← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96467

الصيام في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (671 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

لا يجوز إخراجها إلا على المساكين خاصة, وهذا القول أرجح من القول بوجوب قسمتها على الأصناف الثمانية)) (١). وقال الشوكاني ﵀ عن حديث ابن عباس ﵄ وفيه: ((وطعمة للمساكين ... )) (٢). ((وفيه دليل على أن الفطرة تصرف في المساكين دون غيرهم من مصارف الزكاة)) (٣). وقال العلامة ابن عثيمين ﵀ في ذكر القولين: ((هناك قولان لأهل العلم: الأول أنها تصرف مصرف بقية الزكوات، حتى المؤلفة قلوبهم والغارمين ... والثاني أن زكاة الفطر مصرفها للفقراء فقط، وهو الصحيح)) (٤). وقال الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: ((زكاة الفطر شرعها الله مواساةً للفقراء والمحاويج، وطعمة للمساكين)) (٥). وقال في موضع آخر: ((ومصرفها الفقراء والمساكين)) (٦). ويجوز دفع زكاة الفطر عن النفر الواحد لشخص واحد، كما يجوز توزيعها على عدة أشخاص)) (٧).

стр. 597

الحادي عشر: حكم دفع القيمة في زكاة الفطر: قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ولا تجزئ القيمة؛ لأنه عدول عن المنصوص)) (١) (٢). قال الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: ((ولا يجوز إخراج القيمة عند جمهور أهل العلم، وهو أصح دليلاً، بل الواجب إخراجها من الطعام، كما فعله النبي ﷺ وأصحابه ﵃)) (٣). وقال ﵀: (( ... زكاة الفطر عبادة بإجماع المسلمين، والعبادات الأصل فيها التوقيف، فلا يجوز لأحد أن يتعبد بأي عبادة إلا بما ثبت عن المشرِّع الحكيم عليه صلوات الله وسلامه)) (٤). وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: ((ولا يجوز إخراج زكاة الفطر نقوداً؛ لأن الأدلة الشرعية قد دلت على وجوب إخراجها طعاماً، ولا يجوز العدول عن الأدلة الشرعية؛ لقول أحد من الناس)) (٥). قال ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)). وفي رواية لمسلم: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (٦).

стр. 598

الثاني عشر: الفطرة تلزم المسلم عن نفسه وعن من يعول ممن تلزمه نفقته: قال الإمام الخرقي ﵀: ((ويلزمه أن يخرج عن نفسه وعن عياله، إذا كان عنده فضل عن قوتِ يومه وليلته)) (١)، قال الإمام ابن المنذر ﵀: ((وأجمعوا على أن صدقة الفطر تجب على المرء إذا أمكنه أداؤها عن نفسه، وأولاده الأطفال الذين لا أموال لهم، وأجمعوا على أن على المرء أداء زكاة الفطر عن مملوكه الحاضر)) (٢). فظهر أن الفطرة تلزم الإنسان القادر عن نفسه، وعن من يعوله، أي يمونه، فتلزمه فطرتهم، كما تلزمه مؤنتهم، إذ وجد ما يؤدي عنهم (٣)؛ لحديث ابن عمر ﵄: ((أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر، عن الصغير، والكبير، والحر، والعبد، ممن تمونون)) (٤). قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: ((زكاة الفطر تلزم الإنسان عن نفسه، وعن كلِّ من تجب عليه نفقته، ومنهم الزوجة؛ لوجوب نفقتها عليه)) (٥).ويبدأ بنفسه إذا لم يجد لجميع من ينفق عليهم, ثم من يليه في وجوب النفقة (٦)؛لحديث جابر ﵁، وفيه: ((ابدأ بنفسك

стр. 599

فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا)) يقول: فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك (١). وعن حكيم بن حزام ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((أفضل الصدقة، أو خير الصدقة عن ظهر غنىً، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول)) (٢). وعن بهز بن حكيم قال: حدثني أبي عن جدي قال: قلت: يا رسول الله، من أبرُّ؟ قال: ((أمك)) قال: قلت: ثم من؟ قال: ((أمك)) قال: قلت: ثم من؟ قال: ((أمك)) قال: قلت: ثم من؟ قال: ((ثم أباك ثم الأقرب فالأقرب)) (٣)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁، قال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: ((أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك)) (٤). وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((تصدقوا)) فقال رجل يا رسول الله عندي دينار، فقال: ((تصدق به على نفسك)) قال عندي آخر، قال:

стр. 600

((تصدق به على زوجتك)) قال: عندي آخر، قال: ((تصدق به على ولدك)) قال: عندي آخر: قال: ((تصدق به على خادمك)) قال: عندي آخر؟ قال: ((أنت أبصر به)) (١). الثالث عشر: مكان زكاة الفطر وحكم نقلها: الأصل في ذلك قول النبي ﷺ لمعاذ حينما بعثه إلى اليمن: (( ... فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم)) (٢). قال الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى: ((والسنة توزيعها بين الفقراء في بلد المزكي، وعدم نقلها إلى بلد آخر؛ لإغناء فقراء بلده وسد حاجتهم ... )) (٣). وقال ﵀ عندما سئل عن حكم نقل زكاة الفطر: ((لا بأس بذلك, ويجزئ إن شاءالله في أصح قولي العلماء، لكن إخراجها في محلك الذي تقيم فيه أفضل وأحوط، وإذا بعثتها لأهلك؛ ليخرجوها على الفقراء في بلدك فلا بأس)) (٤).

стр. 601

المبحث الثلاثون: آداب العيد شرع الله تعالى لعباده في ختام شهر رمضان عبادات تزيدهم قُرْباً إلى الله تعالى، وتزيد في إيمانهم قوة، وفي موازين أعمالهم حسنات، وهي على النحو الآتي: أولاً: زكاة الفطر: فقد فرضها رسول الله ﷺ على كل مسلم: حرٍّ أو عبدٍ، أو رجلٍ، أو امرأةٍ، أو صغير، أوكبير، وأمر النبي ﷺ أن تؤدَّى إلى الفقراء والمساكين قبل خروج الناس إلى صلاة العيد، فتدفع إلى أهلها: صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من أي أنواع الطعام الذي يأكله أهل البلد، ومن أداها قبل صلاة العيد فهي صدقة مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات. وقد تقدم الكلام عن زكاة الفطر في المبحث الذي قبل هذا تفصيلاً ولله الحمد. ثانياً: التكبير عند إكمال العدة من غروب شمس آخر يوم من رمضان ليلة عيد الفطر إلى صلاة العيد؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ الله عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ (١). وصفة التكبير أن يقول: ((الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد)) (٢)، وإن قال بالأنواع الأخرى الثابتة من أنواع

стр. 602

التكبير كما ثبت عن الصحابة ﵃ فلا بأس (١). ويستمر في التكبير من غروب شمس آخر يوم من رمضان إلى أن يفرغ الإمام من الخطبة (٢). ثالثاً: صلاة عيد الفطر: شرعها الله تعالى لعباده، وهي من تمام ذكر الله تعالى ، وقد أمر بها رسول الله ﷺ أمته، وهذه العبادة ينبغي أن يعلم المسلم فيها أموراً على النحو الآتي: الأمر الأول: الأصل في صلاة العيدين: الكتاب، والسنة، والإجماع: ١ - أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٣). والمشهور في التفسير أن المراد بذلك صلاة العيد (٤). ٢ - و أما السنة ، فثبت بالتواتر أن رسول الله ﷺ كان يُصلِّي صلاة العيدين (٥)، فعن ابن عباس ﵄ قال: ((شهدت العيد مع رسول الله

стр. 603

- ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة)) (١). وعن ابن عمر ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر ﵄ يصلون العيدين قبل الخطبة)) (٢). ٣ - و أما الإجماع ، فأجمع المسلمون على صلاة العيدين (٣). الأمر الثاني: حكم صلاة العيدين: قيل: صلاة العيد فرض كفاية، والصواب أن صلاة العيد فرض عين (٤)؛ لقول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر ْ﴾ (٥)؛ ولحديث أم عطية قالت: أمرنا - تعني النبي ﷺ أن نُخرج في العيدين: العواتق (٦)، وذوات

стр. 604

الخدور (١)، وأمر الحيَّض أن يعتزلن مصلى المسلمين (٢)، ومما يؤكد فرضيتها، وأنها واجبة على الأعيان: أن النبي ﷺ واظب عليها، وقد اشتهر في السِّير أن أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ يوم عيد الفطر في السنة الثانية للهجرة، ولم يزل يواظب عليها حتى فارق الدنيا، صلوات الله وسلامه عليه، وواظب عليها الخلفاء بعد النبي ﷺ ، وهي من أعلام الدين وشعائره الظاهرة، وهذا كله يؤيد الوجوب (٣). قال العلامة السعدي ﵀: ((والصحيح أن صلاة العيد فرض عين، والدليل الذي استدلوا به على فرض الكفاية هو دليل على أنها فرض عين؛ ولأن النبي ﷺ كان يُحرِّض عليها حتى يأمر بإخراج العواتق وذوات الخدور، وأمر الحيَّض أن يعتزلن المصلى، ولولا رجحان مصلحتها على كثير من الواجبات لم يحضَّ أمته هذا الحضّ عليها، فدل

стр. 605

على أنها من آكد فروض الأعيان)) (١). وقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: ((صلاة العيد فرض كفاية عند كثير من أهل العلم ويجوز التخلف من بعض الأفراد عنها، لكن حضوره لها ومشاركته لإخوانه المسلمين سنة مؤكدة لا ينبغي تركها إلا لعذر شرعي. وذهب بعض أهل العلم إلى أن صلاة العيد فرض عين: كصلاة الجمعة، فلا يجوز لأي مكلف من الرجال الأحرار المستوطنين أن يتخلف عنها، وهذا القول أظهر في الأدلة وأقرب إلى الصواب، ويسن للنساء حضورها مع العناية بالحجاب والستر، وعدم التطيُّب)) (٢)، وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ في القول: إن صلاة العيد فرض عين: ((وهذا عندي أقرب الأقوال)) (٣)، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى القول بأن صلاة العيد فرض عين (٤)، وقال ﵀: (( ... ولهذا رجحنا أن صلاة العيد واجبة على الأعيان كقول أبي حنيفة وغيره، وهو أحد أقوال الشافعي وأحد القولين في مذهب أحمد)) (٥)، واختاره تلميذه الإمام ابن

стр. 606

القيم ﵀ (١). الأمر الثالث: آداب صلاة العيد على النحو الآتي: ١ - الغسل يوم العيد ، ثبت من فعل الصحابة ﵃، فعن نافع أن عبد الله بن عمر كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى (٢). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((لم يرد في ذلك حديث صحيح عن النبي ﷺ ))، وقال العلامة محمد ناصر الدين الألباني ﵀: ((وأحسن ما يستدل به على استحباب الاغتسال للعيدين، ما روى البيهقي من طريق الشافعي عن زاذان، قال: سأل رجل عليَّاً عن الغسل؟ قال: ((اغتسل كل يوم إن شئت)) فقال: لا، الغسل الذي هو الغسل؟ قال: ((يوم الجمعة، ويوم عرفة (٣)، ويوم النحر، ويوم الفطر)) (٤). وعن سعيد بن المسيب أنه قال: ((سنة الفطر ثلاث: المشي إلى المصلى، والأكل قبل الخروج، والاغتسال)) (٥). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((يستحب أن يتطهر بالغسل للعيد، وكان ابن عمر يغتسل يوم الفطر، وروي ذلك عن علي ﵁، وبه قال:

стр. 607

علقمة، وعروة، وعطاء، والنخعي، والشعبي، وقتادة، وأبو الزناد، ومالك، والشافعي، وابن المنذر ... )) (١)، وقال ابن قدامة أيضاً: ((وروي أيضاً أن النبي ﷺ قال في جمعة من الجمع: ((إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين، فمن جاء إلى الجمعة فليغتسل، وإن كان طيبٌ فليمسَّ منه، وعليكم بالسواك)) (٢)، فلعل هذه الأشياء بكون الجمعة عيداً؛ ولأنه يوم يجتمع الناس فيه للصلاة فاستحب الغسل فيه كيوم الجمعة، وإن اقتصر على الوضوء أجزأه؛ لأنه إذا لم يجب الغسل للجمعة مع الأمر به فيها فغيرها أولى)) (٣). ٢ - يستحب أن يتنظف، ويتطيب، ويتسوك، كما ذكر في الجمعة ؛ لحديث ابن عباس المذكور آنفاً، وفيه: ((وإن كان طيب فليمسَّ منه وعليكم بالسواك)) (٤). ٣ - يلبس أحسن ما يجد ؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: أخذ عمر جبة (٥) من إستبرق (٦) تباع في السوق، فأخذها فأتى رسول الله ﷺ فقال:

стр. 608

يا رسول الله ابتع هذه فتجمَّل بها للعيد والوفود، فقال له رسول الله ﷺ : ((إنما هذه لباس من لا خَلاقَ (١) له)) (٢)، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ((وهذا يدل على أن التجمُّل عندهم في هذه المواضع كان مشهوراً ... وقال مالك: سمعت أهل العلم يستحبون الطيب والزينة في كل عيد، والإمام بذلك أحق؛ لأنه المنظور إليه من بينهم)) (٣). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ((روى ابن أبي الدنيا والبيهقي بإسناد صحيح إلى ابن عمر أنه كان يلبس أحسن ثيابه في العيدين)) (٤)، وقال الإمام ابن القيم ﵀: ((وكان يلبس للخروج إليهما أجمل ثيابه، فكان له حلة يلبسها للعيدين والجمعة، ومرة كان يلبس بُردين أخضرين (٥)، ومرة بُرداً أحمر، وليس هو أحمر مُصمتاً (٦) كما يظنه بعض الناس، فإنه لو كان كذلك لم يكن برداً، وإنما فيه خطوط حمر كالبرود اليمنية فسُمِّي أحمر باعتبار ما فيه من ذلك ... )) (٧). ٤ - يستحب أن يأكل قبل خروجه إلى المصلى في عيد الفطر تمرات ،

стр. 609

والأفضل أن تكون وتراً، أما عيد الأضحى فالأفضل أن لا يأكل حتى يرجع من المصلى، فيأكل من أضحيته (١)، فعن أنس ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وتراً)) (٢). وعن بريدة ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي)) (٣)، وقد قيل: الحكمة في الأكل قبل صلاة الفطر: أن لا يظن ظان لزوم الصوم حتى يصلي العيد، فكأنه أراد سد هذه الذريعة، وقيل: لما وقع وجوب الفطر عقب وجوب الصوم استحب تعجيل الفطر مبادرة إلى امتثال أمر الله تعالى، ويشعر بذلك اقتصاره على القليل من ذلك، ولو كان لغير الامتثال لأكل قدر الشبع، وقيل: لأن الشيطان الذي يُحبس في رمضان لا يطلق إلا بعد صلاة العيد، فاستحب تعجيل الفطر بِداراً إلى السلامة من وسوسته، وقيل: وقع أكله ﷺ في كل من العيدين في الوقت المشروع لإخراج صدقتهما الخاصة بهما، فإخراج صدقة الفطر قبل الغدوِّ إلى المصلى، وإخراج صدقة الأضحية بعد ذبحها، فاجتمعا من جهة وافترقا من جهة أخرى (٤)، وذكر ابن قدامة ﵀ أن الحكمة من الإفطار يوم الفطر؛ لأن يوم الفطر

стр. 610

حرم فيه الصيام عقب وجوبه فاستحب تعجيل الفطر؛ لإظهار المبادرة إلى طاعة الله تعالى، وامتثال أمره في الفطر على خلاف العادة، والأضحى بخلافه؛ ولأن في الأضحى شرع الأضحية، والأكل منها، فاستحب أن يكون فطره على شيء منها (١). ٥ - يخرج إلى العيد ماشياً وعليه السكينة والوقار ، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وممن استحب المشي: عمر بن عبد العزيز، والنخعي، والثوري، والشافعي وغيرهم)) (٢)، وقد جاء في ذلك أخبار: فعن سعد أن النبي ﷺ ((كان يخرج إلى العيد ماشياً ويرجع ماشياً)) (٣). وعن ابن عمر ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ يخرج إلى العيد ماشياً ويرجع ماشياً)) (٤). وعن علي ﵁ قال: ((من السنة أن تخرج إلى العيد ماشياً ... )) (٥)، قال الإمام

стр. 611

الترمذي ﵀: ((والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم: يستحبون أن يخرج الرجل إلى العيد ماشياً، وأن يأكل شيئاً قبل أن يخرج لصلاة الفطر، ويستحب أن لا يركب إلا من عذر)) (١). وعن أبي رافع ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يأتي العيد ماشياً)) (٢). وعن سعيد بن المسيب أنه قال: ((سنة الفطر ثلاث: المشي إلى الصلاة، والأكل قبل الخروج، والاغتسال)) (٣). ٦ - السنة أن تُصلَّى صلاة العيدين في المصلى ، ولا يُصلى في المسجد إلا لحاجة؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة)) (٤)، والمصلى بالمدينة قال عنه الحافظ ابن حجر ﵀: ((هو موضع بالمدينة معروف بينه وبين باب المسجد ألف ذراع، قاله عمر بن شبة في أخبار المدينة، عن

стр. 612

أبي غسان الكناني صاحب مالك)) (١). وقال الإمام النووي ﵀ عن حديث أبي سعيد ﵁: ((هذا دليل لمن قال باستحباب الخروج لصلاة العيد إلى المصلى وأنه أفضل من فعلها في المسجد، وعلى هذا عمل الناس في معظم الأمصار، وأما أهل مكة فلا يصلونها إلا في المسجد من الزمن الأول)) (٢). قال العلامة ابن الحاج المالكي: ((والسنة الماضية في صلاة العيدين أن تكون في المصلى؛ لأن النبي ﷺ قال: ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)) (٣)، ثم هو مع هذه الفضيلة العظيمة خرج ﷺ وتركه (٤)، وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ((السنة أن يُصلَّى العيد في المصلَّى، أمر بذلك علي ﵁، واستحسنه الأوزاعي، وأصحاب الرأي، وهو قول ابن المنذر)) (٥)، وقال ﵀ بعد أن ذكر بعض الأقوال المخالفة: ((ولنا أن النبي ﷺ كان يخرج إلى المصلَّى ويدع مسجده، وكذلك الخلفاء بعده ولا يترك النبي ﷺ الأفضل مع قربه، ويتكلف الناقص مع بعده، ولا يشرع لأمته ترك

стр. 613

الفضائل؛ ولأننا قد أُمرنا باتباع النبي ﷺ ، والاقتداء به، ولا يجوز أن يكون المأمور به هو الناقص والمنهي عنه هو الكامل، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه صلّى العيد بمسجده إلا من عذر؛ ولأن هذا إجماع المسلمين)) (١). وإن حصل عذر يمنع الخروج إلى المصلى: من مطر، أو خوف، أو ضعف، أو مرض، أو غير ذلك صلى في المسجد ولا حرج عليه إن شاء الله تعالى (٢).وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((فإذا أصاب الأرض دحض صلّوا في المسجد، أما مكة فَيُصلَّى العيد في المسجد مطلقاً، ومن صلى في المسجد صلى تحية المسجد)) (٣). ٧ - السنة أن يذهب إلى المُصلَّى من طريق ويرجع من طريق آخر ؛ لحديث جابر ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق)) (٤). وأعظم الحكم التي يعتمدها المسلم: متابعة النبي ﷺ ، وهذه الحكمة أعلى حكمة يقنع بها المؤمن: أن يُقال: هذا أمر الله ورسوله، ودليل ذلك قول الله تعالى (٥): ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا﴾ (٦)، وقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ

стр. 614

لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا﴾ (١)، وقول عائشة ﵂ وقد سُئلت: لماذا تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: ((كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة)) (٢)، ولم تذكر سوى ذلك من الحكم؛ لأن المؤمن لسانه وحاله يقول: سمعنا وأطعنا (٣). ولا مانع من وجود الحكم الأخرى؛ فإن الله تعالى لا يشرع شيئاً إلا لحكمة: علمناها أو لم نعلمها. ومما قيل في حكمة مخالفة الطريق يوم العيد، ما يأتي: ١ - قيل: يفعل ذلك؛ ليشهد له الطريقان. ٢ - وقيل: ليشهد له سكانهما من الجن والإنس. ٣ - وقيل: لإظهار شعار الإسلام في الطريقين. ٤ - وقيل: لإظهار ذكر الله تعالى. ٥ - وقيل: ليغيظ أعداء الإسلام. ٦ - وقيل: ليدخل السرور على أهل الطريقين، أو لينتفع به أهل

стр. 615

الطريقين في الاستفتاء أو التعلم والاقتداء والاسترشاد، أو الصدقة والسلام عليهم. ٧ - وقيل: لزيارة الأقرباء وصلة الأرحام. ٨ - وقيل: ليتفاءل بتغيير الحال إلى المغفرة والرضا. ٩ - وقيل: لتخفيف الزحام. ١٠ - وقيل: لأن الملائكة تقف في الطرقات، فأراد أن يشهد له فريقان منهم (١)، قال الإمام ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر كثيراً من هذه الحكم: ((وقيل وهو الأصح: إنه لذلك كله ولغيره من الحكم التي لا يخلو فعله [ ﷺ ] عنها (٢). ٨ - يستحب للمأموم التبكير إلى مصلى العيد بعد صلاة الصبح ، أما الإمام فيستحب له أن يتأخر إلى وقت الصلاة؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة ... )) (٣)، ولأن الإمام يُنتظر ولا يَنتظر، ولو جاء إلى المصلى وقعد في مكان مستتر عن الناس فلا بأس. قال الإمام مالك: مضت السنّة أن يخرج الإمام من منزله قدر ما يبلغ مصلاّه، وقد حلّت الصلاة، فأما غيره فيستحب له التبكير، والدنوُّ من الإمام، ليحصل له: أجر التبكير، وانتظار الصلاة، والدنوِّ من الإمام

стр. 616

من غير تخطي رقاب الناس، ولا أذى لأحد، قال عطاء بن السائب: كان عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن معقل، يصليان الفجر يوم العيد وعليهما ثيابهما ثم يندفعان إلى الجبَّانة أحدهما يُكبّر والآخر يُهلّل)) (١). قال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: ((والدليل على سنية الخروج بعد صلاة الصبح ما يلي: أ - عمل الصحابة ﵃؛ لأن النبي ﷺ كان يخرج إلى المصلى إذا طلعت الشمس ويجد الناس قد حضروا، وهذا يستلزم أن يكونوا قد تقدموا. ب - ولأن ذلك أسبق إلى الخير. ج - ولأنه إذا وصل المسجد وانتظر الصلاة؛ فإنه لا يزال في صلاة. د - ولأنه إذا تقدم يحصل له الدنوّ من الإمام، كل هذه العلل مقصودة في الشرع)) (٢). ٩ - يُكبّر في طريقه إلى مُصلّى العيد ويرفع صوته بالتكبير ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ الله عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣)،وقد جاء أن النبي ﷺ كان يخرج يوم الفطر فيكبّر حتى يأتي المصلى، وحتى يقضي صلاته فإذا قضى الصلاة قطع التكبير)) (٤).وقد صحّ عن ابن عمر موقوفاً

стр. 617

أنه ((كان يجهر بالتكبير يوم الفطر [ويوم الأضحى] إذا غدا إلى المصلى حتى يخرج الإمام فيكبر بتكبيره)) (١)، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ويكبر في طريق العيد ويرفع صوته بالتكبير، وهو معنى قول الخرقي: ((مظهرين للتكبير)) قال أحمد: يكبر جهراً إذا خرج من بيته حتى يأتي المصلى، روي ذلك عن علي، وابن عمر، وأبي أمامة، وأبي رهم [كلثوم بن الحصين الصحابي] وناس من أصحاب رسول الله ﷺ ،وهو قول عمر بن عبد العزيز، وأبان بن عثمان، وأبي بكر بن محمد، وفعله النخعي، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وبه قال الحكم، وحماد، ومالك، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر وإذا ثبت هذا فإنه يكبر حتى يأتي المصلى ... وقال القاضي [في رواية عن الإمام أحمد] حتى يخرج الإمام)).وقال ابن أبي موسى: ((يكبر الناس في خروجهم من منازلهم لصلاتي العيدين جهراً، حتى يأتي الإمام المصلى، ويكبر الناس بتكبير الإمام في خطبته، وينصتون فيما سوى ذلك)) (٢). وقال العلامة الألباني عن حديث الزهري وابن عمر: ((وفي الحديث دليل

стр. 618

على مشروعية ما جرى عليه عمل المسلمين من التكبير جهراً في الطريق إلى المصلى، وإن كان كثير منهم بدأوا يتساهلون بهذه السنة حتى كادت أن تصبح في خبر كان، وذلك لضعف الوازع الديني منهم، وخجلهم من الصدع بالسنة والجهر بها، ومن المؤسف أن فيهم من يتولى إرشاد الناس وتعليمهم، فكان الإرشاد عندهم محصوراً بتعليم الناس ما يعلمون، وأما ما هم بأمسّ الحاجة إلى معرفته فذلك مما لا يلتفتون إليه ... ومما يحسن التذكير به بهذه المناسبة أن الجهر بالتكبير هنا لا يشرع فيه الاجتماع بصوت واحد، كما يفعله البعض، وكذلك كل ذكر يشرع فيه رفع الصوت أو لا يشرع، فلا يشرع فيه الاجتماع المذكور ... فلتكن على حذر من ذلك، ولتذكر دائماً قوله ﷺ : ((وخير الهدي هدي محمد ﷺ )) (١). ١٠ - السنة أن لا يُصلَّى قبل صلاة العيد ولا بعدها ؛ لحديث ابن عباس ﵄: ((أن النبي ﷺ خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصلِّ قبلها ولا بعدها، ومعه بلال)) (٢)، قال الإمام ابن القيم ﵀: ((ولم يكن هو [ ﷺ ] ولا أصحابه يصلون إذا انتهوا إلى المصلى شيئاً قبل الصلاة

стр. 619

ولا بعدها)) (١)، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ((والحاصل أن صلاة العيد لم يثبت لها سنة قبلها ولا بعدها خلافاً لمن قاسها على الجمعة)) (٢). وأما حديث أبي سعيد الخدري ﵁: ((كان النبي ﷺ لا يصلي قبل العيد شيئاً فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين)) (٣)،فقال عنه العلامة الألباني ﵀: ((والتوفيق بين هذا الحديث والأحاديث المتقدمة النافية للصلاة بعد العيد بأن النفي إنما وقع على الصلاة في المصلى، كما أفاد الحافظ في التلخيص)) (٤). ولكن إذا احتاج الناس إلى الصلاة في المسجد؛ لخوف، أو مطر، أو برد شديد، أو ريح شديدة، أو غير ذلك من الأعذار فلا يجلس المسلم حتى يصلي ركعتين، لقول النبي ﷺ : ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) (٥). ١١ - السنة: أنه لا أذان ولا إقامة لصلاة العيدين ؛ لحديث جابر بن سمرة ﵁، قال: ((صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين

стр. 620

بغير أذان ولا إقامة)) (١)؛ ولحديث ابن عباس وجابر بن عبد الله ﵃، قالا: ((لم يكن يؤذن يوم الفطر، ولا يوم الأضحى)) (٢)؛ ولمسلم عن عطاء قال: أخبرني جابر بن عبد الله الأنصاري، أن لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا بعدما يخرج، ولا إقامة، ولا نداء، ولا شيء، لا نداء يومئذٍ ولا إقامة)) (٣). قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وكان ﷺ إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة، من غير أذان، ولا إقامة، ولا قول: الصلاة جامعة، والسنة أن لا يُفعل شيء من ذلك)) (٤). وقال الإمام الصنعاني ﵀ في تعليقه على أحاديث نفي الأذان والإقامة لصلاة العيد: ((وهو دليل على عدم شرعيتهما في صلاة العيد فإنهما بدعة)) (٥). ١٢ - لا يحمل السلاح يوم العيد إلا لحاجة لابد منها ؛ لحديث سعيد بن جبير ﵁ قال: كنت مع ابن عمر حين أصابه سنان الرمح في أخمص قدمه فلزقت قدمه بالركاب فنزلتُ فنزعتها - وذلك بمنى - فبلغ

стр. 621

الحجاج فجعل يعوده، فقال الحجاج: لو نعلم من أصابك؟ فقال ابن عمر: أنت أصبتني، قال: وكيف؟ قال: حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه، وأدخلت السلاح الحرم، ولم يكن السلاح يدخل الحرم)) (١). وفي رواية إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه قال: ((دخل الحجاج على ابن عمر وأنا عنده فقال: كيف هو؟ فقال: صالح، فقال: من أصابك؟ قال: أصابني من أمر بحمل السلاح في يوم لا يحل فيه حمله)) يعني الحجاج (٢). وقال الحسن: ((نهوا أن يحملوا السلاح يوم عيد إلا أن يخافوا عدواً)) (٣). وقد جمع الحافظ ابن حجر بين هذا النهي وبين لعب الحبشة في المسجد بالحراب: بأن قصة الحبشة دائرة بين الإباحة والندب على ما دل عليه حديثها، وهذا دائر بين الكراهة والتحريم؛ لقول ابن عمر: ((في يوم لا يحل فيه حمل السلاح))، ويجمع بينهما بحمل الأولى على وقوعها ممن حملها بالدربة وعهدت منه السلامة من إيذاء أحد من الناس بها، وحمل الحالة الثانية على وقوعها ممن حملها: بطراً، وأشراً، أو لم يتحفظ حال حملها وتجريدها من إصابتها أحداً من الناس، ولا سيما عند المزاحمة وفي

стр. 622

المسالك الضيقة (١)، وقد سبق أن ذكرت في مبحث المساجد الأمر بإمساك نصال السلاح في المساجد والأسواق، وتحريم حمل السلاح على المسلمين، والمزح به. وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن حمل السلاح في يوم العيد: ((لا ينبغي أن يحمل السلاح فيه إلا أن يكون هناك خوف، وهكذا في الحرمين لا يحمل السلاح إلا إذا دعت الحاجة كما دخل النبي ﷺ )) (٢) يعني يوم الفتح. ١٣ - لا بأس باللعب بالدف للجواري، واللعب المباح في يوم العيد ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي جاريتان (٣) تغنيان بغناء (٤) بُعاث (٥) فاضطجع على الفراش، وحوَّل

стр. 623

وجهه، وجاء أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان (١) عند رسول الله ﷺ ، فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: ((دعهما)) فلما غفل غمزتهما فخرجتا)). وفي رواية قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان مما تقاولت الأنصار (٢) يوم بُعاث، قالت: وليستا

стр. 624

بمغنيتين (١)،فقال أبو بكر: أبمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله ﷺ : ((يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا)). وفي لفظ: أن ذلك في منى وأنهما تدقان وتضربان فانتهرهما أبو بكر فكشف النبي ﷺ عن وجهه وقال: ((دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد)) وتلك الأيام أيام منى، وفي رواية لمسلم: ((جاريتان تلعبان بدف)) (٢)، ولفظ النسائي: ((أن رسول الله ﷺ دخل عليها وعندها جاريتان تضربان بدفين، فانتهرهما أبو بكر، فقال النبي ﷺ : ((دعهن فإن لكل قوم عيداً)) (٣).

стр. 625

قال الإمام البغوي ﵀: ((وكان الشعر الذي تغنيان في وصف الحرب، والشجاعة، وفي ذكره معونة في أمر الدين، فأما الغناء بذكر الفواحش، والابتهار بالحرام (١) والمجاهرة بالمنكر من القول فهو المحظور من الغناء، وحاشاه [ ﷺ ] أن يجري شيء من ذلك بحضرته ﵊، فيغفل النكير له، وكل من رفع صوته بشيء جاهراً به، ومصرحاً باسمه لا يستره ولا يكني عنه فقد غنَّى، بدليل قولها: ((وليستا بمغنيتين)) (٢)، وقال الإمام القرطبي ﵀: ((وقولها: وليستا بمغنيتين)) أي ليستا ممن يعرف الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرّز من الغناء المعتاد عند المشهورين به الذي يحرك النفوس، ويبعثها على الهوى والغزل، والمجون، الذي يحرك الساكن، ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر يُشَبَّب فيه بذكر النساء، ووصف محاسنهن، وذكر الخمور، والمحرمات لا يُختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو واللعب المذموم بالاتفاق، أما ما يسلم من تلك المحرمات فيجوز القليل منه، وفي أوقات الفرح: كالعرس، والعيد، وعند التنشيط على الأعمال

стр. 626

الشاقة، ويدل على جواز هذا النوع هذا الحديث وما في معناه على ما يأتي في أبوابه، مثل: ما جاء في الوليمة، وفي حفر الخندق، وفي حَدْو الحبشة، وسلمة بن الأكوع، فأما ما أبدعه الصوفية اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية، والأغراض الشيطانية قد غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير، وشهر بذكره حتى عموا عن تحريم ذلك، وعن فحشه، حتى قد ظهرت من كثير منهم عورات المُجَّان والمخانيث، والصبيان، فيرقصون، ويَزْفِنون بحركات مطابقة وتقطيعات متلاحقة، كما يفعل أهل السَّفَه والمجون، وقد انتهى التوقح بأقوام منهم إلى أن يقولوا: إن تلك الأمور من أبواب القرب وصالحات الأعمال، وأن ذلك يثمر صفاء الأوقات، وسيئات الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة وقول أهل البطالة، والمخرقة، نعوذ بالله من البدع، والفتن، ونسأله التوبة والمشي على السنن)) (١). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وفي هذا الحديث من الفوائد مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يُحصِّل لهم بسط النفس، وترويح البدن من كلف العبادة، وأن الإعراض عن ذلك أولى، وفيه أن إظهار السرور في الأعياد من شعائر الدين)) (٢).

стр. 627

ومما يؤيد ذلك حديث أنس ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : ((إن الله أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر)) ولفظ النسائي: ((كان لأهل الجاهلية يومان في كل سنة يلعبون فيهما، فلما قدم النبي ﷺ المدينة قال: ((كان لكم يومان تلعبون فيهما، وقد أبدلكم الله بهما خيراً منهما: يوم الفطر، ويوم الضحى)) (١). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((هذا يدل على أن الله جعل يوم العيد يوم سرور، ويجوز فيه اللعب فيما لا محذور فيه للنساء والجواري، وفيه التعلم على الآلات كما فعل الحبشة)) (٢). وعن عائشة ﵂، قالت: دخل رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بُعاث، فاضطجع على الفراش، وحول وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان عند رسول الله ﷺ ، فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: ((دعهما)) فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد يلعب السودان بالدَّرق (٣) والحراب، فإما سألت رسول الله ﷺ وإما قال:

стр. 628

((تشتهين تنظرين))؟ فقلت: نعم، فأقامني وراءه خدي على خده، وهو يقول: ((دونكم يا بني أرفدة)) (١)، حتى إذا مللت قال: ((حسبك))؟ قلت: نعم، قال: ((اذهبي)). وفي لفظ لمسلم: ((جاء الحبشة يزفنون (٢) في يوم عيد في المسجد)) (٣). قال الإمام القرطبي ﵀: ((وأما لعب الحبشة في المسجد فكان لعباً بالحراب والدرق تواثباً، ورقصاً بهما، وهو من باب التدريب على الحرب والتمرين والتنشيط عليه، وهو من قبيل المندوب، ولذلك أباحه النبي ﷺ في المسجد)) (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((بينما الحبشة يلعبون بحرابهم عند رسول الله ﷺ إذ دخل عمر بن الخطاب فأهوى إلى الحصباء فحصبهم بها، فقال رسول الله ﷺ : ((دعهم يا عمر)) (٥). قال القرطبي ﵀: ((وإنكار عمر عليهم تمسكٌ منه بالصورة الظاهرة، كما قلنا في حق أبي بكر ﵄) (٦). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((واللعب بالحراب ليس لعباً مجرداً، بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب والاستعداد للعدو)) (٧). وقال ﵀ في موضع آخر: ((واستدل به على جواز اللعب بالسلاح على طريق التواثب للتدريب على الحرب والتنشيط عليه)) (٨). ويشرع لعب النساء بالدف في العرس دون الرجال؛ لحديث الربيع بنت معوذ، وفيه: أن النبي ﷺ وجد عندها غداة بُنِيَ عليها جويريات يضربن بالدف، قالت أم الربيع: ((يندُبن (٩) من قتل من آبائي يوم بدر حتى قالت جارية: وفينا نبي الله يعلم ما في غد، فقال النبي ﷺ : ((لا تقولي هذا وقولي ما كنت تقولين)) (١٠). وعن محمد بن حاطب الجمحي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح)) (١١). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز

стр. 629

رحمه الله يقول: ((وهذا يدل على مشروعية الدف والصوت للنساء: الغناء العادي، أما المزامير والغناء المحرم فلا، والدف هو ذو الوجه الواحد، ويقال له الطار)) (١). وعن عائشة ﵂ أنها زفَّت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله ﷺ : ((يا عائشة ما كان معكم لهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو))؟ (٢)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وفي رواية شريك، فقال: ((بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني))؟ قلت تقول: ماذا؟ قال تقول: أتيناكم أتيناكم ... فحيَّانا وحيَّاكم ولولا الذهب الأحمر ... ما حلت بواديكم ولولا الحنطة السمراء ... ما سمنت عذاريكم (٣) فظهر مما تقدم من الأحاديث في اللعب ما يأتي: ١ - جواز اللعب للنساء والجواري والضرب بالدف أيام العيد بشرط أن لا يكون شعراً محرماً أو شعراً بآلات الطرب المحرمة. ٢ - مشروعية الضرب بالدف في النكاح ويكون ذلك للنساء خاصة بشرط أن لا يقلن الألفاظ المحرمة كما تقدم.

стр. 630

٣ - جواز اللعب للرجال الذي فيه تدريب على الحرب والقتال، وتعلم الكرّ والفرّ في الجهاد في سبيل الله تعالى. ٤ - لا يجوز لعب الرجال بالدف ولا بغيره، أما اللعب الذي فيه تدريب على الجهاد بدون دف فلا بأس به كما تقدم. قال المباركفوري ﵀: ((الإذن في ذلك للنساء فلا يلحق بهن الرجال لعموم النهي عن التشبه بهن، وكذلك الغناء المباح في العرس مختص بالنساء، فلا يجوز للرجال)) (١). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((أما ضرب الدف فهو من باب إعلان النكاح للنساء خاصة)) (٢) والله الموفق (٣). ١٤ - خروج النساء إلى مصلى العيد متحجبات غير متطيّبات ؛ لحديث أم عطية ﵂ قالت عن النبي ﷺ سمعته يقول: ((تخرج العواتق وذوات الخدور، أو العواتق ذوات الخدور، والحيّض، وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين ويعتزل الحيّض المصلى)). وفي لفظ: ((أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق، والحيض، وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين،

стр. 631

قلت: يا رسول الله: إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: ((لتلبسْها أختُها من جلبابها)) (١). وصلاة العيد ليست واجبة على المرأة ولكنها سنة في حقها وتصليها في المصلى مع المسلمين؛ لأمر النبي ﷺ بذلك (٢)، وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((وخروج النساء في صلاة العيد سنة وليس بواجب)) (٣). ١٥ - خروج الصبيان إلى المصلى؛ ليشهدوا دعوة المسلمين ، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: ((باب خروج الصبيان إلى المصلى)) ثم ساق حديث ابن عباس ﵄ قال: ((خرجت مع النبي ﷺ يوم فطر أو أضحى فصلى العيد ثم خطب، ثم أتى النساء فوعظهن، وذكرهن، وأمرهن بالصدقة)) (٤). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((قوله باب خروج الصبيان إلى المصلى)) أي في الأعياد، وإن لم يصلوا. قال الزين بن المنير: آثر المصنف في الترجمة قوله: إلى المصلى على قوله: صلاة العيد؛ ليعم من يتأتى منه الصلاة ومن لا يتأتى)) (٥). وفي لفظ لحديث ابن عباس ﵄ حينما

стр. 632

سئل: أشهدت العيد مع النبي ﷺ ؟ قال: نعم، ولولا مكاني من الصغر ما شهدته ... )) (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀: قال ابن بطال: خروج الصبيان إلى المصلى إنما هو إذا كان الصبي ممن يضبط نفسه عن اللعب ويعقل الصلاة ويتحفظ مما يفسدها، ألا ترى إلى ضبط ابن عباس القصة. اهـ[قال الحافظ]: وفيه نظر؛ لأن مشروعية إخراج الصبيان إلى المصلى إنما هو للتبرك وإظهار شعار الإسلام بكثرة من يحضر منهم، ولذلك شرع للحيَّض كما سيأتي، فهو شامل لمن تقع منهم الصلاة أو لا، وعلى هذا إنما يحتاج أن يكون مع الصبيان من يضبطهم عما ذكر من اللعب ونحوه سواء صلوا أم لا، وأما ضبط ابن عباس القصة فلعله كان لفرط ذكائه، والله أعلم)) (٢). ١٦ - التهنئة بالعيد من فعل أصحاب النبي ﷺ -، قال الحافظ ابن حجر ﵀: ورُوِّينا في ((المحامليات)) بإسناد حسن عن جبير بن نُفير قال: ((كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منَّا ومنك)) (٣). ونقل ابن قدامة ﵀ عن ابن عقيل في تهنئة العيد أن محمد بن زياد قال: كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب النبي ﷺ فكانوا إذا رجعوا من العيد يقول بعضهم لبعض: ((تقبل الله منا ومنك)). وقال

стр. 633

أحمد: إسناد حديث أبي أمامة إسناد جيد، وقال علي بن ثابت: ((سألت مالك بن أنس منذ خمس وثلاثين سنة وقال: لم نزل نعرف هذا بالمدينة)) (١). ((وقال أحمد ﵀: ولا بأس أن يقول الرجل للرجل يوم العيد: تقبل الله منا ومنك، وقال حرب: سئل أحمد عن قول الناس في العيدين: تقبَّل الله منا ومنكم، قال: لا بأس به يرويه أهل الشام عن أبي أمامة، قيل: وواثلة بن الأسقع؟ قال: نعم، قيل فلا تكره أن يقال هذا يوم العيد؟ قال: لا)) (٢)، ((وروي عن أحمد أنه قال: لا أبتدي به أحداً، وإن قاله أحد رددت عليه)) (٣)، وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن التهنئة في العيد، فأجاب: ((أما التهنئة يوم العيد يقول بعضهم لبعض إذا لقيه بعد صلاة العيد: تقبل الله منا ومنكم، وأحاله الله عليك، ونحو ذلك فهذا قد روي عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه، ورخص فيه الأئمة كأحمد وغيره، لكن قال أحمد: أنا لا أبتدئ أحداً، فإن ابتدأني أحد أجبته، وذلك لأن جواب التحية واجب، وأما الابتداء بالتهنئة فليس سنة مأموراً بها، ولا هو أيضاً مما نهي عنه، فمن فعله فله قدوة، ومن تركه فله قدوة، والله أعلم)) (٤). ١٧ - يقضي صلاة العيد من فاتته مع الإمام ، قال الإمام البخاري رحمه

стр. 634

الله: ((بابٌ إذا فاتته العيد يصلي ركعتين. وكذلك النساء ومن كان في البيوت، والقرى، لقول النبي ﷺ : ((هذا عيدنا أهل الإسلام))،وأمر أنس بن مالك مولاهم ابن أبي عتبة بالزاوية (١) فجمع أهله وبنيه وصلى صلاة أهل المصر وتكبيرهم، وقال عكرمة: أهل السواد (٢) يجتمعون في العيد يصلون ركعتين كما يصنع الإمام، وقال عطاء: إذا فاته العيد صلى ركعتين)) (٣)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((في هذه الترجمة حكمان: مشروعية استدراك صلاة العيد إذا فاتت مع الجماعة سواء كانت بالاضطرار أو بالاختيار، وكونها تقضى ركعتين كأصلها)) (٤) (٥).

стр. 635

قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وجملة القول أن من فاتته صلاة العيد
следующие страницы →