ونحو ذلك فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلة خفية من خصال الخير، تغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره، فتوجب له حسن الخاتمة)) (١).
وينبغي للمسلم أن يعمل بالأسباب التي توصل إلى حسن الخاتمة ويبتعد عن جميع الأسباب التي تنشأ عنها سوء الخاتمة، ومن ذلك ما يأتي:
السبب الأول: خوف الله - والخشية من سوء الخاتمة، فقد كان السلف الصالح يخافون من سوء الخاتمة، فيحسنون العمل؛ لأن الخوف مع الرجاء يبعث على إحسان العمل؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ن خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة)) (٢)؛ولهذا كان الصحابة ﵃ ومن بعدهم من السلف يخافون على أنفسهم النفاق، ويشتد قلقهم منه؛ لأن المؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب عليه عند الخاتمة فيخرجه إلى النفاق الأكبر؛ لأن دسائس السوء من أسباب سوء الخاتمة (٣).
* وقد ذُكِرَ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لحذيفة ﵁: ((نشدتك بالله هل سمَّاني لك رسول الله ﷺ منهم))؟ - يعني من المنافقين - قال: لا، ولا
стр. 72
أبرئ بعدك أحداً، يعني لا يكون مفشياً سرَّ رسول الله ﷺ (١).
* وقال عبد الله بن أبي مليكة: ((أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه، وما منهم من أحد يقول: إن إيمانه على إيمان جبريل وميكائيل)) (٢).
* وقال إبراهيم التيمي – ﵀: ((ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذباً)) (٣).
* ويذكر عن الحسن: ((ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق)) (٤).
* ويذكر عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: ((لأن أستيقن أن الله تقبَّل لي صلاة واحدة أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها، إن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٥).
السبب الثاني: التوبة من جميع الذنوب والمعاصي وإتباعها بالأعمال الصالحة؛ لأن التسويف في التوبة من أسباب سوء الخاتمة؛ ولهذا قال الله : ﴿وَتُوبُوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٦).
وقال : ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ
стр. 73
الْعَذَابُ الأَلِيمَ﴾ (١).
ولا شك أن: ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)) (٢).
ولابد مع التوبة من الأعمال الصالحة؛ لقوله : ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٣)، وقال بعد أن ذكر عقاب المشرك، وقاتل النفس بغير حق، والزاني: ﴿إِلاّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (٤).
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله)) فقيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: ((يوفقه لعمل صالح قبل الموت)) (٥).
وعن عمرو بن الحَمَقِ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا أراد الله بعبدٍ خيراً عَسَلَهُ)) قالوا: وكيف يعسله؟ قال: ((يفتح الله له عملاً صالحاً بين يدي موته حتى يرضى عنه جيرانه، أو من حوله)) (٦).
стр. 74
السبب الثالث: الدعاء بحسن الخاتمة وإظهار الافتقار إلى الله -، ولهذا كان النبي ﷺ يُكثر الدعاء بالثبات على دين الله فعن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ :كان أكثر دعائه: ((يا مقلب القلوب ثبّتْ قلبي على دينك)) قالت: قلت: يا رسول الله ما أكثر دعاءك: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك؟ قال: ((يا أم سلمة إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ)) فتلا معاذ: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (١).
وعن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: ((يا مقلب القلوب ثبّتْ قلبي على دينك))، فقلت: يا رسول الله، آمنا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: ((نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء)) (٢).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ
стр. 75
يقول: ((إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء))، ثم قال رسول الله ﷺ : ((اللهم مُصرّف القلوب صرّف قلوبنا على طاعتك)) (١).
وكان ﷺ يدعو: ((اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة)) (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يتعوذ من: ((جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء)) (٣).
فينبغي للمسلم أن يُكثر من هذه الأدعية التي هي من أسباب حسن الخاتمة، وعليه أن يُكثر من ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) فعن عبد الله بن
السبب الرابع: قصر الأمل من أسباب حسن الخاتمة، وطول الأمل ضد ذلك؛ قيس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا عبد الله بن قيس ألا أدلُّك على كنز من كنوز الجنة))؟ فقلت: بلى يا رسول الله، قال: ((قل لا حول ولا قوة إلا بالله)) (٤).لأن قصر الأمل يَحثُّ صاحبه على اغتنام الأوقات والأعمال الصالحة؛ ويؤكد ذلك حديث عبد الله بن عمر ﵁ قال: أخذ رسول الله
стр. 76
- ﷺ بمنكبي فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك (١).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: خطَّ النبي ﷺ خطّاً مربعاً، وخطَّ خطّاً في الوسط خارجاً منه، وخطَّ خُططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: ((هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به، أو قد أحاط به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخُطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا)) (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يزال قلب الكبير شابّاً في اثنتين: في حب الدنيا وطول العمر)) (٣).
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يهرم ابن آدم وتشبُّ منه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر)) (٤).
فينبغي للمسلم أن لا يركن إلى الدنيا؛ فإنها متاع زائل، والله المستعان.
السبب الخامس: بغض المعاصي والابتعاد عنها من أسباب حسن الخاتمة، وضدّ ذلك حبها وإلفها. فينبغي للمسلم أن يُبغض كل ما حرمه
стр. 77
الله ورسوله ﷺ ؛ لأن الإنسان إذا أصرَّ على المعاصي ومات على ذلك كان ذلك من أسباب سوء الخاتمة، وبُعِثَ على ما مات عليه؛ ولهذا قال ﷺ : ((من مات على شيء بعثه الله عليه)) (١).
السبب السادس: الصبر عند المصائب من أسباب حسن الخاتمة، وضد ذلك الجزع أو الانتحار من أسباب سوء الخاتمة، أسأل الله العفو والعافية لي ولأهل بيتي وجميع المؤمنين.
فينبغي للمسلم الصبر ابتغاء وجه الله فعن صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)) (٢)، ولا شك أن المصائب تُكفِّر الخطايا والسيئات.
فينبغي للعبد المسلم: الصبر، والثبات، واحتساب الأجر والثواب على الله فعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطَّ الله به سيئاته كما تحطُّ الشجرة ورقها)) (٣).
وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: ((ما يصيب المؤمن من وصبٍ (٤) ولا نصبٍ (٥) ولا سقمٍ، ولا حزنٍ، حتى
стр. 78
الهمّ يهمّه إلا كُفِّر به من سيئاته)) (١).
السبب السابع: حسن الظن بالله - من أسباب حسن الخاتمة، وسوء الظن بالله من أسباب سوء الخاتمة، فينبغي للعبد أن يعلم أن الله لا يظلم مثقال ذرة، ولا يظلم الناس شيئاً، وهو عند ظن عبده به؛ قال النبي ﷺ : ((يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني ... )) (٢).
وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل وفاته بثلاث يقول: ((لا يمُوتنَّ أحدكم إلا وهو يُحسن الظن بالله)) (٣).
السبب الثامن: معرفة ما أعده الله من النعيم المقيم للمؤمنين ، من أسباب حسن الخاتمة؛ لأن هذا العلم يَحثُّ على العمل، والاستقامة على طاعة الله رغبة فيما عنده من الثواب، قال الله : ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٤).
فينبغي للمسلم أن يعلم أن مستقر أرواح المؤمنين في الحياة البرزخية في الجنة، فعن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن الشافعي، عن مالك، عن
стр. 79
الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه كعب أن رسول الله ﷺ قال: ((إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله ﵎ إلى جسده يوم يبعثه)) (١).
أما أرواح الشهداء فهي أعظم من ذلك، فقد ثبت في الصحيح أن: ((أرواحهم في جوف طير خضرٍ، لها قناديل معلّقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل ... )) (٢).
فينبغي للمسلم أن يعمل بهذه الأسباب الحسنة ويبتعد عن أسباب سوء الخاتمة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحسن لنا جميعاً الخاتمة، وأن يوفقنا لِمَا يحبه ويرضاه.
١٢ - معرفة قصر الحياة الدنيا ، وأنها كيوم أو بعض يوم مهما عاش الإنسان فحياته قصيرة جداً، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣).
وقال سبحانه: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (٤).
стр. 80
وقال : ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ الله وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ (١)، وهذا يدل على سرعة انقضاء الدنيا، وأن الناس إذا حشروا كأنَّه ما مر عليهم نعيم ولا بؤس وهم يتعارفون بينهم كحالهم في الدنيا، ففي هذا اليوم يربح المتقون ويخسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين إلى الصراط المستقيم والدين القويم (٢).
وقال الله : ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ (٣).
وقال : ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ (٤).
وقال : ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ (٥).
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ (٦).
стр. 81
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَومَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُم إن لَّبِثْتُمْ إلاَّ عَشْرًا * نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُم طَرِيقَةً إن لَّبِثْتُمْ إلاَّ يَوْمًا﴾ (١).
وقال : ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢).
وقال الله في الساعة: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ (٣).
وقال : ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (٤).
وقال : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (٥).
وعن المستورد أخي بني فهر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما مَثَل الدنيا في الآخرة إلا مَثَل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليمِّ فلينظرْ بمَ يرجع)) (٦).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)) (٧).
стр. 82
فينبغي للعبد المسلم أن يزهد في هذه الدنيا القصيرة ويتزود بالأعمال الصالحة، ويعلم أنه مهما طال عمره فهو قصير، ولكن يغتنمه فيما يرفع منزلته عند الله ، ويقيه من عذابه، فإن طال عمره وهو ملتزم بطاعة الله فهو خير له، فعن عبد الله بن بُسر ﵁ أن أعرابيّاً قال: يا رسول الله! من خير الناس؟ قال: ((مَن طال عمره وحسن عمله)) (١).
وعن أبي بكرة ﵁: أن رجلاً قال: يا رسول الله! أي الناس خير؟ قال: ((مَن طال عمره وحسن عمله)) قال: فأي الناس شر؟ قال: ((من طال عمره وساء عمله)) (٢).
وأعمار أمة محمد ﷺ قصيرة من الستين إلى السبعين لمن أطال الله عمره، وقليل من يجوز ذلك؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((عمر أمتي من ستين سنة إلى سبعين سنة)). وفي لفظ: ((أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك)) (٣).
وهذا العمر حجة على من لم يستعمله في طاعة الله ، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((أعذر الله إلى امرئ أخَّر أجله حتى بلّغه ستين سنة)) (٤).
وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز –﵀– يقول: ((وهذا
стр. 83
يوجب الحذر وأن المؤمن يأخذ حذره، ولا سيما إذا بلغ ستين)) (١).
وما أحسن ما قاله الشاعر الحكيم:
وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب للرأس شامل
١٣ - معرفة فضل البكاء من خشية الله تعالى يورث الخير الكثير؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم)) (٢).
وعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((عينان لا تمسّهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)) (٣).
وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء وحُقَّ لها أن تئطَّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا ومَلَك واضع جبهته ساجداً لله، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله)) (٤).
стр. 84
وعن أنس ﵁ قال: خطب النبي ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قطُّ، قال: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)) قال: فغطَّى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم ولهم خنين، فقال رجل: من أبي؟ قال: ((أبوك فلان)). وفي رواية فقال عبد الله بن حذافة: من أبي؟ فقال: ((أبوك حذافة)) فلما أكثر ﷺ من قوله: ((سلوني؟)) برك عمر فقال: رضينا بالله ربَّا وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً، فسكت النبي ﷺ ثم قال: ((والذي نفسي بيده لقد عرضت عليَّ الجنة والنار آنفاً في عرض هذا الحائط فلم أرَ كاليوم في الخير والشر)) (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ : ((والذي نفس محمد بيده لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً)) (٢).
ولو لم يكن في فضل البكاء من خشية الله إلا أنه يدخل صاحبه في ظلّ الله يوم لا ظل إلا ظلّه لكفى؛ لقوله ﷺ : ((سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه)) وذكر منهم: ((رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) (٣)، وقد
стр. 85
أثنى الله على من بكى من خشيته في آيات كثيرة، ومن ذلك:
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ (٢).
وقوله تعالى في أهل العلم إذا سمعوا القرآن: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٣).
وقوله تعالى في الأنبياء وممن هدى سبحانه: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (٤).
خامساً: آداب المريض الواجبة والمستحبة كثيرة منها:
١ - الصبر والاحتساب: يجب على المريض الصبر وهو: حبس النفس عن الجزع والتسخط، واللسان عن الشكوى إلى المخلوق، والجوارح عن عملها ما يقتضي التسخّط: كلطم الخدود، وشقّ الجيوب، وحثو التراب على الرؤوس، ونتف الشعر، والدعاء بدعوى الجاهلية، ونحو ذلك (٥).
أما الشكوى إلى الله فمطلوبة بإجماع المسلمين (٦).
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١).
وقال رسول الله ﷺ : ((الصبر ضياء)) (٢).
وعن صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)) (٣).
وعن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة)) يريد عينيه (٤).
وعن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون فأخبرها ((أنه كان عذاباً يبعثه الله على من شاء فجعله رحمة للمؤمنين (٥)، فليس من
стр. 88
عبد يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد)) (١).وقال ﷺ : (( ... إنما الصبر عند الصدمة الأولى)) (٢).
وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((ما يصيب المسلم من نَصَبٍ (٣) ولا وَصَبٍ (٤) ولا هَمٍّ، ولا حزْنٍ، ولا أذىً، ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه)) (٥).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطَّ الله سيئاته كما تحطُّ الشجرة ورقها)) (٦).
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلم يُشاك شوكةً فما فوقها، إلا كُتب له بها درجة ومُحيت عنه بها خطيئة)) (٧).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من يُرد الله به خيراً
стр. 89
يُصِبْ (١) منه)) (٢).
وعن أنس ﵁ يرفعه: ((إن عِظم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السُّخْط)) (٣).
وعن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: ((الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيُبْتلَى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً، اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقّةٌ ابتلي على حسب دينه، فما يبرحُ البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة)) (٤).
٢ - لا يُسأل البلاء ؛ لحديث العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قلت: يا رسول الله علمني شيئاً أسأله الله؟ قال: ((سل الله العافية)) فمكثت أياماً ثم جئت فقلت: يا رسول الله علمني شيئاً أسأله الله، فقال لي: ((يا عباسُ يا عمَّ رسول الله: ((سل الله العافية في الدنيا والآخرة)) (٥)؛
стр. 90
ولحديث أبي بكر الصديق ﵁ أن النبي ﷺ قال على المنبر: ((سلوا الله العفو والعافية؛ فإن أحداً لم يعط بعد اليقين خيراً من العافية)) (١)؛
ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ : ((اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوّل عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك)) (٢)؛
ولحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ((كان يتعوّذ من سوء القضاء، ومن درك الشقاء، ومن شماتة الأعداء، ومن جهد البلاء)) (٣).
٣ - الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى .
الإيمان بالقدر أصل من أصول الإيمان وركن من أركانه؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٤)؛
ولحديث عمر ﵁ من حديث جبريل المشهور وفيه: (( ... أخبرني عن الإيمان؟ [فقال رسول الله ﷺ ]: ((أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)) (٥).
стр. 91
و القدر في اللغة: بمعنى التقدير، وهو مصدر: قَدَر يَقْدُرُ قَدَراً، وقد تسكّن دالُه، وهو عبارة عما قضاه الله وحكم به من الأمور، ومنه ((ليلة القدر)) وهي الليلة التي تُقدَّرُ فيها الأرزاق وتُقضى، ومنه حديث الاستخارة: ((فاقدُرْه لي ويسِّره)) أي اقضِ لي به وهيِّئه (١).
و القدر في الشرع: هو تقدير الله تعالى لكل شيء، بعلمه الأزلي الأبدي، الذي لا أول لابتدائه، ولا نهاية لانتهائه، وعلمه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة، وكتابته سبحانه لذلك، ومشيئته النافذة له، ووقعها على حسب ما قدرها، وأنه الخالق لكل شيء القادر عليه (٢).
وأما معنى القضاء: فهو في اللغة: إحكام الأمر وإتقانه، وإنفاذه لجهته (٣)، وأصل القضاء القطع والفصل، يقال: قضى يقضي فهو قاضٍ إذا حكم وفصل، وقضاء الشيء: إحكامه، وإمضاؤه، والفراغ منه، فيكون بمعنى الخلق.
والقضاء في اللغة جاء على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، وكل ما أُحكم عمله، أو أُتمّ، أو خُتم، أو أدِّيَ، أو أُوجب، أو أُعلم، أو
стр. 92
أُنفذ، أو أُمضي، فقد قُضيَ، وقد جاءت هذه الوجوه كلها في الحديث (١).
وأما العلاقة بين القضاء والقدر ففي ذلك أقوال:
القول الأول: قال ابن الأثير ﵀: ((ومنه القضاء المقرون بالقدر: المراد بالقدر التقدير، وبالقضاء الخلق، فالقضاء والقدر أمران متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام هدم البناء ونقضه (٢).
القول الثاني: قيل: القضاء: هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر: جزيئات ذلك الحكم وتفاصيله (٣)، والمعنى: أن القضاء: هو العلم السابق الذي حكم الله به في الأزل، والقدر هو وقوع الخلق على وزن الأمر المقضي السابق (٤) عكس القول الأول.
القول الثالث: قيل: القضاء من الله تعالى أخص من القدر؛ لأنه الفصل بين التقدير، فالقدر هو التقدير والقضاء هو الفصل والقطع، وقد ذكر بعض العلماء: أن القدر بمنزلة المُعدِّ للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل، وهذا يبين أن القدر ما لم يكن قضاءً فمرجوٌّ أن يدفعه الله، فإذا
стр. 93
قضى فلا مدفع له (١).
القول الرابع: قيل: القضاء والقدر: إذا اجتمعا افترقا، فيصبح لكل واحد منهما مفهوم، وإذا افترقا اجتمعا بحيث إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، أي إذا افترقا فهما مترادفان، فإذا قيل: هذا قدر الله فهو شامل للقضاء، وإذا قيل: هذا قضاء الله، فهو شامل للقدر، أما إذا ذكرا جميعاً [هذا قدر الله وقضاؤه] فلكل واحد منهما معنى:
فالتقدير: هو ما قدره الله في الأزل أن يكون في خلقه.
وأما القضاء: فهو ما قضى به سبحانه في خلقه من إيجاد أو إعدام، أو تغيير، وعلى هذا يكون التقدير سابقاً.
واختار هذا القول الرابع العلامة ابن عثيمين ﵀ (٢). (٣)
стр. 94
ومن الأدلة العظيمة التي تدل على عظم منزلة الإيمان بالقضاء والقدر ما ثبت عن عبد الله بن عمر ﵁ من قوله في القدرية: ((والذي يحلف به ابن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر .. )) (١).
وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، وفي يده كتابان، فقال: ((أتدرون ما هذان الكتابان))؟ فقلنا: لا يا رسول الله! إلا أن تخبرنا، فقال للذي في يده اليمنى: ((هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبداً)). ثم قال للذي في شماله: ((هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبداً)) فقال أصحابه: ففيمَ العمل يا رسول الله! إن كان أمرٌ قد فُرِغَ منه؟ فقال: ((سدِّدوا وقارِبوا، فإن صاحب الجنة يُختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أيَّ عمل، وإن صاحب النار يُختَمُ له بعمل أهل النار، وإن عمل أيَّ عمل)) ثم قال رسول الله ﷺ بيديه فنبذهما ثم قال: ((فرغ ربكم من العباد: فريق في الجنة وفريق في السعير)) (٢).
стр. 95
وحديث ابن الديلمي، قال: وقع في نفسي شيء من هذا القدر (١)، خشيت أن يفسد عليَّ ديني وأمري، فأتيت أُبي بن كعب فقلت: أبا المنذر! إنه قد وقع في قلبي شيء من هذا القدر؛ فخشيت على ديني وأمري، فحدثني من ذلك بشيء، لعل الله أن ينفعني به، فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو كان لك مثل جبل أحد ذهباً، أو مثل جبل أحد تنفقه في سبيل الله ما قُبِلَ منك حتى تؤمن بالقدر، فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار، ولا عليك أن تأتي أخي عبد الله بن مسعود فتسأله، فأتيت عبد الله فسألته فذكر مثل ما قال أُبيّ. وقال لي: ولا عليك أن تأتي حذيفة، فأتيت حذيفة فسألته، فقال مثل ما قالا، وقال: ائتِ زيد بن ثابت فاسأله، فأتيت زيد بن ثابت فسألته، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لو أن الله عذَّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو كان لك جبل أحد ذهباً – أو مثل جبل أحد ذهباً – تنفقه في سبيل الله ما قبله منك حتى تؤمن بالقدر كله، فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك (٢)، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك إن مُتَّ على غير هذا دخلت النار)) (٣).
стр. 96
وحديث سهل بن سعد الساعدي ﵁: ((أن رسول الله ﷺ التقى هو والمشركون فاقتتلوا، فلما مال رسول الله ﷺ إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله ﷺ رجل لا يدع لهم شاذّة ولا فاذّة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ مِنَّا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله ﷺ : ((أما إنه من أهل النار))، فقال رجل من القوم: أنا صاحبه، قال: فخرج معه كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال: فجُرِحَ الرجل جُرحاً شديداً، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه في الأرض، وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله ﷺ قال: أشهد أنك رسول الله، قال: ((وما ذاك))؟ قال: الرجل الذي ذكرت آنفاً أنه من أهل النار، فأعظمَ الناسُ ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه، ثم جُرِحَ جُرحاً شديداً، فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه. فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: ((إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة)) (١).
وفي رواية: (( .. أيُّنا من أهل الجنة إذا كان هذا من أهل النار؟ فقال
стр. 97
رجل من القوم لأتبعنه ... )) (١).
وفي رواية: ((نظر النبي ﷺ إلى رجل يقاتل المشركين - وكان من أعظم الناس غَنَاء عنهم - فقال: ((من أحبَّ أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا))، فتبعه رجل فلم يزل على ذلك حتى جُرح فاستعجل الموت، فقال بذبابة سيفه فوضعه بين ثدييه، فتحامل عليه حتى خرج من بين كتفيه، فقال النبي ﷺ : ((إن العبد ليعمل – فيما يرى الناس – عمل أهل الجنة وإنه لمن أهل النار، ويعمل – فيما يرى الناس – عمل أهل النار وهو من أهل الجنة، وإنما الأعمال بخواتيمها)) (٢).
وفي رواية: ((وإنما الأعمال بالخواتيم)) (٣).
ظهر في هذا الحديث أهمية الإيمان بالقدر (٤)؛ لأن النبي ﷺ قال لرجل ظاهره الصلاح والشجاعة في الجهاد: ((إنه من أهل النار)) وقال: ((إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعلم عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة))، وهذا يدل على أن الله قد قدَّر المقادير، فعن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسةٍ إلا كُتِبَ مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة)) فقال رجل: يا رسول الله أفلا
стр. 98
نتَّكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منَّا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، وأما من كان منَّا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة؟ قال: ((أما أهل السعادة فيُيَسَّرون لعمل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسَّرون لعمل الشقاوة، ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (١).قال ابن رجب – ﵀ –: ((ففي هذا الحديث أن السعادة والشقاوة قد سبق الكتاب بهما، وأن ذلك مقدّر بحسب الأعمال، وأن كلاًّ ميسر لما خُلِقَ له من الأعمال التي هي سبب السعادة أو الشقاوة)) (٢).
ولاشك أن الله إنما يهدي من كان أهلاً للهداية، ويضل من كان أهلاً للضلالة، قال : ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ وَالله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٣).
وقال : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ (٤).
فبين سبحانه أن أسباب الضلالة لمن ضل إنما هي بسبب من العبد نفسه، والله لا يظلم الناس شيئاً، ولكنّ الناس أنفسهم يظلمون، قال
стр. 99
- : ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
وقال : ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٢). ويجمع الإيمان بالقضاء والقدر أربع مراتب إذا آمن بها العبد فقد استكمل الإيمان بهذا الأصل العظيم.
المرتبة الأولى: العلم ، فيؤمن العبد إيمانا جازماً أن علم الله محيط بكل شيء، وأنه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وأن الله علم بما الخلق عاملون، بعلمه الأزلي، وعلم جميع أحوالهم وأعمالهم: من الطاعات، والمعاصي، والأرزاق، والآجال، وعلم حركاتهم، وسكناتهم، ومن منهم من أهل الجنة، ومن منهم من أهل النار، قال : ﴿إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣).
وقال : ﴿وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٤) فبنى تقديره لمقادير الخلائق على هذا العلم السابق الأزلي، وقدّر مقادير الخلائق: من السعادة والشقاوة وغير ذلك بحسب الأعمال التي سبق علمه بها من خير وشر (٥).
المرتبة الثانية: كتابة الله لجميع الأشياء والمقادير في اللوح المحفوظ:
стр. 100
الدقيقة والجليلة، ما كان وما سيكون.
قال : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (١)، وقد جمعت هذه الآية بين المرتبتين السابقتين.
وقال : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٢).
وقال : ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (٣).
ولهذا قال رسول الله ﷺ : ((كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة)) قال: ((وكان عرشه على الماء)) (٤).
وقال عبادة بن الصامت ﵁ لابنه: يا بني، إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: ربِّ وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة)) يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من مات على غير هذا فليس مني)) (٥)، وفي لفظ للإمام أحمد: ((إن أول ما خلق الله تبارك
стр. 101
وتعالى القلم، ثم قال اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة)) (١).
المرتبة الثالثة: مشيئة الله النافذة ، وقدرته الشاملة التي لا يعجزها شيء فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله ، قال الله : ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).
المرتبة الرابعة: الخلق، فالله خالق كل شيء ، وما سواه مخلوق له ، لا إله غيره ولا رب سواه.
قال : ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٣)، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المحسنين، والمتقين، والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد، وهو الحكيم العليم (٤).
وعلى العبد أن يبذل الأسباب، ويسأل الله التوفيق والهداية، ويعلم أنه
стр. 102
لا يصيبه إلا ما كتب الله له، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ولا يظلم مثقال ذرة، قال : ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١).
فينبغي للمسلم أن يعقد قلبه على هذا الأصل معتمداً على الأدلة من الكتاب والسنة، ولا يخوض فيما لا علم له به، ويحث الناس على النشاط والقوة، والاستعانة بالله وتفويض المقادير إلى الله وأن يتركوا العجز والكسل (٢)، قال النبي ﷺ : ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَرُ الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان)) (٣)، ولهذه العقيدة السليمة قال الله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٤).
٤ – الابتعاد والحذر كل الحذر من الاغترار بالأعمال: إن من الأمور التي ينبغي للمسلم أن يعتني بها ويوجه الناس إلى الحذر منها: الاغترار بالأعمال؛ ولهذا عندما قتل الرجل نفسه أعظم الصحابة ﵃ ذلك؛ لأنهم نظروا إلى شجاعته، وقتاله العظيم، ولم يعرفوا الباطن، ولا المآل فأعلم الله
стр. 103
الخبيرُ العليمُ النبيَّ ﷺ بعاقبة هذا الرجل؛ لسوء مقصده وخبث نيته (١)، قال الإمام القرطبي – ﵀ – في فوائد هذا الحديث: (( ... فيه التنبيه على ترك الاعتماد على الأعمال، والتعويل على فضل ذي العزة والجلال)) (٢).
وقال الإمام النووي – ﵀ –: ((فيه التحذير من الاغترار بالأعمال، وأنه ينبغي للعبد أن لا يتكل عليها، ولا يركن إليها، مخافة انقلاب الحال للقدر السابق، وكذا ينبغي للعاصي أن لا يقنط ولغيره أن لا يُقنِّطه من رحمة الله)) (٣)؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((سدِّدوا وقارِبوا، وأبشِروا، فإنه لن يُدخلَ الجنةَ أحداً عملُهُ)) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا، إلا أن يتغمدَّنيَ الله منه برحمة. واعلموا أن أحبَّ العمل إلى الله أدومُه وإن قلَّ)) (٤).
وقد مدح الله الخائفين على أعمالهم الصالحة يخشون أن لا تقبل منهم، فقال : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (٥)، قالت عائشة ﵂ للنبي ﷺ : أهو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: ((لا يا بنت أبي بكر [أو يا بنت الصِّدِّيق]، ولكنه الرجل يصوم، ويتصدق، ويصلي، ويخاف أن لا يتقبل منه)) (٦).
стр. 104
فينبغي للمسلم أن يعلم أن الاعتماد على الله في كل شيء، والطمع في رحمته مع إحسان العمل وإخلاصه لله وعدم الغرور والإعجاب بالأعمال. والله المستعان.
٥ – الجمع بين الخوف والرجاء:
يظهر من الحديث السابق أنه ينبغي للمسلم أن يجمع بين الخوف والرجاء؛ لأن الإنسان لا يدري هل هو من أهل الجنة أو من أهل النار، وقد ذكر ابن حجر – ﵀ – عن ابن بطال – ﵀ – أنه قال: ((في تغييب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة، وتدبير لطيف؛ لأنه لو علم وكان ناجياً أُعجب وكسل، وإن كان هالكاً ازداد عتوّاً، فحُجِب عنه ذلك؛ ليكون بين الخوف والرجاء)) (١).
فالأمن من مكر الله ينافي كمال التوحيد؛ ولهذا قال الله :
﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢).
وعن عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ : ((إذا رأيت الله يعطي العبدَ من الدنيا على معاصيه ما يحبُّ فإنما هو استدراج)) (٣). ثم تلا رسول الله ﷺ :
стр. 105
﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ (١).
والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله ينافي كمال التوحيد أيضاًًً؛ ولهذا قال الله : ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ﴾ (٢).
وقال : ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٣).
والقنوط: استبعاد الفرج واليأس منه، وهو يقابل الأمن من مكر الله، وكلاهما ذنب عظيم (٤).
وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر؟ فقال: ((الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله)) (٥).
وقال ابن مسعود ﵁: ((أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله)) (٦).
ومعنى الأمن من مكر الله: أي أمن الاستدراج بما أنعم الله به على عباده من صحة الأبدان، ورخاء العيش، وهم على معاصيهم (٧).
стр. 106
واليأس من روح الله: أي قطع الرجاء من رحمة الله ومن تفريجه للكربات (١).
والقنوط من رحمة الله: هو أشدُّ اليأس (٢).
وهذا فيه التنبيه على الجمع بين الرجاء والخوف، فإذا خاف فلا يقنط ولا ييأس بل يرجو رحمة الله (٣).
وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في الموت فقال: ((كيف تجدك؟)) قال: أرجو الله يا رسول الله، وأخاف ذنوبي. فقال رسول الله ﷺ : ((لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف)) (٤).
فينبغي للمسلم أن يكون بين الرجاء والخوف، وقد ذكر بعض علماء نجد أنه يغلِّب في الصحة جانب الخوف؛ لأنه إذا غلَّب الرجاء على الخوف فسد القلب، أما في حالة المرض فيغلِّب الرجاء، لكن مع الجمع بين الرجاء والخوف في جميع الأحوال (٥).
ولابد أن يكون الرجاء والخوف مع المحبة الكاملة؛ قال الحافظ ابن
стр. 107
رجب ﵀: ((وكان بعض السلف يقول: من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حَروريٌّ، ومن عبده بالحب وحده فهو زِنديقٌ، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحِّد مؤمن، وسبب هذا أنه يجب على المؤمن أن يعبد الله بهذه الوجوه الثلاثة: المحبة, والخوف، والرجاء، ولابد له من جميعها، ومن أخل ببعضها فقد أخل ببعض واجبات الإيمان)) (١)، وكلام بعض الحكماء يدل على أن الحب ينبغي أن يكون أغلب من الخوف والرجاء (٢).
وأسأل الله أن يرزقني وجميع المسلمين خشيته في السر والعلانية.
٦ - يَرضى بقدر الله وقضائه -: لاشك أن الرضا بالقضاء الذي هو وصف الله واجب: كعلمه، وكتابته، ومشيئته، وخلقه؛ فإن الرضى بذلك من تمام الرضا بالله ربّاً، ومالكاًً، ومدبِّراً، وإلهاً؛ لأنه كله خير، وعدل، وحكمة يجب الرضى به كله (٣).
وأما القضاء الذي هو المقضي فهو نوعان:
النوع الأول: ديني شرعي يجب الرضا به ، وهو من لوازم الإسلام، كقول الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (٤).
стр. 108
وكقوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (١).
النوع الثاني: الكوني القدري، فهذا النوع على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: يجب الرضا به: كالنعم التي يجب شكرها ومن تمام شكرها الرضا بها.
القسم الثاني: لا يجوز الرضا به: كالمعائب، والذنوب التي يسخطها الله.
القسم الثالث: ما يُستحب الرضا به على الصحيح ولا يجب: كالمصائب ، من مرض، أو فقر، أو حصول مكروه، أو فقد محبوب، أو نحو ذلك؛ فيجب الصبر على ذلك، أما الرضا الذي هو مع ذلك طمأنينة القلب وسكونه، وتسليمه عند المصيبة، وأن لا يكون فيه تمني أنها ما كانت فهذا لا يجب على الصحيح بل يستحب؛ لأن فيه صعوبة جداً على النفوس عند أكثر الخلق؛ فلهذا لم يوجبه الله ولا رسوله وإنما هو من الدرجات العالية، وهو مأمور به استحباباً (٢).
وهذا كله في الرضا بالقضاء الذي هو المقضي، وأما القضاء الذي هو وصفه سبحانه وفعله: كعلمه، وكتابته، وتقديره، ومشيئته، وخلقه،
стр. 109
فالرضا به من تمام الرضا به ربّاً، وإلهاً، ومالكاً، ومدبراً، فبهذا التفصيل يتبيّن الصواب، ويزول اللبس في هذه المسألة العظيمة التي هي مفرق طرق بين الناس (١)(٢).
قال شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز –﵀–: ((عند المصيبة ثلاثة أمور: الصبر وهو واجب، والرِّضى سُنّة، والشكر أفضل)) (٣).
٧ – لا يُنسب الشرُّ إلى الله -؛ لقول النبي ﷺ في دعاء الاستفتاح في صلاة الليل: ((وجهت وجي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي، ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت،
стр. 110
لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك)) (١).
فقوله ﷺ : ((والشر ليس إليك)) يبيّن أن الله منزَّه عن الشر، وكل ما نسب إليه فهو خير، والشر إنما صار شرّاً، لانقطاع نسبته إليه، فلو أضيف إليه لم يكن شرّاً.
وهو خالق الخير والشر، فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله. وخلقه وفعله، وقضاؤه خير كله، فالقدر من حيث نسبته إلى الله لا شر فيه بوجه من الوجوه؛ لأنه علم الله، وكتابته، ومشيئته، وخلقه وذلك خير محض وكمال من كل وجه، فالشر ليس إلى الرب بوجه من الوجوه: لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وإنما الشر يدخل في بعض مخلوقاته فالشر في المقضي لا في القضاء (٢).
فالإيمان بالقدر خيره وشره يراد به المقدور خيره وشره.
وقد يكون المقدور خيراً بالنسبة إلى محل، وشرّاً بالنسبة إلى محل آخر، وإن لم يعلم جهة الخير فيها كثير من الناس، مثال ذلك القصاص؛ وإقامة الحدود؛ فإن ذلك شر بالنسبة إليهم لا من كل وجه بل من وجه دون وجه، وخير بالنسبة إلى غيرهم؛ لما فيه من مصلحة الزجر، وكذلك الأمراض وإن كانت شروراً من وجه فهي خير من وجوهٍ عديدة (٣).