والرد عليها على النحو الآتي:
أولاً: يجب أن يعلم أن الحجاب فرض على مراحل ، ومنه الاختلاط، وقد عاش الصحابة زمناً قبل فرضه في المدينة ومكة نحواً من سبعة عشر عاماً، وأما بعد فرضه فخمسة أعوام نبوية فقط، ولهم في ذلك مرويات وقصص في كتب السنة والسير، وكان فرضه سنة خمس من الهجرة، فعن أنس ﵁ قال: نزل الحجاب مبتنى رسول اللَّه ﷺ بزينب بنت جحش ﵂ (١).
وذلك قريب سنة خمس من الهجرة، قال صالح بن كيسان قال: نزل حجاب رسول اللَّه ﷺ على نسائه في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة. رواه ابن سعد (٢).
بل جزم ابن العربي في «أحكام القرآن» (٣) أنه سنة ست، وعلى هذا فيكون النبي ﷺ عاش بعد فرضه أربع سنين وشيئاً.
ثانياً: شبه دعاة الفساد والاختلاط والرد عليها:
الشبهة الأولى: استدلالهم بما جاء عن سهل بن سعد ﵁ - قال: «لَمَّا عَرَّسَ أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ دَعَا النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ، فَمَا صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، وَلَا قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ إِلَّا امْرَأَتُهُ أُمُّ أُسَيْدٍ، بَلَّتْ تَمَرَاتٍ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ مِنَ
стр. 142
اللَّيْلِ، فَلَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الطَّعَامِ أَمَاثَتْهُ لَهُ، فَسَقَتْهُ تُتْحِفُهُ بِذَلِكَ» (١)، ثم عَقب بقوله: ومن لوازم ذلك نظر المرأة للرجال ومخالطتهم.
فهذا قبل منع الاختلاط وفرض الحجاب؛ فإن الحجاب ولوازمه فرض في قريب السنة الخامسة، وهذا العرس كان قبل ذلك، فزوجة أبي أسيد هي سلامة بنت وهب وأولادها ثلاثة: أسيد وهو الأكبر، والمنذر وحمزة، كما نص عليه خليفة بن خياط في «طبقاته» (٢)، وَعُمْرُ أبي أسيد الساعدي حينما فرض الحجاب كان سبعاً وستين سنة، وابنه الأكبر الذي أمه سلامة المتزوجة كما في هذا الحديث ذكره عبدان المروزي في الصحابة، وكذلك ابن الأثير وغيرهم، ورسول اللَّه ﷺ توفي سنة إحدى عشرة للهجرة، والحجاب فرض سنة خمس للهجرة، يعني قبل وفاته بخمس سنين، فمتى تزوج أسيد وسلامة ﵁؟ ومتى ولد لهما؟ ومتى أمكن أن يكون ابنهما أسيد، وأن يعد صحابياً في خمس سنين.
وقال النووي ﵀ عن هذا العرس: «هذا محمول على أنه كان قبل الحجاب» (٣).
وقال العيني ﵀: «وكان ذلك قبل نزول الحجاب» (٤).
стр. 143
وبهذا قال القرطبي في «تفسيره» (١).
وقد أشار غير واحد من الشراح إلى قدم حادثة زواج أبي أسيد أيضاً، كابن بطال بقوله: «وفيه: شرب الشراب الذي لا يسكر في العرس، وأن ذلك من الأمر المعروف القديم» (٢).
الشبهة الثانية: استدلال دعاة الاختلاط والفساد بما جاء عن عائشة ﵂ - في «الصحيحين» في خروج سودة لحاجتها ليلاً (٣)، وقال بعضهم معلقاً: «وفيه الإذن لنساء النبي ﷺ بالخروج لحاجتهن وغيرهن في ذلك من باب أولى».
والجواب: أن الخروج للحاجات لا ينكره أحد، ثم إن هذا جاء في رواية البخاري أنه قبل الحجاب صريحاً، ففي البخاري (٤) كان عمر يقول للنبي ﷺ : احجب نساءك، فلم يكن رسول اللَّه ﷺ يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة فناداها عمر ألا قد عرفناك يا سودة، حرصاً على أن ينزل الحجاب، فأنزل اللَّه آية الحجاب.
الشبهة الثالثة: استدلالهم بما جاء عن عائشة ﵂ - أنها قالت: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ، قَالَتْ:
стр. 144
فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ وَيَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ ... قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ» (١).
فهذا النص صريح أن هذا كان لما «قدم النبي ﷺ المدينة»، يعني قبل فرض الفرائض حتى الصلوات والحج والصيام، وقبل فرض الحجاب بخمس سنين، وبين ذلك ابن بطال ﵀ قال: «وكان ذلك قبل نزول الحجاب» (٢).
والقلب حينما يبحث عن شبهة يُعمى عما بين عينيه من الحق، ومن أغمض عينيه عن نص أمامه في ذات الخبر، فهل سيبحث عن جمع أدلة الباب، وتحري الحق فيها ليسلم له دينه؟!
الشبهة الرابعة: استدلالهم بما جاء عن عائشة ﵂ - أنها قالت: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ ... » (٣) الحديث.
فقد قال الحافظ البيهقي بعد إخراج الحديث: «وكان ذلك قبل نزول الحجاب» (٤).
وقال الحافظ ابن رجب: «هذا كان قبل نزول الحجاب» (٥).
стр. 145
وقال القاضي عياض مبيناً أنها قبل فرض الحجاب كما في «المعلم» مثل هذه القصة لعائشة، وهي حينئذ - واللَّه أعلم - بقرب ابتنائه بها، وفي سن من لم يُكلَّف» (١)، وقد تزوجت وعمرها تسع سنين، يعني قبل فرض الحجاب ببضع سنين.
ثم إن العرب تُغلِّب إطلاق لفظ «الجارية» على الأمة غير الحرة، أو على الحرة غير البالغة، فإذا بلغت تسمى امرأة، ولهذا قالت عائشة: «إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة» (٢).
ويبين أنهما إماء، ويوضحه قوله في رواية أخرى: «وعندي جاريتان من جواري الأنصار» (٣) يعني من إمائهم، وكان الضرب والغناء من خصائص الموالي، قال الخطابي: «والعرب تثبت مآثرها بالشعر، فترويها أولادها وعبيدها فيكثر إنشادهم لها» (٤).
وهي من دون البلوغ كما هو معروف، قال القرطبي في «المفهم»: «الجارية في النساء كالغلام في الرجال، وهما يقالان على من دون البلوغ منهما» (٥).
стр. 146
الشبهة الخامسة: استدلالهم بما جاء عن الربيع بنت معوذ ﵂ - أنها قالت: دخل علي النبي ﷺ غداة بني عليّ، فجلس على فراشي كمجلسك مني، وجويريات يضربن بالدف، يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر حتى قالت جارية: وفينا نبي يعلم ما في الغد، فقال النبي ﷺ : «لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين» (١).
فهذا قبل الحجاب فالربيع خطبها زوجها إياس بن بكير قبل غزوة بدر في السنة الثانية للهجرة، ثم خرج هو وأخواه، وبعد بدر تزوجت الربيع من إياس، ودخل عليها زوجها، وأنجب محمداً منها، وقد أدرك زمن النبي ﷺ كما قاله ابن منده، والحجاب فرض بعد ذلك سنة خمس أو ست كما تقدم، فكيف يُستدل بذلك على حُكم نزل بعد؟.
والربيع بنت معوذ بن عفراء كانت عجوزاً معمَّرة، كما قاله الذهبي في «تاريخ الإسلام» (٢)، وتوفيت سنة سبع وثلاثين للهجرة، وزواجها كان قبل فرض الحجاب.
وهذه أدلّة يوردونها وهي قبل فرض الحجاب، وأدلة شرب الخمر قبل النسخ أكثر منها وأصرح، وسيأتي يومٌ داعيها كما في الخبر: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف» (٣).
стр. 147
ومع هذا فكثير من الوقائع زمنها قبل فرض الحجاب، يقطع به العلماء، ويجزمون به، قال الحافظ ابن حجر: «وكان دخول البراء على أهل أبي بكر قبل أن ينزل الحجاب قطعاً» (١).
فهذه الشبه الخمس السابقة كلها أحاديثها قبل نزول الحجاب، ولا شك أن كثيراً من دعاة الاختلاط يذكرون أدلة في سياقات مختلفة، لا معنى لذكرها، ولا حجة لهم فيها، ومنها:
الشبهة السادسة: استدلالهم بما جاء في حديث عائشة ﵂ - في الصحيحين في خروج سودة لحاجتها ليلاً، وقد تقدم أن الواقعة قبل فرض الحجاب، ثم أنه لا أحد من أهل الإسلام يمنع المرأة أن تخرج لحاجة، ثم ألا يعتبر الكاتب بقصدها الخروج ليلاً، وترك النهار، وهذا من حشمة نساء الصدر الأول وحيائهن؛ ولهذا أنشد النميري عند الحجاج قوله:
يخمرن أطراف البنان من التقى ... ويخرجن جنح الليل معتجرات
قال الحجاج: وهكذا المرأة الحرة المسلمة (٢).
الشبهة السابعة: استدلالهم بما جاء عن سهل بن سعد ﵁ - قال: «كَانَتْ فِينَا امْرَأَةٌ تَجْعَلُ عَلَى أَرْبِعَاءَ فِي مَزْرَعَةٍ لَهَا سِلْقًا فَكَانَتْ إِذَا كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ تَنْزِعُ أُصُولَ السِّلْقِ فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ ثُمَّ تَجْعَلُ عَلَيْهِ
стр. 148
قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ تَطْحَنُهَا فَتَكُونُ أُصُولُ السِّلْقِ عَرْقَهُ وَكُنَّا نَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَتُقَرِّبُ ذَلِكَ الطَّعَامَ إِلَيْنَا فَنَلْعَقُهُ وَكُنَّا نَتَمَنَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا ذَلِكَ» (١).
فالجواب عنه من وجهين:
الوجه الأول: أن هؤلاء صبيان لم يبلغوا، فسهل ابن سعد الذي يحكي عن نفسه الحضور إلى هذه المرأة صبي صغير كان عمره دون البلوغ قطعاً، قال الزهري: كان له يوم توفي النبي ﷺ خمس عشرة سنة، كما رواه أبو زرعة في «تاريخه»، وكيف لأحد أن يثبت أن من معه ليسوا حُدثاء مثله، ورفيق الصبي صبيّ!
الوجه الثاني: هذه المرأة جاء في نفس الخبر أنها امرأة عجوز من القواعد، ولكن من يستدل به لا يورد ذكر أنها عجوز، روى البخاري قال سهل بن سعد: «فكنا نفرح بيوم الجمعة، من أجل ذلك .. إلخ» (٢).
والقواعد من النساء لسن مخاطبات بالحجاب بنص القرآن كما تقدم.
وهذا الخبر سيق في مساق انتشار الصحابة بعد الجمعة، وأنهم لا ينتظرون، وليس في هذا الخبر إلا أن المرأة تطبخ الطعام في مزرعتها، ثم تدفع الطعام لهم ليأكلوا، كحال الآخذ والمُعطي،
стр. 149
والفهم أبعد من ذلك ظنون.
الشبهة الثامنة: استدلالهم بما جاء عن أبي هريرة ﵁ - «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي!، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ- أَوْ عَجِبَ- مِنْ فَعَالِكُمَا»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١)» (٢).
فقد قال الحافظ ابن شكوال: إن الرجل الأنصاري هو عبد اللَّه بن رواحة، وعبد اللَّه بن رواحة قتل بمؤتة سنة ثمان، واللَّه أعلم، ثم إن هذا لا يثبت زمنه، والاستدلال بهذا بعيد، فتلك ضرورة شديدة، فقد جاء في إحدى الروايات - كما عد إسماعيل القاضي - أنه لم يطعم ثلاثة أيام، وإنقاذ رجل من الهلاك، لا يلتفت معه إلى وجود امرأة في مكان بليل دامس.
стр. 150
الشبهة التاسعة: استدلالهم بما جاء عن فاطمة بنت قيس ، أخت الضحاك بن قيس، أن رسول اللَّه ﷺ قال: «انْتَقِلِي إِلَى أُمِّ شَرِيكٍ». وَأُمُّ شَرِيكٍ امْرَأَةٌ غَنِيَّةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، عَظِيمَةُ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَنْزِلُ عَلَيْهَا الضِّيفَانُ، فَقُلْتُ: سَأَفْعَلُ، فَقَالَ: «لاَ تَفْعَلِي، إِنَّ أُمَّ شَرِيكٍ امْرَأَةٌ كَثِيرَةُ الضِّيفَانِ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْكِ خِمَارُكِ، أَوْ يَنْكَشِفَ الثَّوْبُ عَنْ سَاقَيْكِ فَيَرَى الْقَوْمُ مِنْكِ بَعْضَ مَا تَكْرَهِينَ، وَلَكِنِ انْتَقِلِي إِلَى ابْنِ عَمِّكِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ... » الحديث (١).
فهذه المرأة التي تُسمى أم شريك، وكانت من القواعد كبيرة صالحة، واسمها على الصحيح غزيلة بنت داود بن عوف بن عمرو بن عامر بن رواحة، والقواعد لا يخاطبن بالحجاب والاحتراز من الرجال بنص القرآن قال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ (٢).
قال المفسرون من السلف كعطاء وسعيد بن جبير والحسن: هي المرأة الكبيرة التي لا تلد.
قال ابن عبد البر معلقاً على قصة أم شريك: «ففيه دليل على أن المرأة الصالحة المتجالة لا بأس أن يغشاها الرجال، ويتحدثون عندها، ومعنى الغثسيان الإلمام والورود» (٣).
стр. 151
قال حسان بن ثابت يمدح بني جفنة:
يُغشون حتى ما تهرُّ كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل (١)
وتجالت المرأة فهي متجالة، وجلت فهي جليلة إذا كبرت وعجزت، وهذا حُكم اللَّه فيهن، بنص القرآن فلا يدخل معهن غيرهن، إلا عند من لا يفرق بين أعمار الناس في الأحكام.
وليس لعالم يُدرك مواضع النصوص، أن تمر عليه مثل هذه القصة، فيدع المحكم البيّن، إلى طريق التوى به التواءً يذهب بكل ما عمد إليه، ويورد قصة امرأة لا يدري هل هي من القواعد أم لا، وهل غشيان أصحاب النبي لها يلزم معه الدخول عليها، أو تخدمهم في باحة بيتها، فإن بيوتهم كانت حُجَراً مسقوفة، يتصل بها باحة صغيرة مكشوفة، يجلى فيها الزوار، وهكذا كانت حُجرات أمهات المؤمنين، ومن ظن أذ حُجراتهم غُرف بلا باحات فقد غلِطَ وجهل.
الاستدلال بأحاديث الإماء
الشبهة العاشرة: استدلالهم بما جاء عن سالم بن سريج أبي النعمان قال: «سَمِعْتُ أُمَّ صُبَيَّةَ الْجُهَنِيَّةِ، تَقُولُ: اخْتَلَفَتْ يَدِي وَيَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْوُضُوءِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ» (٢).
стр. 152
فأم صبية محكومة بحكم الإماء، فهي جارية من جواري عائشة، كما رواه البيهقي (١) من طريق محمد بن إسماعيل عن عبد اللَّه بن سلمة عن أبيه عن أم صبية الجهنية، وكانت جارية لعائشة ﵂.
وجارية الزوجة لا تحتجب من زوجها، وبه ينتقض الاحتجاج به، فالإماء كما هو معلوم في الشريعة غير مخاطبات بالحجاب مثل الحرائر بل كان عمر بن الخطاب يضربهن على تشبههن بالحرائر.
وجاء عند الواقدي في «السير» قال: حدثني عمر بن صالح بن نافع حدثتني سودة بنت أبي ضبيس الجهني أن أم صبية الجهنية قالت: كنا نكون على عهد النبي، وعهد أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر في المسجد نسوة قد تجاللن، وربما غزلنا فيه، فقال عمر: لأردنكن حرائر فأخرجنا منه.
وفي هذا الحديث فائدتان:
الأولى: أنها متجالة يعني كبيرة.
والثانية: أنها لم تأخذ حكم الحرائر إلا زمن عمر ﵁، وجزم مُغلطاي في شرحه لسنن ابن ماجه (٢) في كونها من الموالي، والأمة ليست مأمورة بالحجاب في الإسلام، ومع هذا فقد قال الطحاوي بعد روايته للحديث: «في هذا دليل على أن أحدهما قد كان يأخذ من الماء بعد صاحبه» (٣).
стр. 153
الشبهة الحادية عشرة: استدلالهم بحديث: «كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَمِيعًا» (١).
فلا أدري كيف يفهم منه الاختلاط، فكيف يقول النبي ﷺ عن الصلاة: «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها ... » الحديث. وهو قد جمعهم قبل الصلاة يتوضؤون جميعاً، ثم يفوتهم وقت الصلاة، ولا ريب أن من فهم هذا الفَهم أساء بالنبي ﷺ فهماً وتشريعاً، والمقصود به غير هذا المعنى.
ويُفسر هذا الأثر ما رواه عبد الرزاق في «مصنفه»، وابن جرير الطبري في «تهذيب الآثار»: عن ابن جريج، قال: «سألت عطاء عن الوضوء الذي بباب المسجد، فقال له إنسان: إن أناساً يتوضؤون منه، قال: لا بأس به، قلت له: أكنت متوضئاً منه؟ قال: نعم، فراددته في ذلك، فقال: لا بأس، قد كان على عهد ابن عباس، وهو جعله، وقد علم أنه يتوضأ منه النساء والرجال، والأسود، والأحمر، فكان لا يرى به بأساً» (٢).
يعني يتناوبون على أواني واحدة يتوضأ منها الجميع لا تتنجس المياه بكثرتهم، ولا باختلاف أجناسهم، كما يتناوب المتأخرون على الحمامات والصنابير، وليس في ذلك دلالة على اجتماعهم في ساعة واحدة، وإنما يتناوبون، والعلماء عند الاستدلال ينظرون إلى
стр. 154
القصد من سياق الخبر وروايته؛ لأن الراوي إذا قصد بيان حكم في حديث لم يحترز إلا له، ولهذا لم أجد أحداً من الأئمة ممن أورد هذا الحديث إلا ويورده في أبواب عدم تنجس الماء من بقايا المرأة وفضلها، لا يخرجونه عن ذلك؛ لأن ذلك هو الذي تسبق إليه أفهامهم عد سماع الخبر.
وما جاء في لفظ: «كُنَّا نَتَوَضَّأُ نَحْنُ وَالنِّسَاءُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُدْلِي فِيهِ أَيْدِيَنَا» (١) يعني لا نغترف اغترافاً بأواني بل الماء تغمس الأيدي فيه يشير إلى أنه لا يتنجس بورود المرأة فيه قبلنا، وهكذا يقررها الفقهاء في جميع المذاهب الأربعة.
قال إمام المدينة الزهري مبيناً ذلك: تتوضأ بفضلها كما تتوضأ بفضلك (٢).
وعلى هذا فسر أئمة الإسلام في القرون المفضلة.
الشبهة الثانية عشرة: استدلالهم بما جاء عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَسْقِي الْقَوْمَ وَنَخْدُمُهُمْ وَنَرُدُّ الْجَرْحَى وَالْقَتْلَى إِلَى الْمَدِينَةِ» (٣).
فالمقطوع به أن أزواجهم معهم، يبتن حيث يبيتون ويرتحلن
стр. 155
حيث يرتحلون، وأي ضررٍ في ذلك؟ ولا يُتخيل أن أزواجهم في المدينة والنساء يخرجن للجهاد، وإذا كان كذلك والمرأة حال السفر مع زوجها ترحل وتنزل، وعند التحام الصفين تكون النساء في الخلف، والمرأة منهن تعين الجريح المثخن لا المعافى الصحيح، وما الضرر في ذلك، ولا يعدو هذا كونه سفراً من الأسفا، ر فالنساء يذهبن للحج والعمرة قوافل والنساء مع رجالهم.
ثم كيف يقاس هذا على اختلاط المرأة بالرجال في ميادين العمل والدراسة؟! كيف وقد أمر اللَّه أهل العلم بالعدل والإنصاف: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ (١).
الشبهة الثالثة عشرة: استدلالهم بما جاء عن أبي هريرة ﵁ - «أن امرأة سوداء كانت تقمُّ المسجد، ففقدها رسول اللَّه ﷺ ، فسأل عنها بعد أيام، فقيل له: إنها ماتت، قال: «فهلاَّ آذنتموني» فأتى قبرها، فصلى عليها» (٢).
فقد أورده بعضهم مستدلاً به على دخول المرأة أماكن الرجال، فاليوم أربع وعشرون ساعة، والصلوات الخمس لا تخلص بمجموعها إلى أربع ساعات متفرقات، ومحاولة إيراد عمل المرأة في المسجد وحشرها في الأربع ساعات، وترك العشرين ساعة لا
стр. 156
يليق بحامل قلم، ثم هي لا تعمل كل يوم قطعاً، فمساجدهم كانت تراباً لا فراشاً، ولا يظهر فيها ما دقَّ كمساجدنا، أما أنها تُنَظِّف والرجال يصلون، والنساء خلفهم، وهي منصرفة تترك الصلاة وحدها تكنس فهذا محال، وأما في حال خلو المسجد وهو أكثر الوقت فلا حرج ثَمَّ، فمسجد النبي ﷺ لا أبواب تغلق فيه، كما ثبت عن ابن عمر في البخاري: قال: «كَانَتْ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَرُشُّونَ شَيْئًا» (١).
الشبهة الرابعة عشرة: استدلالهم بما جاء: عن عائشة ﵂ - في قصة الإفك قالت: فقال رسول اللَّه ﷺ : «مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي» (٢).
فقد استدل فيه بعضهم على جواز الاختلاط، وجواز دخول الرجل على المرأة إذا كان زوجها معها».
وهذا من الجهل العريض، وعدم معرفة بحال الحُجرات النبوية، ولا بلسان العرب، فالحجرات غرف معها باحات صغيرة مكشوفة للضيفان، والداخل إلى الباحة موصوف بالدخول، وتُسمى حجرة تبعاً، وهذا بإجماع العارفين بالسنة والتاريخ والسير، ففي الصحيح عن عائشة أن رسول اللَّه ﷺ :
стр. 157
«كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ» (١).
وأخرج الإسماعيلي في «صحيحه»، والبيهقي عن عائشة، قالت: كان رسول اللَّه يصلي العصر والشمس في قعر حجرتي (٢).
تعني الحجرة والباحة مفتوحة السقف، وليست الحجرة المسقوفة التي تكون فيها المرأة عند وجود الرجال؛ لأن المسقوفة لا تصلها الشمس.
قال ابن حجر في معنى الدخول: «لا يَلزَم مِنَ الدُّخُول رَفع الحِجاب فَقَد دَخَلَ مِنَ الباب وتُخاطِبهُ مِن وراء الحِجاب» (٣).
ومثل هذا احتجاجه بلفظ «الدخول» في الحديث: «أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ دَخَلُوا عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَهِيَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ، فَرَآهُمْ، فَكَرِهَ ذَلِكَ» (٤).
الشبهة الخامسة عشرة: استدلالهم بالإذن للنساء بحضور الصلاة جماعة في المسجد، وهذا يرد عليه من وجوهٍ:
الوجه الأول: أنَّ النبي ﷺ أذن بالعبادة لهن، واحترز بقوله: «خير
стр. 158
صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها» (١) حضاً على المباعدة للجميع، وعدم القرب، فلما تحصَّلَ تحقيق العبادة مع دفع المفسدة بشيء من السبل والاحترازات فعل ذلك، وما فعله النبي ﷺ من سد الذريعة أن جعل للنساء موضعاً متأخراً عن الرجال.
الوجه الثاني: أن النبي ﷺ جعل مع وجود النساء خلف الرجال ضبطاً لأفعالهن وأقوالهن أن يظهرن شيئاً من ذلك بلا حاجة، فقال ﷺ مبيناً ما يفعلن عند سهو الإمام: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» (٢) - يعني في الصلاة-.
يعني إذا انتاب أحد النساء شيء في الصلاة أن تصفق ولا تسبح، ومعلوم أن تصفيق النساء والرجال يشتبه من جهة السماع، ولكن خص اللَّه النساء في ذلك حتى لا يظهر من صوتهن شيء يتميزن به بلا حاجة، ومع هذا فالمرأة إذا تكلمت من غير خضوع بالقول فجائز، مع ذلك خصه النبي ﷺ النساء في مثل هذا، ولم يأمرهن ﵊ بالتسبيح كحال الرجال.
الوجه الثالث: أن النبي ﷺ خَصّص للنساء باباً يدخلن للمسجد ويخرجن منه.
стр. 159
الوجه الرابع: أنه كان يتأخر بعد سلامه من الصلاة، فيثبت مكانه ويأمر الرجال بذلك، حتى لا ينصرف الرجال فيختلطوا بالنساء عند خروجهن كما تقدم في حديث أبي أسيد ﵁.
وقد أخرج البخاري من حديث أم سلمة قالت: «كان رسول اللَّه ﷺ إذا سلم، قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مقامه يسيراً قبل أن يقوم» (١).
قال ابن شهاب الزهري: «نُرى واللَّه أعلم أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال» (٢).
وعن أم سلمة ﵂ كما في «صحيح البخاري» (٣) قالت: كان يسلم، فينصرف النساء، فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول اللَّه ﷺ .
الشبهة السادسة عشرة: استدلالهم بالأحاديث المتضمنة اختلاط النبي بالنساء، وفلي بعض النساء لرأسه، وإردافه لأسماء، فهذا من خصوصياته، فالرسول ﷺ أبو المؤمنين، يزوج النساء بلا وليهم لو شاء، قال تعالى عن لوط وهو يعرض نساء قومه: ﴿هَؤُلاَءِ بَنَاتِي﴾ (٤)، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد، قال: لم تكن بناته،
стр. 160
ولكن كنّ من أمته، وكل نبي أبو أمته (١).
وبنحوه قال سعيد بن جبير.
وقال عن نبينا محمد ﷺ : ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٢)، قال أُبيّ بن كعب: وهو أبوهم» (٣).
وبنحوه قال عكرمة مولى ابن عباس.
والاختلاط حُرِّم درءاً للمفسدة، وهي منتفية منه ﷺ .
ومن قال: «الأصل مشروعية التأسي بأفعاله ﷺ ، قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٤)، فليتأسّ بزواج النبي ﷺ تسعاً، وينفي الخصوصية، فالآية أباحت الأربع، ولم تمنع من الزيادة، وإن رجع إلى نصوص أخرى تمنع وتُبين فذاك واجب في الحالين، في مسألة الاختلاط: «إياكم والدخول على النساء» (٥)، وفي مسّ المرأة ثبت عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: «العينان تزنيان، واللسان يزني، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، ويحقق ذلك الفرج أو يكذبه» (٦).
стр. 161
الشبهة السابعة عشرة: استدلالهم بما جاء عن أبي موسى الأشعري ﵁ - قال: قدمت على رسول اللَّه ﷺ وهو بالبطحاء، فقال: (أحججت)؟ قلت: نعم، قال: (بما أهللت)؟ قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي ﷺ ، قال: «أحسنت، انطلق، فطف بالبيت وبالصفا والمروة». ثم أتيت امرأة من نساء بني قيس، ففلّت رأسي، ثم أهللت بالحج. . . الحديث» (١).
فلا يمكن أن يكون ذلك إلا من محرم، قال النووي في هذه القصة في «المجموع» (٢): «هذا محمول على أن هذه المرأة كانت محرماً له».
ولو ساغ أن أستدل بكل فعل مجمل على ظاهره، دون الرجوع للمحكم، لأحللت الحرام القطعي بالظنون، ففي نصوص كثيرة يقال: «جاء فلان ومعه امرأة»، واستدل بذلك على جواز الخلوة، واتخاذ الأخدان والعلاقات المحرمة؛ لأنه لم يرد في النص ذكر الرحم بينهما، والأصل في الشرع أن الرجل إذا وُجد مع امرأة تحمل على أنها من محارمه إلا لِظِنَّة وشُبهة، وهذا الأصل في المسلمين، وكيف بالصحابة الصالحين ﵃.
الشبهة الثامنة عشرة: استدلالهم بما جاء في الصحيحين عن أم
стр. 162
الفضل بنت الحارث ﵁: «أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ» (١).
وذكر شراح الحديث بأن هذا أصل في المناظرة في العلم بين الرجال والنساء» (٢).
ولا شك أن المناظرة في العلم والتعليم، لا ينكر وجودها أحد، وهذا تعميم أورد فهماً خاطئاً، ولو تحقق له صفته علم أنه أتي من تلقينٍ، وإدامة نظر في مقالات صحفية، لا تُري القارئ إلا ما ترى، تُسوِّدها أقلام ذاهلة، أحبوا شيئاً فطوَّعوا له النصوص، المناظرة في العلم بين الرجال والنساء التي يستنبطها العلماء الحذاق من النصوص، هي على حالٍ وصفها مسروق بن الأجدع، كما في «الصحيحين» قال: سمعت عائشة وهي من وراء الحجاب (٣).
وكما ذكره البخاري في «تاريخه» قال عبد اللَّه الباهلي: «رأيت سِتر عائشة ﵂ في المسجد الجامع، تُكَلِّم الناس من وراء الستر، وتُسأل من ورائه» (٤).
стр. 163
وكما جاء في «المسند» عن عبد اللَّه أبي عبد الرحمن قال: «سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: جَاءَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فَاسْتَأْذَنُوا عَلَى أَبِي الْأَشْهَبِ فَأَذِنَ لَهُمْ، فَقَالُوا: حَدَّثَنَا، قَالَ: سَلُوا، فَقَالُوا: مَا مَعَنَا شَيْءٌ نَسْأَلُكَ عَنْهُ، فَقَالَتْ ابْنَتُهُ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ: سَلُوهُ عَنْ حَدِيثِ عَرْفَجَةَ بْنِ أَسْعَدَ أُصِيبَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ» (١).
الشبهة التاسعة عشرة: استدلال دعاة الاختلاط بأحاديث جاءت في ذكر الأسواق، والبيع والشراء، ولا حجة لهم في ذلك؛ لأنها طرقات لا مواضع جلوس وقرار فضلاً عن الخلوة، ومع هذا فهذه الاستثناءات لم يرتضها الصحابة تمام الرضا، وإنما خففوا فيها بلا مبالغة للحاجة إليها، فقد روى أحمد عن علي ﵁ قال: «بلغني أن نساءكم يزاحمن العلوج في السوق، أما تغارون! ألا إنه لا خير فيمن لا يغار» (٢).
الشبهة العشرون: احتجاج دعاة الاختلاط ، وقولهم: إن الاختلاط لم يضبطه الفقهاء مثل الخلوة:
فهذه دعوى من جهة الإطلاق لا تستقيم على قدم التحقيق، لما سبق، ثم إن الخلوة تعلقها بمسائل الفقه ظاهر بخلاف تعلق الاختلاط، فالاختلاط لا تتعلق به مسائل فقهية تتصل بأبواب العقود والفسوخ مثل الخلوة، فالفقهاء يوردون الخلوة في مسألة إثبات
стр. 164
المهر، لمن عقد على امرأة وطلقها قبل أن يدخل بها، وأنه إذا لم يختلِ بها فليس لها المهر كاملاً، وإذا اختلى بها فلها المهر، ولو قُدر أنها حملت بعد العقد، وقد خلا بها، وأسدل الستار بينهما، فلحاق النسب لمن عقد عليها بالإجماع، ولو قال إنه لم يمسها إلا إذا لاعن، وأما إذا عقد عليها، ولم يخلُ بها، وطلقها، فلها نصف المهر، وله نفي الولد بلا لعان على الصحيح.
وبعض المسائل المتعلقة بالأخلاق لا يكثر منها الفقهاء ذكراً، مع تقرر تحريمها كتخبيب المرأة على زوجها، كأن يقول رجل لامرأة: «تطلقي من زوجك وأتزوجك بعده»، فهذا محرم، بل قال ﵊: «ليس منا من خبب امرأة على زوجها» (١)، ولا يكاد يذكر الفقهاء التخبيب في كتب الفقه إلا نادراً، لأن أثره في العقود والفسوخ ضعيف، وذكر الاختلاط في دواوين الفقه أوفر منه بكثير.
وتعلق الخلوة بمسائل كبيرة رتبها الشرع لازم لإكثار العلماء من ضبط وصفه والإكثار منه إيراداً في كتب الفقه، وأما الاختلاط فصلته بأبواب الأخلاق والقيم أكبر مع عناية الفقهاء به ذكراً وتحذيراً، وهم مجمعون على التحذير منه كما سلف، في مواضع
стр. 165
متنوعة من أبواب الفقه وفصوله كأحكام الأعراس، ومسائل اعتكاف النساء، والجهاد، والشهادة، والخصومة عند القاضي واتباع الجنائز.
وجميع فقهاء المذاهب الأربعة يطبقون على التحذير منه، ومنعه في مصنفاتهم (١).
الشبهة الحادية والعشرون: قول دعاة الاختلاط: «إن الحجاب من خصائص أمهات المؤمنين: وعلى هذا، فالاختلاط محرم عليهن خاصة؛ لأن اللَّه ذكرهن وحدهن في الآية: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (٢).
فهذه جهالة عصرية، لا تقوم على نظر، ولا على برهان، ولا على قول لأحد من مفسري القرآن من السلف، وكأن القرآن لم يفهمه أحد إلا أهل الحضارة المعاصرة، وخير القرون ومن بعدهم نقلوا الأحكام على غير وجهها، وبيان ذلك على هذا التفصيل في الوجوه الآتية:
الوجه الأول: أن القرآن عام للناس بجميعه كما قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٣) أي من يبلغه ما فيه فهو حجة عليه، والعبرة بعموم حُكمه، وإن تم تخصيص الخطاب لأعلى البشر، وهم الأنبياء، فضلاً عن آحاد الصحابة،
стр. 166
وأزواج الأنبياء؛ لقوله ﷺ كما في صحيح مسلم: «إن اللَّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين» (١)، فإذا كان خطاب الأنبياء الوارد في القرآن المخصوصين به عاماً لأهل الإيمان، فكيف بخطاب توجه لمن هو دونهم، فإذا دخل المؤمنون في خطاب الأنبياء فدخول النساء في خطاب أمهات المؤمنين أولى.
الوجه الثاني: أن تخصيص القرآن لأحد بعينه لمزيد اهتمام به، وأنه أولى بالاتباع من غيره، والخصوصية لا تثبت إلا بدليل زائد عن مجرد الخطاب، كما هي عادة القرآن في خصائص النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ (٣).
الوجه الثالث: أن آية الحجاب جاء معها بنفس الخطاب أوامر أخرى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (٤)، فهل هذا الخطاب خاص، فلا يُشرع ذكر ما يُتلى في بيوتهن من القرآن والسنة إلا أزواجه! مع أن هذه الآية أظهر في الخصوصية؛ حيث قال: ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، وأما في الحجاب قال: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٥)، فما
стр. 167
قال: (حجابكن) كما هنا ﴿في بيوتكن﴾، وهل يفهم من هذا التخصيص الزائد: أن لا يدخل فيه تلاوة الآيات والحكمة في بيوت غيركن، ولا غيركن في بيوتهن وبيوت غيرهن، وهذا لا يقول به مسلم، ولا يلتزمه من يقول بخصوصية الحجاب، مع أنه في نفس الآيات ونفس السياق.
الوجه الرابع: ما أجمع عليه العلماء أن الأحكام تدور مع العلل والمقاصد من التشريع، فاللَّه تعالى قال في آية الحجاب مخاطباً الصحابة: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (١)، فما هو الشيء الذي يريد اللَّه إبعاده من قلوب الصحابة وأمهات المؤمنين، ولا يوجد عند بقية النساء وبقية الرجال إذا التقوا في المجالس والبيوت والتعليم، وما هو الشيء الذي يجده الصحابة تُجاه أمهاتهم أمهات المؤمنين، ولا يجدونه في بقية النساء، فإذا كان الحجاب أطهر لقلوبهم، فمن بعدهم أحوج إلى هذه الطهارة.
وإذا كان الاختلاط منع منه من وُصفن بالأُمهات وزوجهن أولى بالمؤمنين من أنفسهم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٢) خوفاً على قلوب هؤلاء الأمهات، وقلوب أبنائهن، وهم خير الأجيال، فكيف بقلوب غيرهم رجالاً ونساءً.
الوجه الخامس: أن اللَّه قال: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ﴾ (٣)، فجعل
стр. 168
طهارة قلوب الصحابة مطلباً بذاتها، وهذا يحصل في جميع النساء، بل هو في غير أمهات المؤمنين أكثر؛ لأن نظر الصحابة لأمهات المؤمنين نظر إجلال وتعظيم وتوقير.
الوجه السادس: أن الصحابيات اعتدن على تتبع أمهات المؤمنين فما فعلنه يرينه تشريعاً لهن من باب أولى، كما جاء في البخاري ومسلم عن عمر أن زوجته هجرته، فقالت له محتجة بأمهات المؤمنين: «ما تنكر فو اللَّه إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل» (١).
الوجه السابع: أن اللَّه يُخصص في بعض السياقات الأنبياء والصحابة تنبيهاً إلى دخول غيرهم من باب أولى في الحكم، وهذا أسلوبٌ شرعي كثير في الأحكام تنبيهاً إلى أنه لما دخل الأعظم والأجل فغيره أولى؛ لهذا قال ﷺ في بيان الحدود: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (٢)، وقال في تحريم الربا: «أول ربا أضع ربا عمي العباس» (٣)، وقال في تحريم دماء الجاهلية: «أول دم أضع دم ابن ربيعة بن عبد الحارث بن عبد المطلب» (٤)، وربيعة ابن عم النبي ﷺ .
стр. 169
الوجه الثامن: لو قلنا بالخصوصية، فخصوصية النبي ﷺ من باب أولى في المواضع التي يتوجه الخطاب إليه، لمزية له ليست في أحد من الأتباع، فالآيات التي يُخاطب بها النبي ﷺ عامة له ولغيره، مع كون الخطاب خاصاً به ليس بمشتركٍ بالمقابلة مع المؤمنين كما هنا: ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (١).
فهل الدخول في البيوت بلا استئذان جائز لخصوصية النص بالنبي ﷺ هنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ (٢).
وهل السراح والطلاق يُمنع لخصوصية أزواج النبي ﷺ به في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (٣).
وهل من تريد اللَّه ورسوله من النساء لا تدخل في استحقاق الأجر العظيم؟ كما جاء في سياق نفس آيات الحجاب الموجهة لأمهات المؤمنين: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤).
الوجه التاسع: دفع فهم الخصوصية في آيات الحجاب غير
стр. 170
واحد من مفسري السلف كما رواه عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة قال: «لما ذكر اللَّه أزواج النبي ﷺ دخل نساء المسلمات عليهن فقلن: ذُكرتن ولم نذكر، ولو كان فينا خير ذكرنا، فأنزل اللَّه: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١)(٢).
الوجه العاشر: أن المفسرين يطبقون على هذا الأمر على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم، قال الجصاص الحنفي: «وهذا الحكم وإن نزل خاصاً في النبي ﷺ ، وأزواجه، فالمعنى عام فيه وفي غيره» (٣).
وقال القرطبي المالكي (٤): «في هذه الآية دليل على أن اللَّه تعالى أذن في مسألتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض، أو مسألة يستفتين فيها، ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى».
وإلى هذا نص ابن جرير، وابن كثير، وأئمة التفسير.
الوجه الحادي عشر: سبب تخصيص أزواج النبي ﷺ لمزيد تشديد عليهن؛ لأن أمرهن يمس النبي ﷺ ، فمعلوم أن حفظ العرض يُقّدم في بعض الأحوال على حفظ الدين اهتماماً به، فيسوغ أن تكون زوجة نبي من أنبياء اللَّه كافرة كامرأة لوط وامرأة نوح، لكن لا
стр. 171
يُمكن أن تقع في الزنا، واللَّه يعصمهن من ذلك؛ لأن الزنا أذيته مُتعدية للزوج وعرضه، فمن يبقى مع زانية وهو عالم ديُّوث في الشرع، بخلاف من يبقى مع كافرة؛ لهذا أجاز اللَّه زواج اليهودية والنصرانية بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (١)، وحرم نكاح الزانية ولو مؤمنه: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ (٢)، وقال: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ (٣)، وأًمهات المؤمنين قدوة والتشديد عليهن أولى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (٤) مع أن تحريم الفاحشة على جميع النساء، ولكن لنساء النبي ﷺ مزيد تشديد، وهو في: الحجاب، وفي الاختلاط، والفاحشه سواء، ولتمام عدل اللَّه ورحمته بهن فهن في باب الثواب أعظم من الصحابيات فضلاً عن نساء الأمة في الإثابة على العمل: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ (٥).
وحينما ذكر المضاعفة في العقاب والثواب دل على أن بقية النساء على إثم وثواب ولكن بلا مضاعفة.
стр. 172
الوجه الثاني عشر: لو كانت الخصوصية في منع الاختلاط بأمهات المؤمنين، فمَن المَعني بقوله ﷺ : «ليس للنساء وسط الطريق» (١)، وبقوله: «خير صفوف النساء آخرها» (٢) يعني البعيدة عن الرجال، ولماذا جعل النبي للنساء يوماً خاصاً يعلمهن العلم بعيداً عن مجالس الرجال كما تقدم (٣).
الشبهة الثانية والعشرون: استدلال بعضهم بقولهم: لم نجد تحريم الاختلاط في القرآن.
هذه الشبهة تذكرنا بقصة امرأة في عصر السلف جرت بينها وبين عبد اللَّه بن مسعود، قال عبد اللَّه: «لعن اللَّه الواشمات والموتشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق اللَّه» (٤)، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت فقالت: «إنه بلغني عنك أنك لعنت كيت وكيت؟! فقال: وما لي [لا] ألعن من لعن رسول اللَّه ﷺ ، ومن هو في كتاب اللَّه، فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول!. قال: لئن كنت قرأتيه لقد
стр. 173
وجدتيه، أما قرأت: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)؟! قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه، قالت: فإني أرى أهلك يفعلونه. قال: اذهبي فانظري، فذهبت فنظرت فلم ترَ من حاجتها شيئاً، فقال: لو كانت كذلك ما جامعتها» (٢).
فالسنة النبوية وحي من عند اللَّه؛ لأن اللَّه أنزل على رسوله القرآن والسنة، وهذا مذكور في القرآن بكثرة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (٥).
فالحكمة في هذه الآيات هي السنة، فالمُفَرِّقُ بين القرآن والسنة داخل في قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (٦)، فحذار من سلوك هذا الطريق؛ فإنه طريق الزائغين عن
стр. 174
الحق، المتبعين أهواءهم!!.
فإن الاختلاط محرم في السنة النبوية كما تقدم ذكر الأدلة على ذلك، فيكون مما أمر به القرآن.
الشبهة الثالثة والعشرون: استدلال مبيحي الاختلاط بغزو النساء مع الرسول ﷺ ، ومداواتهن الجرحى:
مثل حديث أنس ﵁ قال: «لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ قال: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقزان القرب، وقال غيره: تنقلان القرب على متونهما، ثم تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم» (١).
وعنه أيضاً قال: «كان رسول اللَّه ﷺ يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا، فيسقين الماء، ويداوين الجرحى» (٢) ..
وعن أم عطية الأنصارية ﵂ قالت: غزوت مع رسول اللَّه ﷺ سبع غزوات أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى» (٣).
وعن يزيد بن هرمز «أن نجدة [بن عامر، من زعماء الخوارج] كتب
стр. 175
إلى ابن عباس يسأله عن خمس خلال، فقال ابن عباس: لولا أن أكتم علماً ما كتبت إليه، كتب إليه نجدة: أما بعد: فأخبرني هل كان رسول اللَّه ﷺ يغزو بالنساء؟! وهل كان يضرب لهن بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ ومتى ينقضي يتم اليتيم؟ وعن الخمس لمن هو؟ فكتب إليه ابن عباس: كتبت تسألني: هل كان رسول اللَّه ﷺ يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن، فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة ... » (١).
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: العلماء مجمعون على أن المرأة ليس عليها جهاد، قال ابن حزم: «واتفقوا أن لا جهاد فرضاً على امرأة، ولا على من لم يبلغ، ولا على مريض لا يستطيع، ولا على فقير لا يقدر على زاد» (٢).
وقال محمد بن عيسى بن أصبغ: «واتفقوا كذلك أن المرأة ومن لم يبلغ، والمريض الذي لا يستطيع القتال لا جهاد فرضاً عليه» (٣).
وقال أبومحمد المقدسي: «ولا يسهم لامرأة، ولاصبي، ولا مملوك؛ لأنهم من غير أهل القتال، ويرضخ لهم دون السهم» (٤).
قلت: والأدلة على عدم فرضية الجهاد على المرأة كثيرة، وأصلها قول النبي ﷺ لعائشة ﵂: «لكن أفضل الجهاد حج
стр. 176
مبرور» (١).
قال العلامة بكر بن عبد اللَّه أبوزيد ﵀: «لم يعقد راية لامرأة قط في الجهاد، وكذلك الخلفاء بعده، ولا انتدبت امرأة لقتال، ولا لمهمة حربية، بل إن الاستنصار بالنساء، والتكثر بهن في الحروب دال على ضعف الأمة، واختلال تصوراتها.
وعن أم سلمة ﵂ أنها قالت: يا رسول اللَّه، تغزو الرجال ولا نغزو، ولنا نصف الميراث؟! فأنزل اللَّه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢)» (٣). قال الشيخ أحمد شاكر ﵀ تعليقاً على هذا الحديت: «وهذا الحديث يرد على الكذابين المفترين - في عصرنا- الذين يحرصون على أن تشيع الفاحشة بين المؤمنين، فيخرجون المرأة عن خدرها، وعن صونها وسترها الذي أمر اللَّه به، فيدخلونها في نظام الجند، عارية الأذرع والأفخاذ، بارزة المقدمة والمؤخرة، متهتكة فاجرة، يرمون بذلك في الحقيقة إلى الترفيه الملعون عن الجنود الشبان المحرومين من النساء في الجندية، تشبهاً بفجور اليهود والإفرنج، عليهم لعائن اللَّه المتتابعة إلى يوم
стр. 177
القيامة» (١).
فإذا عُلِمَ أن المرأة لم يفرض عليها الجهاد في سبيل اللَّه، وإن كانت ذات شجاعة، عُلِمَ أن خروج النساء في الغزو ليس فيه اختلاط بالرجال؛ لأنهن لا يقاتلن معهم. فكل الأحاديث الواردة في خروج النساء في الغزو وفي الجهاد في سبيل اللَّه لا يراد بها القتال مع الرجال.
الوجه الثاني: دلت الأحاديث على جواز خروج النساء في الغزو، ولكن هذا الخروج له ضوابط، قال ابن عبد البر: «وخروجهن مع الرجال في الغزوات وغير الغزوات مباح إذا كان العسكر كبيراً يؤمن عليه الغلبة» (٢).
فقوله: «مباح» دليل على أنه ليس سنة، وقوله: «إذا كان العسكر كبيراً يؤمن عليه الغلبة» مفيد على أن خروجهن حسب المصلحة، وخروج المحرم لا بد منه، فإن لم يوجد لها محرم، فلا خروج.
ومن الضوابط أيضاً: أن كثيراً من العلماء نصُّوا على أن الخارجات من كبيرات السن، وكرهوا خروج الشابات. وهذا واضح؛ لأن الخارجات في عهد الرسول ﷺ في الغالب كُنَّ كبيرات في السن، كأمِّ سليم وأم عطية وغيرهما.
وأما عمل الخارجات في الغزو: فسقي القوم، ومداواة المرضى
стр. 178
ورد الجرحى والقتلى، كما دلت الأحاديث السابقة على هذا. وهذا لا يلزم فيه الاختلاط بغير محارمهن، قال النووي: «وَفِي هَذَا الْحَدِيث اِخْتِلَاط النِّسَاء فِي الْغَزْو بِرِجَالِهِنَّ فِي حَال الْقِتَال؛ لِسَقْيِ الْمَاء وَنَحْوه» (١).
وإن حصل شيء من الاختلاط فلضرورة.
قال القرطبي في: «ويسقين الماء؛ أي: تحملنه على ظهورهن، فيضعنه بقرب الرجال، فيتناوله الرجال بأيديهم فيشربوه» (٢).
وإن حصل شيء من الاختلاط فلضرورة ذلك الحال، قال ابن حجر: «وفِيهِ جَوازُ مُعالَجَة المَرأَة الأَجنَبِيَّة الرَّجُل الأَجنَبِيّ لِلضَّرُورَةِ. قالَ ابن بَطّال: ويَختَصُّ ذَلِكَ بِذَوات المَحارِمِ ثُمَّ بِالمُتَجالاَّتِ مِنهُنَّ ... فَإِن دَعَت الضَّرُورَة لِغَيرِ المُتَجالاَّتِ، فَليَكُن بِغَيرِ مُباشَرَةٍ ولا مَسٍّ» (٣).
فاتضح مما سبق أن خروج النساء في عهد الرسول ﷺ والصحابة للغزو في سبيل اللَّه ليس فيه اختلاطهن بالرجال، إلا ما قد يضطر إلى ذلك. ولا حجة لمبيحي الاختلاط في الضرورة؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها، والضرورات تبيح المحظورات، فكيف يحتج بهذه الأحاديث لتبرير المؤامرة الدولية على المرأة المسلمة لإقحامها في فتن الاختلاط والتبرج وغير ذلك؟! وكيف يحتج بها
стр. 179
دعاة الاختلاط للمتاجرة بالمرأة؟! وكيف يحتج بها مفسدو العالم على الاختلاط بالشابات المتبرجات؟! وكيف يحتج مروجو الفتن على الخلوة بالمرأة وسفرها بدون محرم وغير ذلك؟! فليربؤوا بأنفسهم عن سلوك هذا الطريق في الاستدلال.
الشبهة الرابعة والعشرون: قوله: إن أم سليم كان معها خنجرٌ في غزوة حنين مرادهم أنها مختلطة بالمسلمين تقاتل الكفار، والجواب عن هذه الشبهة يتضح بإيراد الحديث.
عن أنس ﵁ أن أم سليم اصطحبت معها خنجراً؛ لتدافع عن نفسها إذا اعتدى عليها مشرك (١).
فليس فيه أنها مختلطة بالصحابة في قتال ولا في غيره؛ ولهذا شراح الحديث لم يذكروا أمر الاختلاط استنباطاً من هذا الحديث، وإنما استنبطوا منه أن المرأة المسلمة تقاتل دفاعاً عن نفسها.
الشبهة الخامسة والعشرون: قول النبي ﷺ في أم عمارة: «ما التفتّ يميناً ولا شمالاً إلا وأنا أراها تقاتل دوني».
هذه القصة رواها ابن سعد (٢)، وفي سندها محمد بن عمر الواقدي، وهو متروك، وإذا سقط الأصل وهو الصحة، سقط الفرع
стр. 180
وهو الاستدلال.
الشبهة السادسة والعشرون: استدلالهم أن أسماء بنت يزيد شهدت اليرموك وقتلت سبعة من الروم بعمود فسطاط ظلتها، وهذه القصة رواها سعيد بن منصور، وابن أبي عاصم، والطبراني (١).
وفي سندها مهاجر مولى أسماء، وهو مقبول كما في «التقريب»، أي: عند المتابعة، ولا نعلم له متابعاً.
ولو صحت لم يصح الاستدلال بها؛ لأنه لا يفهم من القصة أنها قاتلت مع الرجال وبحضرتهم، بل ظاهرها أنها قتلت السبعة المذكورين لما جاؤوا إلى خيمتها، أو اقتربوا منها.
الشبهة السابعة والعشرون: استدلالهم بأن سمراء بنت نهيك وكانت تؤدب الناس، وتأمر بالمعروف، فعن يحيى بن أبي سليم قال: «رَأَيْتُ سَمْرَاءَ بنتَ نَهِيكٍ، وَكَانَتْ قَدْ أَدْرَكَتِ النَّبِيَّ ﷺ :عَلَيْهَا دِرْعٌ غَلِيظٌ، وَخِمَارٌ غَلِيظٌ، بِيَدِهَا سَوْطٌ تُؤَدِّبُ النَّاسَ، وَتَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ» (٢).
هذه القصة رواها الطبراني في الكبير، وهي ضعيفة؛ لأن يحيى بن