفضل منها، أي ومن غيرها من سائر العبادات، أي لاشتماله على المال والبدن، ولأنا دعينا إليه ونحن في الأصلاب، كما أخذ علينا العهد بالإيمان حينئذ.
ولأن الحج يجمع معاني العبادات كلها، فمن حج فكأنما صام، وصلى، واعتكف، وزكى، ورابط في سبيل الله، وغزا - كما قاله الحليمي -.
قال العلامة عبد الرؤوف: والظاهر أن قول القاضي هو أفضل: مفروض في غير العلم.
اه.
وحاصل المعتمد أن الأفضل مطلقا: اكتساب معرفة الله تعالى، بأن يقصد إلى النظر، وينظر في الآيات الدالة على وجوده تعالى، وعظيم قدرته، واتساع علمه في السموات والأرض وغيرهما مما يحصل به القطع بأن لا موجد لها سواه - كما قال البرعي ﵁: شهدت غرائب صنعه بوجوده * * لولاه ما شهدت به لولاه سل عنه ذرات الوجود فإنها * * تدعوه مفهوماتها رباه ثم العلم العيني وهو ما به صحة العمل، ثم فرض العين من غيره، وأفضله - على مذهب الجمهور - الصلاة.
قال الونائي ثم الصوم، ثم الحج، ثم العمرة، ثم الزكاة، ثم فرض الكفاية من العلم: وهو ما زاد على تصحيح العمل حتى يبلغ درجة الاجتهاد المطلق، ثم فرض الكفاية من غيره، ثم نقل العلم: وهو ما زاد على الاجتهاد المطلق.
(قوله: وفرض في السنة السادسة) قال في النهاية - كما صححاه في السير، ونقله في المجموع عن الأصحاب - وجزم الرافعي هنا بأنه سنة خمس، وجمع بين الكلامين بأن الفريضة قد تنزل ويتأخر الإيجاب على الأمة، وهذا كقوله تعالى: * (قد أفلح من تزكى) * (١) فإنا آية مكية، وصدقة الفطر مدنية.
اه.
(قوله: وحج ﷺ إلخ) وكذلك اعتمر ﷺ قبلها عمرا لا يدري عددها، وأما بعدها: فعمرة في رجب - كما قاله ابن عمر، وإن أنكرته عائشة، لأنه مثبت - وثلاثا - بل أربعا - في ذي القعدة: لأنه في حجة الوداع، كان في آخر أمره قارنا، وعمرة في شوال - كما صح في أبي داود - وعمرة في رمضان - كما في البيهقي، كذا في عبد الرؤوف.
(قوله: حججا لا يدرى عددها) قال في التحفة: وتسمية هذه حججا إنما هو باعتبار الصورة، إذ لم تكن على قوانين الحج الشرعي باعتبار ما كانوا يفعلونه من النسئ وغيره، بل قيل في حجة أبي بكر في التاسعة ذلك، لكن الوجه خلافه، لانه ﷺ لا يأمر إلا بحج شرعي، وكذا يقال في الثامنة التي أمر فيها عتاب بن أسيد أمير مكة، وبعدها حجة الوداع لا غير.
اه.
وكتب ابن سم ما نصه: قوله: وتسمية هذه حججا: إنما هو باعتبار الصورة أقول: قضية صنيعه أن حجه ﵊ بعد النبوة قبل الهجرة لم يكن حجا شرعيا، وهو مشكل جدا.
اه.
стр. 621
وبعدها حجة الوداع لا غير.
وورد: من حج هذا البيت، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه قال شيخنا في حاشية
ــ
وكتب ع ش ما نصه: أقول وقد يقال لا إشكال فيه، لأن فعله ﷺ بعد النبوة قبل فرضه لم يكن شرعيا بهذا الوجه
الذي استقر عليه الأمر.
فيحمل قول حجر، إذ لم يكن على قوانين الشرع إلخ، على أنه لم يكن على قوانين الشرع بهذه الكيفية.
اه.
قال العلامة باقشير.
قوله: على قوانين إلخ.
كأن المراد بقوانين الحج الشرعي: هو ما استقر عليه، فلا ينافي أن ما فعله أو أمر به شرعي.
اه.
وكتب السيد عمر البصري على قوله بل قيل في حجة أبي بكر الخ ما نصه: قال في الخادم حج أبي بكر ﵁ في التاسعة كان في ذي القعدة لأجل النسئ، وكان بتقرير من الشرع، ثم نسخ بحجة الوداع.
وقوله ﷺ : إن الزمان قد استدار إلخ.
اه.
ما في الخادم.
ونقله الفاضل عميرة وأقره، وهو واضح لا غبار عليه.
ولا يرد عليه قول الشارح رحمه الله تعالى، لأنه ﷺ الخ.
اه.
وقوله لاجل النسئ: هو فعيل بمعنى مفعول، من قولك نسأت الشئ، فهو منسوء، إذا أخرته.
ومعنى النسئ الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية: هو أنه كانت العرب تحرم القتال في الأشهر الحرم، فإذا احتاجوا إلى القتال فيها قاتلوا فيها وحرموا غيرها، فإذا قاتلوا في المحرم حرموا بدله شهر صفر، وهكذا في غيره.
وكان الذي يحملهم على هذا: أن كثيرا منهم إنما كانوا يعيشون بإغارة بعضهم على بعض، ونهب ما يمكن نهبه من أموال من يغيرون عليه، ويقع بينهم بسبب ذلك القتال، وكانت الأشهر الثلاثة المسرودة يضر بهم تواليها، وتشتد حاجتهم، وتعظم فاقتهم، فيحلون بعضها، ويحرمون مكانه بقدره من غير الأشهر الحرم، فأنزل الله تعالى القرآن بتحريمه وعده من أنواع الكفر، فقال : * (إنما النسئ زيادة في الكفر) * (١) (قوله: وبعدها إلخ) أي وحج بعد الهجرة حجة الوداع لا غيرها.
(قوله: خرج من ذنوبه) قال ابن علان: الصغائر والكبائر والتبعات - كما يؤذن به عموم الجمع المضاف، وجاء التصريح بهما في رواية - وألف الحافظ ابن حجر في ذلك جزءا أسماه (قوة الحجاج في عموم المغفرة للحجاج) وأفتى به الشهاب الرملي.
وحمله ولده على من مات فيه أو بعده وقبل تمكنه من الوفاء.
قال الشيخ محمد الحطاب المالكي - نقلا عن ابن خليل المكي شيخ المحب الطبري - أوائل مناسكه: قال مشايخنا المتقدمون: إن الضمان من الله بالمظالم والتبعات - والله أعلم - إنما ينزل على التائب الذي ليس بمصر، وقد يتعذر ردها إلى صاحبها والتحلل منه.
اه.
وألف فيه السيد بادشاه الحنفي جزءا.
قال الشارح - يعني ابن حجر - لكن ظاهر كلامهم يخالفه، والأول أوفق بظاهر السنة، والثاني أوفق بالقواعد، ويؤيده ما في المجموع عن القاضي عياض: غفران الصغائر فقط مذهب أهل السنة، والكبائر لا يكفرها إلا التوبة أو رحمه الله تعالى.
وعن الإمام مالك أن ذلك عام في كل ما ورد، واستدل له المصنف بخبر مسلم فيمن أحسن وضوءه وصلاته كانت كفارة لما قبله من الذنوب ما لم يأت كبيرة، وذلك الدهر كله، وبه يرد قول مجلي رد الكلام الإمام، وهذا الحكم يحتاج لدليل، وفضل الله واسع.
ويرد أيضا - كما قال إبن عبد البر - بأنه جهل وموافقة للمرجئة في قولهم، ولو كان كما زعموا لم يكن للأمر بالتوبة معنى، وقد أجمع المسلمون أنها فرض، والفرض لا يصح شئ منه إلا بالقصد.
وقد قال ﷺ : كفارات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر.
لكن ربما أثرت هذه الطاعات في القلب، فحملت على التوبة.
وحديث العباس بن مرداس أنه ﷺ : دعا لأمته عشية عرفة بالعفو حتى عن المظالم والدماء فلم يستجب له، ثم دعا لهم صبيحة مزدلفة فاستجيب له حتى عن المظالم والدماء.
وأن النبي ﷺ ضحك من جزع الشيطان.
رواه ابن ماجة وأبو داود ولم يضعفه.
وإيراد ابن الجوزي له في الموضوعات رده الحافظ ابن حجر في قوة الحجاج إلى أن قال: وأحسن منه - أي من تضعيفه - أنه ليس في الحديث
стр. 622
الايضاح: قوله: كيوم ولدته أمه - يشمل التبعات.
وورد التصريح به في رواية، وأفتى به بعض مشايخنا، لكن ظاهر كلامهم يخالفه، والاول أوفق بظواهر السنة، والثاني أوفق بالقواعد.
ثم رأيت بعض المحققين نقل
ــ
تعرض لما الكلام فيه من تكفير الحج الكبائر والتبعات، إنما فيه أن الله استجاب دعاء نبيه ﷺ بالعفو عن جميع الذنوب بأنواعها، فإن كان المراد الحاضر من الأمة حينئذ، فظاهر عدم دلالته على المطلوب، وإن كان أمته مطلقا، فكذلك، إذ ليس في الحديث أن غفرانهم عن الحج إنما فيه إجابة لدعاء النبي ﷺ ، ودلالته على المدعي تتوقف على ثبوت أنه ﷺ أراد بالأمة الحاج منهم كل عام، وفي ثبوت ذلك بعد أي بعد.
اه.
كلام ابن علان.
وجزم المصنف - أي ابن حجر - في الحاشية بضعف حديث العباس ابن مرداس، فقال: ضعف البخاري وابن ماجه اثنين من رواته.
وقال ابن الجوزي أنه لا يصح، تفرد به عبد العزيز ولم يتابع عليه.
قال ابن حبان: وكان يحدث على التوهم والحسبان، فبطل الاحتجاج به.
اه.
وفي حاشية الشيخ باعشن على الونائي ما نصه: وحاصله أن ابن المنذر وجماعة حملوا التكفير في هذا ونحوه على ما يعم الصغائر والكبائر أخذا بإطلاق النصوص، وأن بعضهم - ومنهم العلامة ابن حجر - قيدها بالصغائر حملا للمطلق على المقيد، وعملا بما نقل من الإجماع، لكن في الإجماع نظر، إذ لو كان ثابتا لما جهله ابن المنذر وغيره من أكابر المتقدمين والمتأخرين، وحمل المطلق على المقيد إنما يكون فيما لم يرد فيه تصريح ينافي الحمل المذكور.
ومن ثم قال
العلامة الكردي: والذي يظهر أن ما صرحت به الأحاديث - من أنه يكفر الكبائر - لا ينبغي التوقف فيه بأنه يكفرها، وما أطلقت الأحاديث فيه يبقى الكلام فيه.
قال: وملت في الأصل إلى أن الإطلاق يشمل الكبائر، والفضل واسع، وما ذكره موافق للجمال الرملي.
اه.
من حاشية سيدنا وشيخنا السيد أحمد دحلان على عبد الرؤوف الزمزمي في المناسك.
وفي حاشية البجيرمي على الإقناع ما نصه: والحج يكفر الصغائر والكبائر، حتى التبعات على المعتمد، إن مات في حجه أو بعده وقبل تمكنه من أدائها.
كما قاله زي.
قال ع ش: وتكفيره لما ذكر: إنما هو لإثم الإقدام، لا لسقوط حقوق الآدميين - بمعنى أنه إذا غصب مالا، أو قتل نفسا ظلما عدوانا، غفر له إثم الإقدام على ما ذكر، ووجب عليه القود، ورد المغصوب إن تمكن، وإلا فأمره إلى الله تعالى في الآخرة.
ومثله سائر حقوق الآدميين، وهو بعيد مخالف لكلام الزيادي، وكلام الزيادي هو المشهور.
وسئل الرملي عن مرتكب الكبائر الذي لم يتب منا إذا حج، هل يسقط وصف الفسق وأثره كرد الشهادة، أو يتوقف على ذلك توبة؟ فأجاب بأنه يتوقف على التوبة مما فسق به.
وعبارة الرحماني: ولو قلنا بتكفير الصغائر والكبائر، إنما هو بالنسبة لأمور الآخرة حتى لو أراد الشهادة بعده فلا بد من التوبة، والاستبراء سنة.
اه.
بتصرف.
(قوله: كيوم ولدته أمه) أي خرج منها خروجا مثل خروجه يوم ولدته أمه، أو خرج منها حال كونه مشابها لنفسه يوم ولادته في البراءة، فهو إما صفة لمصدر محذوف، أو في محل نصب على الحال.
(قوله: يشمل التبعات) جمع تبعة بضمة بين فتحتين، وهي حق الآدمي صغيرة أو كبيرة.
اه.
عبد الرؤوف.
والضبط المذكور خلاف ما في القاموس، فإن الذي فيه كفرحة وكتابة، وكذا خلاف ما في المصباح، فإن الذي فيه ككلمة تأمل.
(قوله: وورد التصريح به) أي بلفظ التبعات.
(قوله: وأفتى به) أي بشموله للتبعات.
(قوله: لكن ظاهر كلامهم) أي الفقهاء.
(وقوله: يخالفه) أي ما ذكر من شموله للتبعات.
(قوله: والأول) أي شموله للتبعات.
(وقوله: أوفق بظواهر السنة) منها الحديث المتقدم، وهو حديث العباس بن مرداس، وقد تقدم ما فيه.
قال العلامة عبد الرؤوف: على أن الحديث مؤول بحمله على أنه يرجى لبعض الحجاج - إن الله يرضى عنه خصماءه.
(قوله: والثاني) أي عدم شموله لها المراد من قوله، لكن ظاهر كلامهم يخالفه.
(وقوله: أوفق بالقواعد) فإن القاعدة أن حق الله مبني على المسامحة، وحق الآدمي مبني على المشاحة، فلا يخرج منه
стр. 623
الاجماع عليه، وبه يندفع الافتاء المذكور تمسكا بالظواهر.
(والعمرة) وهي لغة: زيادة مكان عامر.
وشرعا: قصد الكعبة للنسك الآتي.
(يجبان) أي الحج والعمرة - ولا يغني عنها الحج وإن اشتمل عليها.
وخبر: سئل (ص) عن العمرة، أواجبة هي؟ قال: لا ضعيف اتفاقا، وإن صححه الترمذي.
(على) كل مسلم، (مكلف) أي بالغ، عاقل، (حر): فلا يجبان على صبي ومجنون،
ــ
إلا برضاه.
(قوله: ونقل الإجماع عليه) أي على الثاني.
وفي نقل الإجماع نظر، كما تقدم عن باعشن.
(قوله: وبه
يندفع) أي وبالإجماع يندفع الإفتاء المذكور.
أي بشموله للتبعات.
(وقوله: تمسكا بالظواهر) علة الإفتاء.
(قوله: والعمرة) بالجر، عطف على الحج.
أي باب في بيان الحج وبيان العمرة، وهي بضم العين مع ضم الميم وإسكانها، وبفتح العين وإسكانها.
(قوله: وهي لغة: زيارة مكان عامر) أي ولذلك سميت عمرة.
وقيل سميت بها لأنها تفعل في العمر كله.
(قوله: وشرعا: قصد الكعبة إلخ) وقيل نفس الأعمال الآتية - كما تقدم في الحج - (وقوله: للنسك الآتي) أي الأعمال الآتية، من إحرام، وطواف، وسعي، وحلق - أو تقصير -.
(فإن قلت): كلامه يقتضي اتحاد الحج والعمرة، إذ كل منهما قصد الكعبة للنسك.
(قلت) لا، لأن تقييده في تعريف كل بلفظ الآتي يدفع الاتحاد، إذ النسك الآتي في تعريف الحج غير النسك الآتي في تعريف العمرة، فما وعد بإتيانه في كل تعريف يخرج الآخر.
(قوله: يجبان إلخ) أي وجوبا عينيا على من ذكر.
أما الحج فإجماعا، بل معلوم من الدين بالضرورة، ومن أركان الإسلام.
وأما العمرة فعلى الأظهر، لما صح: عن عائشة ﵂، قالت: يا رسول الله: هل على النساء جهاد؟ قال: نعم.
جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة.
ويجبان أيضا - وجوبا كفائيا - كل سنة لإحياء الكعبة المشرفة على الأحرار البالغين، ولا يسقط بفعل غيرهم، وقيل يسقط، قياسا على الجهاد وصلاة الجنازة.
ويسنان من الأرقاء والصبيان والمجانين.
(واعلم) أن لهما خمس مراتب: صحة مطلقا - أي لم تقيد بمباشرة وغيرها - وصحة مباشرة، ووقوع عن النذر، ووقوع عن حجة الإسلام، وصحة وجوب.
ولكل مرتبة شروط.
واقتصر المؤلف - رحمه الله تعالى - على شروط مرتبة الوجوب - فيشترط للأولى: الوقت، والإسلام.
فلولي المال أن يحرم عن الصغير - كما سيأتي -.
ويشترط للثانية معهما: التمييز، ومعرفة الكيفية، والعلم بالأعمال.
بأن يأتي بها عالما أنه يفعلها عن النسك.
ويشترط للثالثة مع ما ذكر: البلوغ، والعقل، وإن لم يكن حرا فيصح نذر الرقيق الحج.
ويشترط للرابعة مع ذكر: الحرية، وإن لم يكن مستطيعا، فلو تكلف الفقير وحج حجة الإسلام صح، ووقع عنها.
ويشترط للخامسة مع ما ذكر: الاستطاعة.
(قوله: ولا يغني عنها الحج) أي لا يقوم مقام العمرة الحج، لأن كلا أصل قصد منه ما لم يقصد من الآخر - ألا ترى أن لها مواقيت غير مواقيت الحج، وزمنا غير زمن الحج؟ وحينئذ فلا يشكل بإجزاء الغسل عن الوضوء، لأن كل ما قصد به الوضوء موجود في الغسل.
اه.
تحفة.
(قوله: وإن اشتمل) أي الحج.
(وقوله: عليها) أي العمرة.
وذلك لأن أركان العمرة هي أركان الحج، ما عدا الوقوف.
والغاية لعدم الاستغناء بالحج عنها.
(قوله: وخبر) مبتدأ.
مضاف إلى جملة سئل إلخ إضافة بيانية.
(قوله: ضعيف) خبر المبتدأ.
(وقوله: اتفاقا) أي أن ضعفه ثابت باتفاق الحفاظ.
(قوله:
وإن صححه الترمذي) أي فلا يغتر بقوله.
وعبارة المغني: وأما خبر الترمذي عن جابر سئل إلخ، فضعيف.
قال في المجموع: اتفق الحفاظ على ضعفه، ولا يغتر بقول الترمذي فيه حسن صحيح.
وقال ابن حزم إنه باطل.
قال أصحابنا: ولو صح، لم يلزم منه عدم وجوبها مطلقا، لاحتمال أن المراد ليست واجبة على السائل لعدم استطاعته.
اه.
(قوله: على كل مسلم) قيد أول خرج به الكافر الأصلي، فلا يجبان عليه وجوب مطالبة بهما في الدنيا، حتى لو أسلم وهو معسر بعد استطاعته في الكفر، فإنه لا أثر لها.
أما المرتد، فيخاطب بهما في ردته، حتى لو استطاع ثم أسلم لزمه الحج، وإن افتقر.
فإن أخره حتى مات حج عنه من تركته - هذا إذا أسلم، فإن لم يسلم ومات على ردته: لا يقضيان عنه.
وكما لا يجبان على الكافر، لا يصحان منه، ولا عنه، لعدم أهليته للعبادة.
(قوله: مكلف) صفة لمسلم، وهو قيد ثان.
(قوله:
стр. 624
ولا على رقيق.
فنسك غير المكلف - ومن فيه رق - يقع نفلا - لا فرضا (مستطيع) للحج، بوجدان الزاد ذهابا
ــ
أي بالغ عاقل) تفسير لمكلف.
(قوله: حر) أي كله ولو بالتين.
وإن كان حال الفعل قنا ظاهرا - كما في التحفة - وهو قيد ثالث.
(قوله: فلا يجبان على صبي ومجنون ولا على رقيق) أي لنقصهم.
والحج والعمرة إنما يجبان في العمر مرة واحدة، فاعتبر الكمال فيهما.
وأيضا الرقيق منافعه مستحقة لسيده، فليس مستطيعا.
وأخذ الشارح محترز بالغ وعاقل وحر ولم يأخذ محترز ما زاده - وهو مسلم - وكان الأولى ذكره أيضا، وقد علمته.
(قوله: فنسك الخ) مفرع على عدم وجوبهما على الصبي ومن بعده.
يعني وإذا لم يجبا على هؤلاء، فالنسك الواقع منهم يقع نفلا - أي يصح، ويقع تطوعا - لكن بشرط أن يتموه في الصبا والجنون والرق، فلو بلغ الصبي أو عتق وهو بعرفة، وأدرك من وقت الوقوف زمنا يعتد به في الوقوف، أو بعد إفاضته من عرفة ثم عاد إليها قبل خروج الوقت، أجزأته تلك الحجة عن فرض الإسلام، ولا دم عليه بوقوع إحرامه حال النقص، وإن لم يعد للميقات بعد الكمال، نعم، يجب عليه إعادة السعي بعد طواف الإفاضة إن كان قد سعى بعد طواف القدوم وطواف العمرة كالوقوف، فإن بلغ، أو عتق قبله، أو فيه، أجزأته تلك العمرة عن عمرة الإسلام، لكنه يعيد بعض الطواف الذي تقدم على البلوغ أو العتق.
فإن بلغ أو عتق بعد تمام الطواف، فالذي اعتمده في النهاية أنه يعيده، ويجزئه عن عمرة الإسلام.
وإفاقة المجنون بعد الإحرام عنه كبلوغ الصبي وعتق الرقيق في جميع ما ذكر.
(فائدة) الصبي إذا كان غير مميز يحرم عنه وليه، وإذا كان مميزا فهو مخير بين أن يحرم عنه أو يأذن له في ذلك.
ومثل الصبي: المجنون - فيجوز للولي أن يحرم عنه - ولو طرأ جنونه بعد البلوغ.
وكذا المغمى عليه - إن لم يرج زوال
إغمائه قبل فوات الوقوف - وإلا فلا يصح الإحرام عنه.
وأما الرقيق، فإن كان صغيرا: فللولي أن يحرم عنه، أو يأذن له إذا كان مميزا.
فإن كان بالغا فله أن يحرم بنفسه، ولو من غير إذن سيده، وإن كان له إذا لم يأذن له أن يحلله ولا يجوز لسيده أن يحرم عنه.
وصفة إحرام من ذكر عمن ذكر: أن ينوي جعله محرما بأن يقول: جعلته محرما، أو يقول - كما في الروض وشرحه - أحرمت عنه، ثم يلبي ندبا.
وحيث صار المولى محرما: أحضره وليه سائر المواقف: وجوبا في الواجب، وندبا في المندوب.
ويفعل عنه ما لا يمكن منه - كالرمي - بعد رمي نفسه، ويصلي عنه سنتي الطواف والإحرام.
ويشترط في الطواف طهرهما عن الحدث والخبث - كما اعتمداه في التحفة والنهاية -.
قال الكردي: وظاهر أن الولي إنما يفعلهما - أي الطواف والسعي - به بعد فعله عن نفسه - كما تقدم في الرمي -.
اه.
هذا إذا كان غير مميز، فإن كان مميزا طاف، وصلى، وسعى، وحضر المواقف، ورمى الأحجار بنفسه.
ثم إن الولي يغرم واجبا بإحرام، كدم تمتع، وقران، وفوات، وكفدية شئ من محظوراته إن ارتكبها المميز.
أما غيره، فلا فدية في ارتكابه محظورا على أحد.
ويغرم الولي زيادة النفقة بسبب السفر، ولو قبل صيرورته محرما.
(قوله: مستطيع) قيد رابع.
وإنما شرطت الاستطاعة، لقوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * قال ابن عباس ﵄ والاستطاعة: أن يكون قادرا على الزاد والراحلة، وأن يصح بدن العبد، وأن يكون الطريق آمنا.
ثم إن الاستطاعة نوعان: أحدهما: استطاعة مباشرة، وهذه يقال لها استطاعة بالبدن والمال، ولها أحد عشر شرطا - يؤخذ غالبها من كلام المصنف رحمه الله تعالى -.
الأول: وجود مؤن السفر ذهابا وإيابا.
الثاني: وجود الراحلة مع وجود شق محمل لمن لا يقدر على الراحلة: الثالث: أمن الطريق.
الرابع: وجود الماء والزاد في المواضع التي يعتاد حملهما منها بثمن مثله.
الخامس: خروج زوج أو محرم مع المرأة.
السادس: أن يثبت على الراحلة بلا مشقة شديدة.
السابع: وجود ما مر من
стр. 625
وإيابا، وأجرة خفير - أي مجير يأمن معه - والراحلة - أو ثمنها: إن كان بينه وبين مكة مرحلتان أو دونهما وضعف عن المشي - مع نفقة من يجب عليه نفقته وكسوته إلى الرجوع.
ويشترط أيضا للوجوب: أمن الطريق على
ــ
الزاد وغيره وقت خروج الناس من بلده.
الثامن: أن يبقى بعد الاستطاعة زمن يمكنه الوصول فيه إلى مكة باليسر المعتاد: التاسع: أن يجد رفقة حيث لم يأمن وحده.
العاشر: أن يجد ما مر بمال حاصل عنده أو بدين حال على ملئ.
الحادي
عشر: أن يجد الأعمى قائدا يقوده ويهديه عند ركوبه ونزوله - ولو بأجرة مثل قدر عليها -.
ثانيهما: استطاعة بإنابة الغير عنه، وهذه يقال لها استطاعة بالمال فقط، وإنما تكون في ميت ومعضوب.
وقد بينها بقوله: فرع، تجب إنابة الخ.
ثم إنه إذا استطاع ثم افتقر، لزمه التكسب والمشي إن قدر عليه، ولا يلزمه السؤال، خلافا للإحياء.
والفرق: أن أكثر النفوس تسمح بالتكسب - لا سيما عند الضرورة - دون السؤال.
(قوله: للحج) متعلق بمستطيع، واقتصر عليه لأن الاستطاعة له تغني عنه وعن العمرة، بخلاف الاستطاعة للعمرة في غير وقت الحج، وذلك لتمكنه من القرآن في الأولى، لا الثانية.
(قوله: بوجدان الزاد) تصوير وبيان للاستطاعة المفهومة من مستطيع.
أي أن الاستطاعة تحصل بوجدان الزاد إلخ.
ومحل ما ذكر: إذا لم يقصر سفره للنسك، بأن كان دون يومين من مكة، وكان يكتسب في أول يوم كفاية أيام الحج: وهي ما بين زوال سابع ذي الحجة، وزوال ثالث عشرة لمن لم ينفر النفر الأول، وإلا فلا يشترط وجدان ذلك، بل يلزمه النسك لقلة المشقة.
(وقوله: ذهابا وإيابا) أي مدة ذهابه وإيابه، وكذا مدة إقامته بمكة أو غيرها، وتعتبر مؤنة الإياب، وإن لم يكن له ببلده أهل وعشيرة، ومحل هذا - كما في التحفة - فيمن له وطن ونوى الرجوع إليه أو لم ينو شيئا، فمن لا وطن له، وله بالحجاز ما يقيته، لا تعتبر في حقه مؤنة الإياب قطعا، لاستواء سائر البلاد إليه، وكذا من نوى الاستطيان بمكة أو قر بها.
(قوله: وأجرة خفير) بالجر، عطف على الزاد.
أي وبوجدان أجرة خفير.
(وقوله: أي مجير) بيان لمعنى حفير.
أي أن معناه هو المجير، أي الذي يجير ويحرس ويحمي الركب من طالبيه.
قال في المصباح: خفرته: حميته من طالبيه، فأنا خفير.
والاسم: الخفارة - بضم الخاء وكسرها - والخفارة مثلثة الخاء.
جعل الخفير.
اه.
(وقوله: يأمن) أي مريد النسك على نفسه وماله وبضعه.
(وقوله: معه) أي المجير.
(قوله: والراحلة) معطوف على الزاد أيضا.
أي وبوجدان الراحلة.
وأصل الراحلة الناقة الصالحة للحمل.
والمراد بها هنا كل ما يصلح للركوب عليه بالنسبة لطريقه الذي يسلكه، ولو نحو بغل وحمار وبقر، وإن لم يلق به ركوبه عند ابن حجر.
وتشترط الراحلة، وإن كان قادرا على المشي، وشرط زيادة على الراحلة لأنثى وخنثى، ورجل متضرر بركوب الراحلة قدرة على شق محمل، وعلى شريك يليق به يعادله في الشق الآخر، فإن تضرروا بمحمل، اعتبر محارة كالشقدف، فمحفة وهي المعروفة بالتخت فسرير يحمله رجال، فالحمل على أعناق الرجال.
(وقوله: أو ثمنها) أي أو بوجدان ثمن الراحلة، أي أو وجدان أجرتها، فلا فرق في استطاعة الراحلة بين أن تكون هي
عنده أو يكون عنده ثمنها أو أجرتها.
(قوله: إن كان الخ) قيد في اشتراط وجدان الراحلة.
(وقوله: بينه) أي مريد النسك.
(وقوله: مرحلتان) أي فأكثر، وإن أطاق المشي.
نعم، ليس له المشي حينئذ، خروجا من خلاف من أوجبه.
(قوله: أو دونهما الخ) أي أو كان بينه وبين مكة دون مرحلتين، والحال أنه قد ضعف عن المشي، فإن قوي عليه بأن لم تحصل به مشقة تبيح التيمم فلا يعتبر في حقه الراحلة وما يتعلق بها.
(قوله: مع نفقة من يجب الخ) الظرف متعلق بوجدان، أو بمحذوف صفة للراد وما عطف عليه، أي وتعتبر الاستطاعة بوجدان الزاد مع وجدان نفقة من تجب عليه نفقته.
والمراد بالنفقة المؤنة.
ولو عبر بها لكان أولى، لتشمل الكسوة، والخدمة والسكنى، وإعفاف الأب، وثمن دواء، وأجرة طبيب.
والمراد بمن تجب عليه نفقته الزوجة، والقريب، والمملوك المحتاج لخدمته، وأهل الضرورات من المسلمين ولو من غير أقاربه لما ذكروه في السير من أن دفع ضرورات المسلمين بإطعام جائع، وكسوة عار، ونحوهما فرض على من ملك أكثر من كفاية سنة.
وقد أهمل هذا غالب الناس، حتى من ينتمي إلى الصلاح (وقوله: وكسوته) بالرفع
стр. 626
النفس والمال، ولو من رصدي، وإن قل ما يأخذه، وغلبة السلامة لراكب البحر، فإن غلب الهلاك - لهيجان الامواج في بعض الاحوال - أو استويا: لم يجب، بل يحرم الركوب فيه له ولغيره.
وشرط للوجوب على المرأة - مع ما ذكر - أن يخرج معها محرم، أو زوج، أو نسوة ثقات، ولو إماء، وذلك
ــ
عطف على نفقته الثانية، وبالجر عطف على الأولى.
وعلى كل، في كلامه الحذف إما من الأول، أو من الثاني.
(وقوله: إلى الرجوع) متعلق بمحذوف أي ويعتبر وجدان نفقة من ذكر من الذهاب إلى الرجوع.
(قوله: ويشترط أيضا للوجوب) أي وجوب النسك.
ولا يخفى أن هذا من شروط الاستطاعة التي هي شرط للوجوب.
فلو قال: ومع أمن الطريق عطفا على مع نفقة لكان أولى وأنسب.
(قوله: أمن الطريق إلخ) أي أمنا لائقا بالسفر، وهو دون أمن الحضر، ولو كان أمنه ظنا، ولو كان بخفير بأجرة مثله.
وخرج بالأمن على ما ذكر الخوف عليه من سبع أو غيره، فلا يجب عليه النسك حينئذ، لعدم الاستطاعة.
(وقوله: على النفس) أي له ولغيره.
(وقوله: والمال) أي ويشترط أمن الطريق على المال، لكن بشرطين: أن يحتاج إليه للنفقة والمؤنة، وأن يكون له لا لغيره.
فلو أراد استصحاب مال خطير للتجارة أو نحوها، وكان يأمن عليه لو تركه في بلده، فإنه لا يعتبر الخوف عليه، ولا يعد عذرا، وكذلك لو أراد استصحاب مال غيره إن لم يجب عليه حفظه والسفر به.
فإن وجب عليه حفظه والسفر به كوديعة فكماله.
ومثل النفس المال، والبضع، وجميع ما يحتاج لاستصحابه لسفره، فإن خاف على شئ منها لم يلزمه النسك للضرر وإن اختص الخوف به.
(قوله: ولو من رصدي) غاية في اشتراط الأمن: أي يشترط الأمن حتى من الرصدي، وهو بفتح الصاد وسكونها الذي يرصد الناس أي يرقبهم في الطريق أو القرى ليأخذ منهم شيئا ظلما.
(قوله: وإن قل ما يأخذه) أي الرصدي، وهو غاية في
اشتراط أمن الطريق.
أي يشترط ما ذكر، وإن كان المال الذي يأخذه الرصدي شيئا يسيرا.
قال في شرح المنهج: ويكره بذل المال لهم أي المترصدين لأنه يحرضهم على التعرض للناس، سواء كانوا مسلمين أم كفارا لكن إن كانوا كفارا وأطاق الخائفون مقاومتهم سن لهم أن يخرجوا للنسك ويقاتلوهم لينالوا ثواب النسك والجهاد اه.
وكتب البجيرمي قوله ويكره بذل المال أي قبل الاحرام أما بعده فلا يكره اه قوله وغلبة السلامة معطوف على أمن الطريق أي ويشترط أيضا غلبة السلامة لراكب البحر أي عند أهل البحر العارفين به قال في التحفة وظاهر تعبيرهم بغلبة السلامة أنه لو اعتيد في ذلك الزمن الذي يسافر فيه أنه يغرق فيه تسعة ويسلم عشرة لزم ركوبه ويؤيده الحاقهم الاستواء بغلبة الهلاك ولا يخلو عن بعد فلو قيل المعتبر العرف فلا يكتفي بتفاوت الواحد ونحوه لم يبعد ويؤيده ما يأتي في الفرار عن الصف وعليه فالمراد الاستواء العرفي أيضا لا الحقيقي وخرج بالبحر الأنهار العظيمة كجيحون والنيل فيجب ركوبها قطعا لأن المقام فيها لا يطول والخوف لا يعظم وقول الأذرعي محله إذا كان يقطعها عرضا وإلا فهي في كثير من الأوقات كالبحر وأخطر مردود بأن البر فيها قريب أي غالبا فيسهل الخروج إليه اه بتصرف قوله فإن غلب الهلاك هو وما بعده محترز غلبة السلامة وقوله لهيجان الأمواج أي أو لخصوص ذلك البحر وقوله في بعض الأحوال أي الأوقات قوله أو استويا أي السلامة والهلاك ومثله جهل الحال كما في البجيرمي قوله لم يجب أي ركوب البحر بدليل الاضراب بعده ويحتمل لم يجب أي الحج أي لم يلزمه قوله بل يحرم الخ الاضراب انتقالي وقوله فيه أي في البحر قوله له ولغيره أي للحج ولغير الحج قوله وشرط للوجوب أي وجوب الحج ولو قال وشرط للاستطاعة في المرأة الخ لكان أولى قوله مع ما ذكر أي من وجدان الزاد والراحلة وأمن الطريق وغيرها مما تقدم وقوله أن يخرج معها محرم أي بنسب أو رضاع أو مصاهرة ولو فاسقا لأنه مع فسقه يغار عليها من مواقع الريب وقوله أو زوج أي ولو فاسقا لما تقدم وألحق بهما جمع عبدها الثقة إذا كانت هي ثقة أيضا والأجنبي الممسوح الذي لم يبق فيه شهوة للنساء قوله أو نسوة ثقاة بأن بلغن وجمعن صفات العدالة قال في التحفة ويتجه الاكتفاء بالمراهقات بقيده السابق وبمحارم فسقهن بغير نحو زنا أو قيادة ونحو ذلك ثم قال لكن نازع جمع في اشتراط ثلاث المصرح به كلامهما وقالوا ينبغي الاكتفاء بثنتين ويجاب بأن
стр. 627
لحرمة سفرها وحدها، وإن قصر، أو كانت في قافلة عظيمة، ولها - بلا وجوب - أن تخرج مع امرأة ثقة لاداء فرض الاسلام، وليس لها الخروج لتطوع، ولو مع نسوة كثيرة، وإن قصر السفر، أو كانت شوهاء.
وقد صرحوا بأنه يحرم على المكية التطوع بالعمرة من التنعيم مع النساء، خلافا لمن نازع فيه (مرة) واحدة في العمر (بتراخ) لا على الفور.
نعم، إنما يجوز التأخير بشرط العزم على الفعل في المستقبل، وأن لا يتضيقا عليه
ــ
خطر السفر اقتضى الاحتياط في ذلك على أنه قد يعرض لأحداهن حاجة تبرز ونحوه فيذهب اثنتان وتبقى اثنتان ولو
اكتفى بثنتين لذهبت واحدة وحدها فيخشى عليها اه قوله وذلك أي اشتراط خروج من ذكر معها وقوله لحرمة سفرها وحدها أي لخبر الصحيحين لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو محرم وفي رواية لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم وفي رواية بريدا إلا ومعها محرم وقوله يومين في الرواية الأولى وثلاثة أيام في الرواية الثانية وبريدا في الثالثة ليس قيد أو المراد كل ما يسمى سفرا سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يوما أو بريدا أو غير ذلك لرواية ابن عباس المطلقة لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم وهذا يتناول جميع ما يسمى سفرا قوله وإن قصر أي السفر وهو غاية لحرمة السفر وحدها قوله أو كانت أي المرأة وهو معطوف على قصر فهو غاية ثانية قوله ولها بلا وجوب الخ أفاد بهذا أن اشتراط جمع من النسوة الثقاة إنما هو للوجوب أما الجواز فلها أن تخرج مع امرأة واحدة ثقة ولها أيضا أن تخرج وحدها إذا تيقنت الأمن على نفسها كما في المغنى وعبارته تنبيه ما جزم به المصنف من اشتراط النسوة هو شرط للوجوب أما الجواز فيجوز لها أن تخرج لاداء حجة الاسلام مع المرأة الثقة على الصحيح في شرحي المهذب ومسلم قال الإسنوي فافهمه فإنهما مسألتان إحداهما شرط وجوب حجة الاسلام والثانية شرط جواز الخروج لا دائها اشتبهتا على كثير حتى توهموا اختلاف كلام المصنف في ذلك وكذا يجوز لها الخروج وحدها إذا أمنت وعليه حمل ما دل من الأخبار على جواز السفر وحدها قوله لاداء فرض الاسلام مثله لنذر والقضاء كما في التحفة قوله وليس لها الخروج لتطوع أي كنسك تطوع أو غيره من الاسفار التي لا تجب قال في التحفة نعم لو مات نحو المحرم وهو في تطوع فلها اتمامه اه.
قوله وإن قصر السفر غاية في امتناع خروجها للتطوع وقوله أو كانت شوهاء أي قبيحة المنظر وهو معطوف على قصر فهو غاية ثانية قوله وقد صرحوا الخ لا حاجة إليه بعد قوله وإن قصر السفر إذ هو صادق به ويمكن أن يقال أنه ساقه كالتأييد له وعبارة التحفة أما النفل فليس لها الخروج له مع نسوة وإن كثرن حتى يحرم على المكية الخ اه.
وقوله يحرم على المكية التطوع بالعمرة والحيلة إذا أرادت العمرة أن تنذر التطوع فحينئذ لا يحرم عليها الخروج لأنها صارت واجبة قوله خلافا لمن نازع فيه أي في تحريم خروج المكية للتنعيم قوله مرة واحدة وذلك لانه ﷺ لم يحج بعد فرض الحج إلا مرة واحدة وهي حجة الوداع ولخبر أبي هريرة ﵁ قال خطبنا رسول الله ﷺ فقال أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال لو قلت نعم لوجب ولما استطعتم.
رواه مسلم.
ولخبر الدارقطني بإسناد صحيح عن سراقة قال قلت يا رسول الله عمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد فقال لا بل للأبد وأما حديث البيهقي الآمر بالحج في كل خمسة أعوام فمحمول على الندب لقوله ﷺ من حج حجة أدى فرضه ومن حج حجة ثانية داين ربه ومن حج ثلاث حجج حرم الله شعره وبشره على النار قيل أن رجلا قتل وأوقد عليه طول الليل فلم تعمل فيه وبقي أبيض اللون فسألوا سعدون الخولاني عن ذلك فقال لعله حج ثلاث حجج قالوا نعم قوله بتراخ لا يصح تعلقه فيجبان لأنهما وجبا على المستطيع حالا والتراخي في الفعل بل متعلق بمحذوف أي ويفعلان بعد استكمال شروط الوجوب على التراخي وذلك لأن الحج وجب سنة ست وأخره النبي ﷺ -
стр. 628
بنذر، أو قضاء، أو خوف عضب، أو تلف مال بقرينة، ولو ضعيفة.
وقيل يجب - على القادر - أن لا يترك الحج في كل خمس سنين - لخبر فيه.
(فرع) تجب إنابة عن ميت عليه نسك من تركته - كما تقضى منه ديونه - فلو لم تكن له تركة، سن لوارثه أن
ــ
مع مياسير أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين إلى عشرة من غير شغل يحرب ولا خوف من عدو وقيس به العمرة كذا في ابن الجمال قوله لا على الفور قال في الإيضاح هذا مذهبنا وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى وأحمد والمزني يجب على الفور اه قوله نعم إنما يجوز التأخير الخ استدراك على قوله بتراخ الموهم أنه على الاطلاق من غير اشتراط شئ واعلم أنه إذا جاز له التأخير لو جود شروطه فأخر ومات تبين فسقه من وقت خروج قافلة بلده في آخر سنى الامكان إلى الموت فيرد ما شهد به وينقض ما حكم به قوله بشرط العزم على الفعل في المستقبل فلو لم يعزم على ما ذكر حرم عليه التأخير قوله وأن لا يتضيقا الخ معطوف على العزم أي وبشرط أن لا يتضيق عليه الحج والعمرة قوله بنذر بيان لتصوير تضيقهما أي يتصور تضيقهما بأن ينذر وقوعهما في سنة معينة كان قال الله على أن حج في هذه السنة أو أعتمر في هذه السنة فيجبان عليه بسببه فور أو إذا حج خرج من فرضه ومن نذره فيقع أصل الفعل عن الفرض والتعجيل عن النذر قال في البهجة وأجزأت فريضة الإسلام * عن نذر حج واعتمار العام قوله أو قضاء معطوف على نذر أي وان لا يتضيقا عليه بقضاء كأن أفسد حجه أو عمرته فإنه يجب عليه القضاء فورا قوله أو خوف عضب معطوف أيضا على نذر أي وان لا يتضيقا عليه بخوف عضب بقول عدلى طب أو معرفة نفسه فان تضيقا عليه بذلك حرم التأخير قال في الايضاح على الأصح اه وكتب ابن الجمال قوله على الأصح قال في شرح المهذب لأن الواجب الموسع لا يجوز تأخيره الا بشرط أن يغلب على الظن السلامة إلى وقت فعله وهذا مفقود
في مسئلتنا ووجه مقابل الأصح أن أصل الحج على التراخي فلا يتغير بأمر محتمل اه قوله أن تلف مال عطف على عضب أي أو خوف تلف مال وقوله بقرينة متعلق بمحذوف صفة لخوف بالنسبة للعضب وللتلف أي خوف حاصل له بقرينة ولو كانت ضعيفة قوله وقيل يجب الخ مقابل قوله مرة واحدة قوله لخبر فيه أي لخبر وارد في وجوب الحج في كل خمسة أعوام وهو أن عبدا صححت له جسمه ووسعت عليه في المعيشة تمضي عليه خمسة أعوام ولا يفد على لمحروم وفيه أن هذا الخبر لا يدل على وجوبه كل خمسة أعوام وإنما يدل على تأكد طلبه قوله تجب إنابة إلخ أي فورا وذلك لخبر البخاري عن ابن عباس ﵄ أن امرأة من جهينة جاءت إلى رسول الله ﷺ قالت إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال نعم حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته قالت نعم قال اقضوا حق الله فالله أحق بالوفاء شبه الحج بالدين وأمر بقضائه فدل على وجوبه وقوله عن ميت أي غير مرتد أما هو فلا تصح الإنابة عنه وهو معلوم من تعبيره بتركته إذا المرتد لا تركة له موروثة عنه لتبين زوال ملكه بالردة وقوله عليه نسك أي في ذمته نسك واجب حج أو عمرة ولو قضاء أو نذرا وذلك بأن مات بعد استقرار النسك عليه ولم يؤده وخرج بذلك ما إذا مات قبل أن يستقر عليه فلا يقضى من تركته لكن للوارث والأجنبي الحج والاحجاج عنه على المعتمد نظر إلى وقوع حجة الاسلام عنه وإن لم يكن مخاطبا بها في حياته وخرج أيضا النفل فلا يجوز التنفل عنه بالحج أو العميرة إلا أن أوصى به وقوله من تركته متعلق بإنابة وضميره يعود على الميت أي إنابة من تركته والمخاطب بها من عليه قضاء دينه من وصى فوارث فحاكم قوله كما تقضى منه ديونه الضمير الأول يعود على التركة والثاني يعود على الميت وذكر الضمير الأول باعتبار تأويل التركة بالميراث وفي بعض نسخ الخط منها وهو الأولى قوله فلو لم تكن له أي للميت وهو مقابل لمحذوف أي هذا إن كانت له تركة فلو لم تكن الخ قوله سن لوارثه أن يفعله عنه أي يفعل النسك عنه بنفسه أو
стр. 629
يفعله عنه، فلو فعله أجنبي، جاز، ولو بلا إذن، وعن آفاقي معضوب عاجز عن النسك بنفسه: لنحو زمانة، أو مرض لا يرجى برؤه - بأجرة مثل فضلت عما يحتاجه المعضوب يوم الاستئجار، وعما عدا مؤنة نفسه وعياله
ــ
نائبه قوله فلو فعله أي النسك من حج أو عمرة وقوله جاز أي فعل الأجنبي وتعبيره هنا بجازو في سابقه بسن يفيد عدم سنة للأجنبي وليس كذلك بل يسن له أيضا لكن الوارث يتأكد له قوله ولو بلا إذن قال في التحفة ويفرق بينه وبين توقف الصوم عنه على إذن القريب بأن هذا أشبه بالديون فأعطى حكمها بخلاف الصوم اه قوله وعن آفاقى معضوب معطوف على عن ميت أو وتجب الإنابة عن آفاقى معضوب بعين مهملة فضاد
معجمة من العضب وهو القطع كأنه قطع عن كمال الحركة أو بعين فصاد مهملة من العصب كأنه قطع عصبه ووجوب الإنابة على الفور أن عضب بعد الوجوب والتمكن وعلى التراخي أن عضب قبل الوجوب أو معه أو بعده ولم يمكنه الأداء وذلك لأنه مستطيع بالمال وهي كالاستطاعة بالنفس ولخبر الصحيحين أن امرأة من خثعم قالت يا رسول الله أن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال نعم والمراد بالآفاقي هنا من كان بينه وبين مكة مرحلتان فأكثر فلو كان المعضوب دون مرحلتين أو كان بمكة لزمه أن يحج بنفسه لأنه لا يتعذر عليه الركوب فيما مر من محمل فمحفة فسرير ولا نظر للمشقة عليه لاحتمالها في حد القرب وإن كانت تبيح التيمم فإن عجز عن ذلك حج عنه بعد موته من تركته كما في التحفة وفي النهاية كالمغنى عدم لزوم الحج بنفسه أن أنهاه الضنى إلى حالة لا يحتمل الحركة معها يحال فتجوز الإنابة حينئذ قال الكردي واعتمد الشارح في حاشيته على متن العباب عدم الصحة للمكي مطلقا والصحة لمن هو على دون مسافة القصر وتعذر عليه بنفسه ولو على سرير يحمله رجال اه ولو استأجر من يحج عنه فحج عنه ثم شفى لم يجزه ولم يقع عنه فلا يستحق الأجير أجرة ويقع الحج نفلا للأجير ولو حضر مكة أو عرفة في سنة حج الأجير لم يقع عنه لتعين مباشرته بنفسه ويلزمه للأجير الأجرة وفرق بينه وبين ما إذا شفى بعد حج الأجير بأنه لا تقصير منه في حق الأجير بالشفاء بخلاف الحضور فأنه بعد أن ورط الأجير مقصر به فلزمته أجرته كذا في سم عن شرح العباب قوله عاجز بالجر صفة كاشفة لمعضوب فهي كالتفسير له وضابط العاجز الذي تصح له الإنابة أن يكون بحيث لا يستطيع الثبوت على المركوب ولو على سرير يحمله رجال إلا بمشقة شديدة لا تحتمل عادة قال النووي في شرح مسلم ومذهبنا ومذهب الجمهور جواز الحج عن العاجز بموت أو عضب وهو الزمانة والهرم ونحوهما وقال مالك والليث والحسن بن صالح لا يحج أحد إلا عن ميت لم يحج حجة الاسلام قال القاضي عياض وحكى عن النخعي وبعض السلف لا يصح الحج عن ميت ولا غيره وهي رواية عن مالك وإن أوصى به ثم قال النووي ويجوز الاستنابة في حجة التطوع على أصح القولين عندنا اه قوله لنحو زمانة متعلق بعاجز واللام تعليلية أي عاجز لاجل نحو زمانة وهي الابتلاء والعاهة وضعف الحركة من تتابع المرض والندرج تحت نحو الكبر والهرم وقوله أو مرض معطوف على زمانة من عطف العام على الخاص وقوله لا يرجى برؤه الجملة صفة لمرض أي لا يرجى الشفاء منه أي بقول عدلى طب أو بمعرفة نفسه إن كان عارفا قوله بإجرة مثل متعلق بإنابة مقدرة أي وتجب الإنابة عنه
بوجود أجرة مثل أي أو دونها أن رضي الأجير به لا بأكثر وان قل قال في حاشية الايضاح وشرح الرملي وابن علان وغيرها يشترط في الأجير أن يكون عدلا وإلا لم تصح إنابته ولو مع المشاهدة لأن نيته لا يطلع عليها وبهذا يعلم أن هذا شرط في كل من يحج عن غيره بإجازة أو جعلة وفي فتاوى ابن حجر ما يقتضي جواز استئجار المعضوب عن نفسه فاسقا.
اه.
ومثل وجود أجرة المثل في وجوب الإنابة: وجود متبرع يحج عنه معضوب عدل قد حج عن نفسه.
وإذا كان بعضا، اعتبر فيه كونه غير ماش، ولا معول على الكسب أو السؤال، إلا أن يكتسب في يوم كفاية أيام وكان السفر قصيرا لا وجود متطوع بمال للأجرة، فلا تجب الإنابة به لعظم المنة.
стр. 630
بعده، ولا يصح أن يحج عن معضوب بغير إذنه، لان الحج يفتقر للنية، والمعضوب أهل لها وللاذن.
(أركانه) أي الحج: ستة.
أحدها: (إحرام) به، أي بنية دخول فيه، لخبر: إنما الاعمال بالنيات.
ولا يجب تلفظ بها، وتلبية، بل يسنان فيقول بقلبه ولسانه: نويت الحج، وأحرمت به لله تعالى - لبيك اللهم لبيك إلى آخره.
ــ
واعلم أي الإجارة من حيث هي قسمان: إجارة عين - كاستأجرتك لتحج عني، أو عن ميتي بكذا ويشترط لصحتها أن يكون الأجير قادرا على الشروع في العمل، فلا يصح استئجار من لا يمكنه الشروع لنحو مرض أو خوف، أو قبل خروج القافلة، لكن لا يضر انتظار خروجها بعد الاسئجار.
فالمكي ونحوه يستأجر في أشهر الحج لتمكنه من الإحرام، وغيره يستأجر عند خروجه، بحيث يصل الميقات في أشهر الحج، ويتعين فيها أن يحج الأجير بنفسه.
وإجارة ذمة - كألزمت ذمتك الحج عني، أو عن ميتي - فتصح، ولو لمستقبل، بشرط حلول الأجرة وتسليمها في مجلس العقد.
وله أن يحج بنفسه، وأن يحج غيره، ويجوز أن يحج عن غيره بالنفقة.
واغتفر الجهالة فيه، لأنه ليس إجارة، ولا جعالة، بل إرفاق.
(قوله: فضلت) أي الأجرة.
(قوله: عما يحتاجه) أي من مؤنته ومؤنة عياله.
(قوله: يوم الاستئجار) أي وليلته، كما في عبد الرؤوف.
(قوله: وعما عدا الخ) معطوف على عما يحتاجه، أي وفضلت عما عدا مؤنة نفسه وعياله بعد يوم الاسئجار أي عما عدا نفقته ونفقة عياله بعده.
فالمراد بالمؤنة هنا: خصوص النفقة، لا ما يشمل الكسوة والسكنى والخادم، وإلا لم يبق لما عداها شئ يندرج فيه، إذ المراد بما عداها ما ذكر - من الكسوة، والخادم، والسكنى، ونحوها.
والحاصل يشترط في الأجرة أن تكون فاصلة عن جميع ما يحتاجه من نفقة وكسوة وخادم لنفسه أو لعياله بالنسبة ليوم الاستئجار.
ويشترط أن تكون فاضلة عن جميع ما يحتاجه أيضا بالنسبة لما بعد يوم الاستئجار، ما عدا النفقة، أما
هي سواء كانت لنفسه أو لعياله - فلا يشترط أن تكون الأجرة فاضلة عنها بعد يوم الاستئجار، وذلك لأنه إذا لم يفارق البلد أمكنه تحصيلها، ولو بالغرض.
(قوله: ولا يصح أن يحج) يقرأ بالبناء للمجهول، والجار والمجرور نائب فاعله، أي ولا يصح أن يحج أحد قريبا كان أو أجنبيا عن معضوب.
وقوله بغير إذنه متعلق بيحج، والضمير يعود على المعضوب.
(قوله: لأن الحج الخ) تعليل لعدم الصحة.
(قوله: والمعضوب أهل لها) أي للنية، إذ لو تكلف الحج وحج صح حجه.
(وقوله: وللإذن) أي وأهل للإذن.
(فائدة) لو امتنع المعضوب من الإذن، لم يأذن الحاكم عنه، ولا يجبره عليه وإن تضيق إلا من باب الأمر بالمعروف.
(قوله: أركانه أي الحج) أي أجزاؤه.
فالإضافة من إضافة الأجزاء إلى الكل، أو من إضافة المفصل للمجمل.
(وقوله: ستة) وقيل أربعة بعد الحلق أو التقصير واجبا، وبإسقاط الترتيب.
(قوله: أحدها) أي الأركان.
(وقوله: إحرام به) أي بالحج.
(قوله: أي بنية دخول) تفسير لمعنى الإحرام هنا.
وفسره به لأنه الملائم للركنية، ويفسر أيضا بنفس الدخول، إلا أنه بهذا المعنى لا يعد ركنا بل يجعل موردا للصحة والفساد، بحيث يقال: صح الإحرام، أو فسد الإحرام.
(قوله: لخبر الخ) دليل لركنية الإحرام على التفسير الذي ذكره.
(قوله: ولا يجب تلفظ بها) أي بالنية المرادة من الإحرام.
(قوله: وتلبية) أي ولا يجب تلبية، فهو بالرفع معطوف على تلفظ.
وقوله: بل يسنان أي التلفظ بها والتلبية.
(وقوله: فيقول بقلبه) أي وجوبا.
وقوله: وبلسانه أي ندبا.
وقوله: نويت الحج أي أو العمرة، أو هما، أو النسك.
وقوله: وأحرمت به لله تعالى عطف مرادف أتى به للتأكيد ولا تجب نية الفرضية جزما، لأنه لو نوى به النفل وقع عن الفرض.
ولو تخالف القلب واللسان فالعبرة بما في القلب.
هذا إن حج عن نفسه، فإن حج أو اعتمر عن غيره
стр. 631
(و) ثانيها: (وقوف بعرفة) أي حضوره بأي جزء منها ولو لحظة، وإن كان نائما، أو مارا، لخبر الترمذي:
الحج عرفة وليس منها: مسجد إبراهيم ﵇، ولا نمرة.
والافضل للذكر تحري موقفه (ص)، وهو عند الصخرات المعروفة.
وسميت عرفة، قيل: لان آدم وحواء تعارفا بها، وقيل غير ذلك.
ووقته (بين زوال)
ــ
قال: نويت الحج أو العمرة عن فلان، وأحرمت به لله تعالى.
ولو أخر لفظ عن فلان عن وأحرمت به لم يضر على المعتمد إن كان عازما عند نويت الحج مثلا أن يأتي به، وإلا وقع للحاج نفسه.
وقوله: لبيك اللهم لبيك إلخ يسن أن يذكر في هذه التلبية ما أحرم به، ولا يجهر فيها.
(قوله: وثانيها) أي ثاني أركان الحج.
وقوله: أي حضوره تفسير مراد للوقوف بعرفة.
أي أن المراد بالوقوف حضور المحرم في أرض عرفات مطلقا.
والمراد بالمحرم الأهل للعبادة، فلا يكفي حضور غير الأهل لها كالمجنون، والمغمى عليه، والسكران جميع وقت الوقوف لكن يقع حج المجنون نفلا
كالصبي الذي لا يميز فيبني وليه بقية الأعمال على ما مضى.
وكذا المغمى عليه والسكران، إن أيس من إفاقتهما.
وقوله: بأي جزء منها أي من عرفة، وذلك لخبر مسلم: وقفت ههنا، وعرفة كلها موقف.
ويكفي ولو على ظهر دابة، أو شجرة فيها، لا على غصن منها، وهو خارج عن هوائها، وإن كان أصلها فيها، ولا على غصن فيها دون أصلها.
وقال ابن قاسم: يكفي في هذه الصورة الوقوف عليه قياسا على الاعتكاف ولا يكفي الطيران في هوائها أيضا، خلافا للشبراملسي.
(قوله: ولو لحظة) أي يكفي حضوره في عرفة ولو لحظة.
(قوله: وإن كان نائما) أي يكفي ما ذكره، وإن كان نائما أو مارا، ولو في طلب آبق، وإن لم يعلم أن المكان مكانها، ولا أن اليوم يومها.
(قوله: لخبر الترمذي الخ) دليل على ركنية الوقوف.
(قوله: الحج عرفة) جملة معرفة الطرفين فتفيد الحصر أي الحج منحصر في عرفة أي في الوقوف لا يتجاوزه إلى غيره، وليس كذلك.
ويجاب بأنه على حذف مضاف، أي أنها معظمة، وخصت بالذكر مع أن الطواف أفضل منها كما يأتي لكونه يفوت الحج بفواتها، دونه.
اه.
بجيرمي.
(قوله: وليس منها) أي من عرفة.
مسجد إبراهيم، أي صدره، وهو محل الخطبة والصلاة، وذلك لأنه من عرفة، وأما آخره فهو من عرفة.
(قوله: ولا نمرة) أي وليس منها نمرة وهو بفتح النون وكسر الميم موضع بين طرف الحل وعرفة.
وليس منها أيضا وادي عرفة.
قال في الإيضاح: واعلم أنه ليس من عرفات وادي عرفة، ولا نمرة، ولا المسجد الذي يصلي فيه الإمام المسمى بمسجد إبراهيم ﵇ ويقال له مسجد عرفة، بل هذه المواضع خارج عرفات على طرفها الغربي مما يلي مزدلفة.
اه.
وقوله: ولا المسجد أي صدره كما علمت.
(قوله: والأفضل للذكر) أي ولو صبيا، وخرج بالذكر الأنثى والخنثى، فإن الأفضل لهما الوقوف في حاشية الموقف، ما لم يخشيا ضررا.
(وقوله: تحرى موقفه) أي قصده.
(قوله: وهو) أي موقفه ﷺ .
(وقوله: عند الصخرات المعروفة) أي وهي المفترشة في أسفل جبل الرحمة الذي بوسط أرض عرفة.
واعلم أن الصعود على الجبل للوقوف عليه كما يفعله العوام خطأ، مخالف للسنة كما نص عليه في الإيضاح.
(قوله: وسميت) أي الأرض التي يجب الوقوف فيها.
فنائب الفاعل يعود على معلوم من السياق.
(قوله: لأن آدم وحواء تعارفا بها) أي حين هبط من الجنة ونزل بالهند، ونزلت بجدة.
(قوله: وقيل غير ذلك) أي وقيل في سبب التسمية غير ذلك، وهو أن جبريل لما عرف إبراهيم مناسك الحج، وبلغ الشعب الأوسط الذي هو موقف الإمام، قال له: أعرفت؟ قال: نعم.
فسميت عرفات.
وقيل إنما سميت بذلك: من قولهم عرفت المكان إذا طيبته ومنه قول الله تعالى: * (الجنة عرفها لهم) (١) * أي طيبها لهم.
(فائدة) قال ﷺ : أفضل الأيام يوم عرفة، وإذا وافق يوم جمعة فهو أفضل من سبعين حجة في غير يوم الجمعة.
أخرجه رزين.
وعن النبي ﷺ : إذا كان يوم عرفة يوم جمعة غفر الله لجميع أهل الموقف - أي بغير واسطة - وفي غير يوم الجمعة يهب قوما لقوم.
стр. 632
للشمس يوم عرفة، وهو تاسع ذي الحجة، (و) بين طلوع (فجر) يوم (نحر).
وسن له الجمع بين الليل والنهار، وإلا أراق دم تمتع - ندبا.
(و) ثالثها: (طواف إفاضة) ويدخل وقته بانتصاف ليلة النحر، وهو أفضل الاركان، حتى من الوقوف، خلافا للزركشي.
ــ
ويروى عن محمد بن المنكدر أنه حج ثلاثا وثلاثين حجة، فلما كان آخر حجة حجها، قال وهو بعرفات: اللهم إنك تعلم أنني قد وقفت في موقفي هذا ثلاثا وثلاثين وقفة، فواحدة عن فرضي، والثانية عن أبي، والثالثة عن أمي، وأشهدك يا رب أني قد وهبت الثلاثين لمن وقف موقفي هذا، ولم تتقبل منه.
فلما دفع من عرفات ونزل بالمزدلفة، نودي في المنام: يا ابن المنكدر، أتتكرم على من خلق الكرم؟ أتجود على من خلق الجود؟ أن الله تعالى يقول لك: وعزتي وجلالي، لقد غفرت لمن وقف بعرفات قبل أن أخلق عرفات بألفي عام.
وعن علي بن الموفق رحمة الله عليه قال: حججت في بعض السنين، فنمت بين مسجد الخيف ومنى، فرأيت ملكين قد نزلا من السماء، فقال أحدهما لصاحبه: يا عبد الله، أتعلم كم حج بيت ربنا في هذه السنة؟ قال: لا.
قال ستمائة ألف.
ثم قال له: أتدري كم قبل منهم؟ قال: لا.
قال ستة أنفس.
ثم ارتفعا في الهواء، فقمت وأنا مرعوب، وقلت: واخيبتاه أين أكون أنا في هذه الستة أنفس؟ فلما وقفت بعرفة وبت بالمزدلفة، رأيت الملكين قد نزلا من السماء على عادتهما، فسلم أحدهما على الآخر، وقال: يا عبد الله، أتدري ما حكم ربك في هذه الليلة؟ قال: لا.
قال: فإنه وهب لكل واحد من الستة المقبولين مائة ألف، وقد قبلوا جميعا.
قال: فانتبهت، وبي من السرور ما لا يعلمه إلا الله تعالى، إذ قبل الحجاج جميعهم ومنحهم برا وجودا، ولم يجعل منهم شقيا ولا محروما، ولا مطرودا.
(قوله: ووقته) أي الوقوف.
وقوله: بين زوال إلخ أي يدخل بزوال شمس ذلك اليوم، ويخرج بطلوع فجر يوم النحر.
فمن وقف قبل الزوال وذهب من عرفة، لا يصح وقوفه، وكذلك من وقف بعد الفجر.
ومن وقف بينهما صح وقوفه، ولو لحظة قبل الفجر، وذلك لانه ﷺ وقف بعد الزوال رواه مسلم، وأنه قال: من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج.
وفي رواية: من جاء عرفة ليلة جمع أي ليلة مزدلفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج.
((قوله: وهو) أي يوم عرفة.
(وقوله: تاسع ذي الحجة) فلو وقفوا قبله أو بعده لم يصح وقوفهم.
نعم، إن وقف الحجيج أو
فرقة منهم وهم كثير على العادة يوم العاشر للجهل - بأن غم عليهم هلال ذي حجة صح.
وإن وقفوا بعد التبين، كما إذا ثبت الهلال ليلة العاشر، ولم يتمكن من الوقوف فيها لبعد المسافة، وإليه حينئذ تنتقل أحكام التاسع كلها، فلا يعتد بوقوفهم قبل الزوال، ولا يصح رمي جمرة العقبة إلا بعد نصف ليلة الحادي عشر والوقوف.
وهكذا جميع الأحكام.
(قوله: وسن له) أي للحاج، الجمع بين الليل والنهار، وقيل يجب.
(قوله: وإلا) أي وإن لم يجمع بينهما.
(وقوله: أراق دم تمتع) أي دما كدم التمتع في كونه مرتبا مقدرا.
وقوله: ندبا أي وعلى المعتمد، وعلى مقابله تجب إراقة دم.
(قوله: وثالثها) أي أركان الحج.
(وقوله: طواف إفاضة) أي لقوله تعالى: * (وليطوفوا بالبيت العتيق) * (١).
(فائدة) سمى البيت عتيقا: لأن الله تعالى أعتقه من أيدي الجبابرة، فلم يسلط عليه جبار قط، بل كل من قصده بسوء هلك.
وقال أبو بكر الواسطي: إنما سمي عتيقا لأن من طاف به صار عتيقا من النار، ولله در من قال: طوبى لمن طاف بالبيت العتيق وقد * * لجا إلى الله في سر وإجهار ونال بالسعي كل القصد حين سعى * * وطاف جهرا بأركان وأستار
стр. 633
(و) رابعها: (سعي) بين الصفا والمروة (سبعا) - يقينا - بعد طواف قدوم ما لم يقف بعرفة، أو بعد طواف إفاضة.
فلو اقتصر على ما دون السبع لم يجزه، ولو شك في عددها قبل فراغه أخذ بالاقل، لانه المتيقن.
ومن
ــ
ذاك السعيد الذي قد نال منزلة * * علياء في دهره من كل أوطار وكل من طاف بالبيت العتيق غدا * * بين الورى معتقا حقا من النار (قوله: ويدخل وقته) أي طواف الإفاضة.
وقوله: بانتصاف ليلة النحر أي بدخول النصف الثاني من ليلة النحر، فلو طاف قبله لم يصح.
(قوله: وهو) أي الطواف.
(وقوله: أفضل الأركان) أي لأنه مشبه بالصلاة ومشتمل عليها، والصلاة أفضل من الحج، والمشتمل على الأفضل أفضل.
وهذا معتمد الرملي.
واستوجهه شيخ الإسلام.
وقال ابن حجر في التحفة: الوقوف أفضل على الأوجه لخبر: الحج عرفة أي معظمه كما قالوه ولتوقف صحة الحج عليه، ولأنه جاء فيه من حقائق القرب وعموم المغفرة وسعة الإحسان ما لم يرد في الطواف الخ.
اه.
(قوله: خلافا للزركشي) أي القائل إن الوقوف أفضل الأركان لما مر.
(قوله: ورابعها: سعي) أي ورابع الأركان: السعي بين الصفا والمروة، لما روى الدارقطني وغيره بإسناد حسن أنه ﷺ استقبل القبلة في المسعى، وقال: يا أيها الناس، اسعوا فإن السعي قد
كتب عليكم، أي فرض.
وأصل السعي: الإسراع، والمراد به هنا: مطلق المشي.
وشروطه سبعة، ذكر بعضها المؤلف، وهي: قطع جميع المسافة بين الصفا والمروة، وكونه سبعا، وكونه من بطن الوادي، والترتيب بأن يبدأ بالصفا في الأوتار، وبالمروة في الأشفاع وأن لا يكون منكوسا، ولا معترضا كالطواف، وعدم الصارف عنه كما يفعله العوام من المسابقة وأن يقع بعد طواف صحيح قدوم أو إفاضة.
وقد نظمها م د فقال: شروط سعي سبعة وقوعه * * بعد طواف صح ثم قطعه مسافة سبعا ببطن الوادي * * مع فقد صارف عن المراد وليس منكوسا ولا معترضا * * والبدء بالصفا كما قد فرضا (قوله: يقينا) صفة لسبعا.
(قوله: بعد طواف قدوم) متعلق بمحذوف صفة لسعي، أي سعي واقع بعد طواف قدوم.
(قوله: ما لم يقف بعرفة) أي ما لم يتخلل بين طواف القدوم والسعي الوقوف بعرفة، فإن تخلل لم يصح سعيه بعده - لقطع تبعيته للقدوم بالوقوف - فيلزمه تأخيره إلى ما بعد طواف الإفاضة.
ولو نزل من عرفة إلى مكة قبل نصف الليل، هل يسن له طواف القدوم ويجوز له السعي عقبه أم لا؟ اضطراب كلام ابن حجر فيه - فجرى في التحفة على أنه يسن له طواف القدوم، ولا يجوز السعي بعده.
وعلله بأن السعي متى أخر عن الوقوف وجب وقوعه بعد طواف الإفاضة، وجرى في حاشيته على الإيضاح على سنية القدوم، وجواز السعي بعده، وعبارتها ومر عن الأذرعي أنه يسن لمن دفع من عرفة إلى مكة قبل نصف الليل طواف القدوم، فعليه يجوز له السعي بعده.
وقد يفهمه قولهم لو وقف لم يجز السعي إلا بعد طواف الإفاضة لدخول وقته، وهو فرض، فلم يجز بعد نفل مع إمكانه بعد فرض.
اه.
فأفهم التعليل بدخول وقته جوازه قبله.
اه.
والمعتمد ما في التحفة، لأنه إذا اختلف كلامه في كتبه فالمعتمد ما في التحفة.
(قوله: أو بعد طواف إفاضة) معطوف على بعد طواف القدوم.
فشرط صحة السعي أن يقع بعد أحد هذين الطوافين القدوم أو الركن، وذلك لأنه الوارد عنه ﷺ ، بل حكي فيه الإجماع، فلا يجوز بعد طواف نفل كأن أحرم من بمكة بحج منها، ثم تنفل بطواف، وأراد السعي بعده كما في المجموع.
اه.
تحفة.
(قوله: فلو اقتصر) أي الساعي.
وقوله: على ما دون السبع محترز سبعا.
وقوله: لم يجزه أي السعي.
(قوله: ولو شك إلخ) محترز يقينا.
وقوله: في عددها أي السبع المرات، بأن تردد هل سعى ستا أو سبعا (١)؟.
(قوله: قبل فراغه) أي السعي.
واحترز به عما إذا وقع الشك بعد فراغه، فإنه لا يؤثر.
стр. 634
سعى بعد طواف القدوم لم يندب له إعادة السعي بعد طواف الافاضة، بل يكره.
ويجب أن يبدأ فيه في المرة الاولى بالصفا ويختم بالمروة - للاتباع - فإن بدأ بالمروة لم يحسب مروره منها إلى الصفا وذهابه من الصفا إلى المروة مرة وعوده منها إليه مرة أخرى.
ويسن - للذكر - أن يرقى على الصفا والمروة قدر قامة.
وأن يمشي أول
ــ
(قوله: أخذ بالأقل) وهو الست.
أي وجوبا.
(قوله: لأنه) أي الأقل هو المتيقن.
(قوله: ومن سعى بعد طواف القدوم لم يندب إلخ) لانه ﷺ وأصحابه سعوا بعد طواف القدوم، ولم يعيدوه بعد الإفاضة.
(قوله: بل يكره) أي ما ذكر من الإعادة.
ولو عبر بالتاء بدل الياء لكان أولى.
وما ذكر من الكراهة هو ما جزم به في الروض، وأقره شيخ الإسلام في شرحه، واعتمداه في التحفة والنهاية.
وظاهر عبارة المغني أنها خلاف الأولى، وهذا كله في الكامل.
أما الناقص برق أو صبا إذا أتى بالسعي بعد القدوم، ثم كمل قبل الوقوف، أو فيه، أو بعده، وأعاده وجبت عليه الإعادة، وفي غير القارن.
أما هو، فاعتمد الخطيب أنه يسن له الإتيان بطوافين وسعيين.
واعتمد غيره أنه كغير القارن، فلا يسن له إعادة الطواف والسعي.
(قوله: ويجب أن يبدأ فيه) أي في السعي.
(وقوله: في المرة الأولى) بدل بعض أو اشتمال من الجار والمجرور قبله.
(قوله: للاتباع) هو قوله ﷺ لما قالوا له: أنبدأ بالصفا أم بالمروة؟ إبدأوا بما بدأ الله به.
(قوله: وذهابه من الصفا إلى المروة مرة الخ) هذا هو الصحيح الذي قطع به جماهير العلماء، وعليه العمل في الأزمنة كلها.
وأما ما ذهب إليه بعضهم من أنه يحسب الذهاب والعود مرة واحدة - فهو فاسد لا يعول عليه.
ولا يسن الخروج من خلافه، بل يكره، وقيل يحرم، ولا بد من استيعاب ما بينهما في كل مرة بأن يلصق عقبه أو حافر دابته بأصل ما يذهب منه، ورأس أصابعه بما يذهب إليه.
قال عبد الرؤوف: فلا يكفي رأس النعل الذي تنقص عنه الأصابع إلخ.
وأقره ابن الجمال.
قال ابن حجر في شرح بأفضل: وبعض درج الصفا محدث، فليحذر من تخلفها وراءه.
قال الكردي: وهذا الذي ذكره الشارح هنا هو المعتمد عنده، وكذلك شيخ الإسلام والمغني والنهاية.
وجرى م ر في شرح الإيضاح وابن علان على أن الدرج المشاهد الآن ليس شئ منه بمحدث، وأنه يكفي إلصاق الرجل أو حافر الدابة بالدرجة السفلى، بل الوصول لما سامت آخر الدرج المدفونة كاف، وإن بعد عن آخر الدرج الموجودة اليوم بأذرع، وفيه فسحة عظيمة للعوام، فإنهم لا يصلون لآخر الدرج، بل يكتفون بالقرب منه.
هذا كله في درج الصفا.
أما المروة فقد اتفقوا فيها على أن العقد الكبير المشرف الذي بوجهها هو حدها، لكن الأفضل أن يمر تحته، ويرقى على البناء المرتفع بعده.
اه.
وقوله: هو المعتمد عنده لعله في غير التحفة، وإلا فقد عقبة فيها بقوله كذا قال المصنف وغيره.
ويحمل على أن هذا باعتبار زمنهم، وأما الآن فليس شئ بمحدث لعلو الأرض حتى غطت درجات
كثيرة.
اه.
(قوله: ويسن للذكر) خرج به الأنثى والخنثى، فلا يسن لهما الرقي، ولو في خلوة - على الأوجه الذي اقتضاه إطلاقهم - خلافا للأسنوي ومن تبعه، اللهم إلا إذا كانا يقعان في شك لولا الرقي، فيسن لهما حينئذ - على الأوجه - احتياطا.
اه.
تحفة.
واعتمد في النهاية أنهما لا يسن لهما الرقي إلا إن خلا المحل عن غير المحارم فيما يظهر، قال: وما اعترض به من أن المطلوب من المرأة - ومثلها الخنثى - إخفاء شخصها ما أمكن، وإن كانت في خلوة.
يرد بأن الرقي مطلوب لكل أحد، غير أنه سقط عن الأنثى والخنثى طلبا للستر، فإذا وجد ذلك مع الرقي صار مطلوبا، إذ الحكم يدور مع العلة، وجودا وعدما.
اه.
(قوله: إن يرقى على الصفا والمروة قدر قامة) في مذهبنا قول بوجوب الرقي، وعبارة الإيضاح مع شرحه لابن
стр. 635
السعي وآخره، ويعدو - الذكر - في الوسط، ومحلهما معروف.
(و) خامسها: (إزالة شعر) من الرأس، بحلق أو تقصير، لتوقف التحلل عليه - وأقل ما يجزئ ثلاث شعرات، فتعميمه (ص) لبيان الافضل، خلافا لمن أخذ منه وجوب التعميم.
وتقصير المرأة أولى من حلقها، ثم
ــ
الجمال: وقال بعض أصحابنا هو أبو حفص عمر بن الوكيل يجب الرقي على الصفا والمروة بقدر قامة.
هكذا نقل البغوي عنه، وجرى عليه في الروضة وأصلها، والمشهور عنه وجوب صعود يسير، وهو الذي نقله عنه في المجموع، وهذا ضعيف، والصحيح المشهور أنه لا يجب، لكن الاحتياط أن يصعد، للخروج من الخلاف والتيقن.
فاحفظ ما ذكرناه في تحقيق واجب المسافة، فإن كثيرا من الناس يرجع بغير حج إن كان نسكهم حجا، ولا عمرة إن كان عمرة، لإخلاله بواجبه.
وبالله التوفيق.
اه.
وقد علمت أن هذا بالنظر لما كان، وأما الآن، فقد غلت الأرض حتى غطت درجات كثيرة، فقطع المسافة متيقن من غير رقي أصلا.
وقال في التحفة: الرقي الآن بالمروة متعذر، لكن بآخرها دكة، فينبغي رقيها، عملا بالوارد ما أمكن.
اه.
وقال البجيرمي إن الرقي الآن بقدر قامة غير متأت.
(قوله: وأن يمشي) معطوف على أن يرقى، فيكون لفظ يسن مسلطا عليه، لكن بقطع النظر عن قيده، وهو للذكر، لأن المشي لا فرق فيه بين الذكر وغيره.
أي ويسن أن يمشي الساعي أول السعي على هينته.
(وقوله: ويعدو الذكر) أي ويسن أن يعدو الذكر في الوسط.
والعدو الإسراع في المشي.
وخرج بالذكر الأنثى والخنثى، فيمشيان على هينتهما في
جميع المسعى، ولو في خلوة وليل على المعتمد وقيل يعدوان بليل عند الخلوة.
(قوله: ومحلهما معروف) أي محل المشي ومحل العدو معروفان.
فمحل العدو ابتداؤه من قبل الميل الأخضر المعلق بركن المسجد بستة أذرع إلى أن يتوسط الميلين الأخضرين، أحدهما بجدار دار العباس ﵁ وهي الآن رباط منسوب إليه والآخر بجدار المسجد ومحل المشي ما عدا ذلك.
(قوله: وخامسها إزالة شعر) أي وخامس الأركان إزالة شعر.
أي إذا كان في رأسه شعر، وإلا فيسقط عنه، لكن يسن إمرارا الموسى.
وعده من الأركان مبني على جعله نسكا أي عبادة وهو المشهور المعتمد.
ومقابله أنه استباحة محظور، أي ممنوع بمعنى محرم عليه قبل ذلك، من الحظر وهو المنع بمعنى التحريم، وهو مبني على أنه ليس نسكا، وهو ضعيف.
ويترتب على جعله نسكا أنه يثاب عليه.
وعلى جعله استباحة محظور أنه لا يثاب عليه.
قال في النهاية مع الأصل والحلق أي إزالة شعر الرأس أو التقصير في حج أو عمرة في وقته نسك على المشهور، فيثاب عليه، إذ هو للذكر أفضل من التقصير، والتفضيل إنما يقع في العبادات.
وعلى هذا هو ركن كما سيأتي وقيل واجب.
والثاني هو استباحة محظور، فلا يثاب عليه، لأنه محرم في الإحرام، فلم يكن نسكا، كلبس المخيط.
اه.
(قوله: من الرأس) أي من شعره، فلا يجزئ شعر غيره وإن وجبت فيه الفدية لورود لفظ الحلق أو التقصير فيه، واختصاص كل منهما عادة بشعر الرأس.
وشمل ذلك المسترسل عنه، وما لو أخذها متفرقة.
(قوله: بحلق) هو استئصال الشعر بالموسى.
(وقوله: أو تقصير) هو قطع الشعر من غير استئصال.
والحلق والتقصير ليسا متعينين، فالمدار على إزالة الشعر بأي نوع من أنواع الإزالة، حلقا، أو تقصيرا، أو نتفا، أو إحراقا، أو قصا.
(قوله: لتوقف التحلل عليه) أي على ما ذكر من إزالة الشعر.
وكان الأولى أن يزيد كما في المنهج مع عدم جبره بدم، لإخراج رمي جمرة العقبة، لأنه وإن توقف التحلل عليه لكنه يجر بدم، فهو ليس بركن.
(قوله: وأقل ما يجزئ) أي من إزالة الشعر.
(قوله: ثلاث شعرات) أي إزالة ثلاث شعرات، لقوله تعالى: * (محلقين رؤوسكم ومقصرين) * (١) لأن الرأس لا يحلق، والشعر جمع، وأقله ثلاث كذا استدلوا به، ومنهم المصنف في المجموع قال الأسنوي: ولا دلالة في ذلك، لأن الجمع إذا كان مضافا كان للعموم، وفعله ﷺ يدل عليه أيضا.
نعم، الطريق إلى توجيه المذهب أن يقدر لفظ الشعر منكرا مقطوعا عن الإضافة.
والتقدير شعرا من رؤوسكم.
أو نقول قام الإجماع كما نقله في المجموع