أخ لي أو قريب لي، قال: ((أحججت عن نفسك؟)) قال: لا. قال: ((حج عن نفسك ثم عن شبرمة)) (١)(٢). وبين أنه يجوز أن يحج عن الميت الفرض والنفل لهذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ لم يستفصل هذا الرجل عن حجه عن شبرمة هل نفل أو فرض؟ وهل كان شبرمة حيًّا أو ميتاً، قالوا: وإذا جاز أن يحج عن الميت الفرض بالنص الصحيح الصريح فما المانع من النفل؟ (٣).
وذكر شيخنا الإمام ابن باز ﵀: أن الميت تصل إليه الصدقة، والدعاء، والاستغفار، والحج، والعمرة، وقضاء الدين (٤).
ويرجح ﵀ أنه يقتصر على ما ورد به النص في وصول ثوابه إلى الميت؛ لأن العبادات توقيفية لا يجوز منها إلا ما دل عليه الشرع (٥).
وبين أن الصدقة تنفع الحي والميت، والدعاء، والحج، والعمرة، لكن الحي يحج عنه ويعتمر إذا كان عاجزاً.
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((هذه الأحاديث تدل على انتفاع الميت بالقربات: من الصدقات، والحج، والصوم، والدعاء، وغير ذلك، فهذا كله ينتفع به المسلم، أما غير المسلم فلا يدعى له، ولا يتصدق
стр. 352
عنه، والأقرب والله أعلم أن قراءة القرآن عن الميت، والصلاة عنه لا تفعل عنه؛ لأن العبادات توقيفية، وإنما يقتصر على ما شرع الله: كالدعاء، والحج، والعمرة، والصدقة، والصوم وغير ذلك)) (١).
وما ذهب إليه شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى: هو أرجح وأن العبادات توقيفية، وقد جاءت الأدلة في إهداء ثواب:
- الدعاء.
- والحج: الفرض والنفل.
- والعمرة: الفرض والنفل.
- والصدقة مطلقاً.
- والصوم: الفرض، والنفل كذلك.
- والعتق.
- والواجبات على الميت: كالنذور، والكفارات، وغير ذلك من العبادات التي جاء بها النص، والله أعلم (٢).
стр. 353
الثاني والعشرون: زيارة القبور ، يراعى فيها الأمور الآتية:
الأمر الأول: مشروعية زيارة القبور للرجال ؛ لحديث بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)) زاد الترمذي: ((فإنها تذكركم الآخرة))، وعند أبي داود: ((فإن في زيارتها تذكرة)). ولفظ النسائي: ((نهيتكم عن زيارة القبور، فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هُجراً)) (١).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن فيها عبرة [ولا تقولوا ما يسخط الرب])) (٢).
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها ترق القلب وتدمعُ العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هُجراً)) (٣)(٤).
وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((وفي لفظ: تُذكِّر الآخرة، وفي لفظ: تزهِّد في الدنيا، والحديث جمع بين الناسخ والمنسوخ، والنهي كان أولاً؛ لأنهم كانوا حدثاء عهد بكفر وشرك، وتعلق بالقبور، ثم شرع الله الزيارة بعد ذلك؛ لأنها تذكر الآخرة، ويدعى للأموات
стр. 354
فيها)) (١).
الأمر الثاني: زيارة الرجال للقبور بدون سفر ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ يبلغ به النبي ﷺ : ((لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى)) (٢).
فدخل في هذا النهي شدّ الرحال لزيارة القبور والمشاهد، وهو الذي فهمه الصحابة ﵃ من قول النبي ﷺ ، ولهذا عندما ذهب أبو هريرة ﵁ إلى الطور، فلقيه بصرة بن أبي بصرة الغفاري، فقال: من أين جئت؟ قال: من الطور. فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت إليه، سمع رسول الله ﷺ يقول: ((لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد ... )) (٣).
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره ﷺ أو غيره من الأنبياء والصالحين لم يكن عليه أن يوفي بنذره، بل ينهى عن ذلك)) (٤).
الأمر الثالث: الزيارة للقبور للرجال دون النساء ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ((لعن زوَّارات القبور)) (٥).
стр. 355
وعن حسان بن ثابت ﵁ قال: ((لعن رسول الله ﷺ زوَّارات القبور)) (١).
وعن ابن عباس ﵄ قال: ((لعن رسول الله ﷺ زوَّارات القبور)) (٢).
وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((وهذه الأحاديث الثلاثة (٣) تدل على عدم زيارة النساء للقبور، وأما حديث عائشة ﵄ أنها قالت: يا رسول الله: ما أقول عند زيارة القبور، فقال: ((قولي السلام عليكم ... )) الحديث، فهذا والله أعلم كان قبل نهي النساء؛ لأنه ﷺ نهى عن زيارة القبور ثم أذن مطلقاً: أي للرجال والنساء، ثم جاء نهي النساء عن زيارة القبور)) (٤).
وذكر العلامة ابن عثيمين ﵀ أن زيارة عائشة ﵂ لقبر أخيها (٥) اجتهاد منها ﵂، وأن قول النبي ﷺ لا يعارض بقول أحد كائناً من كان، وأن قول النبي ﷺ لعائشة ﵂: ((قولي السلام عليكم
стр. 356
دار قوم مؤمنين)) (١)، يدل على أن المرأة إذا مرت بدون قصد على المقبرة فلا حرج أن تسلم على أهل القبور وتدعو لهم؛ فإنه يفرق بين خروجها من أجل الزيارة، ومرورها من غير قصد للزيارة، وأما لفظ: ((لعن رسول الله ﷺ زوَّارات القبور)) بصيغة المبالغة، ولفظ: ((لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور))، فإن كان لفظ: ((زوَّارات)) للنسبة فلا إشكال، وإن كان للمبالغة، فإن لفظ زائرات فيه زيادة علم فيؤخذ به؛ لأن ((زائرات)) يصدق بزيارة واحدة، و ((زوَّارات)) في الكثير للمبالغة، ومعلوم أن الوعيد إذا جاء معلقاً بزيارة واحدة ومعلقاً بزيارات متعددة، فإن مع المعلق بزيارة واحدة زيادة علم؛ لأنه يلحق الوعيد على من زار مرة واحدة على لفظ ((زائرات)) دون لفظ: ((زوَّارات))، ولو أخذنا بلفظ ((زوَّارات)) ألغينا دلالة ((زائرات))، وقد تكلم شيخ الإسلام ﵀ على هذه المسألة كلاماً جيداًً (٢)(٣).
قال شيخنا الإمام ابن باز ﵀: ((الصحيح أن زيارة النساء للقبور لا تجوز))، ثم قال: ((فالصواب أن الزيارة من النساء للقبور محرمة لا مكروهة فقط ... )) (٤)، أما حديث النبي ﷺ الذي قال فيه للمرأة التي وجدها تبكي على صبي لها فقال لها: ((اتقي الله واصبري)) (٥) حينما وجدها عند القبر فرجح شيخنا ابن باز ﵀ أن هذا لعله كان في
стр. 357
وقت الإذن العام منه ﷺ للرجال والنساء في الزيارة؛ لأن أحاديث النهي عن الزيارة للنساء محكمة ناسخة لما قبلها)) (١).
الأمر الرابع: الزيارة لأهل القبور أنواع على النحو الآتي:
النوع الأول: زيارة شرعية يقصد بها ما يأتي:
١ - السلام على الموتى والدعاء لهم، والترحم عليهم ؛ فقد انقطعت أعمالهم.
٢ - تذكر الموت، والآخرة، وحصول رقة القلب ودمع العين .
٣ - إحياء سنة النبي ﷺ ؛ لأنه زار القبور وأمر بزيارتها .
النوع الثاني: زيارة بدعية وشركية (٢)، وهذا النوع ثلاثة أنواع:
١ - من يسأل الميت حاجته ، وهؤلاء من جنس عُبَّاد الأصنام، ويخرجون من الإسلام.
٢ - من يسأل الله تعالى بالميت ، كمن يقول: أتوسل إليك بنبيك، أو بحق الشيخ فلان، وهذا من البدع المحدثة في الإسلام، ولا يصل إلى الشرك الأكبر، فهو لا يُخرج عن الإسلام، كما يخرج الأول.
٣ - من يظن أن الدعاء عند القبور مُستجاب ، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، وهذا من المنكرات بالإجماع (٣).
قال الإمام ابن القيم ﵀ في مشروعية زيارة القبور: ((وكان هديه
стр. 358
- ﷺ أن يقول ويفعل عند زيارتها، من جنس ما يقوله عند الصلاة على الميت: من الدعاء، والترحم، والاستغفار، فأبى المشركون إلا دعاء الميت، والإشراك به، والإقسام على الله به، وسؤاله الحوائج، والاستعانة به والتوجه إليه، بعكس هديه ﷺ ؛ فإنه هدي توحيد وإحسان إلى الميت، وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم وإلى الميت، وهم ثلاثة أقسام: إما أن يدعو الميت، أو يدعو به، أو عنده، ويرون الدعاء عنده أوجب وأولى من الدعاء في المساجد، ومن تأمل هدي رسول الله ﷺ وأصحابه تبين له الفرق بين الأمرين وبالله التوفيق)) (١).
الأمر الخامس: جواز زيارة قبور المشركين للعبرة والعظة فقط؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي)) وفي لفظ: ((زار ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال ﷺ : ((استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور؛ فإنها تذكركم الموت)) (٢). وقد نهى الله عن الاستغفار للمشركين والدعاء لهم، وعن الصلاة عليهم (٣)، فلا يجوز للمسلم أن يدعو لهم، ولا يستغفر لهم، وإنما إذا زار قبورهم فللتذكر والاعتبار وتذكر الموت.
الأمر السادس: كيفية السلام على أهل القبور من المسلمين على النحو
стр. 359
الآتي:
١ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خرج من بيتها في ليلتها حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم رجع إليها وأخبرها أن الله أمره أن يأتي أهل البقيع فيستغفر لهم، قالت قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله! قال قولي: ((السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بهم لاحقون))، وفي لفظ: قالت: كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد)) (١).
٢ - وفي حديث بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، [أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع] أسأل الله لنا ولكم العافية)) وفي لفظ: ((السلام على أهل الديار)) (٢).
٣ - وعن ابن عباس ﵄ قال: مرَّ رسول الله ﷺ بقبور المدينة
стр. 360
فأقبل عليهم بوجهه فقال: ((السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر)) (١).
وهل يستقبل الزائر وجه الميت أثناء السلام عليه كما في هذا الحديث؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((ومذهب الأئمة: مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وغيرهم من أئمة الإسلام أن الرجل إذا سلم على النبي ﷺ وأراد أن يدعو لنفسه، فإنه يستقبل القبلة، واختلفوا في وقت السلام عليه: فقال الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد: يستقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه، وقال أبو حنيفة: لا يستقبل الحجرة وقت السلام كما لا يستقبلها وقت الدعاء، ثم في مذهبه قولان: قيل: يستدبر الحجرة، وقيل: يجعلها عن يساره)) (٢)(٣).
٤ - وهل يسمع أهل القبور سلام من يسلم عليهم أثناء زيارتهم؟ هذه مسألة اختلف أهل العلم فيها، وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية،
стр. 361
وتلميذه ابن القيم، والإمام ابن كثير في تفسيره، والعلامة الشنقيطي في أضواء البيان: أن الأموات يسمعون سلام الزائر لهم، ويرد الله عليهم أرواحهم حتى يردوا ﵇ (١).
قال الإمام ابن كثير ﵀: ((والصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر لما لها من الشواهد على صحتها من وجوهٍ كثيرة من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البر مصححاً له عن ابن عباس مرفوعاًً: ((ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇) ثم ذكر آثاراً كثيرة جداً عن الصحابة ﵃، وعن التابعين ﵏، والله تعالى أعلم (٢).
الأمر السابع: زيارة قبر النبي ﷺ على النحو الآتي:
١ - تستحب زيارة مسجد النبي ﷺ - وهي مشروعة في أي وقت، وفي أي زمان، وليس لها وقت محدد، وليست من أعمال الحج، ولا يجوز شدُّ الرحال والسفر من أجل زيارة القبر؛ فإن شدَّ الرحال على وجه التعبد لا يكون لزيارة القبور، وإنما يكون للمساجد الثلاثة، كما قال ﷺ : ((لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد
стр. 362
الأقصى)) (١)، فالبعيد عن المدينة ليس له شد الرحال بقصد زيارة القبر، ولكن يشرع له شد الرحال بقصد زيارة المسجد النبوي الشريف، فإذا وصله زار قبره ﷺ وقبور أصحابه، فدخلت الزيارة لقبره تبعاً لزيارة مسجده ﷺ ؛ لما في زيارة المسجد من الثواب العظيم. قال ﷺ : ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)) (٢)، وقال ﷺ : ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه)) (٣).
٢ – إذا دخل المسجد النبوي الشريف استحب له أن يُقدِّم رجله اليمنى عند دخوله ويقول: ((أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم. بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك)) (٤)، كما يقول ذلك عند دخول سائر المساجد.
٣ – يصلي ركعتين تحية المسجد ، أو يصلي ما شاء، ويدعو في صلاته بما شاء، والأفضل أن يفعل ذلك في الروضة الشريفة، وهي ما بين منبر
стр. 363
النبي ﷺ وحجرته؛ لقوله ﷺ : ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي)) (١).
أما صلاة الفريضة فيبنغي للزائر وغيره أن يحافظ عليها في الصف الأول.
٤ – ثم بعد الصلاة إن أراد زيارة قبر النبي ﷺ وقف أمام قبره: بأدب، ووقار، وخفض الصوت، ثم يسلم عليه ﷺ قائلاً: ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)).أو يقول: ((السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته))؛لقوله ﷺ : ((ما من أحدٍ يسلم عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ ﵇) (٢)، وإن قال: أشهد أنك رسول الله حقًّا، وأنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، وجاهدت في الله حق جهاده، ونصحت الأمة، فجزاك الله عن أمتك أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته. فلا بأس؛ لأن هذا كله من أوصافه ﷺ .
٥ – ثم يأخذ ذات اليمين قليلاً فيسلّم على أبي بكر الصديق ﵁، ويدعو له بما يناسبه، ثم يأخذ ذات اليمين قليلاً أيضاً فيسلّم على عمر بن الخطاب، ويترضى عنه، ويدعو له، وكان ابن عمر ﵄ إذا سلَّم على الرسول ﷺ وصاحبيه لا يزيد غالباً على قوله: السلام عليك يا رسول
стр. 364
الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه، ثم ينصرف (١). ولا يجوز لأحد أن يتقرب إلى الله بمسح الحجرة، أو الطواف بها، ولا يسأل الرسول ﷺ قضاء حاجته، أو شفاء مريضه، ونحو ذلك؛ لأن ذلك كله لا يطلب إلا من الله وحده.
والمرأة لا تزور قبر النبي ﷺ ولا قبر غيره؛ لأنه ﷺ لعن زوَّارات القبور (٢). لكن تزور المسجد، وتتعبد لله فيه رغبة فيما فيه من مضاعفة الصلاة، وتسلم على النبي ﷺ وهي في مكانها فيبلغ ذلك النبي ﷺ وهي في أي مكان كانت؛ لقوله ﷺ : ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراًًً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلُّوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) (٣). وقال ﷺ : ((إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام)) (٤).
٦ – يستحب لزائر المدينة أثناء وجوده بها أن يزور مسجد قباء ويصلي فيه؛ ((لأن النبي ﷺ كان يأتيه راكباً وماشياً ويصلي فيه ركعتين)) (٥)، وعن سهل بن حنيف قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تطهر في بيته ثم أتى مسجد
стр. 365
قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة)) (١)، وقال أسيد بن ظهير الأنصاري ﵁ يرفعه: ((صلاة في مسجد قباء كعمرة)) (٢).
٧ – ويسن للرجال زيارة قبور البقيع – وهي مقبرة المدينة – وقبور الشهداء، وقبر حمزة ﵃؛ لأن النبي ﷺ كان يزورهم ويدعو لهم؛ ولقوله ﷺ : ((زوروا القبور فإنها تذكركم بالموت)) (٣).
ويقول إذا زارهم: ((السلام عليكم أهل الديار، من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون [ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين] نسأل الله لنا ولكم العافية)) (٤).
ولاشك أن المقصود بزيارة القبور هو تذكر الآخرة والإحسان إلى الأموات بالدعاء لهم، واتباع سنة النبي ﷺ . وهذه هي الزيارة الشرعية. وأما زيارتهم لقصد الدعاء عند قبورهم، أو سؤالهم قضاء الحاجات، أو شفاء المرضى، أو سؤال الله بهم، أو بجاههم، ونحو ذلك فهذه زيارة بدعية منكرة لم يشرعها الله ولا رسوله، ولا فعلها السلف الصالح.
стр. 366
وبعض هذه الأمور المذكورة بدعة وليس بشرك: كدعاء الله عند القبور، وسؤال الله بحق الميت، أو جاهه، ونحو ذلك.
وبعضها بدعة من الشرك الأكبر: كدعاء الموتى، والاستعانة بهم، وسؤالهم النصر، أو المدد.
فتنبه واحذر واسأل ربك التوفيق والهداية للحق فهو سبحانه الموفق، والهادي، لا إله غيره، ولا رب سواه (١).
الثالث والعشرون: الإحداد
ينبغي أن يراعى في الإحداد الأمور الآتية:
الأمر الأول: مفهوم الإحداد:
الإحداد لغة: مأخوذ من حَدَّ: الحاء والدال أصلان:
الأول: المنع، والثاني طرف الشيء، فالحد الحاجز بين الشيئين، وفلان محدود: إذا كان ممنوعاً، ويقال: حدَّت المرأة على زوجها وأحدّت، وذلك إذا منعت نفسها الزينة والخضاب (٢).
وقيل: إحداد المرأة على زوجها: ترك الزينة، وقيل: هو إذا حزنت عليه ولبست ثياب الحزن وتركت الزينة والخضاب (٣).
والحادُّ والمحِدُّ: تاركة الزينة للعدة (٤)، قال ابن الأثير ﵀:
стр. 367
((أحدت المرأة على زوجها تحِدُّ، فهي محِدُّ، وحَدَّت تَحُدَّ وتحِدُّ فهي حادٌّ: إذا حزنت عليه ولبست ثياب الحزن وتركت الزينة)) (١).
فعُلِمَ أن الإحداد لغة: منع المرأة نفسها عن الزينة، والخضاب، وما نُهِيت عنه، إظهاراً للحزن.
الإحداد شرعاً: قيل: الإحداد: اجتناب الزينة، والطيب، والتحسين.
وقيل: اجتناب ما يدعو إلى جماعها، ويرغب في النظر فيها من الزينة والطيب، والتحسين، والحناء، والحلي والكحل.
وقيل: ترك زينة، وطيب، ولبس حلي، وتحسين بحناء، وكحل بأسود.
وقيل: اجتناب الزينة وما يدعو إلى المباشرة (٢).
وقيل: تربّصٌ تجتنب فيه المرأة ما يدعو إلى جماعها، أو يرغب في النظر إليها من الزينة وما في معناها مدة مخصوصة في أحوال مخصوصة (٣).
والمختار: ((تربُّصٌ تمتنع فيه المرأة عن كل ما يرغب في النظر إليها، مدة مخصوصة، في أحوال مخصوصة، في مكان مخصوص)).
أو يقال: ((تربُّصٌّ تمتنع فيه المرأة عن الزينة، والطيب، والحلي، مدة مخصوصة، في أحوال مخصوصة، في مكان مخصوص)).
الأمر الثاني حكم الإحداد الشرعي: الإحداد الشرعي نوعان:
стр. 368
النوع الأول: الإحداد في عدة الوفاة: يجب على الزوجة مدة عدة الوفاة؛ لحديث أم عطية ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تُحِدُّ امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً، إلا ثوب عَصْبٍ، ولا تكتحل، ولا تمسّ طيباً إلا إذا طهرت نبذة من قُسْطٍ أو أظفار)) (١)، زاد أبو داود: ((ولا تختضب)) (٢).
وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثٍ إلا على زوجها)) (٣).
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ((ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً في وجوبه على المتوفى عنها زوجها إلا عن الحسن؛ فإنه قال: لا يجب الإحداد، وهو قول شذ به عن أهل العلم وخالف به السنة، فلا يعرج عليه)) (٤).
قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وأجمعت الأمة على وجوبه على المتوفَّى عنها زوجها إلا ما حُكي عن الحسن والحكم بن عتبة ... )) (٥).
النوع الثاني: حكم إحداد المرأة على غير زوجها: اتفق العلماء رحمهم الله تعالى على جواز إحداد المرأة على غير زوجها ثلاثة أيام؛ لقوله ﷺ : ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على
стр. 369
زوج أربعة أشهر وعشراً)) (١).
وهذا يبين أن الإحداد على الزوج واجب وعزيمة، وعلى غير الزوج جائز ورخصة؛ لكن لا يجوز للمرأة أن تزيد على ثلاثة أيام على غير الزوج، وظاهر الأحاديث جواز إحداد المرأة على كل ميت ثلاثة أيام فأقل - غير الزوج، قال الإمام ابن القيم ﵀: ((فإن الإحداد على الزوج واجب وعلى غيره جائز))، وقال: ((فالإحداد على الزوج عزيمة وعلى غيره رخصة)) (٢).
وقال العيني ﵀: ((قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن من مات أبوها أو ابنها، وكانت ذات زوج وطالبها زوجها في الثلاثة أيام التي أبيح لها الإحداد فيها أنه يُقضى له عليها بالجماع فيها)) (٣).
الأمر الثالث: مدة الإحداد نوعان:
النوع الأول: مدة الإحداد على الزوج قسمان:
القسم الأول: عدة المرأة الحائل وهي غير الحامل، أربعة أشهر وعشراً؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا
стр. 370
فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١)؛ولقوله ﷺ : ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً)) (٢).
والحائل إما أن تكون مدخولاً بها أو غير مدخول بها وكلا الصنفين عدته من الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام؛ لعموم الآية، فظاهر الآية والحديث يشملهما فلا فرق بينهما، قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وأما عدة الوفاة فتجب بالموت سواء دخل بها أو لم يدخل اتفاقاً كما دل عليه عموم القرآن والسنة)) (٣)؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ في عدة غير المدخول بها عند وفاة الزوج، أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقاً ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود: ((لها مثل صداق نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث))، فقام معقل بن سنان ﵁ فقال: ((قضى رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق امرأة منا: مثل الذي قضيت))، ففرح بها ابن مسعود ﵁)) (٤).
قال ابن المنذر ﵀: ((وأجمعوا أن عدة الحرة المسلمة التي ليست بحامل من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشراً، مدخولاً بها أو غير
стр. 371
مدخول، صغيرة لم تبلغ أو كبيرة قد بلغت)) (١).
القسم الثاني: عدة المرأة الحامل: أجلها أن تضع حملها، ولو بعد الوفاة بوقت يسير، قال ابن المنذر ﵀: ((وأجمعوا أنها لو كانت حاملاً لا تعلم بوفاة زوجها أو طلاقه فوضعت حملها أن عدتها منقضية)) (٢)، وقال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وأجمعوا أيضاً على أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً أجلها وضع حملها، إلا ابن عباس، وروي عن علي من وجه منقطع أنها تعتد بأقصى الأجلين، وقاله أبو السنابل بن بعكك في حياة النبي ﷺ فردَّ عليه النبي ﷺ قوله، وقد روي أن ابن عباس رجع إلى قول الجماعة لما بلغه حديث سبيعة)) (٣).
قال الله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٤). فدلت الآية على أن كل حامل أجلها وضع الحمل؛ ولما روت سبيعة بنت الحارث الأسلمية ﵂ أنها كانت تحت سعد بن خولة وتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلَّت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها أبو السنابل بن بعككٍ فقال لها: ما لي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح؟ إنك والله ما أنت بناكح حتى تمرَّ عليك أربعة أشهر وعشر، قالت: سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت عليًّ ثيابي حين أمسيت
стр. 372
فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك؟ فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي))، قال ابن شهاب: فلا أرى بأساً أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها، غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر (١).
الأمر الرابع: الحكمة من الإحداد: يجب على كل مسلم أن ينقاد لشرع الله ورسوله ﷺ ، فإن عرف الحكمة فزيادة علم وحكمة، وإن حُجبت عنه فلا يُسأل عنها، وإنما يلزمه العمل بما أمر والابتعاد عما نهي عنه.
وقد ذكر بعض أهل العلم بعض الحكم من حكمة الإحداد، ومنها على سبيل الإيجاز:
١ - تعظيم أمر الله والعمل بما يرضيه تعالى.
٢ - تعظيم حق الزوج وحفظ عشرته.
٣ - أهمية عقد النكاح ورفع قدره.
٤ - تطييب نفس أقارب الزوج ومراعاة شعورهم.
٥ - سد ذريعة تطلع المرأة للنكاح في هذه المدة وتطلع الرجال إليها.
٦ - الإحداد من مكملات عدة الوفاة ومقتضياتها.
٧ - تألم على فوات نعمة النكاح الجامعة بين خيري الدنيا والآخرة.
٨ - موافقة الطباع البشرية؛ فإن النفس تتفاعل مع المصائب فأباح الله لها حدًّا تستطيع من خلاله التعبير عن مشاعر الحزن والألم بالمصاب مع الرضا التام بما قضى الله وقدر، والصبر على أقدار الله المؤلمة، والرغبة
стр. 373
فيما عنده سبحانه من الأجر لمن صبر واحتسب، وانتظار ما وعد الله سبحانه من الخير لمن حمده واسترجع وسأل الله أن يجيره في مصيبته ويخلفه خيراً منها (١).
الأمر الخامس: يلزم الحادة على زوجها ستة أحكام على النحو الآتي:
١ - تلزم بيتها الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه، ولا تخرج منه إلا لحاجة أو ضرورة ، كمراجعة المستشفى عند المرض، وأخذ بعض حوائجها من السوق إذا لم يكن لديها من يقوم بذلك، ومن الأدلة الواضحة في ذلك حديث زينب بنت كعب بن عجرة عن الفريعة بنت مالك بن سنان - وهي أخت أبي سعيد الخدري - أخبرتها أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة؛ فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أَبِقُوا حتى إذا كانوا بطرف القدوم لحقهم فقتلوه، فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي؛ فإني لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله ﷺ : ((نعم)) قالت: فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمرني فدعيت له، فقال: ((كيف قلت؟)) فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي، قالت: فقال: ((امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله))، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً، قالت: فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك،
стр. 374
فأخبرته فاتبعه وقضى به)) (١).
قال الإمام ابن قدامة ﵀: وهو حديث صحيح قضى به عثمان في جماعة الصحابة، فلم ينكروه، إذا ثبت هذا فإنه يجب الاعتداد في المنزل الذي مات زوجها وهي ساكنة به، سواء كان مملوكاً لزوجها، أو بإجارة، أو عارية؛ لأن النبي ﷺ قال للفريعة: ((امكثي في بيتك)) ولم يكن في بيت يملكه زوجها، وفي بعض ألفاظه: ((اعتدي في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك)) وفي لفظ: ((اعتدي حيث بلغك الخبر))، فإن أتاها الخبر في غير مسكنها رجعت إلى مسكنها فاعتدت فيه)) (٢).
وقال ﵀: ((فإن خافت هدماً، أو غرقاً، أو عدوًّا، أو نحو ذلك، أو حوَّلها صاحب المنزل؛ لكونه عارية رجع فيه، أو بإجارة انقضت مدتها، أو منعها السكن تعدِّياً، أو امتنع من إجارته، أو طلب به أكثر من أجرة المثل، أو لم تجد ما تكتري به أو لا تجد إلا من مالها، فلها أن تنتقل؛ لأنها حال عُذرٍ، ولا يلزمها بذل أجر المسكن، وإنما الواجب عليها فعل السكنى، لا تحصيل المسكن، وإذا تعذرت السكنى سقطت ولها أن
стр. 375
تسكن حيث شاءت ... )) (١).
وقال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وللمعتدّة الخروج في حوائجها نهاراً، سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها)) (٢)، لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: طُلقت خالتي فأرادت أن تجذ نخلها فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي ﷺ فقال: ((بلى جذي نخلك، فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفاً)) (٣)، وذكر ابن قدامة ﵀ أن المرأة الحادَّة ليس لها المبيت في غير بيتها وليس لها الخروج ليلاً إلا لضرورة؛ لأن الليل مظنة الفساد بخلاف النهار؛ فإنه مظنة قضاء الحوائج والمعاش وشراء ما يحتاج إليه (٤)(٥).
٢ - تمتنع الحادة عن الملابس الجميلة وتلبس ما سواها ، وقد ذكر ابن المنذر الإجماع على منعها من لبس المعصفر (٦)، فتحرم عليها الثياب المصبغة للتحسين: كالمعصفر، والمزعفر، وسائر اللون للتحسين (٧)؛ لحديث أم عطية ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً، إلا
стр. 376
ثوب عصبٍ، ولا تكتحل، ولا تمس طيباً إلا إذا طهرت نبذة من قسطٍ أو أظفار)) (١) زاد أبو داود: ((ولا تختضب)) (٢).
٣ - تمتنع عن جميع أنواع الطيب ، ونحوها، إلا إذا طهرت من حيضها، فلا بأس أن تتبخر بالبخور؛ لحديث أم عطية ﵂، وفيه: ((ولا تمس طيباً إلا إذا طهرت نبذة من قسطٍ أو أظفار)) (٣).
قال الإمام النووي ﵀ في شرح القسط والأظفار: ((نوعان معروفان من البخور، وليس من مقصود الطيب، رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع به أثر الدم لا للتطيب، والله تعالى أعلم)) (٤).
وقوله ﷺ : ((ولا تمس طيباً)) يشمل جميع أنواع الأطياب، والأدهان المطيبة، والمياه المعتصرة من الأدهان المطيبة، فهذه كلها من الطيب الممنوع (٥).
ولا يدخل فيه الزيت، ولا السمن، ولا تمتنع من الأدهان التي ليس فيها طيب (٦).
٤ - تمتنع الحادة من الحلي: الذهب، الفضة، والماس وغيرها، سواء
стр. 377
كان ذلك قلائد، أو أسورة، أو خرصان، أو خواتم، أو غير ذلك؛ لحديث أم سلمة زوج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ أنه قال: ((المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشقة، ولا الحليَّ، ولا تختضب، ولا تكتحل)) (١).
قال الإمام ابن المنذر ﵀: ((وأجمعوا على منع المرأة المحدة من لبس الحلي)) (٢)؛ ولأن الحلي يزيد في حسنها ويدعو إلى مباشرتها)) (٣).
٥ - تمتنع الحادة عن الخضاب بالحناء ونحوه؛ لحديث أم عطية ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تحدُّ امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمس طيباً إلا إذا طهرت نبذة من قُسْطٍ أو أظفار)) زاد أبو داود: ((ولا تختضب)) (٤)؛ ولحديث أم سلمة زوج النبي ﷺ وفيه: ((ولا تختضب)) (٥).
قال الإمام ابن القيم ﵀: ((فيحرم عليها الخضاب، والنقش، والتطريف، والحمرة؛ فإن النبي ﷺ نصَّ على الخضاب منبهاً به على هذه
стр. 378
الأنواع)) (١).
٦ - تمتنع الحادَّة عن الكحل ؛ لحديث أم عطية ﵂ وفيه: (( ... ولا تكتحل)) (٢).
وحديث أم سلمة ﵂ وفيه: ((ولا تكتحل)) (٣).
وفي حديث أم سلمة ﵂ تقول: ((جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : ((لا)) مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يقول: ((لا))، ثم قال: ((إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول ... )) (٤).
قال الإمام ابن القيم ﵀: ((قال طائفة من أهل العلم من السلف والخلف، منهم أبو محمد ابن حزم: ((لا تكتحل ولو ذهبت عيناها لا ليلاً ولا نهاراً))، وبين ﵀ أنه يساعدهم حديث أم سلمة السابق، ثم قال ﵀: ((وأما جمهور أهل العلم: كمالك، وأحمد، وأبي حنيفة، والشافعي، وأصحابهم، فقالوا: إن اضطرت إلى الكحل بالإثمد تداوياً لا زينة، فلها أن تكتحل به ليلاً وتمسحه نهاراً وحجتهم حديث أم سلمة ﵂) (٥). ولفظ الحديث عن أم حكيم بن أسيد عن أمها أن زوجها توفي
стр. 379
وكانت تشتكي عينيها فتكتحل بالجلاء، - قال أحمد (أحد الرواة) الصواب: بكحل الجلاء – فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمة فسألتها عن كحل الجلاء؟ فقالت: لا تكتحلي به إلا من أمر لابد منه يشتدُّ عليك: فتكتحلين بالليل وتمسحينه بالنهار، ثم قالت عند ذلك أم سلمة: دخل عليَّ رسول الله ﷺ حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبراً فقال: ((ما هذا يا أم سلمة؟)) فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله، ليس فيه طيب، قال: ((إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب، ولا بالحناء؛ فإنه خضاب))، قالت: قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: ((بالسدر تغلفين به رأسك)) (١). وقد بين الإمام ابن عبد البر ﵀ وتبعه الإمام ابن القيم: أن هذا الحديث ثابت، والجمع بينه وبين الحديث الآخر لأم سلمة وفيه: ((قوله: ((لا)) ثلاثاً لمن استأذنته في الكحل: أن الشكاة التي قال فيها النبي ﷺ ((لا)) لم تبلغ والله أعلم منها مبلغاً لابد لها فيه من الكحل فلذلك نهاها، ولو كانت محتاجة مضطرة تخاف ذهاب بصرها لأباح لها ذلك كما فعل بالتي قال لها: ((اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار))، والنظر يشهد لهذا التأويل؛ لأن الضرورات تنقل المحظورات إلى حال المباح في الأصول؛ ولهذا جعل مالك فتوى أم سلمة ﵂ تفسيراً للحديث المسند في الكحل؛ لأن أم سلمة ﵂ روته
стр. 380
وما كانت لتخالفه إذا صح عندها، وهي أعلم بتأويله ومخرجه ... )) (١).
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((الكحل ممنوع للحادة إلا من أجل العلاج؛ فإنه يجعل بالليل ويمسح بالنهار)) (٢).
قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ولا تمتنع من التنظف، بتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق الشعر المندوب إلى حلقه، ولا من الاغتسال بالسدر، والامتشاط به)) (٣)، ولها أن تكلم من شاءت من محارمها وتجلس معهم، وتقدم الطعام والشراب، ونحو ذلك، ولها أن تعمل في بيتها وأسطح بيتها ليلاً ونهاراً، وفي جميع أعمالها البيتية: كالطبخ، والخياطة، وكنس البيت، وغسل الملابس (٤)، ولكن عليها أن تلتزم بالستة الأمور المذكورة آنفاً. والله الموفق للصواب .
الأمر السادس: أصناف المعتدات سبعة أصناف على النحو الآتي:
الصنف الأول: الحامل وعدتها من موت زوجٍ أو طلاق هي: وضع كامل الحمل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٥).
الصنف الثاني: المتوفى عنها زوجها من غير حمل ، فعدتها أربعة أشهر
стр. 381
وعشرة أيام من حين موته؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (١).
الصنف الثالث: المرأة ذات الحيض ، وعدتها من طلاق وفسخ هي ثلاثة قروء؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ (٢).
الصنف الرابع: المرأة التي لا تحيض إما لصغر أو كبر فعدتها ثلاثة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٣).
الصنف الخامس: المرأة التي ارتفع حيضها بسبب كالرضاع، والمرض، ونحوه، تتربص حتى يعود الحيض ثم تعتدُّ به؛ لأنها من ذوات القروء، والعارض الذي منع الدم يزول، فتنتظر زواله.
الصنف السادس: المرأة التي ارتفع حيضها ولم تدر ما رفعه فعدتها سنة: تسعة أشهر تتربص فيها؛ لتعلم براءتها من الحمل؛ لأنها غالب مدته، ثم تعتدّ بعد ذلك ثلاثة أشهر؛ لقول الشافعي هذا قضاء عمر بين المهاجرين والأنصار لا ينكره منهم منكِر علمناه، فكان إجماعاً من الصحابة ﵃.
الصنف السابع: امرأة المفقود ، وتعتد بعد مدة التربص أربعة أشهر وعشراً عدة الوفاة.
стр. 382
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
حرر في يوم الأربعاء الموافق ٢/ ١/١٤٢٤هـ