← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96464

الخلق الحسن في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (183 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني الخُلق الحسن في ضوء الكتاب والسنة تأليف الفقير إلى اللَّه تعالى سعيد بن علي بن وهف القحطاني

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى اللَّه عليه، وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليماً كثيراً. أمّا بعد: فهذه رسالة مختصرة في ((الخلق الحسن))، بيّنت فيها تعريف الخلق الحسن، وفضائله، وأنواعه، في اثنين وعشرين مبحثاً على النحو الآتي: المبحث الأول: تعريف الخلق الحسن. المبحث الثاني: فضائل الخلق الحسن. المبحث الثالث: طرق اكتساب الخلق الحسن. المبحث الرابع: فروع الخلق الحسن. المبحث الخامس: الجود والكرم. المبحث السادس: العدل. المبحث السابع: التواضع. المبحث الثامن: الإخلاص. المبحث التاسع: الصدق. المبحث العاشر: القدوة الحسنة. المبحث الحادي عشر: العلم النافع.

стр. 3

المبحث الثاني عشر: الحكمة. المبحث الثالث عشر: السلوك الحكيم. المبحث الرابع عشر: الاستقامة. المبحث الخامس عشر: الخبرات والتجارب. المبحث السادس عشر: السياسة الحكيمة. المبحث السابع عشر: إنزال الناس منازلهم. المبحث الثامن عشر: الحلم والعفو. المبحث التاسع عشر: الأناة والتثبت. المبحث العشرون: الرفق واللين. المبحث الحادي والعشرون: الصبر. المبحث الثاني والعشرون: الرحمة. واللَّه أسأل أن يجعل هذا العمل القليل مباركاً، نافعاً، خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي، وبعد مماتي، وينفع به من انتهى إليه؛ فإنه خير مسئول، وأكرم مأمولٍ، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلاّ باللَّه العلي العظيم، وصلى اللَّه وسلّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أبو عبد الرحمن سعيد بن علي بن وهف القحطاني حرر في عصر يوم الخميس ٤/ ٣/ ١٤٣١هـ

стр. 4

المبحث الأول: تعريف الخُلُق الحسن الخُلْقُ لغةً: السجيّة، والطبع، والمروءة، والدين (١). وحقيقته أنه صورة الإنسان الباطنة، وهي: نفسه، وأوصافها، ومعانيها المختصة بها، بمنزلة: الخَلْق لصورته الظاهرة، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة (٢). فالخلق: حال في النفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خير أو شر من غير حاجةٍ إلى فكر ورويّة، وجمعه: أخلاق. والأخلاق: علم موضوعه أحكام قيمة تتعلق بالأعمال التي توصف بالحسن أو القبح (٣)،وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما يكون طبيعياً من أصل المزاج ، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو الغضب، ويهيج لأدنى سبب، وكالذي يجبن من أيسر شيء، كمن يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه. القسم الثاني: ما يكون مستفاداً بالعادة والتدريب ، وربما كان مبدؤه بالرويَّة والفكر ثم يستمر عليه حتى يكون ملكةً وخلقاً (٤). أما السلوك: فهو سيرة الإنسان ومذهبه واتجاهه، يقال: فلان حسن السلوك أو سيّئ السلوك (٥). والسلوك: عمل إراديٌّ، كقول: الكذب، والصدق، والبخل،

стр. 5

والكرم ونحو ذلك. فاتّضح أن الخلق حالة راسخة في النفس، وليس شيئاً خارجاً مظهريّاً، فالأخلاق شيء يتصل بباطن الإنسان، ولا بد لنا من مظهر يدلنا على هذه الصفة النفسية، وهذا المظهر هو: السلوك، فالسلوك: هو المظهر الخارجي للخلق، فنحن نستدل من السلوك المستمر لشخصٍ ما على خلقه، فالسلوك دليل الخلق، ورمز له، وعنوانه، فإذا كان السلوك حسناً دلّ على خلق حسن، وإن كان السلوك سيئاً دلّ على سلوك قبيح، كما أن الشجرة تعرف بالثمر، فكذلك الخلق الحسن يعرف بالأعمال الطيبة (١).

стр. 6

المبحث الثاني: فضائل الخلق الحسن أولاً: الخلق الحسن من أعظم روابط الإيمان وأعلى درجاته ؛ لقوله ﷺ : ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)) (١). ثانياً: الخلق الحسن من تخلّق به كان من أحبّ الناس إلى النبي ﷺ - وأقربهم منه مجلساً يوم القيامة: ((إن من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً)) (٢). ثالثاً: الخلق الحسن يجعل المسلم من خيار الناس مطلقاً، ولا يكون كذلك إلا بالتخلّق بهذا الخلق العظيم، قال النبي ﷺ : ((إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً)) (٣). وقد أحسن الشاعر إذ يقول: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا رابعاً: الخلق الحسن من أعظم القربات وأجلّ العطايا والهبات ،؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن فإنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الفاحِشَ البذِيء)) (٤).

стр. 7

خامساً: الخلق الحسن يدرك المسلم به درجة الصائم القائم ، قال النبي ﷺ : ((إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)) (١). سادساً: الخلق الحسن خير من الدنيا وما فيها ؛ ولهذا قال النبي لعبد اللَّه بن عمرو: ((أربع إذا كن فيك فما عليك ما فاتك من الدنيا: حفظُ أمانةٍ، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة)) (٢). سابعاً: يحصل بالخلق الحسن: جوامع الخيرات والبركات ؛ قال النبي: ((البر حسن الخلق)) (٣). ثامناً: الخلق الحسن هو وصية رسول الله ﷺ إلى جميع المسلمين ، فقد أوصى به ﷺ معاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن والياً، وقاضياً، وداعياً إلى اللَّه فقال له: (( .. وخالق الناس بخلق حسن)) (٤). تاسعاً: الخلق الحسن ذو أهمية بالغة ؛ لأن اللَّه أمر به نبيه الكريم، وأثنى عليه به، وعظّم شأنه الرسول الأمين ﷺ . قال اللَّه : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٥)، وقال : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٦)، وقال النبي ﷺ : ((إنما بعثت لأتمم

стр. 8

مكارم الأخلاق)) (١). وسئلت عائشة ﵂ عن خُلُقِهِ ﷺ فقالت: (( .. فإن خلق نبيكم ﷺ كان القرآن)) (٢). عاشراً: الخلق الحسن من أعظم الأساليب التي تجذب الناس إلى الإسلام ، والهداية، والاستقامة؛ ولهذا من تتبَّع سيرة المصطفى ﷺ وجد أنه كان يلازم الخلق الحسن في سائر أحواله وخاصة في دعوته إلى اللَّه تعالى، فأقبل الناس ودخلوا في دين اللَّه أفواجاً بفضل اللَّه تعالى ثم بفضل حسن خلقه ﷺ ، فكم دخل في الإسلام بسبب خلقه العظيم. فهذا يُسلم ويقول: ((واللَّه ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه كلها إليَّ)) (٣). وذاك يقول: ((اللَّهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً)) (٤)، تأثر بعفو النبي ﷺ ولم يتركه على تحجيره رحمة اللَّه التي وسعت كل شيء، بل قال له: ((لقد تحجَّرت واسعاً)). والآخر يقول: ((فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه)) (٥). والرابع يقول: ((يا قومي أسلموا فإن محمداً يعطي عطاءً لا

стр. 9

يخشى الفاقة)) (١). والخامس يقول: ((واللَّه لقد أعطاني رسول اللَّه ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحبّ الناس إليَّ)) (٢). والسادس يقول: بعد عفو النبي ﷺ عنه: ((جئتكم من عند خير الناس))، ثم يدعو قومه للإسلام فأسلم منهم خلق كثير (٣)، وهناك أمثلة كثيرة جداً. الحادي عشر: الخلق الحسن هو أمنية كل مسلم وكل داعية مخلص خاصة؛ لأنه بذلك ينجو ويفوز وينجح في جميع أموره الخاصة والعامة؛ ولهذه الأهمية كان ﷺ يدعو ربه أن يهديه للخلق الحسن، فكان ﷺ يقول في استفتاحه لصلاة الليل: ((واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت .. )) (٤)، وكان يقول: ((اللَّهم كما أحسنت خلْقي فحسّن خُلُقي)) (٥). الثاني عشر: الخلق الحسن يحبّب المسلم إلى الناس جميعاً حتى أعدائه، ويتمكن بذلك من إرضاء الناس على اختلاف طبقاتهم، وكل من جالسه أو خالطه أحبه، وبهذا يسهل على الداعية إدراك مطالبه السامية بإذن اللَّه تعالى؛ لأن الدعاة إلى اللَّه لا

стр. 10

يَسعَون الناس بأموالهم ولكن ببسط الوجه وحسن الخلق (١). الثالث عشر: من لم يتخلّق بالخلق الحسن من المسلمين ينفِّر الناس من دعوته، ولا يستفيدون من علمه وخبرته؛ لأن من طبائع الناس أنهم لا يقبلون ممن يستطيل عليهم أو يبدو منه احتقارهم، واستصغارهم، ولو كان ما يقوله حقاً. قال للنبي الكريم ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (٢). وقال : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). وقال ممتناً على عباده: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٤). وقال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٥) الآية. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (٦)، وقال : ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٧).

стр. 11

وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا *وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيرًا﴾ (١). ولا شك أنه يتعين على كل داعية أن يتخذه ﷺ قدوة وإماماً لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٢). الرابع عشر: إن صلاح الأمة وهدايتها والنهوض بها لا يكون سليماً نقياً إلا بالأخذ من المنبع الصافي ، والبعد عن الأفكار الهدامة المنحرفة، والتزام المسلمين بالخلق الحسن ودعوة الناس إليه هو من هذا المنبع، وتطبيق ذلك على أنفسهم قبل الدعوة إليه، قال اللَّه : ﴿يَا أيُّها الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (٣)؛ ولهذا أمر اللَّه بالعلم قبل العمل، وبالعمل قبل الدعوة إليه، فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٥)، فقدَّم العمل قبل الدعوة إلى الحق. الخامس عشر: الخلق الحسن يجعل المسلم مستنير القلب ، ويفتح مداركه، فيتبصَّر به مواطن الحق، ويهتدي به إلى الوسائل والأساليب الصحيحة في دعوة الناس الملائمة للظروف والأحوال، والأشخاص

стр. 12

﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ (١) الآية. السادس عشر: الخلق الحسن من أعظم الأسباب التي تُنجي من النار وتُورث الفوز بأعلى الدرجات في جنات النعيم ، وهذا هو غاية كل مسلم بعد رضى اللَّه ؛ ولهذا عندما سأل النبي ﷺ رجلاً فقال له: ((ما تقول في الصلاة)) قال: أتشهّد ثم أسأل اللَّه الجنة وأعوذ به من النار. أما واللَّه! ما أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ، فقال النبي ﷺ : ((حَوْلها نُدَنْدِنُ)) (٢)، وهذا يدلّ أن جميع الأقوال والدعوات والأعمال؛ إنما هو من أجل الفوز بالجنة والنجاة من النار بعد رضى اللَّه . السابع عشر: تَكَفَّل النبي ﷺ ببيت في أعْلى الجنة لمن حسَّن خلقه ، فقال: ((أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المِراء وإن كان مُحقّاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسَّن خلقه)) (٣). الثامن عشر: الخلق الحسن أكثر ما يدخل به الناس الجنة: فقد سُئل النبي ﷺ عن أكثر ما يُدخل الناس الجنة، فقال: ((تقوى اللَّه وحسن الخلق)) (٤). التاسع عشر: الخلق الحسن من أسباب النجاة من النار: فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((ألا أخبركم بمن يحرم على النار،-أو بمن تحرم عليه النار؟ - على كُلِّ قريب هيّن سهل)) (٥).

стр. 13

العشرون: صاحب الخلق الحسن خير أمة محمد ﷺ -؛ لقول النبي ﷺ : ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)) (١). الحادي والعشرون: الخلق الحسن موضوع واسع جداً يشمل: الحلم، والأناة، والجود والكرم، والعفو والصفح، والرفق واللين، والصبر والعزيمة، والثبات، والعدل والإنصاف، والصدق، والبرّ، والوفاء بالعهد، والإيثار، والرحمة، والعفّة، والتواضع، والزهد، والكيِّس والنشاط، والسماحة، والمروءة، والشجاعة، والأمانة، والإخلاص ... وهذا هو الخلق الحسن في الدعوة إلى اللَّه تعالى وما يتفرّع منه. الثاني والعشرون: أما الخلق العظيم الذي مدح الله به النبي ﷺ فهو الدين كله ، والخلق الحسن جزء منه كما ذكر ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى في الفتاوى (٢)، وقال الإمام ابن القيم - رحمه اللَّه تعالى - في مدارج السالكين: ((حسن الخلق يقوم على أربعة أركان، لا يتصوّر قيام ساقِه إلا عليها: الصبر، والعفّة، والشجاعة، والعدل، ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة)) (٣).

стр. 14

المبحث الثالث: طرق اكتساب الخلق الحسن الأسباب والوسائل التي يكتسب بها الخلق الحسن كثيرة، ولكن من أبرزها على سبيل المثال ما يأتي: ١ - التدريب العملي ، والممارسة التطبيقية للأخلاق الحسنة ولو مع التكلّف في أول الأمر، وقسر النفس على غير ما تهوى؛ فالعلم بالتعلم والحلم بالتحلّم، والصبر بالتصبّر، والاستعفاف بالتعفّف، قال ﷺ : ((ومن يستعفف يعفّه اللَّه ومن يستغن يُغنه اللَّه، ومن يتصبّر يُصبِّره اللَّه)) (١). ٢ - الغمس في البيئة الصالحة ؛ لأن من طبيعة الإنسان أن يكتسب من البيئة التي ينغمس فيها ويعيش مع أهلها، فيكتسب ما لديهم من أخلاق، وعادات، وتقاليد، وأنواع سلوك عن طريق المحاكاة والتقليد، وبذلك تتم العدوى النافعة، ولهذا قيل: إن الطبع للطبع يسرق، وأعظم من ذلك توجيه النبي ﷺ وبيانه أن الجليس الصالح كحامل المسك إما أن تبتاع منه أو تجد منه ريحاً طيبة (٢). ولاشك أن الرجل على دين خليله، فلينظر كل مسلم من يخالل (٣)؛ ولهذا قال النبي: ((الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ)) (٤).

стр. 15

المبحث الرابع: فروع الخلق الحسن فروع حسن الخلق كثيرة جداً فهو يشمل: العلم، والحلم، والأناة، والحكمة، والجود والكرم، والعفو، والصفح، والرفق واللين، والصبر والعزيمة، والثبات، والعدل، والإنصاف، والصدق والإخلاص، والبر، والوفاء، والإيثار والرحمة، والتواضع، والزهد، والكيس والنشاط، والسماحة، والمروءة، والشجاعة، والأمانة، وحفظ السر، والورع، واليقين، والتوكل ... وهذا مفهوم واسع لا يتسع له هذا المبحث، وسيأتي بعض هذه الأخلاق في المباحث الآتية.

стр. 16

المبحث الخامس: الجود والكرم الجود والكرم خُلقٌ عظيم وهو على عشر مراتب على النحو الآتي: ١ - الجود بالنفس وهو أَعْلى مراتب الجود. ٢ - الجود بالرياسة ، فيحمل الجواد جوده على الجود برياسته والإيثار في قضاء حاجات الناس. ٣ - الجود براحته ، فيجود بها تعباً في مصلحة غيره. ٤ - الجود بالعلم وبذله وهو من أعلى مراتب الجود، وهو أفضل من المال. ٥ - الجود بالنفع بالجاه كالشفاعة وغيرها. ٦ - الجود بنفع البدن على اختلاف أنواعه، فكل يوم تعدل فيه بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فترفع متاعه عليها أو تحمله عليها صدقة، والكلمة الطيبة صدقة. ٧ - الجود بالعرض ، كمن يعفو عمن اغتابه، أو سبّه، ونال من عرضه، كما فعل أبو ضمضم (١). ٨ - الجود بالصبر ، والاحتمال، وكظم الغيظ، وهذا أنفع من الجود بالمال. ٩ - الجود بالخلق الحسن ، والبشاشة، والبسطة، وهو فوق الجود بالصبر. ١٠ - الجود بترك ما في أيدي الناس عليهم فلا يلتفت إليه. ولكل مرتبة من الجود مزيد وتأثير خاص في القلب، واللَّه سبحانه

стр. 17

قد ضمن المزيد للجواد والإتلاف للممسك، واللَّه المستعان (١). وكل أنواع الجود والكرم ينبغي للدعاة أن يتحلوا بها في دعوتهم، ومن الصور العظيمة لتطبيق الجود والكرم ما فعله رسول اللَّه ﷺ ومن ذلك: عن أنس ﵁ قال: ما سئل رسول اللَّه ﷺ على الإسلام شيئاً إلا أعطاهُ، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قومي أسلموا فإن محمداً يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة (٢). وهذا الموقف الحكيم العظيم يدلّ على عظم سخاء النبي ﷺ ، وغزارة جوده (٣). وكان ﷺ يعطي العطاء ابتغاء مرضاة اللَّه وترغيباً للناس في الإسلام، وتأليفاً لقلوبهم، وقد يُظهر الرجل إسلامه أولاً للدنيا ثم - بفضل اللَّه تعالى، ثم بفضل النبي ﷺ ونور الإسلام - لا يلبث إلا قليلاً حتى ينشرح صدره للإسلام بحقيقة الإيمان، ويتمكّن من قلبه، فيكون أحب إليه من الدنيا وما فيها (٤).

стр. 18

ولهذا شواهد كثيرة، منها: ما رواه مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ غزا غزوة الفتح - فتح مكة - ثم خرج ﷺ بمن معه من المسلمين فاقتتلوا بحنين، فنصر اللَّه دينه والمسلمين، وأعطى رسول اللَّه ﷺ يومئذ صفوان بن أمية مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة، قال صفوان: واللَّه لقد أعطاني رسول اللَّه ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ (١). وقال أنس ﵁: ((إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها)) (٢). وإذا رأى النبي ﷺ الرجل ضعيف الإيمان، فقد كان ﷺ يجزل له في العطاء، قال ﷺ : ((إني لأعطي الرجل وغيره أحبّ إليّ منه خشية أن يُكبَّ في النار على وجهه)) (٣)؛ ولذلك كان ﷺ ((يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل)) (٤). ومن مواقفه الحكيمة العظيمة في ذلك ما فعله ﷺ مع المرأة المشركة صاحبة المزادتين (٥)، فإنه بعد أن أسقى أصحابه من مزادتيها، ورجعت المزادتان أشد ملاءةً منها حين ابتدأ فيها قال لأصحابه: ((اجمعوا لها))، فجمعوا لها - من بين عجوةٍ، ودقيقةٍ

стр. 19

وسويقةٍ - حتى جمعوا لها طعاماً كثيراً وجعلوه في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، فقال لها ﷺ : ((اذهبي فأطعمي هذا عيالك، تعلمين واللَّه ما رزأناك (١) من مائك شيئاً، ولكن اللَّه هو الذي أسقانا)). وفي القصة أنها رجعت إلى قومها فقالت: لقيت أسحر الناس، أو هو نبي كما زعموا، فهدى اللَّه ذلك الصرم (٢) بتلك المرأة، فأسلمت وأسلموا (٣). وفي رواية: فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين ولا يصيبون ذلك الصرم الذي هي فيه، فقالت يوماً لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمداً، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام (٤). وقد كان سبب إسلام هذه المرأة أمران: الأمر الأول: ما رأته من أخذ النبي ﷺ وأصحابه من مزادتيها ولم ينقص ذلك من مائها شيئاً، وهذا من معجزات النبي ﷺ الّتي تدل على صدق رسالته. الأمر الثاني: كرم النبي ﷺ حينما أمر أصحابه أن يجمعوا لها، فجمعوا لها طعاماً كثيراً.

стр. 20

أما قومها، فقد أسلموا على يديها؛ لأن المسلمين صاروا يراعون قومها بإقرار النبي ﷺ على سبيل الاستئلاف لهم، حتى كان ذلك سبباً لإسلامهم (١). وهذه الأمثلة التي سُقْتُها ما هي إلا قطرة من بحر من كرم النبي ﷺ ، فما أحوجنا، وما أولى جميع الدعاة إلى اللَّه إلى الاقتداء بالنبي ﷺ والاقتباس من نوره وهديه في دعوته وفي أموره كلها، واللَّه المستعان.

стр. 21

المبحث السادس: العدل العدل له مجالات كثيرة لا تحصر منها: العدل في الولاية، والعدل في القضاء، والعدل في تطبيق الحدود، والعدل في المعاملات بين الناس، والعدل في الإصلاح بين الناس، والعدل مع الأعداء، والعدل مع الأولاد، والعدل بين الزوجات ... وغير ذلك. ومن الأمثلة العظيمة في تطبيق العدل المثال العظيم الآتي: قد كان النبي ﷺ أعدل البشر في جميع أموره وأحكامه، ومما يُضرب به المثل في عدله إلى يوم القيامة قصة المخزومية التي سرقت فقطع يدها بعد أن شفع فيها أسامة، ولكن الرسول ﷺ لم يحابِ في ذلك، ولم يقبل الشفاعة في حدٍّ من حدود اللَّه تعالى. فعن عائشة ﵂ أن قريشاً أهمّهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلّم فيها رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حِبّ رسول اللَّه ﷺ فأُتِيَ بها رسول اللَّه ﷺ ، فكلّمه فيها أسامة بن زيد، فتلوَّن وجه رسول اللَّه ﷺ فقال: ((أتشفع في حدٍّ من حدود اللَّه)) فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول اللَّه! فلما كان العشي قام رسول اللَّه ﷺ فاختطب فأثنى على اللَّه بما هو أهله، فقال: ((أما بعد، أيها الناس: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)). ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها.

стр. 22

قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت، وكانت تأتيني فأرفع حاجتها إلى رسول اللَّه ﷺ (١). إن العدل خلاف الجور، وقد أمر اللَّه به في القول والحكم، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٢)، وقال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ (٣). ولاشك أن هذا الموقف الحكيم وغيره من مواقفه ﷺ مما يوجب على الدعاة تطبيقها أسوة به ﷺ (٤).

стр. 23

المبحث السابع: التواضع يقال: تواضع: تذلّل وتخاشع (١)، والمراد بالتواضع: إظهار التنزل لمن يراد تعظيمه، وقيل: تعظيم من فوقه لفضله (٢). والتواضع صفة عظيمة وخلق كريم يجب على الدعاة إلى اللَّه تعالى، وغيرهم، ولهذا مدح اللَّه المتواضعين فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ (٣)، أي يمشون في سكينة ووقار متواضعين غير أشرين ولا متكبّرين، ولا مرحين، فهم علماء، حلماء، وأصحاب وقار وعفّة (٤). والدعاة إلى اللَّه تعالى إذا تواضعوا رفعهم اللَّه في الدنيا والآخرة؛ لقول النبي ﷺ : ((ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد اللَّه عبداً بعفوٍ إلا عزاً، ومن تواضع للَّه رفعه)) (٥). وهذا ما يفتح اللَّه به للداعية قلوب الناس؛ فإن اللَّه يرفعه في الدنيا والآخرة، ويثبت له بتواضعه في قلوب الناس منزلة ويرفعه عندهم ويجلُّ مكانه (٦)، أمَّا من تكبر على الناس فقد توعده اللَّه بالذلّ والهوان في الدنيا والآخرة؛ لأن اللَّه ((العزُّ إزاره، والكبرياءُ رداؤه فمن ينازعه ذلك عذّبه)) (٧).

стр. 24

وعن أنس ﵁ قال: كانت ناقة لرسول اللَّه ﷺ تُسمّى العضباء وكانت لا تُسْبَقُ، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها، فاشتدّ ذلك على المسلمين وقالوا: سُبِقَتِ العضباء، فقال رسول اللَّه ﷺ : ((إن حقاً على اللَّه أن لا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه)) (١). ورسول اللَّه ﷺ هو الأسوة الحسنة للدعاة فقد كان متواضعاً في دعوته للناس، فعن أبي مسعود ﵁ قال: أتى النبي ﷺ رجل فكلّمه فجعل ترعُد فرائصه فقال له: ((هوِّن عَليكَ نفسك فإني لستُ بِمَلِكٍ، إنما أنا ابن امرأةٍ كانت تأكل القديد)) وزاد الحاكم في روايته عن جرير بن عبد اللَّه: (( ... في هذه البطحاء))، ثم تلا جرير: ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (٢).

стр. 25

المبحث الثامن: الإخلاص أولاً: تعريف الإخلاص: الإخلاص في اللغة: خَلَصَ يخلص خلوصاً: صفا وزال عنه شوبه، ويقال: خلص من ورطته: سلم منها ونجا، ويقال: خلَّصه تخليصاً: أي نجَّاه، والإخلاص في الطاعة ترك الرياء (١). وحقيقة الإخلاص: هو أن يريد العبد بعمله التقرب إلى اللَّه تعالى وحده. وقد ذكر أهل العلم تعريفات بعضها قريب من بعض: فقيل: الإخلاص: إفراد الحق - سبحانه - بالقصد في الطاعة. وقيل: الإخلاص: استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن، والرياء أن يكون ظاهره خيراً من باطنه، والصدق في الإخلاص أن يكون باطنه أعمر من ظاهره. وقيل: تصفية العمل من كل ما يشوبه (٢). وعلى ما تقدم: يتضح أن الإخلاص: صرف العمل والتقرب به إلى اللَّه وحده، لا رياءً ولا سمعة، ولا طلباً للعرض الزائل، ولا تصنعاً، وإنما يرجو ثواب اللَّه ويخشى عقابه ويطمع في رضاه. ولهذا قال القاضي عياض: ((ترك العمل من أجل الناس رياء،

стр. 26

والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك اللَّه منهما)) (١). والإخلاص في حياة الداعية: أن يقصد بإراداته، وأعماله، وأقواله، وسائر تصرفاته، وتوجيهاته وتعليمه وجه اللَّه تعالى وحده لا شريك له ولا ربَّ سواه. ثانياً: أهمية الإخلاص: لقد خلق اللَّه الخلق: الجن والإنس لعبادته وحده لا شريك له، وأمر جميع المكلفين بالإخلاص، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢). وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلا للَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤). وقال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ (٥). قال الفضيل بن عياض: هو أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا يعلى: ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: ((إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يُقبل، حتى

стр. 27

يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون للَّه، والصواب أن يكون على السنة (١). ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢). وقال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (٣)، فإسلام الوجه: إخلاص القصد والعمل للَّه، والإحسان فيه: متابعة رسول اللَّه ﷺ وسنته)) (٤). وقد ثبت في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((ثلاث لا يغلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل للَّه، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من وراءهم)) (٥). والإخلاص هو روح عمل الداعية، وأهم صفاته، فبدونه يكون جهد الداعية وعمله هباءً منثوراً. والإخلاص من أهم أعمال القلوب باتفاق أئمة الإسلام، ولاشك أن أعمال القلوب هي الأصل: لمحبة اللَّه ورسوله، والتوكل عليه، والإخلاص له، والخوف منه، والرجاء له، وأعمال الجوارح تبع؛ فإن النية بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء الذي

стр. 28

إذا فارق الروح مات، فمعرفة أحكام القلوب أهمّ من معرفة أحكام الجوارح. فيجب على الداعية أن يكون مخلصاً للَّه لا يريد رياءً ولا سمعة، ولا ثناء الناس ولا مدحهم وحمدهم، إنما يدعو إلى اللَّه يريد وجه اللَّه - تعالى - كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ (٢). والإخلاص أعظم الصفات التي تجب على الدعاة فيريدوا بدعوتهم وجه اللَّه والدار الآخرة، ويريدوا إصلاح الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور (٣). ثالثاًً: النية أساس العمل: النية: أساس العمل وقاعدته، ورأس الأمر وعموده، وأصله الذي عليه بُنيَ؛ لأنها روح العمل، وقائده، وسائقه، والعمل تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها، وبها يحصل التوفيق، وبعدمها يحصل الخذلان، وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة (٤)؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى ... )) (٥). وقال اللَّه تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ

стр. 29

أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١). وهذا يدلّ على أهمية ومكانة النية، وأن الدعاة إلى اللَّه وغيرهم من المسلمين بحاجة إلى إصلاح النية، فإذا صلحت أُعطي العبد الأجر الكبير والثواب العظيم، ولو لم يعمل وإنما نوى نية صادقة، ولهذا قال النبي ﷺ : ((إذا مرض العبد أو سافر كُتِبَ له مثلُ ما كان يعمل مقيماً صحيحاً)) (٢)، وقال ﷺ : ((ما من امرئٍ تكون له صلاة بليل فيغلبه عليها نوم إلا كُتبَ له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة)) (٣). وقال النبي ﷺ : ((من توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا أعطاه اللَّه مثل أجر من صلى وحضر لا ينقص ذلك من أجره شيئاً)) (٤). وقال الرسول ﷺ : ((من سأل اللَّه الشهادة بصدقٍ بلّغه اللَّه منازل الشهداء، وإن مات على فراشه)) (٥).

стр. 30

وهذا يدل على فضل اللَّه وإحسانه إلى عباده؛ ولهذا قال النبي ﷺ في غزوة تبوك: ((لقد تركتم بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من وادٍ إلا وهم معكم فيه))، قالوا: يا رسول اللَّه كيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ فقال: ((حَبَسهُمُ العُذر)) (١). وبالنية الصالحة يضاعف اللَّه الأعمال اليسيرة؛ ولهذا قال الرسول ﷺ لرجل جاء إليه مقنع بالحديد، فقال: يا رسول اللَّه: أقاتل أو أسلم؟ فقال ﷺ : ((أسلم ثم قاتل))، فأسلم ثم قاتل فَقُتِل، فقال رسول اللَّه ﷺ : ((عمل قليلاً وأجر كثيراً)) (٢). وجاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فدخل في الإسلام، فكان رسول اللَّه ﷺ يعلّمه الإسلام وهو في مسيره، فدخل خف بعيره في جحر يربوع فوقصه بعيره فمات، فقال رسول اللَّه ﷺ : ((عمل قليلاً وأجر كثيراً)) قالها حماد ثلاثاً (٣). وبالنية الصالحة يبارك اللَّه في الأعمال المباحة فيثاب عليها العبد؛ ولهذا قال رسول اللَّه ﷺ : ((إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة)) (٤)، وقال النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: ((إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه اللَّه إلا أجرت عليها حتى ما تجعلُ في فِي

стр. 31

امرأتك)) (١). وقال رسول اللَّه ﷺ : ((إنما الدنيا لأربعة نفرٍ: عبدٍ رزقه اللَّه مالاً وعلماً فهو يتقي به ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم للَّه فيه حقاً، فهذا بأفضل المنازل، وعبدٍ رزقه اللَّه علماً ولم يرزقه مالاً، فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبدٍ رزقه اللَّه مالاً ولم يرزقه علماً فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم للَّه فيه حقاً فهو بأخبث المنازل، وعبدٍ لم يرزقه اللَّه مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء)) (٢). وقال الرسول ﷺ فيما يرويه عن ربه: ((إن اللَّه كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك فمن همّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبها اللَّه عنده حسنة كاملة ... )) (٣). رابعاً: طرق تحصيل الإخلاص: قد عُرِفَ أن الرياء محبط للعمل، وسبب لغضب اللَّه ومقته، وأنه من المهلكات، وأشد خطراً على المسلم من المسيح الدجال. ومَن هذه حاله فهو جدير بالتشمير عن ساق الجد في إزالته وعلاجه، وقطع عروقه وأصوله. ومن هذا العلاج الذي يزيل الرياء،

стр. 32

ويحصِّل الإخلاص بإذن اللَّه تعالى ما يأتي: ١ - معرفة أنواع الرياء ، ودوافعه، وأسبابه ثم قطعها وقلع عروقها، وتقدمت هذه الدوافع والأسباب. ٢ - معرفة عظمة اللَّه تعالى ، بمعرفة: أسمائه، وصفاته، وأفعاله معرفةً صحيحةً مبنية على فهم الكتاب والسنة على مذهب أهل السنة والجماعة؛ فإن العبد إذا عرف أن اللَّه وحده هو الذي ينفع ويضرّ، ويعزّ ويذلّ، ويخفض ويرفع، ويعطي ويمنع، ويحيي ويميت، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، إذا عرف ذلك، وعلم بأن اللَّه هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له فسيُثمرُ ذلك إخلاصاً وصدقاً مع اللَّه، فلابُدَّ من معرفة أنواع التوحيد كلها معرفة صحيحة سليمة. ٣ - معرفة ما أعدَّه اللَّه في الدار الآخرة من نعيم وعذاب، وأهوال الموت، وعذاب القبر؛ فإن العبد إذا عرف ذلك، وكان عاقلاً هرب من الرياء إلى الإخلاص. ٤ - الخوف من الرياء المحبط للعمل ؛ فإن من خاف أمراً بقي حَذِراً منه فينجو؛ فإن من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزلة. فينبغي للمرء بل يجب عليه إذا هاجت رغبته إلى آفة حُبّ الحمد والمدح أن يُذَكِّرَ نفسه بآفات الرياء، والتعرّض لمقت اللَّه، ومن عرف فقر الناس وضعفهم استراح كما قال بعض السلف: ((جاهد نفسك في دفع أسباب الرياء عنك، واحرص أن يكون الناس عندك كالبهائم والصبيان فلا تفرق في عبادتك بين وجودهم وعدمهم، وعلمهم بها

стр. 33

أو غفلتهم عنها، واقنع بعلم اللَّه وحده) (١). وباللَّه وحده ثم بالخوف من حبوط العمل نجا أهل العلم والإيمان من الرياء وحبوط العمل، فعن محمد بن لبيد ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ : ((إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر))، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول اللَّه؛ قال: ((الرياء، يقول اللَّه لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء)) (٢). ٥ - خوف الصحابة ﵃، والتابعين من الرياء ؛ ولهذا الخطر العظيم خاف الصحابة والتابعون وأهل العلم والإيمان من هذا البلاء الخطير، ومن ذلك الأمثلة الآتية: المثال الأول: قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (٣)، قالت عائشة ﵂ يا رسول اللَّه: أهو الذي يزني، ويسرق، ويشرب الخمر؟ قال: ((لا يا بنت أبي بكر ((أو يا بنت الصديق)) ولكنه الرجل يصوم، ويتصدّق، ويصلّي وهو يخاف ألا يُتقبَّل منه)) (٤). المثال الثاني: قال ابن أبي مُلَيْكة: ((أدركت ثلاثين من أصحاب

стр. 34

النبي ﷺ كلُّهم يخاف النفاق على نفسه، وما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل)) (١). المثال الثالث: وقال إبراهيم التيميّ: ((ما عرضتُ قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذِّباً)) (٢). المثال الرابع: ويُذكر عن الحسن أنه قال: ((ما خافه إلا مؤمن ولا أمِنه إلا منافق)) (٣). المثال الخامس: وقال عمر بن الخطاب لحذيفة ﵄: ((نشدتك باللَّه هل سمّاني لك رسول اللَّه ﷺ منهم - يعني من المنافقين - قال: لا، ولا أُزكِّي بعدك أحداً)) (٤). المثال السادس: ويُذكر عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: ((اللَّهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق)) قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: ((أن ترى البدن خاشعاً والقلب ليس بخاشع)) (٥). المثال السابع: ويُذكر عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: ((لئن أستيقن

стр. 35

أن اللَّه تقبَّل لي صلاة واحدة أحبّ إليَّ من الدنيا وما فيها، إن اللَّه يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾)) (١). المثال الثامن: وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: ((أدركتُ عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، يُسأل أحدهم عن المسألة، ما منهم رجل إلا ودَّ أن أخاه كفاه)) (٢). ٦ - الفرار من ذمّ اللَّه ؛ فإن من أسباب الرياء الفرار من ذمّ الناس، ولكن العاقل يعلم أن الفرار من ذمّ اللَّه أولى؛ لأن ذمّه شين، كما قال رجلٌ لرسول اللَّه ﷺ : يا رسول اللَّه إنَّ مدحي زين وذمّي شين، فقال ﷺ : ((ذاك اللَّه)) (٣)، ولا شك أن العبد إذا خاف الناس وأرضاهم بسخط اللَّه سخط اللَّه عليه، وغضب وأسخط الناس عليه، فهل أنت تخشى غضب الناس؟ فاللَّه أحق أن تخشاه إن كنت صادقاً. ٧ - معرفة ما يفرُّ منه الشيطان ؛ لأن الشيطان منبع الرياء وأصل البلاء، والشيطان يفر من أمور كثيرة، منها الأذانُ، وقراءة القرآن، وسجود التلاوة، والاستعاذة باللَّه منه، والتسمية عند الخروج من البيت والدخول في المسجد مع الذكر المشروع في ذلك، والمحافظة على أذكار الصباح والمساء، وأدبار الصلوات، وجميع الأذكار المشروعة (٤).

стр. 36

٨ - الإكثار من أعمال الخير والعبادات غير المشاهدة ، وإخفاؤها: كقيام الليل، وصدقة السر، والبكاء خالياً من خشية اللَّه، وصلاة النوافل، والدعاء للإخوة في اللَّه بظهر الغيب، واللَّه يحب العبد التقيّ، النقيّ، الخفيّ، قال سعد بن أبي وقاص ﵁: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: ((إن اللَّهَ يحب العبد التقيّ، النقيّ، الخفيّ)) (١). ٩ - عدم الاكتراث بذمّ الناس ومدحهم ؛ لأن ذلك لا يضر ولا ينفع، بل يجب أن يكون الخوف من ذمّ اللَّه، والفرح بفضل اللَّه، قال اللَّه : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٢)، فيا عبد اللَّه أقبل على حب المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذلك سَهُل عليك الإخلاص (٣). ويسهِّلُ الزهد في حب المدح والثناء العلم يقيناً أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين ويضر ذمّه ويشين إلا اللَّه وحده، فازهد في مدح من لا يزينك مدحه، وفي ذمِّ من لا يشينك ذمّهُ، وارغب في مدح مَن كلّ الزين في مدحه وكل الشين في ذمه، ولن يقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين، فمن فقد الصبر واليقين كان كمن أراد السفر في البحر بغير مركب (٤). وانظر إلى من ذمّك فإن يك صادقاً قاصداً النصح لك فاقبل

стр. 37

هديته ونصحه فإنه قد أهدى إليك عيوبك، وإن كان كاذباً فقد جنى على نفسه وانتفعتَ بقوله؛ لأنه عرَّفك ما لم تكن تعرف، وذكّرك من خطاياك ما نسيت، وإن كان ذلك افتراءً عليك، فإنك إن خلوت من هذا العيب لم تخلُ من غيره، فاذكر نعمة اللَّه عليك إذ لم يطلع هذا المفتري على عيوبك، وهذا الافتراء كفارات لذنوبك إن صبرت واحتسبت، وعليك أن تعلم أن هذا الجاهل جنى على نفسه وتعرض لمقت اللَّه تعالى، فكن خيراً منه: فاعف واصفح، واستغفر له، قال اللَّه : ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١). ١٠ - تذكّر الموت وقصر الأمل ، قال اللَّه : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٢). قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣). ١١ - الخوف من سوء الخاتمة ، فعلى العبد أن يخاف أن تكون أعمال الرياء هي خاتمة عمله ونهاية أجله، فيخسر خسارة فادحة عظيمة؛ لأن الإنسان يبعث يوم القيامة على ما مات عليه، والناس يبعثون على نياتهم، وخير الأعمال خواتمها. ١٢ - مصاحبة أهل الإخلاص والتقوى ؛ فإن الجليس المخلص لا يعدمك الخير، وتجد منه قدوة لك صالحة، وأما المرائي والمشرك فيحرقك في نار جهنم إن أخذت بعمله.

стр. 38

١٣ - الدعاء والالتجاء إلى اللَّه تعالى ، وقد علَّمنا رسول اللَّه ﷺ ذلك فقال: ((يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل))، فقال بعض الصحابة: كيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول اللَّه؟ قال: ((قولوا: اللَّهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً نعلمه ونستغفرك لِمَا لا نعلمه)) (١). ١٤ - حبّ العبد ذكر اللَّه له ، وتقديم حبّ ذكره له على حب مدح الخلق، قال اللَّه : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (٢)، وقال رسول اللَّه ﷺ فيما يرويه عن ربه: ((أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرّب إليّ شبراً تقرّبت إليه ذراعاً، وإن تقرّب إلي ذراعاً تقرّبت منه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة)) (٣)، واللَّه المستعان (٤). ١٥ - عدم الطمع فيما في أيدي الناس ؛ فإن الإخلاص لا يجتمع في القلب ومحبّة المدح والثناء والطمع فيما في أيدي الناس إلا كما يجتمع الماء والنار، والضبّ والحوت، فإذا حدّثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولاً فاذبحه بسكين اليأس مما

стр. 39

في أيدي الناس، ويسهِّل ذبح الطمع العلم يقيناً أنه ليس من شيء يُطمع فيه إلا وبيد اللَّه وحده خزائنه لا يملكها غيره، ولا يؤتي العبد منها شيئاً سواه (١). ١٦ - معرفة ثمرات الإخلاص وفوائده وعواقبه الحميدة في الدنيا والآخرة، ومن ذلك أن الإخلاص سبب لنصر الأمة، والنجاة من عذاب اللَّه، ورفع المنزلة والدرجة في الدنيا والآخرة، والسلامة من الضلال في الدنيا، والفوز بحبّ اللَّه للعبد وحبّ أهل السماء والأرض، والصيت الطيّب، وتفريج كروب الدنيا والآخرة، والطمأنينة والشعور بالسعادة والتوفيق، وتحمّل المتاعب والمصاعب، وتزيين الإيمان في القلوب، واستجابة الدعاء، والنعيم في القبر والتبشير بالسرور، واللَّه الموفق سبحانه (٢). فالداعية الذي يريد نجاح دعوته، والفوز بنجاته ومحبة اللَّه له، عليه أن يعمل جاهداً في تحصيل الإخلاص والفرار من الرياء، أسأل اللَّه أن يعصمني وإياك وجميع دعاة المسلمين وأئمتهم وعامتهم من هذا البلاء الخطير.

стр. 40

المبحث التاسع: الصدق أولاً: مفهوم الصدق وأهميته وفضله: الصدق: مطابقة الكلام للواقع بحسب اعتقاد المتكلم، وهو ضد الكذب (١)، وقيل: مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معاً، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقاً تاماً (٢)، وقيل: الصدق حصول الشيء وتمامه وكمال قوته واجتماع أجزائه (٣). ولا يخفى ما للصدق من فضل عظيم، وثواب جزيل، ومقام كريم، ومما يدلّ على فضل الصدق، وسموّ منزلته، وعلوّ مكانه أنه من خصائص أهل الإيمان والتقوى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤)، فمن اتصف بهذه الصفات العظام وكانت لباسه وحليته فقد فاز. نسأل اللَّه أن يجعلنا منهم. ولقد أمر اللَّه عباده المؤمنين بأن يكونوا مع الصادقين ويلازموا الصدق في كل الأحوال فهو سبيل النجاة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ
следующие страницы →