من أجل دينها، وتبكي كل يوم في الأبطح سنة أو قريباً منها، إنه موقف عظيم وبلاء كبير أسفر عن قوة الإيمان والصدق مع الله، فنسأل الله العافية في الدنيا والآخرة، ورضي الله عن أبي سلمة وزوجته وأرضاهما، فقد جاهدا في الله، وأُوذيا في الله، وصبرا في الله، والله المستعان.
الصورة الخامسة: صبر عبد الله بن حذافة:
وعندما ينظر الإنسان في موقف عبد الله بن حذافة بن قيس ﵁ عندما حاول ملك الروم أن يصدّه عن دينه يرى الموقف الحكيم، والرجل العظيم!
وجَّه عمر بن الخطاب ﵁ جيشاً إلى الروم، فأسروا عبد الله بن حذافة، فذهبوا به إلى مَلِكِهم، فقالوا: إن هذا من أصحاب محمد. فقال: هل لك أن تتنصَّر وأُعطيك نصف ملكي؟ قال: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملك، وجميع ملك العرب، ما رجعت عن دين محمد ﷺ طرفة عين، قال: إذاً أقتلك. قال: أنت وذاك، فأُمِرَ به فصُلِبَ وقال للرماة: ارموه قريباً من بدنه، وهو يعرض عليه ويأبى ولم يجزع، فأنزله، وأمر بقدر فصُبَّ فيه ماء وأُغليَ عليه حتى احترقت، ودعا بأسيريْنِ من المسلمين، فأمر بأحدهما، فأُلقي فيها فإذا عظامه تلوح، وهو يعرض عليه النصرانية وهو يأبى، فأمر بإلقائه في القدر إن لم يتنصّر، فلما ذهبوا به بكى، فقيل للمَلِك: إنه بكى، فظن أنه قد جزع، فقال: رُدُّوه، فقال: ما أبكاك؟ قال: قلت هي نفس واحدة تُلقى الساعة فتذهب فكنت أشتهي أن يكون بعدد شعري أنفس تُلقى في النار في الله، فتعجب الطاغية فقال
стр. 72
له: هل لك أن تُقبّل رأسي وأُخلِّي عنك؟ فقال له عبد الله: وعن جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم، فقبّل رأسه، فخلّى عنهم، وقدم بالأسارى على عمر، فأخبره خبره. فقال عمر: حقٌّ على كلِّ مسلم أن يُقبِّل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأُ. فقبَّل رأسه (١).
هذا موقف عظيم حكيم؛ فإن عبد الله ﵁ ثبت على دينه، ولم يقبل سواه، ولو أُعطي ملك كسرى ومثله معه، وملك العرب جميعاً، ثم لصدقه مع الله لم يجزع من الرّماة عندما رموه وهو مصلوب، ولم يجزع من القِدْرِ والماء المغليّ وقد رأى من يُلقى في النار من الأسرى وعظامه تلوح، ومع ذلك تمنَّى أن يكون له عدد شعره من الأنفس تعذب في الله ومن أجل الله، وعندما رأى أن المصلحة عامة لجميع الأسرى قبَّل رأس الطاغية؛ لكي يخرج المسلمين من الأسر، وهذا من أعظم الحكم العظيمة. فرضي الله عن عبد الله بن حُذافة وأرضاه.
الصورة السادسة: صبر خبيب:
ومن هذه المواقف العظيمة التي تدل على قوة الإيمان والرغبة فيما عند الله والدار الآخرة، ما فعله الصحابي الجليل: خبيب بن عدي بن عامر ﵁ عندما أسرته كفار قريش وعذبته فثبت حتى قُتِلَ شهيداً ﵁.
قالت بعض بنات الحارث بن عامر: والله ما رأيت أسيراً قطُّ خيراً من خبيب والله لقد وجدته يوماً يأكل قِطفاً من عنبٍ في يده وإنه لمُوثَقٌ بالحديد وما بمكة من ثمرة. وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيباً. فلما
стр. 73
خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيبٌ: دعوني أصلي ركعتين فتركوه فركع ركعتين فقال والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزعٌ لزدت. ثم قال: اللهم أحصهم عدداً, واقتلهم بَدَداً، ولا تبق منهم أحداً، ثم أنشأ يقول:
فلستُ أُبالي حين أقتلُ مسلماً ... على أيِّ جنب كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يُبارك على أوصالِ شِلوٍّ ممزّعِ
ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله، وكان خبيب هو الذي سن لكلِّ مسلم قُتِلَ صبراً الصلاة (١).
الصورة السابعة: صبر سعد بن أبي وقاص ﵁ -:
وهذا سعد بن أبي وقاص ﵁ تَعْرض أمه عليه أن يكفر بدين محمد ﷺ ، وحلفت أن لا تكلمه، ولا تأكل ولا تشرب حتى تموت فيعيّر بها، فيقال: يا قاتل أمه! وقالت له: زعمت أن الله وصاك بوالديك، وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا. قال سعد: لا تفعلي يا أُمّه إني لا أدع ديني هذا لشيء. فبقيت ثلاثة أيام لا تأكل ولا تشرب، فلما رأى سعد بن أبي وقاص ذلك منها قال لها: يا أُمّه، تعلمين والله لو كان لك مائة نفسٍ، فخرجت نفساً نفساً، ما تركت ديني، إن شئتِ فكلي أو لا تأكلي. فلما رأت ذلك أكلت (٢). قال
стр. 74
سعد ﵁: نزلت هذه الآية فيّ: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (١)، وقد جعل الله سعداً مستجاب الدعوة لدعوة النبي ﷺ : ((اللهم استجب لسعد إذا دعاك)) (٢).
الصورة الثامنة: صبر أم حبيبة أم المؤمنين ﵂:
ومن ذلك ما فعلته أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان؛ أم المؤمنين ﵂، وذلك أن أباها قدم من مكة إلى المدينة يريد أن يزيد في الهدنة بينه وبين الرسول ﷺ ، فلما دخل على بنته أم حبيبة ﵂ وذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته دونه، فقال: يا بنية أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت امرؤ نجس مشرك، فقال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر (٣)، قلت: والله لم يصبها إلا قوة الإيمان ومحبة الله ورسوله، فقدَّمت محبة الله ورسوله على محبة والدها المشرك ولم ترضَ أن يجلس المشرك على فراش رسول الله ﷺ ، فرضي الله عن أم المؤمنين؛ فإنها لم تأخذها في الله لومة لائم، وهذا من أعظم الحكم.
والصحابة ﵃ جميعاً - رجالاً ونساءً، كانت أعمالهم وحياتهم، ومماتهم لله لا يريدون، ولا يرغبون إلا ما يرضيه - تعالى -
стр. 75
حتى ولو كان ذلك ببذل أحبّ الأشياء إليهم.
الصورة التاسعة: صبر أنس بن النضر:
عن أنس ﵁ قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يارسول الله غبتُ عن أول قتال قاتلتَ فيه المشركين، والله لئن أشهدني الله قتال المشركين ليريَنّ الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين -، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء -يعني المشركين-، ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال: أي سعد والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أحد، فقاتلهم حتى قتل. قال أنس: فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة: من بين ضربة بسيف وطعنة برمح، ورمية بسهم وقد مَثَّلوا به، فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه. ونزلت هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ (١). قال فكنا نقول: نزلت هذه الآية فيه وفي أصحابه (٢).
الصورة العاشرة: صبر عمير بن الحُمَام:
ويدل على رغبة الصحابة ﵃ فيما عند الله ما فعل عُمير بن الحُمام في
стр. 76
بدر حينما سمع رسول الله يقول لأصحابه: ((قومُوا إلى جَنّةٍ عرضُهَا السّموات والأرضُ)) فقال: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: ((نعم)). قال: بخ بخ (١)، فقال ﷺ : ((ما يحملك على قولك بخ بخ؟))، قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: ((فإنك من أهلها)) فأخرج تمرات من قرنه (٢) فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل من تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل (٣).
وهذه النماذج تدل على صبر الصحابة وحكمتهم العظيمة، وصدقهم مع الله ورغبتهم فيما عنده - سبحانه - من الثواب وزهدهم في الدنيا.
والصحابة ﵃ لهم مواقف حكيمة كثيرة لا تُحْصَى، ولكن ما ذكرته هنا من مواقفهم ما هو إلا بعض الأمثلة اليسيرة من المواقف الحكيمة التي تدل على حكمتهم ويستفيد منها الدعاة إلى الله -تعالى -.
وأسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا. والله المستعان.
стр. 77
المبحث السابع: طرق تحصيل الصبر
المطلب الأول: الطرق العامة لتحصيل الصبر
لا يشك ذو مسكة عقل أن الصبر مرُّ المذاق، صعب على النفس البشرية لأنه يُعطِّلها عن مألوفاتها، ورغباتها، لذلك فلابدَّ من تعويدها عليه شيئاً فشيئاً حتى تستسيغه وتعضّ عليه بالنواجذ عند المصائب والفتن.
وسأبيّن جملة من الأمور التي تعين على الصبر، وتهوّنه على النفس، وهي على النحو الآتي:
أولاً: معرفة طبيعة الحياة الدنيا:
لعل أقرب أمر يعين الإنسان على الصبر ويحمل النفس عليه هو تصوّر الحياة التي يعيش فيها، ومعرفتها على حقيقتها وواقعها، فهي ليست جنة نعيم، ولا دار مُقامة، إنما ممرّ ابتلاء وتكليف؛ لذلك فالكَيِّس الفطن لا يفاجأ بكوارثها، فالشيء من معدنه لا يستغرب.
ولله دَرُّ القائل:
إن لله عباداً فُطَنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفِتَنا
نظروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحيٍّ وَطَنا
جعلوها لُجَّةً واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سُفُنا
ورب العالمين يشير إلى أن حياة الإنسان محفوفة بالمخاطر مملوءة بالمتاعب في قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (١).
стр. 78
فها هي الدنيا كما وصفت لا تستقيم على حال، ولا يقر لها قرار، فيوم لك وآخر عليك، قال تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١).
وقد أحسن أبو البقاء الرندي القائل:
لكل شيء إذا ما تم نقصان ... فلا يغرّ بطيب العيش إنسان
هي الأيام كما شاهدتها دول ... من سره زمان ساءته أزمان
وليعلم العبد الصالح أنه لو فتش العالم لم يجد إلا مبتلى: إما بفوات محبوب، أو حصول مكروه، وأن سرور الدنيا أحلام نائم، وظل زائل، وسحابة صيف، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً، وإن سرّت يوماً أساءت دهراً، وإن متّعت قليلاً، منعت طويلاً.
ثانياً: اليقين بحسن الجزاء عند الله:
إذا علم العبد أن الصابرين ينتظرهم أحسن الجزاء عند الله حين يرجعون إليه، ويقفون بيديه، فيعوضهم عن صبرهم خيراً، ويمنحهم أجراً، ويجزل لهم المثوبة، فإنه لاشك يتصبّر ويرضى بما قدّره الله.
ولا يجد المتتبع لآيات القرآن الكريم شيئاً ضُخِّمَ جزاؤه، وعُظِّم أجره مثل الصبر.
فهاهو يتحدث عن هذا الأجر بأسلوب المدح والتفخيم: ﴿نِعْمَ أَجْرُ
стр. 79
الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (١).
ويُبيِّن أن جزاءهم يكون بأحسن ما كانوا يعملون: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ (٢).
ويصرّح أن أجر الصابرين غير معدود، ورزقهم غير محدود: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٣).
ثالثاً: معرفة الإنسان نفسه:
الله هو الذي منح الإنسان الحياة؛ فخلقه من عدم، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فهو ملك لله أولاً وآخراً، لذلك فإذا نزل بالعبد نازل سلبه شيئاً مما عنده، فإنما استردّ صاحب الملك بعض ما وهب، ولا ينبغي للمودَع أن يسخط على صاحب العارية إذا استردَّها.
وصدق لبيد بن ربيعة ﵁ القائل:
وما المالُ والأَهلون إلا ودائعٌ ... ولابدّ يوماً أن تُردَّ الودائع
وفي قصة أم سُلَيم مع زوجها أبي طلحة دليل واضح على فهم السلف الصالح - رضوان الله عليهم - لهذه الحقيقة حيث عرفوا أنفسهم فعرفوا مقام ربهم وقدَّروه حقَّ قدره.
стр. 80
عن أنس ﵁ قال: مات ابنٌ لأبي طلحة من أم سُلَيم فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه.
قال: فجاء فَقَرَّبَتْ إليه عشاءً فأكل وشرب، قال: ثم تَصَنَّعتْ له أحسن ما كان تصنَّعُ قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها.
قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟
قال: لا.
قالت: فاحتسب ابنك.
قال: فغضب، وقال: تركتِني حتى تلطَّختُ ثم أخبرتني بابني، فانطلق حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره بما كان.
فقال رسول الله ﷺ : ((بارك الله لكما في غابر ليلتكما)).
قال: فحملت، قال: فكان رسول الله ﷺ في سفر وهي معه، وكان رسول الله ﷺ إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طُرُوقاً فدنوا من المدينة فضربها المخاض فاحتبس عليها أبو طلحة وانطلق رسول الله ﷺ .
قال: يقول أبو طلحة: إنك لتعلم يا رب أنه يعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج وأدخل معه إذا دخل وقد احتبست بما ترى.
قال: تقول أم سُلَيم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد انطلق، فانطلقنا.
قال: فضربها المخاض حين قدما فولدت غلاماً.
فقالت لي أمي: يا أنس لا يرضعه أحد حتى تغدو به على رسول الله ﷺ ، فلما أصبح احتملته فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ قال: فصادفته
стр. 81
ومعه ميسم فلما رآني قال: ((لعل أم سُلَيم ولدت)).
قلت: نعم، فوضع الميسم. وقال: وجئت به فوضعته في حجره ودعا رسول الله ﷺ بعجوة من عجوة المدينة فَلاكَها في فيه حتى ذابت ثم قَذَفَها في الصبي يتلمظها. قال: فقال رسول الله ﷺ : ((انظروا إلى حُبِّ الأنصار التَّمْر)).
قال: فمسح وجهه وسمّاه ((عبد الله)).
[قال سفيان: قال رجل من الأنصار: فرأيت لهما تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن] (١).
وهذه المعاني قبس من قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ (٢).
هذه الكلمة الطيبة تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلّى عن مصيبته:
١ - أن العبد وأهله وماله ملك لله حقيقة.
٢ - أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق ليوفيه حسابه.
فإذا كانت هذه بداية العبد وما خوِّله ونهايته، فكيف يفرح بموجود أو يأسى على مفقود؟ ففكره في مبدئه ومعاده أعظم معين على التحلِّي بالصبر عند الشدائد والمصائب والمحن والفتن، فاللهم ثبتنا بالقول
стр. 82
الثابت في الحياة الدنيا والآخرة.
رابعاً: اليقين بالفرج:
لا يشك العاقل أن نصر الله قريب، وفرجه آتٍ لا ريب فيه، وأن بعد الضيق سعة، ومع العسر يسراً؛ لأن الله وعد بهذا، والله لا يخلف الميعاد.
هذا اليقين جدير أن يبدد ظلمة القلق، ويقهر شبح اليأس، ويضيء نفس المؤمن بنور الصبر الذي لا يخبو.
ولذلك ورد الصبر في كتاب الله مقروناً بأن وعد الله حق كما في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ (١).
وقوله جل شأنه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ (٢).
وقد وعد الله عباده الصابرين بقرب الفرج في صور، منها:
الأولى: الوعد بالسعة بعد الضيق، والرخاء بعد الشدة، واليسر بعد العسر، وفي هذا يقول جل وعلا: ﴿سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (٣).
ولم يكتف الخالق أن جعل اليسر بعد العسر، بل جعله في موطن آخر معه وبصيغة التأكيد حيث قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ
стр. 83
الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (١).
وفي هذه الآيات يتجلى أمران:
١ - تحقق اليسر بعد العسر تحققاً قريباً حتى كأنه معه ومتصل به، حتى لو دخل العسر جحر ضب لتبعه اليسر، ولن يغلب عُسرٌ يُسرَين.
٢ - إن مع العسر يسراً بالفعل، ولكن قد يكون ملموساً أو مكنوناً، ففي كل قدر لطف، وفي كل بلاء نعمة.
ولا يشكّ مؤمن عرف ربه وآمن به أن الله يُقدِّر ويلطف: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢)؛ لأنه أعلم بمن خلق وأرحم بهم من أنفسهم: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٣).
الثانية: الوعد بحسن العاقبة، والعبرة بالعواقب، والمدار على الخواتيم. قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤).
ولقد أحسن القائل:
اشتدّي أزمة تنفرجي ... قد آذن ليلك بالبلج
ولله درّ القائل:
ولرُبَّ نازلةٍ يضيق بها الفتى ... ذرعاً وعند الله منها المخرجُ
стр. 84
ضاقت فلمّا استحكمتْ حلقاتُها ... فُرِجت وكنت أظنها لا تُفرَجُ
الثالثة: الوعد بحسن العوض عما فات، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي الله مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (١).
خامساً: الاستعانة بالله:
إذا استعان العبد بربه ولجأ إلى حماه شعر بالطمأنينة في قلبه، والسكينة تملأ جوارحه، فمن كان في حمى الله فلن يضام. قال تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُواْ﴾ (٢).
ومن كانت معيّة الله معه، وعين الله ترعاه، فهو حقيق أن يتحمل المتاعب، ويصبر على الأذى.
سادساً: التأسّي بأهل الصبر والعزائم:
إن التأمّل في سِير الصابرين، وما لاقوه من ألوان الشدائد، وما ذاقوه من صنوف البلاء يعين على الصبر، ويطفئ نار المصيبة ببرد التأسي.
ومن هنا حرص القرآن الكريم والسنة النبوية على ذكر قصص الأنبياء والصالحين تسلية للنبي ﷺ والمؤمنين، وتثبيتاً لقلوبهم في مواجهة البلاء والفتن. قال تعالى: ﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ
стр. 85
فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
ويجيء الخطاب الرباني لرسول الله ﷺ قائلاً: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ (٢).
فإذا ضاق صدره بما يفعلون، وأدركه الحزن عليهم مما يمكرون، وجد في صبر إخوانه من المرسلين ما يشد أزره، ويمضي عزمه، ويذهب همه، فهو ليس بدعاً مما أصاب الرسل من قبله، يقول الله : ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله وَلَقدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣).
سابعاً: الإيمان بقدر الله وقضائه:
على المسلم أن يعلم علم اليقين أن قدر الله نافذ لا محالة، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام وطويت الصحف. قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٤)، ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ
стр. 86
عَلِيمٌ﴾ (١).
إن الركون للصبر في مثل هذا المقام أمر محمود بل واجب لأن مقادير الله نافذة سواء رضي العبد أم سخط، صبر أم جزع، ولكن العاقل ينبغي أن يتحلى بالصبر حتى لا يحرم المثوبة، وإلا ستؤول به السنن الكونية إلى صبر الاضطرار الذي لا قيمة له في دين الله كما قال النبي ﷺ : ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى)) (٢).
وذلك لأن العبد إن صبر إيماناً واحتساباً نفذت فيه المقادير وله الأجر، وإن جزع وهلع وتبرّم سلا سَلْوَ البهائم ونفذت فيه المقادير، وعليه الوزر.
إن التسليم بالقدر هو مقتضى العقل والدين معاً، وإلا فليفعل ما يشاء من إظهار الكآبة والمبالغة في التوجع والتشكي، ولن يغيِّر من الواقع شيئاً، ولن يبدِّل سنن الله في الكون، وإنما يزيد نفسه كمداً وغماً، وحسرة.
وانظر أيها العبد الصالح كيف يقرّر الله هذه الحقيقة مخاطباً رسوله الكريم ﷺ حين آذاه موقف قريش وتكذيبها له: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله وَلَقدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ * وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي
стр. 87
السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (١).
وقال الله للقانطين من رحمة الله اليائسين من نصره: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ الله فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ (٢).
ثامناً: استصغار المصيبة:
قال النبي ﷺ : ((يا أيها الناس أيما أحدٍ من الناس أو من المؤمنين أُصيب فليتعزَّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري؛ فإن أحداً من أمتي لن يُصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي)) (٣).
وكتب بعض العقلاء إلى أخ له يعزيه عن ابن له يقال له: محمد، فنظم الحديث الآنف شعراً فقال:
اصبر لكل مصيبةٍ وتجلّدِ ... واعلم بأن المرء غير مُخلّدِ
وإذا ذكرت محمداً ومصابَهُ ... فاذكر مصابك بالنبي محمّدِ
تاسعاً: الحذر من الآفات العائقة في الطريق:
لابدَّ للناس عامة، وللمؤمنين خاصة، ولحملة الدعوة على وجه
стр. 88
أخص أن يحذروا من الآفات النفسية التي تعتري النفس البشرية فتعيق الصبر وتعترض طريقه وهي:
١ - الاستعجال:
الإنسان مولع بالعاجل لأنه خلق من عجل؛ لقوله تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ (١).
فإذا أبطأ الخير عن الإنسان نفد صبره، وضاق صدره ناسياً أن لكل أجل كتاباً مسمى، وأن الله لا يعجل بعجلة الخلق.
وليعلم العبد أن لكل ثمرة أواناً لنضوجها، فيحسن عندئذٍ قطافها، والاستعجال لا ينضجها بل يهلكها، وقديماً قيل: ((من استعجل الشيء قبل أوانه، عوقب بحرمانه)).
ولهذا خاطب الله رسوله قائلاً: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ (٢).
والاستعجال من سنن المشركين لجهلهم وسفههم فقد كانوا يستعجلون عذاب الله غروراً وعناداً، فردّ عليهم ربهم بما يقطع دابرهم: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٣).
стр. 89
٢ - الغضب:
قد يرى المسلم ما يكره، ويسمع ما يؤذيه فيستفزّه الغضب إلى الإعراض عن الناس والنفور منهم، ومن ثم إلى اليأس والقنوط وهما آفة الصبر.
فيجب على المسلم أن يصبر على أذى الناس وإعراضهم عن دعوته، ويعاودهم المرة بعد المرة عسى أن يهدي الله به رجلاً واحداً، فيكون خيراً له مما طلعت عليه الشمس.
٣ - الضيق:
قال تعالى لرسوله الكريم: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِالله وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (١).
وقال جل شأنه: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٢).
إن الإيمان والكفر والهدى والضلال لا يستطيع الإنسان أن يجلبها لمن أحب ويدفعها عنه، وإنما عليه التذكير والنصيحة والبيان والبلاغ.
٤ - اليأس:
اليأس آفة الصبر الكبرى، لأنها تطفئ سراج الأمل، فيترك العبد العمل، ويخلد إلى الكسل.
стр. 90
ولهذا حرص القرآن الكريم والسنة المطهرة على غرس بذور الأمل في نفوس المؤمنين. قال تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (١).
وقال ﷻ مخبراً عن موسى وقومه: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لله يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ* قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (٢).
وعلى منهج القرآن في إضاءة شعلة الأمل أمام المؤمنين درج رسول الله ﷺ عندما جاءه خبّاب بن الأرتّ ﵁ يشكو ما يلاقيه المؤمنون من أذى المشركين شكوى تحمل معنى الضيق والتبرّم والاستعجال، فضرب له رسول الله ﷺ مثلاً فقال: ((لقد كان من قبلكم ليُمشّط بمشاط من حديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويُوضع المنشار على مفرق رأسه فيُشقّ باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليُتِمَّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حَضر مَوت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه)) وفي رواية: ((ولكنكم تستعجلون)) (٣).
وما ذلك إلا لأن الأمل أعظم معين على الصبر على طول الطريق وقلة الرفيق، وخاصة في زمن الغربة، فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على
стр. 91
دينك وعافنا واعفُ عنا (١).
المطلب الثاني: طرق تحصيل الصبر عن المعاصي
الصبر عن المعاصي والسيئات ينشأ من أسباب عديدة، منها على سبيل المثال ما يأتي:
أولاً: علم العبد بقبحها ورذالتها ودناءتها، وأن الله إنما حرَّمها ونهى عنها صيانة وحماية عن الدَّنايا والرذائل، كما يحمي الوالد الشفيق ولده عما يضره. وهذا السبب يحمل العاقل على تركها ولو لم يعلق عليها وعيد العذاب.
ثانياً: الحياء من الله سبحانه؛ فإن العبد متى علم بنظر الله إليه، ومقامه عليه، وأنه بمرأى منه ومسمع، وكان حييّاً استحيى من ربه أن يتعرض لمساخطه.
ثالثاً: مراعاة نعمه عليك وإحسانه إليك؛ فإن الذنوب تزيل النعم ولابدَّ، فما أذنب عبدٌ ذنباً إلا زالت عنه نعمة من الله بحسب ذلك الذنب، فإن تاب ورجع رجعت إليه أو مثلها، وإن أصرّ لم ترجع إليه، ولا تزال الذنوب تزيل عنه نعمة نعمة حتى تسلب النعم كلها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ
стр. 92
وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١).
وأعظم النعم الإيمان، وذنب الزنا والسرقة وشرب الخمر وانتهاب النهبه يزيل النعم ويسلبها.
قال بعض السلف: أذنبتُ ذنباً فحُرِمتُ من قيام الليل سنة.
وقال آخر: أذنبتُ ذنباً فحُرِمتُ فهم القرآن. وفي مثل هذا قيل:
إذا كنتَ في نعمة فارْعَهَا ... فإنّ المعاصي تُزيل النعم
وبالجملة فإن المعاصي نار النعم تأكلها كما تأكل النار الحطب، عياذاً بالله من زوال نعمته، وتحول عافيته، وفُجاءة نقمته، وجميع سخطه.
رابعاً: خوف الله وخشية عقابه، وهذا إنما يثبت بتصديقه في وعده ووعيده والإيمان به وبكتابه وبرسوله، وهذا السبب يَقْوَى بالعلم واليقين، ويضعف بضعفهما. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٢).
خامساً: محبة الله، وهي من أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفته ومعاصيه؛ فإن المحب لمن يحب مطيع.
سادساً: شرف النفس وزكاؤها وفضلها وأنفتها وحميتها أن تختار الأسباب التي تحطّها وتضع قدرها، وتخفض منزلتها وتحقرها، وتسوّي بينها وبين السفلة.
стр. 93
سابعاً: قوة العلم بسوء عاقبة المعصية، وقبح أثرها والضرر الناشئ منها: من سواد الوجه، وظلمة القلب، وضيقه وغمّه، وحزنه وألمه، وانحصاره وشدة قلقه واضطرابه، وتمزّق شمله، وضعفه عن مقاومة عدوّه؛ فإن الذنوب تميت القلوب، والعبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن أذنب ذنباً آخر نكت نكتة أخرى، ولا تزال حتى تعلو قلبه، فذلك هو الران قال الله تعالى: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١).
وبالجملة فآثار المعصية القبيحة أكثر من أن يحيط بها العبد علماً، وآثار الطاعة الحسنة أكثر من أن يحيط بها علماً، فخير الدنيا والآخرة بحذافيره في طاعة الله، وشر الدنيا والآخرة بحذافيره في معصيته.
ثامناً: قصر الأمل، وعلمه بسرعة انتقاله، وأنه كمسافر دخل قرية وهو عازم على الخروج منها، أو كراكب قال في ظل شجرة ثم سار وتركها، فهو لعلمه بقلة مقامه وسرعة انتقاله حريص على ترك ما يثقله حمله ويضرّه ولا ينفعه، حريص على الانتقال بخير ما بحضرته، فليس للعبد أنفع من قصر الأمل، ولا أضرّ من التسويف وطول الأمل.
تاسعاً: مجانبة الفضول في مطعمه ومشربه وملبسه ومنامه واجتماعه بالناس؛ فإن قوة الداعي إلى المعاصي إنما تنشأ من هذه الفضلات، فإنها تطلب لها مصرفاً فيضيق عليها المباح فتتعدّاه إلى الحرام، وأعظم الأشياء ضرراً على العبد بطالته وفراغه؛ فإن النفس لا تقعد فارغة، بل إن لم
стр. 94
يشغلها بما ينفعه شغلته بما يضره ولابد.
عاشراً: ثبات شجرة الإيمان في القلب، وهو الجامع لهذه الأسباب كلها: فصبر العبد عن المعاصي إنما هو بحسب قوة إيمانه، فكلما كان إيمانه أقوى كان صبره أتمّ، وإذا ضعف الإيمان ضعف الصبر. والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
المطلب الثالث: طرق تحصيل الصبر على الطاعات
والصبر على الطاعة ينشأ من معرفة أسباب الصبر عن المعاصي السابقة، ومن معرفة ما تجلبه الطاعة من العواقب الحميدة والآثار الجميلة، ومن أقوى أسبابها الإيمان والمحبة، فكلما قوي داعي الإيمان والمحبة لله تعالى، ولرسوله ﷺ في القلب كانت استجابته للطاعة بحسبه.
المطلب الرابع: طرق تحصيل الصبر على المصيبة والبلاء وأقدار الله المؤلمة
كثيرة، منها الطرق الآتية:
أولاً: معرفة جزائها وثوابها (١).
ثانياً: العلم بتكفيرها للسيئات ومحوها لها (٢).
ثالثاً: الإيمان بالقدر السابق الجاري بها، وأنها مقدرة في أم الكتاب قبل أن يُخلق فلابد منها، فجزعه لا يزيده إلا بلاء.
стр. 95
رابعاً: معرفة حق الله عليه في تلك البلوى، وواجبه فيها الصبر بلا خلاف بين الأمة، أو الصبر والرضا على أحد القولين، فهو مأمور بأداء حق الله وعبوديته عليه في تلك البلوى، فلابد له منه وإلا تضاعف عليه.
خامساً: العلم بترتبها عليه بذنبه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير﴾ (١).
فهذا عام في كل مصيبة دقيقة وجليلة، فشغله شهود هذا السبب بالاستغفار الذي هو أعظم أسباب دفع تلك المصيبة.
قال علي بن أبي طالب ﵁: ((ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع بلاء إلا بتوبة)) (٢).
سادساً: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها وأن العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه، فإن لم يوفِّ قدر المقام حقه فهو لضعفه، فلينزل إلى مقام الصبر عليها، فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم وتعدي الحق.
سابعاً: أن يعلم أن هذه المصيبة هي دواءٌ نافع ساقه إليه الطبيب العليم بمصلحته، الرحيم به، فليصبر على تجرعه، ولا يتقيأه بتسخطه وشكواه فيذهب نفعه باطلاً.
ثامناً: أن يعلم أن في عُقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم ما لم تحصل بدونه، فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الدواء
стр. 96
ومرارته فلينظر إلى عاقبته وحسن تأثيره. قال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَالله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٢).
تاسعاً: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه؛ فيتبين حينئذ هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا؟ وفضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
عاشراً: أن يعلم أن الله يربِّي عبده على السراء والضراء، والنعمة والبلاء، فيستخرج منه عبوديته في جميع الأحوال؛ فإن العبد على الحقيقة من قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال وقال: ((اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) (٣).
فهذه الأسباب ونحوها تثمر الصبر على البلاء، فإن قويت أثمرت الرضا والشكر.
نسأل الله أن يسترنا بعافيته، ولا يفضحنا بابتلائه بمنّه وكرمه (٤).
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.