← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96452

إجابة النداء

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (48 стр.). Показаны 36–48 · переход к 41.

стр. 36

رأيت من مواقفه في تطبيقه لهذه السُّنّة: سواء كان ذلك في الدروس العلمية، أو في المحاضرات والندوات، أو في الجلسات العامة في بيته أو في غيره، وقد رأيته في دروسه إذا شرع المؤذن في الأذان أوقف الدرس، وأرخى رأسه، وتابع الأذان، وكذلك جميع من يحضر مجلسه من تلاميذه وغيرهم يقتدون به، وينصتون كأن على رؤوسهم الطير، ويجيبون المؤذن. وأختم كلماتي هذه بقصة في تطبيق هذه السنة عن شيخنا رحمه الله تعالى: فقد حدّثني الشيخ الدكتور عايض بن عبد الله القرني الداعية المشهور: أنه كان مع شيخنا عبد العزيز ابن باز في مجلس ملك المملكة العربية السعودية، فهد بن عبد العزيز آل سعود ﵀، وطيّب ثراه، فأذن المؤذن لصلاة العصر، فأنصت الشيخ عبد العزيز ابن باز، وتابع الأذان، وطلب من الحضور في مجلس الملك متابعة المؤذن، فأنصت الملك ﵀، وأنصت جميع من في مجلسه: من العلماء، والأمراء، والوجهاء، ومن حضر، وتابعوا الأذان جميعاً حتى انتهى المؤذن!! رحم الله شيخنا عبد العزيز، وجزاه خيراً، ورحم الله الملك فهد بن عبد العزيز، فقد أدخل السرور على هذا الشيخ بالعمل بهذه السنة وتطبيقها.

стр. 37

المبحث السادس: إجابة النداء بالفعل يجب على كل مسلم: من الرجال، المكلفين، القادرين، حضراً، وسفراً، إجابة المؤذن بالفعل، فيصلوا مع الجماعة؛ فإنَّ صلاة الجماعة فرض عين على هؤلاء (١)؛ لأدلة صريحة كثيرة من الكتاب والسنة الصحيحة، والآثار (٢)، ومنها ما يأتي:

стр. 38

١ - عاقب الله من لم يُجب المؤذن فيصلي مع الجماعة بأن حال بينهم وبين السجود يوم القيامة، قال : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ (١). فقد عاقب سبحانه من لم يجب الداعي إلى الصلاة مع الجماعة بأن حال بينه وبين السجود يوم القيامة. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً)). وفي لفظ: (( .. فيُكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه .. )) (٢). وهذا فيه عقوبة للمنافقين وأن ظهورهم يوم القيامة تكون طبقاً واحداً: أي فقار الظهر كله يكون كالفقارة الواحدة، فلا يقدرون على السجود (٣). ٢ - لم يرخص النبي ﷺ للأعمى بعيد الدار في التخلف عن الجماعة؛ بل أمره بإجابة النداء، فعن أبي هريرة ﵁ قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن

стр. 39

يرخص له؛ فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولَّى دعاه فقال: ((هل تسمع النداء بالصلاة؟)) فقال: نعم، قال: ((فأجب)) (١). وعن ابن أم مكتوم ﵁ أنه سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: ((هل تسمع النداء؟)) قال: نعم، قال: ((لا أجد لك رخصة)) (٢). وفي لفظ أنه قال: يا رسول الله، إن المدينة كثيرة الهوام والسباع، فقال النبي ﷺ : ((أتسمع حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح؟ فحي هلا (٣) (٤). وهذا يصرح فيه النبي ﷺ بأنه لا رخصة للمسلم في التخلف عن صلاة الجماعة إذا سمع النداء، ولو كان مخيراً بين أن يصلي وحده أو جماعة، لكان أولى الناس بهذا التخيير هذا الأعمى الذي قد اجتمع له ستة أعذار: كونه أعمى البصر، وبعيد الدار، والمدينة كثيرة الهوام والسباع، وليس له قائد يلائمه، وكبير السن، وكثرة النخل والشجر بينه وبين المسجد (٥). ٣ - بيَّن النبي ﷺ أن من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له ؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهماعن النبي ﷺ أنه قال: ((من سمع النداء فلم يأته فلا صلاةَ له إلا من

стр. 40

عُذرٍ)) (١).وهذا يدل على أن صلاة الجماعة فرض عين (٢). ٤ - أمر الله تعالى حال الخوف بالصلاة جماعة ، فقال: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (٣)، فالله أمر بالصلاة في الجماعة في شدة الخوف، ثم أعاد هذا الأمر سبحانه مرة ثانية في حق الطائفة الثانية، فلو كانت الجماعة سُنَّة لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف، ولو كانت فرض كفاية لأسقطها سبحانه عن الطائفة الثانية بفعل الأولى، فدّل ذلك على أن الجماعة فرض على الأعيان. ٥ - أمر الله بالصلاة مع المصلين ، فقال: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٤)،فقد أمر الله بالصلاة مع جماعة المصلين،

стр. 41

والأمر يقتضي الوجوب. ٦ - أَمر النبي ﷺ بالصلاة مع الجماعة ، فعن مالك بن الحويرث ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة - وكان رحيماً رفيقاً- فلما رأى شوقنا إلى أهالينا قال: ((ارجعوا فكونوا فيهم، وعلِّموهم، وصلُّوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم)) (١). فالنبي ﷺ أمر بصلاة الجماعة، والأمر يقتضي الوجوب. ٧ - همّ النبي ﷺ بتحريق البيوت على المتخلفين عن صلاة الجماعة؛ فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ فقد ناساً في بعض الصلوات فقال: ((لقد هممتُ أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أُخالِفَ (٢) إلى رجالٍ يتخلَّفون عنها فآمر بهم فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم، ولو عَلِمَ أحدهم أنه يجد عظماً سميناً لشهدها)). وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: ((والذي نفسي بيده لقد هممتُ أن آمر بحطب ليحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذّن لها، ثم آمر رجلاً فيؤمُّ الناس، ثم أخالف إلى رجالٍ فأحرِّق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقاً سميناً (٣)، أو مرماتين حسنتين (٤) لشهد العشاء)).

стр. 42

وفي لفظ لمسلم: ((إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً (١)، ولقد هممتُ أن آمر بالصلاة فتُقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)) (٢). وفي هذا الحديث دلالة على أن صلاة الجماعة فرض عين (٣). ٨ - تركُ صلاة الجماعة من علامات المنافقين ومن أسباب الضلال؛ لقول عبد الله بن مسعود ﵁: ((لقد رأيتُنا وما يتخلَّف عن الصلاة إلا منافق قد عُلِم نفاقه، أو مريض، إن كان المريض ليمشي بين الرجلين حتى يأتي الصلاة، وقال: إن النبي ﷺ علمنا سنن الهُدى، وإن من سنن الهُدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه)). وفي رواية: أن عبد الله قال: ((من سرَّه أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات، حيثُ يُنادَى بهِنَّ؛ فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى (٤)، وإنهنَّ من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم (٥)، وما من رجل يتطهر

стр. 43

فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجدٍ من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين (١) حتى يقام في الصف)) (٢). وهذا يدل على أن التخلف عن الجماعة من علامات المنافقين المعلوم نفاقهم، وعلامات النفاق لا تكون بترك مستحب، ولا بفعل مكروه، ومعلوم أن من استقرأ علامات النفاق في السنة وجدها إما بترك فريضة، أو فعل محرم (٣)، وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة، وتحمل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريض ونحوه التوصل إليها استحب له حضورها (٤). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن للمنافقين علامات يُعرَفون بها: تحيتهم لعنةٌ، وطعامهم نُهبة، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجد إلا هَجْراً (٥)، ولا يأتون الصلاة إلا دَبْراً (٦) مستكبرين، لا يألفون ولا يُؤلفون، خُشُبٌ (٧) بالليل، صُخُبٌ بالنهار)) (٨). وفي لفظ: ((سُخُبٌ

стр. 44

بالنهار)) (١). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة العشاء وصلاة الفجر أسأنا به الظن)) (٢). وفي رواية عنه ﵁: ((كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة الغداة أسأنا به الظن)) (٣). ٩ - تارك صلاة الجماعة متوعد بالختم على قلبه ؛ لحديث ابن عباس وابن عمر ﵃ أنهما سمعا النبي ﷺ يقول على أعواده (٤): ((لينتهينَّ أقوامٌ عن ودعهم (٥) الجماعات أو ليختمنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكوننَّ من الغافلين)) (٦). وهذا التهديد لا يكون إلا على ترك واجب عظيم. ١٠ - استحواذ الشيطان على قوم لا تقام فيهم الجماعة ؛ لحديث أبي

стр. 45

الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من ثلاثة في قرية، ولا بدوٍ لا تقام فيهم الصلاة (١) إلا قد استحوذ عليهم الشيطان (٢)، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)) (٣). قال زائدة: قال السائب: يعني بالجماعة: الصلاة في الجماعة (٤)، فقد أخبر النبي ﷺ باستحواذ الشيطان عليهم بترك الجماعة التي شعارها الأذان، وإقامة الصلاة، ولو كانت الجماعة ندباً يخير الرجل بين فعلها وتركها لما استحوذ الشيطان على تاركها وتارك شعارها (٥). ١١ - تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي صلاة الجماعة إلاَّ لأمرٍ لا بدّ منه؛ لحديث أبي الشعثاء قال: كنا قعوداً في المسجد مع أبي هريرة ﵁ فَأَذَّن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة ﵁: ((أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ )) (٦). فقد جعله أبو هريرة ﵁ عاصياً لرسول الله ﷺ بخروجه بعد الأذان؛ لتركه الصلاة جماعة (٧). قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى-: ((فيه كراهة الخروج من المسجد

стр. 46

بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة إلا لعذر والله أعلم)) (١). وقد جاء النهي صريحاً، فعن أبي هريرة ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ : ((إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي)) (٢). وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة، ثم لا يرجع إليه إلا منافق)) (٣). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يذكر أنه لا يجوز الخروج من المسجد الذي أذن فيه، إلا لعذر: كأن يريد الوضوء أو يصلي في مسجد آخر. قلت: قال الترمذي ﵀: ((وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، ومن بعدهم، أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر، أو يكون على غير وضوء، أو أمرٌ لا بد منه)) (٤). وذكر المباركفوري ﵀: أن الحديث يدل على أنه لا يجوز الخروج من المسجد، بعدما أذن فيه، إلا للضرورة، كمن كان جنباً، أو عليه حدث أصغر، أو الذي حصل له رعاف، أو الحاقن، ونحوهم، وكذا من يكون إماماً لمسجد آخر، ومن في معناه (٥).

стр. 47

١٢ - تفقّد النبي ﷺ للجماعة في المسجد يدل على وجوب صلاة الجماعة؛ لحديث أبي بن كعب ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ يوماً الصبح، فقال: ((أشاهد فلان؟)) قالوا: لا، قال: ((أشاهد فلان؟)) قالوا: لا، قال: ((إن هاتين الصلاتين (١) أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما، لأتيتموها ولو حبواً على الركب، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى)) (٢). ١٣ - إجماع الصحابة ﵃ على وجوب صلاة الجماعة ؛ فقد ذكر الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى- إجماع الصحابة على وجوب صلاة الجماعة، وذكر نصوصهم في ذلك، ثم قال: ((فهذه نصوص الصحابة كما تراها: صحةً، وشهرةً، وانتشاراً، ولم يجئ عن صحابي واحد خلاف ذلك، وكل من هذه الآثار دليل مستقل في المسألة، لو كان وحده، فكيف إذا تعاضدت وتظافرت، وبالله التوفيق)) (٣). وقال الترمذي ﵀: ((وقد رُوِيَ عن غير واحدٍ من أصحاب

стр. 48

النبي ﷺ أنهم قالوا: من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له)) (١). وقال بعض أهل العلم: هذا على التغليظ والتشديد ولا رخصة لأحد في ترك الجماعة إلا من عذر)) (٢). وقال مجاهد: ((وسئل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، ولا يشهد جمعة ولا جماعة؟ قال: هو في النار)) (٣). قال الترمذي ﵀: ((ومعنى الحديث: أن لا يشهد الجماعة والجمعة رغبة عنها، واستخفافاً بحقها، وتهاوناً بها)) (٤). والله أسأل أن يجعلني وجميع من قرأ هذه الرسالة من المتبعين للسنة، المحبين لها، وجميع المسلمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.