٩ - ما زلتُ أشهد نطقه ودُعابَه الـ ... الأشياخَ في أدبٍ وفي إحسانِ
١٠ - قد قلَّ في أقرانه مَنْ شِبْهَهُ ... فالحمد قبلُ وبعد للمنانِ
١١ - أرثيه ثم أقول معتذراً له ... وُفِّقْتَ حين تركت دار هوانِ (١)
١٢ - إني أعزِّي والداً فيه وقد ... عزَّيتُ فيه يراعتي وبناني
١٣ - عزيتُ فيه الصحب ثم إليكمو ... أُهدي نصيحةَ مشفقٍ ولهانِ
١٤ - يا إخوتي هذي المنايا دأبُها ... فقد الحبيب ومُوْجِعُ الهُجرانِ
١٥ - هلاّ اعتبرنا في فناءٍ قد سَرَى ... في الناس منذُ الخلقِ للأكوانِ
١٦ - هذي الحياةُ متاعبٌ ومصاعبٌ ... شَمِّر هُديت إلى ادِّكارِ معانِ
١٧ - ثم السؤال من الإله بفضلهِ ... أن يرحم الأخَ (عابد الرحمنِ)
١٨ - فهو الكريمُ كذا الرحيمُ بِخَلْقه ... وهو القديرُ وواسع الغفرانِ
١٩ - يا ربِّ فارحَمْهُ ووسِّع قَبْرَهُ ... وانشر لَهُ نُوراً بِكُلِّ مكانِ
٢٠ - وافسح له في لَحْدِهِ أُفُقَ المدى ... وافْرُجْ له فُرُجاً من الرضوانِ
٢١ - رَوْحٌ وريحانٌ عذوقُ ثِمَارِها ... والحورَ أوْلِ زميلنا القحطاني
ثُمَّ الصلاةُ على النّبيِّ محمّدٍ ... ما صَوَّتَ القُمْري على الأغصانِ
وكتبه: عبد الرحمن بن حمود بن سعد البدراني.
стр. 72
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٤ - (٦) الخشوع والإخبات لله تعالى
بقلم الشيخ المعبِّر حسن بن شريف المشيخي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فلا شك بأنني آخر من كتب من الإخوة المشايخ، والدعاة، وطلبة العلم، وأظن ذلك لحكمة أرادها الله تعالى، فمنذ ساعة وفاة أبناء الشيخ سعيد، وأنا أريد أن أكتب ما أجده من خواطر تجاه عبد الرحمن وعبد الرحيم - رحمهما الله - لكنني لم أتمكن من ذلك للانشغال ببعض البحوث العلمية، فإذا تذكَّرتهما لُمْتُ نفسي على التقصير، ثم أعوضهما بالدعاء والإلحاح على الله أن يغفر لهما، ويرفع درجاتهما، ولا شك أن ذلك أنفع لي ولهما، وسأكتفي بأحدهما إذ أن الآخر مازال دون التكليف أثناء وفاته، وإن كان قد حفظ ما يقارب سبعة عشر جزءاً، فأسال الله له رفعة الدرجات، وسأقتصر هنا على صاحب هذا المؤلف القيم/ عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني، ففي ليلة الأحد السابع عشر من رمضان لعام ألف وأربعمائة واثنين وعشرين للهجرة ذهل الصغار لما رأوا الكبار جادوا بمدمع وبكاء، رحل ابنا الشيخ سعيد بن وهف في لحظة لا أحد يتوقع ذلك، لكن المولى - جل وعلا - أراد ذلك، فله الحمد على ما قضى وأحكم وأبرم.
مضى ابن سعيد حيث لم يبق مشرق ... ولا مغرب إلا وله فيه مادح
стр. 73
وكنت أعلم عن جميل صفاته ... كما ولكن غيبتها الصفائح
وأصبح في لحدٍ من الأرض ميتاً ... وكان به حيّاً تضيق الصحاصح
وما نحن من رزءٍ وإن جلَّ نجزع ... ولا بسرورٍ بعد فقده نفرح
لقد كان شابّاً صالحاً محبوباً، يعلوه وقار العلماء، وفي مُحيّاه ملامح العظماء، وكما أحبه الصغار والكبار في حياته، فلقد بكى عليه القوم بعد وفاته، ولكن يا ترى هل كان سبب تلك المحبة كتاب الله الذي قد حواه في صدره حفظاً وإتقاناً وعملاً وتعليماً، فهو وإن كان صغيراً فهو يتمتع بهمَّة الكبار، وبراءة الصغار؛ مما جعله أنموذجاً غريباً يتحيَّر فيه المتأمِّل لتلك الأعمال، فقد بكت السارية التي كان يسند الصغير ظهره عليها، نعم، فقد بكت بحرقة وحسرة وألم ... نعم وما يدريك ...
أم يا ترى كان سبب ذلك التحاقه بكلية الشريعة التي قد أجاد معظم مناهجها على يد والده من سنٍّ مبكرٍ، أم أن سبب ذلك تعيينه مُؤذِّناً في ذلك الجامع الذي يؤمُّه والده، والذي يتنافس على ذلك الجامع طلبة العلم، ولقد شاهدت ذلك الصغير يتنافس مع بعض طلبة العلم، وكم كانت دهشتي عندما علمت أنه هو الفائز، لكن كل ذلك وغيره لم يكن هو السبب الرئيس في انشراح صدر ذلك الشاب، وحبه للعلم، وانطلاق لسانه بالشعر، إضافة إلى ما عنده من القرآن والحكمة، ولم يكن سبب ذلك الأذان الذي يصدح في الوقت تماماً، والذي يدفع كل من يصل إليه صوته إلى فتح النوافذ، والاستماع إلى ذلك الأذان العجيب، وأنا من هؤلاء، وليس سبب حب الجميع له بسبب حضوره المبكر للجامع قبل
стр. 74
مواعيد الأذان عندما كان يسلك ذلك الرصيف الطويل من منزل والده إلى الجامع دون أن يلتفت يمنة أو يسرة أبداً، حتى إنني أضطر أحياناً لاستخدام منبه السيارة حتى يلتفت فألقي ﵇.
ولكن السبب سأورده لكم، ليس إلا خوفاً من الإطالة عليكم، إن السبب هو خشوعه وإخباته لله والرغبة فيما عند الله - جل وعلا - من سن مبكر، وإليكم شاهد على ما أقول:
عندما كان عمره اثني عشر عاماً تقريباً، وبالتحديد في شهر رمضان، وكان مؤذن الجامع في ذلك الوقت أحد القضاة، وكان الشيخ يُقدم ذلك القاضي أحياناً في بعض ركعات صلاة التراويح أو القيام، بناءً على طلب القاضي من أجل ترسيخ الحفظ لبعض الأجزاء، وكنت أَصُفُّ أنا وذلك الصغير عبد الرحمن ﵀ ومن معنا من المصلين في صلاة التراويح أو القيام، وفي إحدى الليالي عندما كان يؤمّنا ذلك القاضي، وكنت شارد الذهن في تلك اللحظة، لم يردني إلى استحضار القلب في الصلاة إلا أزيز غريب من جانبي الأيسر، فشردت بالذهن مرة أخرى، ولكن داخل المسجد، وبالتحديد من جانبي الأيسر، وإذا بذلك الغلام الصغير قد أغرق وجهه وصدره ومكان سجوده بالدموع من بداية صلاته، ولكنه في النهاية لم يستطع أن يتمالك نفسه، فغلبه البكاء وارتفاع الصوت، فهل بكيت أخي في مثل هذا الموقف وقد شاب عارضاك؟ وماذا كنت تعمل في ذلك السن؟ رحم الله عبد الرحمن رحمة واسعة:
стр. 75
فلئن حسنت فيه المراثي بذكرها ... فلقد حسنت من قبل فيه المدائح
ولهذا ليس بغريب أن يصلي عليه ذلك الجمع العظيم من الناس، ويشيعه إلى القبر أعداد هائلة من الناس، ومنهم العلماء، وأساتذة الجامعات، وطلبة العلم، وقد رأيتهم بعيني يتنافسون للإمساك بالنعش:
وليس صرير النعش ما يسمعونه ... ولكنه أصلُب قوم تقصفُ
وليس نسيم المسك ريا حنوطه ... ولكنه ذاك الثناء المخلفُ
أما لسان حالهم فيقول: ... ...
فلن أرتجي في الموت بعدك طائلاً ... ولا أتقي للدهر بعدك من خطب
اللهم ما تلا من قرآن فارفع درجته، وزكِّه به، وما صلَّى من صلاة فتقبلها منه، وما تصدَّق أو تُصدِّق عنه بصدقة فنمِّها له، اللهم أقِلْ عثرته، واعفُُ عن زلته، وعده بحلمك، فإنه لا يرجو غيرك، ولا يثق إلا بك، وأنت واسع المغفرة، اللهم أجر والديه في مصيبتهما، وأعقب لهما خيراً منها في الدنيا والآخرة، إنك يا رب ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
قاله وكتبه/ حسن بن شريف المشيخي
١١/ ٧/١٤٢٣هـ
стр. 76
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٥ - (٧) حكم وفوائد عظيمة
بقلم زميله عبد الحليم بن محمد فاروق الأفغاني
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:
أما بعد: فإن الأخ الزميل عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني ﵀ رحمة واسعة - كان من زملائي الأخيار في كلية الشريعة، وكان خلوقاً قلَّ أمثاله، وكان متواضعاً متمسكاً بالقيم الدينية والمبادئ الإسلامية، وكان ملتزماً في أمور الشرع لا يخاف في الله لومة لائم، وكان هَمُّهُ الأكبر طلب العلم الصحيح النافع، وكان مخلصاً صادقاً وأميناً، وكثير الصمت إلا في موضع الحق، هكذا أحسبه والله حسيبه، وآخر ما قابلته في المسجد الجامع بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وذلك عند صلاته لسنة الراتبة بعد الظهر يوم السبت الموافق ١٦/ ٩/١٤٢٢هـ، وكان من آخر الكلمات التي قالها لي قوله ﵀: ((إني قد اشتقت إلى الجهاد في سبيل الله تعالى))، ثم استأذن مني وقال: سأحضر غداً إن شاء الله للدرس في الكلية؛ لأن هذا اليوم هو آخر أيام الدراسة للفصل الأول من العام الدراسي، ولكن الله قبضه في اليوم نفسه الذي قابلته فيه بعد إمامته للناس في صلاة العشاء والتراويح، فأسأل الله أن يحقق له أمنيته ويجعله شهيداً في سبيل الله تعالى.
стр. 77
وقد استفدت وسمعت منه الوصايا والفوائد الآتية:
١ - رافقته في سيارته ﵀ مرة، وكان يقرأ عن ظهر قلب حفظاً أثناء قيادته للسيارة، وأظن أنه يقرأ من سورة الفرقان، وبعد القراءة سألني عن حزبي اليومي من القرآن الكريم؟ فأخبرته بأني أقرأ كذا وكذا (١)، فقال لي: أنت عندك فراغ كثير كان ينبغي أن تقرأ أكثر من هذا.
ومن أقواله الحكيمة التي استفدتها منه ﵀:
٢ - آفة العلم نسيانه.
٣ - المرء يقيس على نفسه.
٤ - اطلب الرفيق قبل الطريق، والجار قبل الدار.
٥ - إن الذنوب تميت القلوب، وتكون سبباً للشقاء.
٦ - راحة القلوب في قراءة القرآن، وقرة العيون في الصلاة.
٧ - التوكل على الله يسهِّل ويزيل العقبات في طريق الوصول إلى الأمنية.
٨ - عن المَرْءِ لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
٩ - ابتغِ فيما أعطاك الله الدار الآخرة.
١٠ - لا يسع المسلم الناس بماله، ولكن يسعهم ببسط الوجه، وحسن الخلق.
стр. 78
١١ - احفظ مني ثلاثاً: ثم قال:
أ - من سمات الكرام: العفو، والوفاء.
ب - ومن سمات الأغنياء الأتقياء: الجود، والسخاء.
ج - ومن سمات الأعزاء: احترام الآخرين.
وكل هذه الحكم والفوائد استفدتها وكتبتها بالمعنى مما قاله الزميل عبد الرحمن رحمه الله تعالى.
اللهم ارحمه، اللهم ارحمه، ونوِّر له في قبره، وافسح له فيه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
كتبه: عبد الحليم بن محمد فاروق الأفغاني
٢٥/ ٣/١٤٢٣هـ
زميله في كليّة الشريعة
стр. 79
أبراج الزجاج
في سيرة الحجاج
إعداد
عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني رحمه الله تعالى
١٤٠٣هـ - ١٤٢٢هـ
تحقيق
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
стр. 80
المقدمة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد:
فإن دراسة التاريخ أمر مهم في المجتمعات، حيث إن له تأثيراً في النواحي السياسية والاجتماعية وغير ذلك.
وهذا البحث يدرس جانباً من جوانب الدولة الأموية، ذلكم هو أمير العراق: الحجاجُ بن يوسف الثقفي، ولقد اخترت هذا الموضوع؛ نظراً للحاجة الماسة للمعرفة التأريخية، وقلة مصادر المعلومات.
وكانت طريقتي في البحث تقسيمه إلى أربعة أبواب، [وتحت] كل باب فصول ومباحث، وقد تكون المباحث اثنين أو أكثر حسب المعلومات التأريخية.
وإليك سردها مرتبة:
الباب الأول: من هو الحجاج؟
الفصل الأول: نسبه، ومولده، وأسرته.
المبحث الأول: نسبه، ومولده.
المبحث الثاني: أسرته.
الفصل الثاني: أولاده وزوجاته.
المبحث الأول: أولاده.
المبحث الثاني: زوجاته.
الباب الثاني: الحجاج وبداية الإمارة.
الفصل الأول: ما قبل الإمارة، وقتل ابن الزبير ﵁.
المبحث الأول: ما قبل الإمارة.
المبحث الثاني: قتل ابن الزبير ﵁.
стр. 81
الفصل الثاني: الحجاج وإمارة العراق.
المبحث الأول: إمارة العراق.
المبحث الثاني: فتوحات الحجاج.
المبحث الثالث: صفاته وإصلاحاته.
الباب الثالث: الحجاج والأدب العربي.
الفصل الأول: الشعر العربي.
المبحث الأول: ما قيل فيه من مدح.
المبحث الثاني: ما قيل فيه من هجاء.
الفصل الثاني: الخطب والرسائل.
المبحث الثالث: صفاته، وإصلاحاته.
الفصل الثاني: الخطب، والرسائل.
المبحث الأول: الحجاج والخطابة.
المبحث الثاني: الرسائل.
الباب الرابع: نقد الحجاج، ونهايته.
الفصل الأول: نقد الحجاج.
المبحث الأول: آراء العلماء وأهل الحديث فيه.
المبحث الثاني: الرُّؤى والأحلام في الحجاج.
الفصل الثاني: نهاية الحجاج.
المبحث الأول: موته، ووقته.
المبحث الثاني: آثار وفاته.
وقد تعبت كثيراً في تحديد مصادر المعلومات، لكن الفائدة العلمية سهَّلت عليَّ كثيراً، وأحب أن أشكر والدي، والأستاذ خالد الحسن على ما بذلاه، والله أعلم.
стр. 82
الباب الأول
من هو الحجاج ؟!
الفصل الأول: نسبه، ومولده، وأسرته.
المبحث الأول: نسبه، ومولده.
المبحث الثاني: أسرته.
الفصل الثاني: أولاده، وزوجاته.
المبحث الأول: أولاده.
المبحث الثاني: زوجاته.
стр. 83
الفصل الأول
نسبه ومولده، وأسرته
المبحث الأول: نسبه، ومولده:
هو: الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف (١).
وأمه: الفارعة بنت همام بن عروة (٢).
стр. 84
ومعتب بن مالك: هو الجد الأعلى للحجاج.
المبحث الثاني: أسرته:
* وجدُّ الحجاج الأعلى وفد على رسول الله ﷺ .
* ووالد الحجاج: يوسف بن الحكم: كان من أشهر رجالات الطائف، ومن أشهر المعلمين بها، وقد كان ذا وجاهة عند الخليفة الأموي، قبل أن يتولى الحجاج الإمارة.
* أما والدة الحجاج: الفارعة، فقد كانت عند المغيرة بن شعبة (١)، وقيل: كانت عند طبيب العرب: الحارث بن كلدة، وذلك قبل أبيه.
الفصل الثاني
أولاده وزوجاته
المبحث الأول: أولاد الحجاج:
تزوج الحجاج زوجات كثر، لكنه لم ينجب كثيراً، وخاصة من البنات، أما أولاده المشهورين فخمسة:
стр. 85
١ - محمد: وبه يكنى. توفي في زمن أبيه.٢ - عبد الملك.
٣ - أبان.٤ - سليمان.٥ - عبد الله: وهو الذي استخلفه أبوه على الصلاة حين وفاته.
* وللحجاج ذرية في دمشق، منهم:
١ - عمر بن عبد الملك بن محمد بن الحجاج: ولي الولايات في عهد الوليد بن يزيد.
٢ - عبد الصمد بن محمد بن الحجاج: ولي دمشق للوليد بن يزيد أيضاً.
٣ - عبد الله بن عبد الملك بن الحجاج.
٤ - عبد الله بن محمد بن الحجاج.
* كما أن للحجاج في باجه بالأندلس ذرية:
منهم بنو المنذر بن الحارث بن عيشون بن العلاء بن العجلان بن عبد الله بن محمد بن الحجاج.
المبحث الثاني: زوجات الحجاج، وأخباره معهن:
ومنهن:
١ - أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: يقال: إن عبد الملك بن مروان لما علم بزواجه منها، أمره أن يفارقها قبل أن يدخل بها، ولم يقطع عنها الحجاج رزقاً حتى ماتت (١).
стр. 86
٢ – أم البنين بنت المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي.
٣ – أم سلمة بنت عبد الرحمن بن سهل بن عمرو، وقد طلقها الحجاج تنازلاً للوليد بن عبد الملك، وخلفه عليها أخوه سليمان، ثم هشام.
٤ – أم الجلاس بنت عبد الرحمن بن أسيد.
٥ – هند بنت المهلب بن أبي صفرة.
٦ – هند بنت أسماء بن خارجة.
٧ – أمة الرحمن بنت جرير البجلي.
* وقد كان الحجاج يفخر بأزواجه فيقول:
عندي أربع نسوة: هند بنت المهلب، وهند بنت أسماء، وأم الجلاس بنت عبد الرحمن، وأمة الرحمن بنت جرير البجلي؛ فأما ليلتي عند هند بنت المهلب، فليلة فتى بين الفتيان، يلعب ويلعبون، وأما ليلتي عند هند بنت أسماء فليلة ملك بين الملوك. وأما ليلتي عند أم الجلاس، فليلة أعرابي مع الأعراب في حديثهم وأشعارهم. وأما ليلتي عند أمة الرحمن فليلة عالم بين العلماء والفقهاء. ا. هـ.
стр. 87
الباب الثاني
الحجاج وبداية الإمارة
الفصل الأول: ما قبل الإمارة، وقتل ابن الزبير.
المبحث الأول: ما قبل الإمارة.
المبحث الثاني: قتل ابن الزبير.
الفصل الثاني: الحجاج وإمارة العراق.
المبحث الأول: إمارة العراق.
المبحث الثاني: فتوحات الحجاج.
المبحث الثالث: صفاته، وإصلاحاته.
стр. 88
الفصل الأول
ما قبل الإمارة، وقتل ابن الزبير
المبحث الأول: ما قبل الإمارة:
كان الحجاج بن يوسف قد لحق بروح بن زنباع الجذامي وزير عبد الملك بن مروان، فكان في عديد شرطته، إلى أن رأى عبد الملك انحلال عسكره، وأن الناس لا يرحلون برحيله، ولا ينزلون بنزوله، فشكا ذلك إلى روح بن زنباع، فقال له: إن في شرطتي رجلاً لو قلده أمير المؤمنين أمر عسكره، لأرحل الناس برحيله، وأنزلهم بنزوله، يقال له الحجاج بن يوسف، قال: فإنا قد قلدناه ذلك، فكان لا أحد يقدر على أن يتخلف عن الرحيل والنزول إلا أعوان روح بن زنباع ... (١).
قال الزركلي: ومازال يظهر الحجاج حتى قلده عبد الملك أمر عسكره، وأمره بقتال ابن الزبير، فزحف بجيش كبير، وقتل عبد الله، وفرّق جموعه، فولاّه عبد الملك: مكة، والمدينة، والطائف (٢).
المبحث الثاني: قتل ابن الزبير:
بعد قتل عبد الملك لمصعب بن الزبير، بعث الحجاج إلى أخيه عبد الله بمكة، فحاصره بها، وأقام للناس الحج عامئذٍ، ولم يتمكن [الحجاج ومن معه من الطواف بالبيت، ولا تمكّن] ابن الزبير ومن عنده من الوقوف [بعرفة]، ولم يزل مُحاصره حتى ظفر به ... ثم
стр. 89
استنابه عبد الملك على مكة والمدينة والطائف واليمن (١)(٢).
* وقصة قتل ابن الزبير هي (٣):
стр. 90
بعد أن استعاد عبد الملك بن مروان العراق، بعث الحجاج بن يوسف الثقفي في جيش كبير من أهل الشام لاستعادة الحجاز، ومقابلة عبد الله بن الزبير ﵄ وكتب معه أماناً لأهل مكة إن هم أطاعوه، وكان ذلك في سنة ٧٢هـ، وعندما وصل الحجاج إلى مدينة الطائف، نزل بها، ثم سار إلى مكة المكرمة، وحاصرها، ودافع ابن الزبير وأصحابه عن مكة دفاعاً جيداً، وضربوا مثلاً رائعاً في البطولة، إذ استطاعوا أن يصمدوا أمام هذا الجيش المحاصر لهم، ومنعوه من أن يستولي على مكة قرابة سبعة أشهر.
لكن لطول الحصار من ناحية، وكثرة الجيش من ناحية أخرى، أضعف قوة المدافعين، فقلَّت المؤن، وأصابت أهلَ مكةَ مجاعةٌ شديدة اضطر معها المحاصرون إلى القتال، وقد صمد ابن الزبير في المعركة حتى قتل ﵁ وعن والديه، وذلك سنة ٧٣هـ (١).
стр. 91
وعلى إثر ذلك دخل الحجاج مكة، فبايع أهلها لعبد الملك بن مروان، ثم سار إلى المدينة المنورة فدانت له، وبذلك يكون الحجاج قد أدخل الحجاز في طاعة الدولة الأموية (١).
стр. 92
الفصل الثاني
الحجاج وإمارته على العراق
المبحث الأول: إمارة العراق (١):
اشتعلت الفتن في عهد عثمان بن عفان ﵁ وذلك في العراق وازدادت الاضطرابات والثورات فيه بعد وفاة معاوية بن أبي سفيان
стр. 93
- ﵁، ولكن قتل الحسين، وقوة عبيد الله بن زياد جعلت الهمم الثورية في العراق تصاب ببعض الإحباط والسكينة تجاه الأمويين في دمشق.
وحينما استطاع عبد الملك بن مروان السيطرة على العراق بمقتل ابن الزبير (مصعب)،تمّ إخماد الفتن التي تلت هذا بوجود أخيه بشر بن مروان أميراً على العراق، ووجود كثير من القواد وكبار وجوه العرب من حوله، كما عزّزه بحامية عسكرية شامية كبيرة لحفظ الأمن والنظام، ولإرهاب الأقوام الذين يحاولون زعزعة ركن الدولة، ويبدو أن هذا الاستقرار المزعزع لم يدم طويلاً، إذ عاد الخوارج إلى الثورة من جديد، فهدّدوا أمن الدولة الأموية، وذلك حين توفي بشر بن مروان، ولولا الله، ثم مقارعة القائد الأموي المشهور، المهلَّب بن أبي صُفرة لهم، ومطاولته حروبهم؛ لسيطروا على البصرة، والكوفة، وحوّلوا وجه الحوادث إلى غير ما يريده الأمويون، وأضف إلى ذلك: أن العراق يقطنها أقليات عدة، كلها تتجمّع على كره الأمويين. وربما اجتمع كثير منها على كره المسلمين بصفة عامة، والعرب بصفة خاصة (١).
فبعث عبد الملك بن مروان الوالي تلو الوالي إلى العراق، ولكن العراقيين كلما جاءهم والٍ استخفّوا به، وإذا صعد المنبر رموه بالحصا، وازدادت البلوى بأن فر كثيرٌ من الجند ولحقوا بأهلهم، الأمر الذي جعل حامي العراق من الخوارج المهلّب يغضب، ويكتب إلى عبد الملك أن يبعث إليه بشخصية قوية، تستطيع أن ترغم الجند على الصمود أمام الخوارج، عند ذلك نثر عبد الملك
стр. 94
كنانته فيمن يوليه العراق، ويستطيع إخماد الشر الملتهب، ويصارع كل الأعداء في هذا الجزء المهم من الدولة، فلم يجد إلا أمير المدينة: الحجاج بن يوسف، فكتب إليه بخطه: أما بعد يا حجاج: فقد وليتك العراقين صدقة، فإذا قدمت الكوفة فطأها وطأة يتضاءل منها أهل البصرة، وإياك وهوينا الحجاز؛ فإن القائل هناك يقول ألفاً، ولا يقطع بهن حرفاً، وقد رميت العرض الأقصى، فارمه بنفسك، وأرد ما أردته بك، والسلام.
فلما قرأ الحجاج الكتاب، ترك المدينة إلى العراق، فقدم الكوفة في اثني عشر راكباً على النجائب، فبدأ بالمسجد فدخله، ثم صعد المنبر وهو متلثم بعمامة حمراء، فقال: عَليَّ بالناس، فحسبه أصحابه خارجيّاً فهموا به، حتى إذا اجتمع عليه الناس، قام فكشف الغطاء عن وجهه وقال:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
أما والله إني لأحمل الشر محمله، وأحذوه بنعله، وأجزيه بمثله، إلى آخر الخطبة (١).
وبهذه الخطبة حدّد الحجاج سياسته تجاه أهل العراق، ووضَّح لهم نهجه فأخافهم (٢)(٣).
المبحث الثاني: فتوحات الحجاج:
اختار الحجاج وجهتين لسير العمليات العسكرية:
стр. 95
أ - الوجهة الأولى: وجهة خراسان، وما وراء النهر.
ب – الوجهة الثانية: وجهة مكران، وبلاد السند.
والآن ندرس العمليات بالتفصيل:
أ – خراسان، وما وراء النهر:
وقد عقد الحجاج لواءها للقائد: قتيبة بن مسلم الباهلي، الذي نقله الحجاج من إمارة الري جنوب قزوين، وعيَّنه على خراسان.
ب – مكران وبلاد السند (باكستان) كان عليها محمد بن القاسم الثقفي، فقد اختاره الحجاج رغم صغر سنه التي لا تتجاوز السابعة عشرة. ولم يزل محمد بن القاسم في فتح نصر حتى أكمل بلاد السند، وأتاه نعي الحجاج (١).
المبحث الثالث: صفات الحجاج وإصلاحاته:
أ - من صفات الحجاج:
١ - حفظه للقرآن وفقهه:
قال بعض السلف: كان الحجاج يقرأ القرآن كل ليلة (٢).
٢ - الصدق:
اشتهر الحجاج بالصدق وانعدم لديه الكذب والغدر، فكان حازم الرأي، لا يداجي ولا يماري (٣).
стр. 96
٣ - عقليته وسياسته:
قال الدارقطني: ذكر سليمان بن أبي منيح، عن صالح بن سليمان قال: قال عقبة بن عمرو: ما رأيت عقول الناس إلا قريباً بعضها من بعض إلا الحجاج، وإياس بن معاوية، فإن عقولهما كانت ترجح على عقول الناس (١).
٤ - قبوله للنصح:
فقد كان الحجاج يقبل النصح، ويأخذ به، ويتقبل الآراء من الآخرين، وخاصة أولئك الناس القادرين على إسداء النصح (٢).
أما إصلاحات الحجاج فمنها:
١ - تعجيم القرآن، وتنقيط الحروف الهجائية.
٢ - تحويل الدواوين من الفارسية إلى العربية.
٣ - بناء القوة العسكرية في الخليج، وبحر الهند.
٤ - إصلاح السفن.
٥ - تنظيم الإصلاح الزراعي.
٦ - العناية الفائقة في الكيان الاقتصادي (٣).
стр. 97
الباب الثالث
الحجاج والأدب العربي
الفصل الأول: الشعر العربي.
المبحث الأول: ما قيل فيه من مدح.
المبحث الثاني: ما قيل فيه من هجاء.
الفصل الثاني: الحجاج والخطابة.
المبحث الأول: الخطب.
المبحث الثاني: الرسائل.
стр. 98
الفصل الأول
الشعر العربي
المبحث الأول: ما قيل فيه من مدح:
قالت ليلى الأخيلية تمدح الحجاج:
أحجاج لا يفل سلاحك إنما الـ ... منايا بكفّ الله حيث براها
أحجاج لا تعطِ العصاة مناهُم ... والله لا يعطي العصاة مناها
إذا هبط الحجاج أرضاً مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العُضال الذي بها ... غلام إذا هزّ القناة سقاها
سقاها فروّاها بشرب سجالة ... دماء الرجال حيث قال خشاها
إذا سمع الحجاج زفَّ كتيبةٍ ... أعدّ لها قبل النزول قِراها
أعدّ لها مسمومة فارسية ... بأيدي رجال يحلبون صداها
فما ولد الأبكار والعون مثله ... ببحر ولا أرض يجف ثراها (١)
وقالت تمدحه أيضاً:
حجاج أنت شهاب الحرب إن لقحت ... وأنتَ للناس نور في الدجى يقدُ (٢)
وقد قال الفرزدق يمدح الحجاج:
أمير المؤمنين وقد بلونا ... أمورك كلها راشداً صواباً
تعلم إنما الحجاج سيفٌ ... تجذبه الجماجم والرقابا
стр. 99
هو السيف الذي نصر ابن أروى ... ويوم الدار أسهلت انسكاباً
عشية يدخلون بغير إذن ... على متوكّل وفّى وطابا
خليل محمد، وإمام حقّ ... ورابع خير من وطئ الترابا
فليس بزايل للحرب منهم ... شهاب يطفئون به شهابا
إلى أن قال:
رأيتك حين تعترك المنايا ... إذا المرعوب للغمرات هابا
وأذلقه النقاق وكاد منه ... وجيب القلب ينتزع الحجابا
فمن يمننْ عليك النصر يكذب ... سوى الله الذي رفع السحابا
ثم قال بعد عدة أبيات:
فعفوك يا ابن يوسف خير عفوٍ ... وأنت أشد منتقم عقاباً
رأيت الناس قد خافوك حتى ... خشوا بيديك أو فرقوا الحسابا (١)
المبحث الثاني: ما قيل فيه من هجاء:
قال الفرزدق يهجوه بعد موته:
وما نصر الحجاج إلا بغيره ... على كل يوم مستحر الملاحم
بقوم أبو العاصي أبوهم توارثوا ... خلافة مهدي وخير الخواتم
ولا رد مذ حطَّ صحيفة ناكثاً ... كلاماً ولا باتت له عين نائم
ولا رجعوا حتى رأوا في شماله ... كتاباً لمغرور لدى النار نادم (٢)
стр. 100
الفصل الثاني
الحجاج والخطابة
المبحث الأول: الخطب:
منها خطبته يوم قتل ابن الزبير:
قال بعد حمد الله والثناء عليه: ((يا أهل مكة، بلغني إكباركم قتل ابن الزبير، ألا وإن ابن الزبير كان من خيار هذه الأمة، حتى رغب في الخلافة، ونازع فيها أهلها، فنزع طاعة الله، واستكنّ بحرم الله، ولو كان شيءٌ مانع العصاة، لمنعت آدم حرمة الجنة، إن الله خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأباح له كرامته، وأسكنه جنّته، فلما أخطأ أخرجه من الجنة بخطيئة، وآدم أكرم على الله من ابن الزبير، والجنة أعظم من حرمة الكعبة، اذكروا الله يذكركم)) (١).
المبحث الثاني: الرسائل:
من رسائل الحجاج:
كان الخليفة في دمشق قد أرسل جيشاً شاميّاً عليه سفيان بن الأبرد الكلبي إلى العراق، للمساعدة في حرب الخوارج، فأرسل لهم الحجاج رسالة يحثّهم فيها على السرعة:
((أما بعد، فإذا حاذيتهم هيت، فدعوا طريق الفرات والأنبار، وخذوا على عين التمر، حتى تقدموا الكوفة، إن شاء الله، وعجّلوا السير، والسلام)) (٢).
стр. 101
الباب الرابع
نقد الحجاج ونهايته
الفصل الأول: نقد الحجاج.
المبحث الأول: آراء العلماء وأهل الحديث فيه.
المبحث الثاني: آراء المؤرخين وأصحاب الشأن.
الفصل الثاني: نهاية الحجاج.
المبحث الأول: موته، ووقته.
المبحث الثاني: آثار وفاته.
стр. 102
الفصل الأول
نقد الحجاج
المبحث الأول: آراء العلماء وأهل الحديث فيه:
قال الإمام الذهبي: الحجاج بن يوسف الثقفي عن أنس، قال أحمد والحاكم: ((أهلٌ ألا يُروَى عنه. وقال النسائي: ليس بثقة ولا مأمون. قال الإمام الذهبي: يحكي عنه ثابت، وحميد، وغيرهما، فلولا ما ارتكبه من العظائم والفتك والشر لمشى حاله)) (١).
وقال ابن حجر: ((حجاج بن يوسف ... (من الثالثة) وقع ذكره وكلامه في الصحيحين، وليس بأهل أن يُروى عنه، ولي أمر العراق ٢٠ سنة، ومات سنة ٩٥هـ)) (٢).
المبحث الثاني: الرُّؤى والأحلام في الحجاج:
حكى عمر بن عبد العزيز: أنه رأى الحجاج بعد موته في المنام، قال: فرأيته على شكل رماد، فقلت له: أحجاج؟ قال: نعم، قلت: ما فعل الله بك؟ قال: قتلني بكل من قتلته مرة مرة، وبسعيد بن جبير سبعين مرة، وأنا أرجو ما يرجوه الموحِّد (٣).
стр. 103
الفصل الثاني
نهاية الحجاج
المبحث الأول: موته، ووقته:
توفي الحجاج سنة ٩٥هـيوم الجمعة، لتسع بقين من رمضان، وقيل: مات في شوال وهو ابن أربع وخمسين سنة، وقيل: ثلاث وخمسين سنة (١).
المبحث الثاني: أثر وفاته:
لما توفي قال خادم الوليد: إني لأوضئ الوليد يوماً للغداة، فمد يده فجعلت أصب عليه الماء وهو ساهٍ، والماء يسيل، فلا يستطيع أن يتكلم، ثم نضح الماء في وجهي وقال: ما تدري ما جاء الليلة؟ فقلت: لا، قال: ويحك مات الحجاج (٢)(٣).
[مواقف الحجاج مع التابعين ومواقفهم معه (٤):
١ - موقفه مع الحسن البصري:
للحسن البصري مواقفه الشجاعة الباسلة في وجه الحجاج، تشهد له بعلوّ كعبه، وسبقه في هذا الأمر، فقد تصدّى لطغيانه، وجهر بين العامة بسوء أفعاله، وصدع في وجهه بكلمة الحق والصدق. ولا أدلّ على ذلك من موقفه القوي الشجاع حين بنى الحجاج بناءً في
стр. 104
واسط – وهي مدينة متوسطة بين البصرة والكوفة –، ونادى الحجاج الناس أن يخرجوا لينظروا إلى روعة البناء، فسارع الحسن البصري وخرج في وسط الجموع الغفيرة وهم يطوفون بهذه البناية، فوقف فيهم خطيباً يعظ الناس ويقلل الدنيا في أعينهم، فقال: لقد نظرنا فيما ابتنى أخبث الأخبثين، فوجدنا أنّ فرعون شيّد أعظم مما شيَّد، وبنى أعلى مما بنى، ثم أهلك الله فرعون، وأتى على ما بنى وشيّد، ليت الحجاج يعلم أنّ أهل السماء قد مقتوه، وأن أهل الأرض قد غرّوه، فلما سمع الحجاج مقالة الحسن البصري امتقع لونه، وخرس لسانه، وغاص في جلده، ولم يتكلّم ببنت شفة، غير أنه اقتصر على قوله:
حسبك يا أبا سعيد. . . حسبك.
فرد عليه الحسن البصري بثبات جنان، ورباطة جأش: لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليبينّنه للناس، ولا يكتمونه.
ولم يملك الحجاج أن يفعل للحسن شيئاً وانصرف، وفي اليوم التالي عاتب جنده وحراسه، ووبّخهم، وعنّفهم قائلاً لهم: تبّاً لكم وسحقاً! يقوم عبد من عبيد أهل البصرة، ويقول فينا ما شاء أن يقول، ثم لا يجد فيكم من يرده أو ينكر عليه، والله لأسقينّكم من دمه يا معشر الجبناء.
واستدعي الحسن لينكّل به الحجاج في وسط حرسه وجنوده، وجاء الحسن، ولما رأى النّطع والسيف والسيّاف دعا ربه أن يكفيه شرّ الحجاج، وأن يجعل نقمته برداً وسلاماً، كما جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم الخليل ﵇، فدخل الحسن على الحجاج، ولم يعبأ بما رأى، ولم يهزهّ منظر السيف والنّطع والسيّاف، بل كان في عزّة المؤمن، ووقار الداعي إلى الله، فهابه الحجاج، وأقبل عليه
стр. 105
يرحب به، ويدنيه من مجلسه، ويوسّع له، هذا ما حدث في وسط دهشة واستغراب الحرس والجنود.
وطفق الحجاج يسأل الحسن عن بعض أمور الدين، والحسن يجيبه عن كل مسألة بثقة العالم الرباني، لا يتتعتع، ولا يهتزّ، حتى انفضّ المجلس، وأحسن الحجاج للحسن، وطيَّبه (١).
٢ - موقفه مع سعيد بن المسيّب:
وهذا الحجاج الحاكم الظالم الغشوم، لا يقف أمامه أحد لظلمه وجبروته، فقد قيل لسعيد بن المسيّب: ما شأن الحجاج لا يبعث إليك، ولا يهيجك، ولا يؤذيك؟! قال سعيد: لا أدري، غير أن صلّى ذات يوم مع أبيه صلاة، فجعل لا يتمّ ركوعها ولا سجودها، فأخذت كفّاً من حصباء، فحصبته بها. قال الحجاج: فما زلت بعد ذلك أحسن الصلاة.
ولما عقد عبد الملك لابنيه الوليد وسليمان بالعهد، وكتب بالبيعة لهما إلى البلدان فبايع الناس إلا سعيد بن المسيّب، فضربه هشام [أمير المدينة وقتذاك] ستين سوطاً، وطاف به في تبان من شعر حتى بلغ به رأس الثنية، فلما كروا به قال سعيد: أين تكرّون بي؟ قالوا: إلى السجن. قال سعيد: والله لولا أنني ظننته الصلب ما لبست هذا التبان أبداً. (أي حتى لا تكشف عورته إذا قتل) فردوه إلى السجن فحبسه. وكتب إلى عبد الملك يخبره بخلافه، فكتب إليه عبد الملك يلومه فيما صنع بسعيد وقال: سعيد كان والله أحوج أن تصل رحمه
стр. 106
من أن تضربه، وإنا لنعلم ما عنده خلاف (١).
٣ - خروج ابن الأشعث على الحجاج:
قدر الله ـأن تمرّد على الحجاج أحد قوَّاده، وهو عبد الرحمن بن الأشعث، فقد سيّر الحجاج قائده ابن الأشعث بجيش ليغزو رتبيل ملك الترك في بلاده ما وراء سجستان، وكان ابن الأشعث معروفاً بشجاعته، وبسالته، وقوّته، وبالفعل تمّ له – بفضل الله – فتح هذه البلاد والنصر على رتبيل، فأرسل ابن الأشعث خُمس الغنائم إلى الحجاج، ليودعها في بيت مال المسلمين، واستأذنه في التوقف عن القتال ريثما يتبين له أمر تلك البلاد، ويقف على معالمها ومداخلها ومخارجها حتى لا يعرّض جيشه لصعوبات ومواقف حرجة، قد تؤدي به في النهاية إلى الهزيمة والهلَكة، فاستشاط الحجاج غيظاً، واعتبر ذلك منه تمرداً على أوامره، أو خنوعاً، وخوفاً وجبناً، وكتب الحجاج لابن الأشعث كتاباً يهدده، وينذره، ويلوح عليه باللائمة والنقمة، فغضب لذلك ابن الأشعث، وانتهزها فرصة، خاصة وأن الجيش ناقم على الحجاج، غير راض عنه وعن حكومته، ولا عن سياسته. فاستشارهم ابن الأشعث فيما يفعل بعد أن أطلعهم على الكتاب، فصادف ميلاً في قلوبهم، وحانت الفرصة التي يتخلّصون من حكمه، وبطشه، وجبروته، فدعوا ابن الأشعث إلى الخروج عليه، ولما استوثق ابن الأشعث من رغبتهم هذه، أخذ منهم البيعة على ذلك، فبايعه الجند على قتال الحجاج، ودارت بينهما معارك طاحنة، كان النصر فيها حليفاً لابن الأشعث، فاستولى على
стр. 107
سجستان، وأكثر بلاد فارس، مما شجع ابن الأشعث على مواصلة حربه وقتاله، وتخليص الكوفة والبصرة من بطش الحجاج وعتوّه، ولكن مالت كفّة النصر، وأصبحت من نصيب الحاكم الظالم الغشوم الحجاج بن يوسف الثقفي.
وانهزم ابن الأشعث هزيمة منكرة، فر على إثرها لينجو بنفسه، واستسلم الجيش المتمرّد، وأمر الحجاج بتجديد البيعة له، والانطواء تحت عباءته، فاستجاب الكثير، وفرّ البعض، وكان من أمر الذين استجابوا له واستسلموا أن خيّرهم الحجاج بين أمرين: أحلاهما مرّ، وأخفّهما تأباه النفس الأبيّة، وتلفظه الفطرة السويّة، خيّرهم الحجاج بين أن يشهدوا على أنفسهم بالكفر بنقض البيعة لوالي أمير المؤمنين، وبين أن يُقتلوا، فاختار بعضهم القتل على أن يتكلم بكلمة الكفر، وبعضهم استعمل التَّقيَّة، وأخذ بالرخصة، وشهد على نفسه بالكفر كرهاً واضطراراً (١).
٤ - موقفه مع سعيد بن جبير:
ونجَّى الله سعيد بن جبير من هذه الورطة، فكان ممن فرّ واختفى عن أعين الحجاج عشر سنوات، ولكن قدر الله لابدّ نافذ، فعندما تولّى خالد بن عبد الله القسري ولاية مكة من قبل الحجاج، وكان سيّئ السيرة، فخاف أصحاب سعيد على سعيد، فألحّوا عليه بالفرار والخروج من مكة، ولكن سعيداً أبى الخروج، وقال لأصحابه: والله لقد استحييت من الله مما أفرّ، ولا مفرّ من قدر الله.
стр. 108
وكان والي المدينة من قبل الحجاج عثمان بن حيان بدل عمر بن عبد العزيز، فجعل يبعث من بالمدينة من أصحاب ابن الأشعث من العراق إلى الحجاج في القيود، فتعلّم منه خالد بن عبد الله القسري، فعيّن من عنده من مكة: سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبر، وعمرو بن دينار، وطلق بن حبيب، فبعث خالد بهؤلاء إلى الحجاج، ثم عفا عن عطاء، وعمرو بن دينار؛ لأنهما من أهل مكة، وبعث بأولئك الثلاثة، فأما طلق فمات في الطريق قبل أن يصل، وأما مجاهد فحبس، فمازال في السجن حتى مات الحجاج، وأما سعيد بن جبير ذلك العابد القانت التقي الورع الطاهر، وصل مدينة واسط وهو مقيّد في الأغلال، فأدخلوه على الحجاج، وهو ثابت القلب، هادئ النفس، رابط الجأش، قوي الحِجَاج، فصيح اللسان، لم يتزعزع، ولم يهن، راسخ رسوخ الجبال، ودار بينهما حوار طويل يكشف عن عظمة الرجل، وحسن توكله على ربه، وقوّة إيمانه، وصبره، ويقينه، رجل فريد لم تلن له قناة، ولم يفتّ في عضده تهديد أو وعيد، فأقبل على عدوّه بما يسوؤه وهو في قبضته، والسيف مصلت على رقبته، فلم يعبأ به، وهو يعلم أنه مقتول لا محالة.
وعن الحسن قال: لما أُتي الحجاج بسعيد بن جبير، قال: أنت الشقي ابن كسير؟ قال: بل أنا سعيد بن جبير، قال: بل أنت الشقي ابن كسير، قال: كانت أمي أعرف باسمي منك، قال: ما تقول في محمدٍ؟ قال: تعني النبي ﷺ ، قال: نعم، قال: سيد ولد آدم؛ النبي المصطفى خير من بقي، وخير من مضى، قال: فما تقول في أبي بكر؟ قال: الصديق؛ خليفة الله، مضى حميداً، وعاش سعيداً، مضى على منهاج نبيه ﷺ لم يغير، ولم يبدل، قال: فما تقول في عمر؟ قال:
стр. 109
عمر الفاروق خيرة الله وخيرة رسوله، مضى حميداً على منهاج صاحبيه، لم يغيّر، ولم يبدّل، قال: ما تقول في عثمان؟ قال: المقتول ظلماً، المجهّز جيش العسرة، الحافر بئر رومة، المشتري بيته في الجنة، صهر رسول الله ﷺ على ابنتيه، زوَّجه النبي ﷺ بوحي من السماء، قال: فما تقول في علي؟ قال: ابن عم رسول الله ﷺ ، وأول من أسلم؛ زوج فاطمة، وأبو الحسن والحسين، قال: فما تقول في معاوية؟ قال: أنت أعلم ونفسك، قال: بت بعلمك، قال: إذاً يسوؤك ولا يسرّك، قال: بت بعلمك، قال: اعفني، قال: لا عفا الله عني إن أعفيتك، قال: إني لأعلم أنك مخالف لكتاب الله – تعالى –، ترى من نفسك أموراً تريد بها الهيبة، وهي تقحمك الهلكة، وسترد غداً فتعلم، قال: أما والله لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحداً قبلك، ولا أقتلها أحداً بعدك، قال: إذاً تفسد عليّ دنياي، وأفسد عليك آخرتك، قال: يا غلام، السيف والنطع، قال: فلما ولّى ضحك، قال: أليس قد بلغني أنك لم تضحك؟ قال: وقد كان ذلك، قال: فما أضحكك عند القتل؟ قال: من جرأتك على الله، ومن حلم الله عنك، قال: يا غلام اقتله، فاستقبل القبلة وقال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، فصرف وجهه عن القبلة، قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾، قال: اضرب به الأرض، قال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾، قال: اذبح عدو الله، فما أنزعه لآيات القرآن منذ اليوم.
وقبل أن ينزل السيف على رقبة سعيد دعا ربه قائلاً: اللهم لا تسلط الحجاج على أحد بعدي.
وسقط رأس سعيد على الأرض، الرأس التي كانت تحوي علوماً كثيرة، وتضم تفسير كلام رب العالمين، سقطت على الأرض، وذكر
стр. 110
أهل التاريخ أن رأسه هلّلت ثلاث مرات: لا إله إلا الله، يفصح في الأوليين، ولم يفصح في الثالثة.
ومات سعيد الإنسان والجسد، ولكن لم تمت ذكراه، ولم يمت اسمه وعلمه وفقهه، ومات أيضاً الحجاج بعده بقليل شرّ ميتة، فاشتدّت عليه آلام المرض، وغصص الموت، فكان يهبّ مذعوراً وهو يقول: ما لي ولسعيد بن جبير، ويكرّرها، حتى أهلكه الله، وخلّص العباد والبلاد من شرّه وطغيانه، ورؤي الحجاج في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلني الله بكل امرئ قتلة واحدة وقتلني بسعيد بن جبير سبعين قتلة (١).
٥ - مواقفه مع الشعبي:
يقال إن الحجاج بن يوسف الثقفي قال للشعبي يوماً: كم عطاءك في السنة؟ فقال الشعبي: ألفين. فقال الحجاج: ويحك! كم عطاؤك؟ فقال الشعبي: ألفان. قال الحجاج: كيف لحنت أولاً؟! قال الشعبي: [لحن الأمير فلحنت. فلما أعرب أعربت، وما أمكن أن يلحن الأمير وأعرب أنا. فاستحسن ذلك منه وأجازه.
وعن الشعبي قال: لما قدم الحجاج سألني عن أشياء من العلم، فوجدني بها عارفاً، فجعلني عريفاً على قومي الشعبيين، ومنكباً على جميع همدان، وفرض لي، فلم أزل عنده بأحسن منزلة، حتى كان شأن عبد الرحمن بن الأشعث، فأتاني قُرّاء أهل الكوفة، فقالوا: يا أبا عمرو، إنك زعيم القرّاء، فلم يزالوا حتى خرجت معهم، فقمت بين الصفين أذكر الحجاج، وأعيبه بأشياء، فبلغني أنه قال: ألا تعجبون من هذا الخبيث أما لئن أمكنني الله منه لأجعلن الدنيا عليه