← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96480

بر الوالدين - ابن وهف

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (41 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بر الوالدين مفهوم, وفضائل، وآداب, وأحكام في ضوء الكتاب والسنة تأليف الفقير إلى الله تعالى د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً أما بعد: فهذه رسالة مختصرة في ((بر الوالدين)) بيَّنت فيها: مفهوم بر الوالدين، لغة واصطلاحاً، ومفهوم عقوق الوالدين لغة واصطلاحاً، ثم ذكرت الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على وجوب بر الوالدين، وتحريم عقوقهما، ثم ذكرت أنواع البر التي يوصل بها الوالدان بعد موتهما.

стр. 3

والله تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل مباركاً، نافعاً، خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كلَّ من انتهى إليه؛ فإنه تعالى خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. المؤلف: أبو عبد الرحمن حرر بعد عصر يوم الخميس الموافق ٢/ ٥/١٤٢٦هـ بالرياض

стр. 4

أولاً: مفهوم بر الوالدين لغة واصطلاحاً: لغة: البرُّ: الخير والفضل، يقال: بَرَّ الرجلُ، يَبَرُّ بِرًّا، وِزان: علِمَ يعلم علماً، فهو بَرٌّ، وبَارٌّ: أي صادقٌ أو تقيٌّ، وهو خلاف الفاجر، وجمع البر: أبرار, وجمع البار: بررة، مثل: كافرٌ, وكفرةٌ. وبَرِرْتُ والدي، أبرَّرُهُ، بِرًّا: أحسنت الطاعة إليه، ورفقت به، وتحرَّيتُ محابّه، وتوقَّيتُ مكارهه (١). والبرُّ: ضد العقوق (٢). قال ابن الأثير ﵀: ((البِرُّ بالكسر الإحسان، ومنه الحديث في بر الوالدين: وهو في حقهما وحق الأقربين من الأهل ضد العقوق: وهو الإساءة إليهم والتضييع لحقهم)) (٣). والبر: اسم

стр. 5

جامع للخير وأصله الطاعة (١). اصطلاحاً: بر الوالدين: الإحسان إليهما (٢) [بالقلب، والقول، والفعل تقرباً لله تعالى]. ثانياً: مفهوم عقوق الوالدين لغة واصطلاحاً: لغة: عَقَّ، يَعُقُّ عقوقاً: العقُّ: الشقُّ، يقال: عقَّ ثوبه، كما يقال: شقَّ ثوبه، ومنه يقال: عقَّ الولدُ أباه، [وعقَّ أمه]، من باب قَعَد: إذا عصاه وترك الإحسان إليه, فهو عاقٌّ، والجمع: عققةٌ (٣). ويقال: عقَّ والده يعُقُّ، عقوقاً ومعقة على وزن مشقة، وجمع عاق: عققة، ككافر وكفرة (٤). قال ابن الأثير ﵀: ((يقال: عق والده يعقُّه عقوقاً، فهو عاقٌّ: إذا آذاه وعصاه، وخرج عليه، وهو

стр. 6

ضِدُّ البِرِّ به، وأصله من العقِّ: الشقِّ والقطع)) (١). ويقال: عق أباه، وعقوقاً، ومعقةً: استخف به وعصاه وترك الإحسان إليه (٢). مفهوم عقوق الوالدين اصطلاحاً: هو إغضابهما بترك الإحسان إليهما (٣). وقيل: عقوق الوالدين: كل فعل يتأذَّى به الوالدان تأذياً ليس بالهيِّن، مع كونه ليس من الأفعال الواجبة (٤). وقيل: عقوق الوالدين: ما يتأذَّى به الوالدان من ولدهما: من قولٍ، أو فعلٍ، إلا في شرك أو معصية ما لم يتعنت الوالدان (٥).

стр. 7

والأقرب أن يقال: عقوق الوالدين: كل قول أو فعل، أو تركٍ يتأذَّى به الوالدان. ثالثاً: بر الوالدين من أهم المهمات ، وأعظم القربات، وأجلِّ الطاعات، وأوجب الواجبات، وعقوقهما من أكبر الكبائر، وأقبح الجرائم، وأبشع المهلكات؛ للأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة الصريحة على النحو الآتي: ١ - قرن الله حق الوالدين والإحسان إليهما بعبادته , كما قرن شكرهما بشكره؛ لأنه الخالق وحده، وقد جعل الوالدين السبب الظاهر في وجود الولد، وهذا يدل على شدة تأكد حقهما والإحسان إليهما: قولاً, وفعلاً؛ لأن لهما من المحبة للولد والإحسان إليه في حال صغره وضعفه ما يقتضي تأكد الحق ووجوب البر، وتحريم أدنى مراتب الأذى: وهو التضجر أو التأفف من خدمتهما،

стр. 8

وزجرهما بالكلمة العالية، أو نفض اليد عليهما، وقد جاء حق الوالدين مقروناً بعبادة الله في آيات كثيرة (١)، منها قوله : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٢). وقال : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٣). وقال : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٤). وقال : ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٥). ٢ - بر الوالدين أفضل من الجهاد ، وأعلا مراتب الجهاد في سبيل الله تعالى؛ لحديث عبد الله بن

стр. 9

عمر ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد فقال: ((أحيٌّ والداك؟)) قال: نعم، قال: ((ففيهما فجاهد)). وفي لفظ لمسلم: أقبل رجل إلى نبي الله ﷺ فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله، قال: ((فهل من والديك أحدٌ حيٌّ؟)) قال: نعم، بل كلاهما، قال: ((تبتغي الأجر من الله؟)) قال: نعم، قال: ((فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما)) (١). قال ابن حجر ﵀: ((أي إن كان لك أبوان فبالغ جهدك في برهما والإحسان إليهما؛ فإن ذلك يقوم مقام الجهاد)) (٢)؛ لأن المراد بالجهاد في الوالدين: بذل الجهد, والوسع, والطاقة في برهما؛

стр. 10

ولأهمية ذلك بين العلماء أنه لا يجوز الخروج للجهاد إلا بإذن الأبوين بشرط أن يكونا مسلمين؛ لأن برهما فرض عين والجهاد فرض كفاية، فإن تعين الجهاد وكان فرض عين فلا إذن؛ لأن الجهاد أصبح فرضاً على الجميع: إما باستنفار الإمام، أو هجوم العدوِّ على البلاد، أو حضور الصف (١). ٣ - بر الوالدين: أفضل الأعمال ، وأقرب الأعمال إلى الجنة، وأحب الأعمال إلى الله تعالى بعد الصلاة, التي هي أعظم دعائم الإسلام؛ لأن النبي ﷺ أخبر بذلك ورتبه بـ (ثم) التي تعطي الترتيب والمهلة (٢) , فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألتُ رسول الله ﷺ أيُّ العَمَلِ أفضل؟ قال:

стр. 11

((الصلاةُ لوقتها)) قال: قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال: ((ثم بر الوالدين))، قال: قلت: ثم أيٌّ؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله)) (١). حدثني بهن رسول الله ﷺ ، ولو استزدته لزادني. وفي لفظ: أيُّ الأعمال أحب إلى الله؟ قال: ((الصلاة على وقتها ... )) الحديث (٢). وفي لفظ: أيُّ الأعمال أقرب إلى الجنة؟ قال: ((الصلاة على مواقيتها ... )) (٣). ٤ - بر الوالدين يرضي الرب ، فعن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: ((رضى الرب في رضى الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد)) (٤).

стр. 12

٥ - بر الوالدين يدخل الجنة ، فعن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه)) (١). وعن معاوية بن جاهمة ﵄ أن جاهمة جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أردت أن أغزوَ وقد جئت أستشيرك فقال ﷺ : ((هل لك من أمٍّ؟)) قال: نعم. قال: ((فالزمها؛ فإن الجنة تحت (٢) رجليها)) (٣). ولفظ الطبراني: ((ألك

стр. 13

والدان؟)) قلت: نعم. قال: ((الزمهما؛ فإن الجنة تحت أرجُلِهما)) (١). ٦ - دعاء رسول الله ﷺ على من لم يبر والديه عند الكبر ، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((رَغِمَ أنْفُهُ (٢) , ثم رَغم أنفه، ثم رغم أنفه)) قيل: مَنْ يا رسول الله؟ قال: ((من أدرك والديه عند الكبر: أحَدَهُما, أو كليهما ثم لم يدخل

стр. 14

الجنة)) (١). قال الإمام القرطبي ﵀: ((وهذا دعاء مؤكد على من قصَّر في بر أبويه، ويحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون معناه: صرعه الله لأنفه فأهلكه، وهذا إنما يكون في حق من لم يقم بما يجب عليه من برهما. وثانيهما: أن يكون معناه: أذله الله؛ لأن من ألصق أنفه - الذي هو أشرف أعضاء الوجه - بالتراب - الذي هو موطئ الأقدام وأخس الأشياء - فقد انتهى من الذُّل إلى الغاية القصوى, وهذا يصلح أن يدعى به على من فرَّط في متأكدات المندوبات, ويصلح لمن فرط في الواجبات، وهو الظاهر، وتخصيصه عند الكبر بالذكر - وإن كان

стр. 15

برهما واجباً على كل حال - إنما كان ذلك لشدة حاجتهما إليه؛ ولضعفهما عن القيام بكثير من مصالحهما، فيبادر الولد اغتنام فرصة برهما؛ لئلا تفوته بموتهما فيندم على ذلك)) (١). وقد خص الله حالة الكبر للوالدين بمزيد من الأمر بالإحسان، والبر، واللطف، والشفقة والرحمة؛ لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره؛ لتغير الحال عليهما بالضعف، والكبر، فألزم في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزمه من قبل؛ لأنهما في هذه الحالة قد صارا كلًّا عليه، فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليا منه؛ ولهذا خص هذه الحالة بالذكر، وأيضاً فطول المكث للمرء يوجب الاستثقال للمرء عادة، ويحصل الملل، ويكثر الضجر، فيظهر غضبه

стр. 16

على أبويه، وتنتفخ لهما أوداجه، ويستطيل عليهما لقلة دينه وضعف بصيرته، وأقل المكروه ما يظهر بتنفسه المتردد من الضجر، وقد أمر الله أن يقابلهما بالقول الموصوف بالكرامة وهو السالم عن كل عيب (١)، فقال : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (٢). وأمره الله أن يتواضع لهما ويخفض لهما جناح الذل من الرحمة احتساباً للأجر, لا للخوف منهما، وأمره أن يدعو لهما بالرحمة: أحياءً, وأمواتاً، جزاءً على تربيتهم وإحسانهم، فقال : ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (٣).

стр. 17

٧ - بيَّن رسول الله ﷺ بما يجزي الولد والده ، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يجزي ولدٌ والداً إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه)) (١). وعن أبي بردة أنه شهد ابن عمر ﵄، ورجل يماني يطوف بالبيت، حمل أمه وراء ظهره يقول: إني لها بعيرها المذلل ... إن أُذعرت ركابها لم أذعر ثم قال: يا ابن عمر، أتُراني جزيتها؟ قال: ((لا، ولا بزفرة واحدة)) (٢). ٨ - بر الوالدين أقرب الأعمال إلى الله ؛ لحديث ابن عباس ﵄، أنه أتاه رجلٌ

стр. 18

فقال: إني خطبت امرأة فأبت أن تنْكِحَني وخطبها غيري فأحبت أن تَنكِحَهُ، فَغِرْتُ عليها فقتلتُها، فهل لي من توبةٍ؟ قال: أُمُّك حيَّةٌ؟ قال: لا، قال: تبْ إلى الله , وتقرَّب إليه ما استطعت. [قال عطاء بن يسار] فذهبت فسألت ابن عباس: لِمَ سألتَهُ عن حياة أمه؟ فقال: ((إني لا أعلم عملاً أقرب إلى الله تعالى من بِرِّ الوالدة)) (١). ٩ - لين الكلام للوالدين يدخل الجنة ؛ لقول ابن عمر ﵄ لرجل أصاب ذنوباً, وذكرها لابن عمر، فقال له ابن عمر: ((ليست هذه من الكبائر))، ثم قال ابن عمر ﵄ عن الكبائر: ((هن تسع: الإشراك بالله، وقتل نسمة، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل الربا،

стр. 19

وأكل مال اليتيم، وإلحاد في المسجد، والذي يستسخر (١)، وبكاء الوالدين من العقوق)). ثم قال ابن عمر: ((أحي والدك؟)) قال الرجل: عندي أمي، قال ابن عمر: ((فوالله لو ألنت لها الكلام, وأطعمتها الطعام, لتدخلنَّ الجنة ما اجتنبت الكبائر)) (٢). ١٠ - من بر الوالدين إدخال السرور عليهما ؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يبايعه على الهجرة، وترك أبويه يبكيان، فقال: ((ارجع إليهما وأضحكهما كما أبكيتهما)) (٣).

стр. 20

١١ - من بر الوالدين والإحسان إليهما أن لا يتعرض لسبهما ، ولا يعقهما, ولا يكون سبباً في شتمهما، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((من الكبائر شتم الرجل والديه)) قالوا: يا رسول الله، هل يشتم الرجل والديه؟! قال: ((نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه)) (١). ولفظ أبي داود: ((إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه)) قيل: يا رسول الله! كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: ((يلعن أبا الرجل فيلعن أباه، ويلعن أمه فيلعن أمه)).

стр. 21

وعن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثاً (١)، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من غيَّر منار الأرض)) (٢). ١٢ - بر الوالدين وإن كان فرضاً فإنه يتفاوت في الأحقية ، فالأم عانت صعوبة الحمل، وصعوبة الوضع، وصعوبة الرضاع والتربية، فهذه ثلاث منازل تمتاز بها الأم (٣)، فعن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ (٤) قال:

стр. 22

((أمك)) قال: ثم مَنْ؟ قال: ((أمك)) قال: ثم مَن؟ قال: ((أمك))، قال: ثم مَن؟ قال: ((ثم أبوك)) (١). وفي رواية لمسلم: ((أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك, ثم أدناك أدناك)) (٢). ١٣ - من تمام البر صلة أهل وُدّ الوالدين ، فعن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رجلاً من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، فقال عبد الله بن دينار: أصلحك الله إنهم الأعراب, وإنهم يرضون باليسير، فقال عبد الله: إن أبا هذا كان وُدًّا لعمر بن

стр. 23

الخطاب, وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن أبرَّ البرِّ صلةُ الولد أهلَ وُِدِّ أبيه)) (١). ومن الأعمال الطيبة المباركة التي يُوصَلُ بها الوالدان بعد موتهما: الصلاةعليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما (٢). ١٤ - بر الوالدين لا يختص بأن يكونا مسلمين ، بل حتى ولو كانا كافرين، يبرهما ويحسن إليهما, قال الله : ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٣).

стр. 24

وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: أتتني أمِّي راغبةً (١) في عهد النبي ﷺ ، فسألت النبي ﷺ : أأصلها؟ قال: ((نعم)) قال ابن عيينة: فأنزل الله تعالى فيها: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٢). ومن أعظم البر دعوتهما إلى الله وتعليمهما ما ينفعهما؛ لأنهما أحق الناس بالتوجيه مع الرفق والرحمة. ١٥ - من عظم حقهما قرن النبي ﷺ عقوقهما بالشرك بالله ، فعن أبي بكرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟))

стр. 25

ثلاثاً. قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((الإشراك بالله، وعقوق الوالدين)) وجلس وكان متكئاً, فقال: ((ألا وقول الزور)) فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت (١). وعن عمير بن قتادة الليثي، أن رجلاً قال: يا رسول الله! ما الكبائر؟ فقال: ((هن تسع ... فذكر معناه [أي معنى حديث أبي هريرة المتفق عليه في السبع الموبقات] (٢) وزاد: ((وعقوق الوالدين،

стр. 26

واستحلال البيت الحرام: قبلتكم أحياءً, وأمواتاً)) (١). وعن أنس ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن الكبائر قال: ((الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور)) (٢). وعن المغيرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن الله حرَّم عليكم عقوق الأمهات, ومنعاً وهات، ووأد البنات، وكره لكم: قيل وقال, وكثرة السؤال, وإضاعة المال)) (٣).

стр. 27

١٦ - من بر الوالدين الاعتراف بفضلهما والدعاء لهما ، فعن أبي مرة مولى أمِّ هانئ بنت أبي طالب: ((أنه ركب مع أبي هريرة إلى أرضه بـ[العقيق] فإذا دخل أرضه صاح بأعلى صوته: عليكِ السلامُ ورحمةُ الله وبركاتُه يا أمَّتاه! تقول: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، يقول: رحمكِ اللهُ كما ربيتيني صغيراً، فتقول: يا بُنيَّ! وأنت، فجزاك الله خيراً ورضي عنك كما بررتني كبيراً)) (١). ١٧ - بر الوالدين وصية رسول الله ﷺ -؛ لحديث أبي الدرداء ﵁ قال: أوصاني رسول الله ﷺ بتسع: ((لا تشرك بالله شيئاً وإن قُطِّعتَ أو حُرِّقت، ولا تتركنّ الصلاة المكتوبة

стр. 28

متعمداً, ومن تركها متعمِّداً برئت منه الذمة (١)، ولا تشربنَّ الخمر؛ فإنها مفتاح كل شر، وأطع والديك وإن أمراك أن تخرج من دنياك، فاخرج لهما، ولا تُنازعنَّ ولاة الأمر, وإن رأيت أنك أنت (٢)، ولا تفرَّ من الزحف وإن هلكت وفرَّ أصحابك، وأنفق من طولك (٣) على أهلك، ولا ترفع عصاك عن أهلك (٤)

стр. 29

وأخفهم في الله ) (١). ١٨ - ولعظم حق الوالدين كان الولد وما ملك لوالده ؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄: أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن لي مالاً وولداً, وإن والدي يجتاحُ مالي (٢)؟ قال: ((أنت ومالك لوالدك؛ فإن أولادكم من أطيب كسبكم, فكلوا من كسب أولادكم)). وفي لفظٍ لابن ماجه: إن أبي اجتاح مالي، فقال: ((أنت ومالك

стр. 30

لأبيك)) (١). ١٩ - دعوة الوالدين مستجابة . ففي حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلاً عابداً، وكان في صومعة له، فأتته أمه وهو يصلي, فقالت: يا جريج أنا أمك كلمني، فقال: يا ربِّ أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، وفي اليوم الثاني كذلك فأقبل على صلاته، وفي اليوم الثالث أتته، فقال: ربِّ أمِّي وصلاتي فأقبل على صلاته، قالت: ((اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات)) فاستجاب الله دعاءَها فبهتته بغي من بني إسرائيل حامل من الزنا، وقالت: هو الذي فعل بها، فعذب وهدمت صومعته، وأخيراً أنجاه الله بعد العقوبة العاجلة (٢).

стр. 31

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهنَّ: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم)) (١). ٢٠ - ولعظم حقهما أكرم الله من برهما بإجابة دعواته، ومن ذلك حديث الثلاثة الذين انحدرت عليهم صخرة عظيمة, فأغلقت عليهم باب الغار؛ فإن منهم رجلاً كان برًّا بوالديه، فتوسل بذلك العمل الصالح فاستجاب الله دعاءه (٢).

стр. 32

ومن ذلك إخبار النبي ﷺ عن أفضل التابعين, وأنه لو أقسم على الله لأبره، والسبب أن له والدة هو بها برٌّ (١). ٢١ - ولعظم حق الوالدين حرم الله الجنة على من عقهما؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: ((ثلاثة قد حرَّم الله ﵎ عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاقُّ, والديُّوثُ الذي يقر في أهله الخبث)) (٢). ٢٢ - ولعظم حق الوالدين أن الله لا ينظر إلى من

стр. 33

عقَّ والديه يوم القيامة؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث، وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن على الخمر، والمنَّان بما أعطى)) (١). ٢٣ - ولعظم حق الوالدة جعل الله الخالة بمنزلتها عند فقدها ؛ لحديث البراء بن عازب ﵄، عن النبي ﷺ قال: ((الخالة بمنزلة الأم)) (٢)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄: أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أصبت ذنباً عظيماً فهل لي من توبة؟ قال: ((هل لك

стр. 34

من أمٍّ؟)) قال: لا، قال: ((هل لك من خالةٍ؟)) قال: نعم، قال: ((فَبِرَّها)) (١). رابعاً: أنواع البر التي يوصل بها الوالدان بعد موتهما ، كثيرة متنوعة، ولكن منها على سبيل المثال ما يأتي: ١ - الاستغفار لهما ؛ لقول الله تعالى ذاكراً دعاء إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (٢). وقال تعالى ذاكراً دعاء نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ (٣)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله ليرفع الدرجة

стр. 35

للعبد الصالح في الجنة, فيقول: يا ربّ أنَّى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك)) (١). وقال أبو هريرة ﵁: ((ترفع للميت بعد موته درجتُه، فيقول: أي ربِّ أي شيء هذه؟ فيقال: ولدك يستغفر لك)) (٢). ٢ - الدعاء لهما ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له)) (٣). ٣ - قضاء الدين عنهما ؛ لحديث أبي هريرة

стр. 36

رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((نفس المؤمن معلقة بدَينه, حتى يقضى عنه)) (١). ولحديث عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ((يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين)) (٢). ٤ - قضاء النذور عنهما: كنذر الصيام، والحج أو العمرة، أو غير ذلك مما تدخله النيابة. ٥ - قضاء الكفارات عنهما: ككفارة اليمين، وكفارة قتل الخطأ، وغير ذلك؛ لدخول هذه الواجبات في قوله في حديث ابن عباس رضي الله

стр. 37

عنهما، وفيه: أن امرأة نذرت أن تصوم شهراً، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابة لها إما أختها أو ابنتها إلى النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: ((أرأيتك لو كان عليها دَين كنتِ تقضينه؟)) قالت: نعم، قال: ((فدَين الله أحقُّ أن يقضى)) (١). فكل الديون لله تعالى الواجبة: من الكفارات، والنذور، وفرض الحج والعمرة، والصوم، تدخل في قوله ﵊: ((فدين الله أحق أن يقضى)). ٦ - تنفيذ وصيتهما إن كان لهما وصية، الثلث فأقل؛ وإنفاذ الوصية واجب، والإسراع بالتنفيذ: إما واجب أو مستحب، فإن كانت في واجب فللإسراع في إبراء الذمة، وإن كانت في تطوع؛ فللإسراع في الأجر لهما، وينبغي أن تنفذ قبل الدفن.

стр. 38

٧ - قضاء صيام الفرض من رمضان عنهما ؛ لقوله ﷺ في حديث عائشة ﵂: ((من مات وعليه صيام صام عنه وليُّه)) (١). ٨ - صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ؛ لحديث أبي بردة ﵁ قال: ((قدمت المدينة فأتاني عبد الله بن عمر، فقال: أتدري لِمَ أتيتك؟ قال: قلت: لا، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه بعده)) وإنه كان بين أبي عمر وبين أبيك إخاءٌ ووُدٌّ، فأحببت أن أصل ذاك)) (٢).

стр. 39

٩ - إكرام صديقهما من بعدهما؛ لحديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن أبرَّ البر صلةُ الولدِ أهلَ وُدِّ أبيه)) (١). وإذا كان من الإحسان إلى الميت الإحسان إلى أصدقائه, فالوالد والوالدة أولى بذلك الإحسان بعد موتهما؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ما غرت على امرأةٍ من نساء النبي ﷺ ما غرتُ على خديجة؛ لكثرة ذكره إيَّاها، وما رأيتُها قط، وكان رسول الله ﷺ إذا ذبح الشاة، يقول: ((أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة)) فأغْضَبْتُهُ يوماً فقلتُ: خديجة؟! فقال رسول الله ﷺ ((قد رُزقتُ حبَّهَا)) وفي لفظ: (( ... وإن كان ليذبح الشاة ثم يهديها إلى خلائلها)) (٢).

стр. 40

١٠ - الصدقة عنهما ؛ لحديث سعد بن عبادة ﵁، أن أمه توفيت، فقال: يا رسول الله! إن أُمي تُوفِّيتْ وأنا غائب عنها، أينفعها شيء إن تصدقت به عنها؟ قال: ((نعم)) قال: فإني أشهِدُك أن حائطي المخراف (١) صدقةٌ عليها)) (٢). فبر الوالدين يكون في حياتهما وبعد موتهما، فمن فاته الإحسان إلى والديه في حياتهما فقد جعل الله له ذلك بعد موتهما، سواء كان ذلك بالصدقة عليهما، أو الاستغفار، والدعاء، وقضاء الديون، والنذور، والكفارات، أو إنفاذ عهدهما من بعدهما، أو صلة الرحم التي لا
следующие страницы →