← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96474

الفوز العظيم والخسران المبين في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (91 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ * هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ * هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ * قَالُوا بَلْ أَنتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ (١). وقال تعالى في أهل النار: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ الله أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ (٢).

стр. 37

المبحث الحادي عشر: أكثر أهل الجنة وأكثر أهل النار أولاً: أكثر أهل الجنة: ١ - أمة محمد ﷺ -: عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((يقول الله تعالى: ياآدم! فيقول: لبيك وسَعْدَيكَ والخيرُ في يديكَ، فيقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعةً وتسعين، فعنده يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سُكارى وما هم بِسُكارى، ولكن عذاب الله شديد))، فاشتد ذلك عليهم، قالوا: يا رسول الله! وأيّنا ذلك الواحد؟ قال: ((أبشروا فإن منكم رجلاً، ومن يأجوج ومأجوج ألف)). ثم قال: ((والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا رُبُعَ أهل الجنة)). فكبرنا فقال: ((أرجو أن تكونوا ثُلُثَ أهل الجنة))،فكبرنا، فقال: ((أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة))، فكبرنا، فقال: ((ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلدِ ثورٍ أبيض، أو كشعرة بيضاء في جلدِ ثور أسودَ)) (١). ٢ - الفقراء: عن عمران بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((اطَّلعت في الجنة فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء، واطَّلعت في النار فرأيتُ أكثر أهلها النساء)) (٢).

стр. 38

٣ - النساء: النساء أكثر أهل الجنة بإضافة الحور العين إلى نساء الدنيا في الجنة، أما نساء الدنيا فهن أقل أهل الجنة، وأكثر أهل النار (١). ففي صحيح مسلم أن ابن عُلية قال: أخبرنا أيوب عن محمد قال: إما تفاخروا وإما تذاكروا: الرجالُ في الجنة أكثر أم النساء؟ فقال أبو هريرة ﵁: أو لم يقل أبو القاسم ﷺ : ((إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أشدّ كوكب دُريٍّ في السماء إضاءة، لكل امرئٍ منهم زوجتان اثنتان، يُرى مُخُّ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب)) (٢). ثانياً: أكثر أهل النار: ١ - يأجوج ومأجوج: لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن الله ينادي آدم أن يخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، ثم بيَّن النبي ﷺ أن من أمته واحد، ومن يأجوج ومأجوج ألف (٣). ٢ - النساء: أكثر أهل النار النساء؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن

стр. 39

أكثر أهل النار، فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: تُكْثِرْنَ اللَّعنَ، وتَكْفُرْنَ العشير)) (١). وعن عمران بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((اطّلعتُ في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطّلعتُ في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)) (٢).

стр. 40

المبحث الثاني عشر: درجات الجنة ودركات النار أولاً: درجات الجنة: قال الله تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ الله الْحُسْنَى وَفَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (١). وقال : ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ الله كَمَن بَاءَ بِسَخْطٍ مِّنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ الله والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٣). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر (٤) من الأفق من المشرق أو من المغرب لِتَفَاضُلِ ما بينهم)). قالوا: يا رسول

стр. 41

الله! تلك منازل الأنبياء، لا يبلغها غيرهم. قال: ((بلى والذي نفسي بيده رجالٌ آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين)) (١). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ : ((يُقال لصاحب القرآن يوم القيامة إذا دخل الجنة: اقرأ واصعد، فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه)) (٢). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((يُقال لصاحب القرآن: اقرأْ، وارقَ، ورتِّل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقّاً على الله أن يدخله الجنة هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها)). قالوا: يا رسول الله! ألا ننبئ الناس بذلك؟ قال: ((إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله

стр. 42

فسلوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجَّر أنهار الجنة)) (١). وأعلى درجات الجنة الوسيلة، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ؛ فإنه من صلى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله ليَ الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلّت له الشفاعة)) (٢)، وسُمّيت درجة النبي ﷺ الوسيلة؛ لأنها أقرب الدرجات إلى عرش الرحمن، وهي أقرب الدرجات إلى الله تعالى (٣). ثانياً: دركات النار وعمقها: الدرج إذا كان بعضها فوق بعض، والدرك إذا كان بعضها أسفل من بعض، فالجنة درجات، والنار دركات، وقد تُسمَّى النار درجات أيضاً (٤). كما قال الله تعالى بعد أن ذكر أهل الجنة وأهل النار: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا﴾ (٥).

стр. 43

وقال في المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (١). وعن عبد الله بن عمر ﵄: ((أنه رأى في النوم كأن ملكين أخذاه فذهبا به إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان، قال: وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقينا ملكٌ آخر فقال: لم تُرَعْ، قال: فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ فقال: ((نِعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل)). فكان بعدُ لا ينام من الليل إلا قليلاً (٢). وعن عتبة بن غزوان قال عن قعر جهنم: (( ... فإنه قد ذُكِرَ لنا أن الحجر يُلقى من شفةِ جهنم فيهوي فيها سبعين عاماً، لا يدرك لها قعراً، ووالله لتملأن أفعجبتم))؟ (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ إذ سمع وجبة فقال النبي ﷺ : ((أتدرون ما هذا؟)) قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: ((هذا حجر رُميَ به في النار مُنذُ سبعين خريفاً، فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها)) (٤).

стр. 44

المبحث الثالث عشر: أدنى أهل الجنة منزلةً، وأهون أهل النار عذاباً أولاً: أدنى أهل الجنة منزلة: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً منها، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة، رجل يخرج من النار حبواً، فيقول الله ﵎: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فَيُخَيَّل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله ﵎ له: اذهب فادخل الجنة، قال: فيأتيها فَيُخَيَّل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو إن لك عشرة أمثال الدنيا، قال فيقول: أتسخر بي [أو تضحك بي] وأنت الملك))؟ قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه، قال: ((فكان يقال: ذاك أدنى أهل الجنة منزلة)) (١). وفي حديث ابن مسعود وحديث أبي سعيد الخدري ﵄ قصة صاحب الشجرة، وهو أدنى أهل الجنة منزلة، وفيه: ((ويُذَكِّره الله: سل كذا، وكذا، فإذا انقطعت به الأماني قال الله: هو لك وعشرةُ أمثاله، ثم يدخل بيته فتدخل عليه زوجتاهُ من الحور العين، فتقولان: الحمد لله الذي أحياك لنا وأحيانا لك، فيقول: ما أُعطي أحدٌ مثل ما أُعطيتُ)) (٢). وعن المغيرة بن شعبة ﵁ يرفعه: ((سأل موسى ربه: ما أدنى أهل الجنة

стр. 45

منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعدما أُدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة. فيقول: أي ربِّ كيف وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم (١)؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلْكِ مَلِكٍ من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيتُ ربِّ، فيقول: لك ذلك ومثلُهُ، ومثلُهُ، ومثلُهُ، ومثلُهُ، فقال في الخامسة: رضيت ربِّ، فيقول: هذا لك وعشرةُ أمثالِه، ولك ما اشتهت نفسك، ولذَّت عينُكَ، فيقول: رضيت ربِّ ... )) الحديث (٢). ثانياً: أهون أهل النار عذاباً وشدة حرارتها، وتفاوتهم فيها: عن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت النبي الله ﷺ يقول: ((إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة رجل على أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي الْمِرْجَل (٣) بالقُمْقُمْ)) (٤)، وفي رواية لمسلم: ((ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً، وإنه لأهونهم عذاباً)) (٥). وعن أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((ناركم هذه التي يُوقد ابنُ آدم سبعين جزءاً من حَرِّ جهنم، قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله! قال: فإنها

стр. 46

فُضِّلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلها مثل حرها)) (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اشتكت النارُ إلى ربها فقالت: يا ربِّ أكل بعضي بعضاً، فأذِنَ لها بنفسين: نفسٍ في الشتاء ونفسٍ في الصيف، فهو أشدُّ ما تجدون من الحرِّ، وأشد ما تجدون من الزمهرير)) (٢). وعن شقيق عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يُؤتى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف مَلَكٍ يجرونها)) (٣). وعن سمرة ﵁ أنه سمع نبي الله ﷺ يقول: ((منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حُجْزَته (٤)، ومنهم من تأخذه النار إلى ترقُوَتِهِ (٥))) (٦). وهذا الحديث نص في تفاوت عقاب أهل النار، نعوذ بالله منها ومن كل ما يقرب إليها من قول أو عمل (٧).

стр. 47

المبحث الرابع عشر: لباس أهل الجنة ولباس أهل النار أولاً: لباس أهل الجنة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ (٢). وقال : ﴿إِنَّ الله يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (٤). الإستبرق: ما غلظ من الحرير والإبريسم (٥)، وقيل: هو الديباج

стр. 48

الغليظ، أو ديباج يعمل بالذهب، أو ثياب حرير صِفاقٌ نحو الديباج (١). الديباج: الثياب المتخذة من الإبريسم (٢). السندس: نوع من رقيق الديباج (٣). الدُّرةُ: اللؤلؤة العظيمة (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت خليلي ﷺ يقول: ((تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء)) (٥). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((أول زمرة يدخلون الجنة كأن وجوهَهم ضوءُ القمر ليلة البدر، والزمرة الثانية على لون أحسن كوكب دُرِّيّ في السماء، لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين، على كل زوجة سبعون حلة يُرَى مُخُّ سُوقِها من وراء لحومها وحللها، كما يُرَى الشرابُ الأحمرُ في الزجاجة البيضاء)) (٦). أُهدي لرسول الله ﷺ حريرٌ، فجعلوا يعجبون من لينه، فقال رسول

стр. 49

الله ﷺ : ((تعجبون من هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسنُ من هذا)) (١). ثانياً: لباس أهل النار: بيَّن الله تعالى لباس أهل النار - أعاذنا الله منها - وبيَّنه رسول الله ﷺ ، ومن ذلك: قال الله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ (٣). قُطِّعَتْ لهم ثياب من نار: أي فُصِّلتْ لهم مقطعات من النار. قال سعيد بن جبير: من نحاس، وهو أشد حرارة إذا حُمِّي. يُصبُّ من فوق رؤوسهم الحميم: وهو الماء الحار في غاية الحرارة، وقال سعيد بن جبير: هو النحاس المذاب، أذاب ما في بطونهم من الشحم والأمعاء، وتذوب جلودهم وتتساقط (٤).

стр. 50

مقرنين في الأصفاد: أي القيود بعضهم إلى بعضٍ، قد جُمِعَ بين النظراء، أو الأشكال منهم كل صنف إلى صنف (١). سرابيلهم: أي ثيابهم التي يلبسونها من قطران: وهو الذي تُطلى به الإبل، وقال ابن عباس: القَطِرَانُ: هو النحاس المذاب الحار (٢). وعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال: ((أربعٌ في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وقال: والنائحة إذا لم تتب تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب)) (٣).

стр. 51

المبحث الخامس عشر: فُرُشُ أهل الجنة وَفُرُشُ أهل النار أولاً: فرش أهل الجنة جعلنا الله من أهلها: قال الله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿وفُرُشٍ مرفُوعةٍ﴾ (٢). وقال : ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ (٤). النمارق: الوسائد (٥). العبقريّ: قيل: البسط، وقيل: كل شيء من البسط عبقريّ، وصار العبقريّ اسماً ونعتاً لكل ما بُولغ في صفته (٦). الزرابيّ: البسط. الرفرف: قيل: الوسائد، وقيل: المحابس، وقيل: طرف البساط (٧).

стр. 52

ثانياً: فرش أهل النار ولحفهم: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ (٢). ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾: أي فرش (٣). ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾: أي لُحُف (٤). ﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾: أي قطع عذاب كالسحاب العظيم، وأطباق من النار، ودخان، ولهب، وحر من فوقهم ومن تحتهم (٥).

стр. 53

المبحث السادس عشر: طعام أهل الجنة وطعام أهل النار أولاً: طعام أهل الجنة: قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ * وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ * يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ (٢). وقال : ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ (٣). وقال سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ (٤).

стр. 54

ثانياً: طعام أهل النار: ١ - طعام الزقوم: قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ* لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ * فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ (١). وقال : ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ (٢). الزقوم: شجرة خبيثة كريهة الطعم، يُكره أهلُ النار على تناوُلِها، فهم يتزقّمونها على أشد كراهة. ومنه قولهم: ... تزقّم الطعام إذا تناوله على كره ومشقّة (٣). طعام الأثيم: أي الفاجر صاحب الإثم (٤). كالمهل يغلي في البطون: كعكر الزيت يغلي كغلي الماء الحار إذا اشتدّ غليانه (٥). ٢ - طعام الغِسلين: قال الله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِؤُونَ﴾ (٦).

стр. 55

والغسلين هو: غسالة أبدان الكفار في النار. وقيل: صديد أهل النار كأنه غسالة جروحهم وقروحهم. وقيل: الماء والدم يسيل من لحوم أهل النار (١). ٣ - طعام ذا غصة: قال سبحانه: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٢). ذا غصة: يأخذ بالحلق، فينشب في الحلق، فلا يدخل ولا يخرج، وقيل: هو الزقّوم، و الضَّريع (٣). ٤ - طعام الضريع: قال الله تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِن ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ (٤). الضَّريع: قيل هو نبت ذو شوك، تُسَمِّيه قريش الشبرق، فإذا يبس سُمِّي الضريع، وهو أخبث طعام وأبشعه (٥).

стр. 56

المبحث السابع عشر: شراب أهل الجنة وأنهارها وشراب أهل النار أولاً: شراب أهل الجنة وأنهارها: ١ - شراب أهل الجنة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ (١). فقوله تعالى: ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾، أي: يشربون من كأس فيه شراب كان مزاجه كافوراً: وقد عُلِمَ ما في الكافور من الرائحة الطيبة والتبريد، مع ما يُضاف إلى ذلك من اللذاذة في الجنة (٢). وقيل: يمزج بالكافور، ويختم بالمسك (٣). ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾: يقودونها، ويتصرفون فيها حيث شاءوا من قصورهم ومجالسهم (٤). وقال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً﴾ (٥). ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا﴾: أي يسقون في هذه الأكواب خمراً ممزوجاً

стр. 57

بالزنجبيل، فتارةً يُمزج لهم الشراب بالكافور، وهو بارد، وتارةً بالزنجبيل، وهو حارّ. ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً﴾: اسم عين في الجنة، سلسلة، منقادة لهم، يُصَرِّفُونَها حيث شاءوا (١). وقال سبحانه: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ*خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ*وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ*عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٢). الرحيق: أي يسقون من خمر من الجنة، والرحيق: من أسماء الخمر، ختامه مسك: أي ممزوج. ختامه: أي آخر طعمه وعاقبته مسك. وقيل: شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم (٣). ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾: أي ومزاج هذا الرحيق الموصوف من تسنيم ... أي من شراب يقال له تسنيم، وهو أشرف شراب أهل الجنة وأعلاه؛ ولهذا قال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾: أي يشرب المقربون التسنيم خالصاً صِرْفاً، وتمزج لأصحاب اليمين مزجاً (٤). ٢ - أنهار الجنة: قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ

стр. 58

آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ (١). ﴿مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾: أي غير متغير (٢). - و نهر الكوثر الذي أُعطيه النبي ﷺ ، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((حوضي مسيرة شهر، ماؤهُ أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، فمن شرب منه فلا يظمأ أبداً)) (٣). - وطوله وعرضه سواء: أي طوله مسيرة شهر، وعرضه مسيرة شهر (٤). وعن أنس ﵁ قال: لَمّا عُرِجَ بالنبي ﷺ إلى السماء قال: ((أتيتُ على نهرٍ حافَّتاه قباب اللؤلؤ مُجوَّفٌ، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر)) (٥)، وفي رواية: ((بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهرٍ حافتاه قبابُ الدُّرِّ المجوَّف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربُّك، فإذا طينه أو طيبه مِسكٌ أذفر)) (٦). قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ

стр. 59

الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ (١)، وقد ثبت أنه ﷺ قال: ((ليَرِدنَّ عليَّ أناسٌ من أصحابي الحوض)) وفي رواية: ((أقوامٌ أعرفهم ويعرفوني، ثم يُحال بيني وبينهم فأقول: إنهم مني، فيُقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سُحقاً سُحقاً لمن غيَّر بعدي)) وقال ابن عباس: سُحقاً: بُعداً (٢). ثانياً: شراب أهل النار أعاذنا الله منها: ١ - الحميم: قال الله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (٣):أي حاراً شديد الحرارة لايُستطاع، فقطَّع ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء (٤). ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ (٥). ٢ - الصديد: قال الله : ﴿وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ (٦).

стр. 60

والصديد: قيل: هو ما يسيل من أبدان الكفار، وأجوافهم، من القيح والدم (١). وعن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((كلّ مُسكرٍ حرامٌ، إنّ على الله عهداً لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال)) قالوا: يا رسول الله! وما طينة الخبال؟ قال: ((عَرَقُ أهل النار، أو عُصارة أهل النار)) (٢). ٣ - الماء الذي كالمهل: والمهل: هو: دُرْدِيُّ الزيت (٣)، وهو ماءٌ غليظٌ، أسود، حارٌّ، منتنٌ، إذا أراد الكافر أن يشربه وَقَرَّبَهُ من وجهه شواه حتى تسقط جلدة وجهه فيه (٤). قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (٥). ٤ - الغَسَّاق: قال تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا * إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * جَزَاءً وِفَاقًا * إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا * وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا * فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا﴾ (٦).

стр. 61

والغسَّاق: هو البارد الذي لا يُستطاع من شدة برده، يحرقهم ببَرْدِهِ، كما تحرقهم النار بحرّها، وهو الزمهرير، وهو ما اجتمع من صديد أهل النار، وعرقهم، وجروحهم، ودمعهم، فهو بارد مُنْتِنٌ (١). ٥ - عينٌ آنية: قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ (٢). و ((آنية)) متناهية في الحرارة والغليان (٣). وقال تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ (٤). وكانت العرب تقول للشيء إذا انتهى حرّه حتى لا يكون أحرَّ منه: قد آنَ حرُّهُ (٥).

стр. 62

المبحث الثامن عشر: قصور أهل الجنة ومساكن أهل النار أولاً: قصور أهل الجنة وخيامهم وغرفهم: قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ الله لا يُخْلِفُ الله الْمِيعَادَ﴾ (١). قال ابن كثير ﵀: أخبر عن عباده السعداء أن لهم غرفاً في الجنة، وهي القصور الشاهقة، من فوقها غرف مبنيَّة، طباق فوق طباق، مبنيَّات محكمات، مزخرفات عاليات (٢). وعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنَّ في الجنة غُرفاً يُرى ظاهرُها من باطنها، وباطنُها من ظاهرها، أعدّها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألانَ الكلام، وتابع الصيام، وأفشى السلام، وصلّى بالليل والناس نيام)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((بينما أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، فذكرت غيرتك فوليتُ مدبراً))، فبكى عمر وقال:

стр. 63

((أعليك أغار يا رسول الله؟)) (١). وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((دخلت الجنة فإذا أنا بقصرٍ من ذهب، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لرجل من قريش، فما منعني أن أدخله يا ابن الخطاب إلا ما أعلمه من غيرتك)). قال: ((وعليك أغار يا رسول الله؟)) (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: أتى جبريل النبي ﷺ فقال: ((يا رسول الله! هذه خديجة قد أتتك معها إناءٌ فيه إدامٌ، أو طعام، أو شراب، فإذا هي أتتك (٣) فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشَّرها ببيتٍ في الجنة من قَصَبٍ لا صَخَبَ فيه ولا نَصَب)) (٤). قوله: من قصب: أي من لؤلؤة مجوفة، واسعة، كالقصر المنيف، وقيل بيت من القصب المنظوم بالدر، واللؤلؤ، والياقوت (٥). وقال الله تعالى للنبي ﷺ : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن

стр. 64

ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾ (١). وعن عبد الله بن قيس عن أبيه ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((في الجنة خيمة من لؤلؤةٍ مُجوَّفةٍ عرضها ستون ميلاً، في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن)). وفي رواية لمسلم: ((إن للمؤمن في الجنة لخيمةً من لؤلؤةٍ واحدةٍ مُجوَّفةٍ، طولُها في السماء ستون ميلاً)) (٢). ولا منافاة بين طولها وعرضها في الروايتين، فعرضها في مساحة أرضها ستون ميلاً، وطولها في السماء ستون ميلاً في العلو، فطولها وعرضها متساويان (٣). وعن عثمان بن عفان ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((من بنى مسجداً لله بنى الله له بيتاً في الجنة)) (٤). ويقول الله لمن حَمِدَ واسترجع عند موت ولده: ((ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمُّوه بيتَ الحمد)) (٥).

стр. 65

وعن أمِّ حبيبة زوج النبي ﷺ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من مسلم يصلي لله كلَّ يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة إلاَّ بنى الله له بيتاً في الجنة، أو إلاّ بُني له بيتٌ في الجنة)) (١). وقد فسرها الترمذي أنها السنن الرواتب. وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِالله وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢). وفي حديث أبي هريرة الطويل عندما اشتكوا قلوبهم إذا فارقوا النبي ﷺ ، وفيه أنهم سألوا رسول الله ﷺ عن بناء الجنة، فقال ﵊: ((لبنةٌ من فضة، ولبنة من ذهب، ومِلاطها المسك الأذفر (٣)، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم)). ثم قال: ((ثلاثة لا تُردّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها فوق الغمام، ويفتح لها أبوب السماء، ويقول الرب تبارك

стр. 66

وتعالى: وعزتي لأنصرنّك ولو بعد حين)) (١). ثانياً: مساكن أهل النار وسلاسلهم وأنكالهم ومقامعهم: قال الله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا * إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ (٢). ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: أي مكتفين قد قُرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال (٣). ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾: أي دعوا بالويل، والحسرة، والهلاك، والخيبة، والخسارة، والدمار (٤). وقال : ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ (٥). ﴿الأَغْلالُ﴾: جمع غِلٍّ، وهو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه، والمعنى أن الأغلال في أعناقهم، والسلاسل متصلة بالأغلال بأيدي الزبانية، يسحبونهم على وجوههم، تارةً إلى الجحيم، وتارةً إلى الحميم (٦). وقال ﵎: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي

стр. 67

سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِالله الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِؤُونَ﴾ (١). وقال : ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلا وَأَغْلالاً وَسَعِيرًا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيمًا﴾ (٣). والأنكال: هي القيود العظام لا تنفك أبداً، وقيل: أغلالاً من حديد (٤). وقال تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (٥). والمقامع: جمع مِقْمَع، وهو ما يُضرب به ويُذلّل، يقال: قمعته فانقمع (٦)، وهي سياط من حديد، واحدتها مقمعة، من قولهم: قمعتُ رأسه: إذا ضربته ضرباً عنيفاً (٧).

стр. 68

المبحث التاسع عشر: عِظم أجسام أهل الجنة، وعِظم أجسام أهل النار أولاً: عظم أجسام أهل الجنة، وأعمارهم، وقُوَّتهم: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في صفة أهل الجنة، وفيه: ((أزواجهم الحور العين على خَلْقِ رجلٍ واحدٍ على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء)) (١). وعن معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((يدخل أهل الجنة الجنة جُرداً مُرداً، مكحلين، أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين سنة)) (٢). وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((يُعطَى المؤمنُ في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع)). قيل: يا رسول الله أوَ يُطيق ذلك؟ قال: ((يعطى قوة مائة)) (٣). ثانياً: عظم أجسام أهل النار وأضراسهم وغلظ جلودهم: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع)) (٤). وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ضِرسُ الكافر أو ناب الكافر مثل

стр. 69

أُحدٍ، وغِلَظُ جلده مسيرة ثلاث)) (١). وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ (٣)، قد بدت أسنانهم ككلوح الرأس النضيج، أو المُشَيَّط بالنار، حتى بدت أسنانهم، وتقلَّصت شفاههم (٤). وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرَّسُولاْ﴾ (٥). وإنَّما عَظُمَ خَلْق الكافر في النار ليعظُم عذابُه، ويُضاعَف ألمه وعقابه، ولا شكّ أن أهل النار يتفاوتون في العذاب، كما عُلِمَ من الكتاب والسنة، بدليل الحديث الآخر (٦)، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: ((يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذرّ في صور الرجال، يغشاهم الذُّلُّ من كل مكان، يُساقون إلى سِجْنٍ في جهنم، يُسمَّى بولس، تعلوهم نارُ الأنيار، يُسقون من عصارة أهل النار طينة الخَبَال)) (٧).

стр. 70

المبحث العشرون: أشجار الجنة وظلّها، وأشجار النار وظلها أولاً: أشجار الجنة وظلها: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إن في الجنة شجرةً يسير الراكب الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام ما يقطعها)) (١). قال الله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ * وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ *، لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ (٢). قال العلماء: المراد بظلها: كنفها، وذراها، وهو ما يستر أغصانها (٣). وقال تعالى ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ (٤). وقال سبحانه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * ذَوَاتَا أَفْنَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ (٥). وقال في الجنة الأخرى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (٦).

стр. 71

وقال تعالى: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا * جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ (٣). وقد رأى النبي ﷺ وهو يصلي صلاة الكسوف عناقيد العنب، ففي حديث ابن عباس ﵄: قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئاً في مقامك، ثم رأيناك كففت؟ قال: ((إني رأيت الجنة فتناولت منها عُنقوداً، ولو أخذتُه لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أرَ كاليوم منظراً قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء)) (٤). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يوماً يُحدِّث وعنده رجل من أهل البادية: ((أن رجلاً من أهل الجنة استأذن ربه في الزَّرع فقال: أو لست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكني أحبُّ الزرع، فأسرع وبذر فتبادر الطرفَ نباتُهُ واستواؤُه، واستحصاؤه، وتكويره أمثال الجبال، فيقول الله تعالى: دونك يا ابن آدم؛ فإنه لا يشبعك شيء))، فقال الأعرابي: يا رسول الله لا تجدُ هذا إلا قُرشياً أو أنصارياً؛ فإنهم أصحاب زرع، فأما نحن فلسنا

стр. 72

بأصحاب زرعٍ، فضحك الرسول ﷺ (١). وهذا الحديث يبيّن أن كل ما اشتهاه أهل الجنة يحصل لهم؛ لأن لهم فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذّ الأعين، وهم فيها خالدون، جعلنا الله منهم (٢). ثانياً: أشجار النار وظلها: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ (٣). وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ * فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ (٤). وقال سبحانه: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ﴾ (٥). وقال ﵎: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيم *، إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ

стр. 73

ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾: ظل الدخان كقوله تعالى: ﴿انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللهبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٢). والظل المذكور هو الدخان الأسود المنتن، لا ظليل هو نفسه، ولا يغني من اللهب: يعني: ولا يقيهم حر اللهب (٣). وقوله: ﴿فِي سَمُومٍ﴾ هو الهواء الحار، ﴿وَحَمِيْمٍ﴾ وهو الماء الحار (٤).

стр. 74

المبحث الحادي والعشرون: خدم أهل الجنة، وزبانية أهل النار أولاً: خدم أهل الجنة وخزنتها: قال الله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا﴾ (٣). وقال سبحانه: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾ (٤). وقال الله تعالى في السابقين: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلا قِيلاً سَلامًا سَلامًا﴾ (٥).

стр. 75

وقال تعالى في خزنة الجنة: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحت أبوابها وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخَلوها خالِدِينَ﴾ (١). ثانياً: زبانية أهل النار وخزنتها: قال الله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢). وقد وصف الله الملائكة الذين على النار بالغلط والشِّدّة، والقوّة، فقال تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ (٤). والزبانية هم ملائكة العذاب، جمع زبنيّ، مأخوذ من الزبن، وهو الدفع، وأصلها: الشُرَط، وسُمِّي بها بعض ملائكة العذاب؛ لأنهم يدفعون أهل النار إليها (٥). وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ (٦).
следующие страницы →