← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96491

سلامة الصدر

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (73 стр.). Показаны 36–73 · переход к 41.

стр. 36

ثالثاً: أسباب العداوة والشحناء كثيرة يجب الابتعاد عنها، ومنها ما يأتي: ١ - تحريش الشيطان بين الناس ؛ ليسبب العداوة بينهم؛ لحديث جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم)) (١). والمعنى أنه يُغيِّر القلوب فيدخل فيها البغضاء والتقاطع، ويسعى في التحريش بين الناس بالخصومات والشحناء، والحروب، والفتن (٢). ٢ - بعث الشيطان سراياه بين الناس؛ لإفسادهم؛ لحديث جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن عرش إبليس على البحر،

стр. 37

فيبعث سراياه فيفتنون الناس، فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة)) وفي لفظ: ((فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئاً، ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه، ويقول: نِعْمَ أنت)) قال الأعمش: أراه قال: ((فيلتزمه)) (١). قال الإمام النووي ﵀: ((العرش هو سرير الملك، ومعناه: أن مركزه البحر، ومنه يبعث سراياه في نواحي الأرض. وقوله: ((فيدنيه منه ويقول: نِعْمَ أنت)) بكسر النون وإسكان العين، وهي نعم الموضوعة للمدح، فيمدحه؛ لإعجابه بصنعه، وبلوغه الغاية التي أرادها، وقوله:

стр. 38

((فيلتزمه)) أي يضمه إليه ويعانقه)) (١). ٣ - قرين الإنسان من أسباب البلاء والفتنة والشر ؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما منكم من أحد إلا وقد وكِّل به قرينه من الجن)) قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: ((وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم, فلا يأمرني إلا بخير)) (٢). وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلاً، قالت: فغرت عليه, فجاء فرأى ما أصنع, فقال: ((مالكِ يا عائشة أغرت؟)) فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟! فقال رسول الله ﷺ : ((قد جاءك شيطانك)) قلت: يا رسول الله:

стр. 39

أومعي شيطان؟! قال: ((نعم)) قلت: ومع كل إنسان؟ قال: ((نعم)) ومعك يا رسول الله؟ قال: ((نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم)) (١). والظاهر أن شيطان النبي ﷺ صار مؤمناً لا يأمر النبي ﷺ إلا بخير، وفي هذا الحديث إشارة إلى التحذير من فتنة القرين، ووسوسته، وإغوائه، فأعلمنا النبي ﷺ أنه معنا؛ لنحترز منه بحسب الإمكان (٢). ٤ - النميمة من أسباب زرع البغضاء والحقد في قلوب الناس ؛ ولعظم خطرها حذر منها النبي ﷺ ، ففي حديث حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يدخل الجنة نمَّام)). وفي لفظ: ((لا يدخل الجنة قتَّات)) (٣). النمام هو القتات،

стр. 40

والقتات هو النمام؛ ولكن النمام هو الذي يحضر القصة فينقلها، والقتات الذي يستمع من حيث يعلم به فينقل ما سمعه (١). والنميمة هي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد؛ ولهذا فالنمام هو شر الناس؛ لحديث أبي هريرة ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((إن شر الناس ذو الوجهين, الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه)). وفي لفظ: ((تجدُ من شرار الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه)) (٢). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن

стр. 41

محمداً ﷺ قال: ((ألا أنبئكم ما العَضْهُ؟ هي النميمة القالةُ بين الناس)) (١). والعضه: الفاحش الغليظ التحريم، وهو البهت (٢) , قال يحيى بن أبي كثير: ((يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة)) (٣). فمن السحر: السعي بالنميمة، والإفساد بين الناس (٤). وغير ذلك من أسباب الشر والفساد والإفساد بين الناس، فعلى المسلم أن يبتعد عن الأسباب التي تزرع العداوة والبغضاء، والله المستعان.

стр. 42

رابعاً: أسباب سلامة الصدر التي تذيب الأحقاد، وتجلب المودة بين الناس كثيرة، منها ما يأتي: ١ - الابتعاد عن الوقوع في الذنوب والمعاصي ؛ لأنها أسباب كل شر، فعن أنس ﵁ يرفعه: ((ما توادّ اثنان في الله أو في الإسلام، فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما)) (١). فيجب على العبد التوبة إلى الله تعالى من جميع الذنوب، والإنابة والرجوع إلى الله سبحانه، ومحبته بكل القلب، والإقبال عليه، والتنعُّم بعبادته . ٢ - دفع السيئة بالحسنة ، من أسباب سلامة

стр. 43

القلوب، وقد جعل الله تعالى للمسلم مخرجاً من أعدائه: شياطين الإنس، والجن، فالعدو الذي يُرى بالعين وهو شيطان الإنس، فالمخرج منه: بالإعراض عنه، والعفو، والدفع بالتي هي أحسن، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (١). أما العدو الثاني فهو شيطان الجن، والمخرج منه الاستعاذة بالله منه، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢). وما أحسن ما قاله القائل: فما هو إلا الاستعاذة ضارعاً ... أو الدفع بالحسنى هما خير مطلوب فهذا دواء الداء من شر ما يُرى ... وذاك دواء الداء من شر محجوب (٣)

стр. 44

٣ - نور الإيمان الصادق الذي يقذفه الله تعالى في قلب العبد مع العمل الصالح من أعظم أسباب سلامة الصدر. ٤ - العلم النافع مع العمل الصالح فكلما اتسع علم العبد انشرح صدره واتسع. ٥ - دوام ذكر الله تعالى على كل حال ، وفي كل موطن، فللذكر تأثير عجيب في سلامة الصدر وانشراحه، ونعيم القلب، وزوال الهم والغم. ٦ - ترك فضول النظر ، والكلام، والاستماع، والمخالطة، والأكل، والنوم؛ فإن ترك ذلك من أسباب شرح الصدر وسلامته، ونعيم القلب وزوال همه وغمه. ٧ - النظر إلى من هو دونك ولا تنظر إلى من هو فوقك، في العافية وتوابعها، والرزق وتوابعه، يسبب سلامة الصدر وانشراحه.

стр. 45

٨ - اعتماد القلب على الله ، والتوكل عليه، وحسن الظن به ؛ فإن ذلك من أعظم أسباب سلامة الصدر. ٩ - إفشاء السلام ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أَوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)) (١). ١٠ - الهدية تجلب المحبة؛ لحديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((تهادوا تحابوا)) (٢). ١١ - الصدقة والإحسان ما أمكن؛ فإن لذلك تأثيراً عجيباً في سلامة الصدور؛ ولهذا بين النبي ﷺ

стр. 46

أن أفضل الصدقة: ((على ذي الرحم الكاشح)) (١). والمعنى أن أفضل الصدقة على ذي الرحم الذي يضمر عداوته ويطوي عليها باطنه، وهو ذو الرحم القاطع الذي يضمر عداوته في كشحه: وهو باطنه، وخصره (٢). والإحسان إلى الخلق بأنواع الإحسان؛ فإن الكريم المحسن: أسلم الناس صدراً، وأطيبهم نفساً، وأنعمهم قلباً. ١٢ - الهُدى والتوحيد الخالص من أعظم أسباب سلامة الصدر، كما أن الضلال والشرك من أعظم أسباب الحقد والغل، والبغضاء, والحسد.

стр. 47

١٣ - لا يطلب العبد الشكر على المعروف الذي بذله ، وأحسن به إلا من الله، ويعلم أن هذا معاملة منه مع الله، فلا يبالي بشكر من أنعم عليه: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (١). ويتأكد هذا في معاملة الأهل والأولاد. ١٤ - ترك العتاب على ما حصل من الأقرباء وغيرهم في الماضي ، ونسيان كل خطأ وقع فيه بعضهم، فلا يعاتب على ما مضى؛ لحظ النفس، إلا إذا كان في هذا العتاب مصلحة راجحة, كما عاتب النبي ﷺ كعب بن مالك وصاحبيه، والله تعالى أعلم (٢). ١٥ - يعلم أن أذية الناس لا تضره خصوصاً في الأقوال الخبيثة ، بل تضرهم، فلا يضع لها بالاً، ولا فكراً؛ حتى يكون صدره سليماً بإذن الله تعالى.

стр. 48

١٦ - الرغبة في الأجر والثواب الذي يحصل بسبب العفو والصفح ، لقول الله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). وقد عفى النبي ﷺ وأصحابه وأهل العلم والإيمان عمن أخطأ كثيراً، فتنقلب العداوة محبة، ومن أمثلة ذلك ما يأتي: المثال الأول: عفو النبي ﷺ في مواقف كثيرة عظيمة، منها عفوه عن قومه حينما بعث الله إليه ملك الجبال (٤)، وحينما ضربوه في أُحد في المعركة وكسروا رباعيته، ومع ذلك طلب لهم المغفرة: ((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)) (٥). وعفوه عن

стр. 49

ثمامة بن أثال (١)، وعن الأعرابي الذي أراد قتله تحت الشجرة (٢)، وعفوه عن اليهودي زيد بن سعنة (٣)، وعفوه ﵊ عن الرجل الأعرابي الذي بال في المسجد (٤)، وعن معاوية بن الحكم (٥)، وعن قبيلة دوس من زهران (٦)، وله ﷺ مواقف كثيرة في العفو, والرفق، والحلم،

стр. 50

لا تحصر (١). المثال الثاني: حديث عقبة بن عامر قال: لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته فأخذت بيده, قال: فقلت: يا رسول الله! ما نجاة المؤمن؟ قال: ((يا عقبة: احْرُسْ لسانك)). وفي لفظ: ((امْلِك لسانك، ولْيَسَعْكَ بيتك، وابك على خطيئتك)) الحديث وفيه: ثم لقيته، فقلت: يا رسول الله! أخبرني بفواضل الأعمال؟ فقال: ((يا عقبة: صِلْ من قطعك، وأعطِ من حرمك، وأعرض عمن ظلمك))، وفي لفظ: ((واعفُ عمن ظلمك)) (٢). المثال الثالث: عفو يوسف عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام فقد عفى عن إخوته وقد

стр. 51

ظلموه ظلماً عظيماً، قال تعالى في ذلك أنهم قالوا: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (١). المثال الرابع: عفو وصفح أبي بكر الصديق ﵁، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). عندما نزلت هذه الآية قال أبو بكر ﵁: بلى والله إنا نحب أن تغفر لنا يا ربنا، ثم رجَّع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة، وقال: والله لا أنزعها أبداً، في مقابلة ما كان قال: ((والله لا

стр. 52

أنفعه بنافعة أبداً))، وهذه الآية نزلت في الصديق ﵁ حينما حلف أن لا ينفع ابن خالته مسطح بنافعة بعدما حصل منه ما حصل بسبب الخوض في قصة الإفك، وقد تاب مسطح ﵁ وأقيم عليه حد القذف، فعفى الصديق عما حصل من قريبه، ووصله بالنفقة، وهذا يدل على الرغبة فيما عند الله تعالى؛ ولهذا كان الصديق هو الصديق ﵁ وعن بنته (١). المثال الخامس: الصفح أبلغ من العفو، وقد أمر الله بالعفو والصفح، والعفو هو التجاوز عن الذنب، وترك العقاب عليه (٢)، أما الصفح فهو أبلغ من العفو؛ لأن الصفح هو ترك التثريب، والإعراض عن الذنب، وتجاوز الصفحة التي كتب

стр. 53

فيها الذنب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (١). وقد يعفو الإنسان ولا يصفح: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ (٢). ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (٣). ويُقال: صفحت عنه: أي أوليته مني صفحة جميلة معرضاً عن ذنبه (٤). ١٧ - الرغبة فيما عند الله تعالى ، لمن كظم غيظاً، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥). وعن معاذ بن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه

стр. 54

دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره الله من الحور العين ما شاء)) (١). وعن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: ((المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجراً من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)). هذا لفظ ابن ماجه، ولفظ الترمذي: ((المسلم إذا كان مخالطاً الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)) (٢).

стр. 55

١٨ - الدعاء بإذهاب سخيمة القلب ، فقد كان من دعاء النبي ﷺ : ((ربِّ أعني ولا تعن عليَّ ... )) الحديث وفيه ((وسدد لساني واسلل سخيمة قلبي)) (١). والسخيمة الحقد في النفس والقلب، وقد سأل النبي ﷺ ربه أن يخرج هذا الداء من قلبه فلا يبقى فيه شيء من هذا الدال العضال (٢). ١٩ - صوم رمضان مع صوم ثلاثة أيام من كل شهر يذهبن حقد، وغش، ووسوسة الصدر ؛ لقول النبي ﷺ : ((صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل

стр. 56

شهر، يذهبن وَحَرَ الصدر)) (١). ووحر الصدر: هو غشه، ووساوسه, وقيل: الحقد والغيظ, وقيل: العداوة, وقيل: أشد الغضب (٢). فمن حافظ على صيام ثلاثة أيام من كل شهر مع صيام رمضان، ذهب عنه بإذن الله تعالى: حسد قلبه، وغشه، وحقده، ووساوسه، وغضبه وغيظه. ٢٠ - طهارة القلب وسلامته من الغل والحسد من أسباب السلامة ، وهذا أساس في سلامة الصدر، فيجب إخراج دغل (٣) القلب من الصفات المذمومة

стр. 57

التي توجب ضيقه وعذابه: كالحسد، والبغضاء، والغل، والعداوة، والشحناء، والبغي؛ ولهذا أمثلة كثيرة منها، ما يأتي: المثال الأول: ما أخبر الله به عن أصحاب النبي ﷺ -، وبيانه سبحانه سلامة صدورهم من الغل، والحسد، قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١).

стр. 58

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ أي لا يجد الأنصار في أنفسهم حسداً للمهاجرين فيما فضلهم الله به من المنزلة، والشرف، والتقديم في الذكر، والرتبة (١). وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. قال ابن كثير ﵀: ((هؤلاء القسم الثالث ... وهم المهاجرون، ثم الأنصار، ثم التابعون ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي بغضاً وحسداً)) (٢). المثال الثاني: ما بيَّنه النبي ﷺ في فضل ومكانة صاحب القلب السالم من الحقد والبغضاء والحسد ، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قيل:

стр. 59

يا رسول الله! أي الناس أفضل؟ قال: ((كلُّ مخموم القلب صدوق اللسان))، قالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: ((هو التقيُّ، النقيُّ، لا إثم فيه، ولا بَغْيَ، ولا غِلَّ، ولا حَسَدَ)) (١). المثال الثالث: ما جاء في حديث أنس بن مالك ﵁ في قصة الرجل الذي شهد له رسول الله ﷺ بالجنة ثلاث مرات في ثلاثة أيام , فتابعه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ ليقتدي به، فبقي معه ثلاثة أيام فلم يرَ عملاً زائداً على عمله، ولم يقم من الليل شيئاً, إلا أنه إذا استيقظ من الليل وتقلب على فراشه ذكر الله وكبره حتى يقوم لصلاة الفجر، ولم يسمعه يقول إلا خيراً،

стр. 60

فلما مضت الثلاث ليال كاد أن يحتقر عبد الله عمل الرجل، فسأله وقال: ما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ﷺ ؟ فقال: ((ما هو إلا ما رأيتَ غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غِشًّا، ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه))، فقال عبد الله بن عمرو: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق (١). وهذا كله يؤكد على كل مسلم أن يسأل الله أن يطهر قلبه من الحقد، والحسد، والبغضاء للمسلمين، وأن يطهر لسانه من قول الزور، ومن كل ما يغضب الله ، والله المستعان.

стр. 61

٢١ - إصلاح ذات البين من أعظم الأسباب للسلامة من الضغائن، والأحقاد، والقطيعة والشحناء؛ لما في ذلك من الفضل العظيم؛ ولهذا الفضل قال الله : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١). وقال : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٢). وقال : ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٣). وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كلُّ سُلامَى (٥) من الناس عليه صدقة كلَّ يوم تطلع فيه

стр. 62

الشمس: تعدل بين الاثنين صدقة (١)، وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكلُّ خطوَةٍ تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط (٢) الأذى عن الطريق صدقة)) (٣).

стр. 63

وعن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، ويقول خيراً، وينمي (١) خيراً (٢)). قالت: ((ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها)) (٣). وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام، والصلاة، والصدقة؟)) قالوا: بلى، قال: ((إصلاح

стр. 64

ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة)) (١)، وهذا يؤكد أهمية إصلاح ذات البين. وعن الزبير بن العوام ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بما يُثبِّتُ ذلك لكم؟ أفشوا السلام بينكم)) (٢).

стр. 65

٢٢ - إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم: هذه الخصال تنفي الغل، وغش القلب، وسخائمه، وفساده، وحقده؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: ((نضَّر الله امرأً سمع مقالتي، فوعاها، وحفظها، وبلَّغها، فرُبَّ حامل فِقه إلى من هو أفقه منه، ثلاثٌ لا يغلُّ (١) عليهن قلب مسلم: إخلاصُ العمل لله، ومناصحةُ أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإن الدعوة تحيط من ورائهم)) (٢).

стр. 66

وقد شرح الإمام ابن القيم ﵀ هذا الحديث, شرحاً مفيداً, نافعاً، هذا نصُّه: قال ﵀: ((النبي ﷺ دعا لمن سمع كلامه ووعاه, وبلغه بالنضرة - وهي: البهجة, ونضارة الوجه, وتحسينه - ففي الترمذي (١) وغيره من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: ((نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي, فوعاها، وحفظها, وبلغها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه, ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)). ورَوَى هذا الأصل عن النبي ﷺ ابن مسعود,

стр. 67

ومعاذ بن جبل, وأبو الدرداء, وجُبير بن مُطْعِم, وأنس بن مالك, وزيد بن ثابت, والنُّعمان بن بشير. قال الترمذي: حديث ابن مسعود حديث حسن، وحديث زيد بن ثابت حديث حسن. وأخرج الحاكم في صحيحه (١) حديث جبير بن مطعم والنعمان بن بشير. وقال في حديث جبير: على شرط البخاري ومسلم. ولو لم يكن في فضل العلم إلا هذا وَحْدَهُ لكفى به شرفاً؛ فإن النبي ﷺ دعا لمن سمع كلامه ووعاه، وحفظه وبلَّغَهُ. وهذه هي مراتب العلم: أولها وثانيها: سماعهُ, وعَقْلُهُ؛ فإذا سمعهُ وعاهُ

стр. 68

بقَلْبِهِ؛ أي: عَقَلَهُ واستقرَّ في قلبه كما يستقرُّ الشيءُ الذي يُوعى في وعائه ولا يخرُجُ منه، وكذلك عَقْلُهُ هو بمنزلة عَقْل البَعيرِ والدابة ونحوها حتى لا تَشْرُدَ وتذهب؛ ولهذا كان الوعيُ والعَقْلُ قدراً زائداً على مُجرَّدِ إدراك المعلوم. المرتبة الثانية: تَعَاهُدُه وحِفْظُهُ حتى لا ينساه فيذهب. المرتبة الرابعة: تبليغه وبثه في الأمة؛ ليحصل به ثمرته ومقصوده؛ وهو بَثُّهُ في الأمة، فهو بمنزلة الكنز المدفون في الأرض الذي لا يُنْفَقُ منه وهو مُعَرَّضٌ لذهابه؛ فإنَّ العلم ما لم يُنْفَقْ منه ويُعَلَّم فإنه يوشك أن يذهب، فإذا أنفق منه نما وزكا على الإنفاق. فمن قام بهذه المراتب الأربع دخل تحت هذه الدعوة النبوية المتضمنة لجمال الظاهر والباطن؛ فإن

стр. 69

النَّضْرَةُ هي: البَهْجَةُ, والحسن الذي يُكساه الوجه من آثار الإيمان وابتهاج الباطن به وفرح القلبِ وسروره والتذاذه به، فتظهر هذه البهجة والسرور والفرحة نضارة على الوجه، ولهذا يجمع له سبحانه بين السرور والنَّضرة، كما في قوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ (١). فالنَّضْرَةُ في وُجوههم، والسرور في قلوبهم، فالنَّعيمُ وطيبُ القلبِ يُظهِرُ نضارةً في الوجهِ، كما قال تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ (٢). والمقصود أن هذه النَّضرة في وجه من سمع سنة رسول الله ﷺ , ووعاها, وحفظها, وبلَّغها: هي أثر تلك الحلاوة, والبهجة, والسرور الذي في قلبه وباطنه.

стр. 70

وقوله ﷺ : ((رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) تنبيه على فائدة التبليغ, وإن المبلَّغ قد يكون أفهم من المبلِّغ، فيحصل له في تلك المقالة ما يحصل للمبلِّغ. أو يكون المعنى: أن المبلَّغ قد يكون أفقه من المبلِّغ، فإذا سمع تلك المقالة حملها على أحسن وجوهها واستنبط فقهها وعَلِمَ المراد منها. وقوله ﷺ : ((ثلاث لا يُغلُّ عليهنَّ قلب مسلم ... )) إلى آخره، أي: لا يحمل الغِلَّ, ولا يبقى فيه مع هذه الثلاثة؛ فإنها تنفي: الغل, والغش, وفساد القلب, وسخائمه، فالمخلص لله إخلاصه يمنع غِلَّ قلبه، ويخرجه ويزيله جملة؛ لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه، فلم يبق فيه موضع للغلِّ والغش، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ

стр. 71

وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (١). فلما أخلص لربه صرف عنه دواعي السوء والفحشاء. ولهذا لما عَلِمَ إبليسُ أنه لا سبيل له على أهل الإخلاص استثناهم من شِرْطتِه التي اشترطها للغواية والإهلاك، فقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢). قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٣). فالإخلاص هو سبيل الخلاص، والإسلام مركبُ السلامة، والإيمان خاتم الأمان. وقوله: ((ومناصحة أئمة المسلمين))؛ هذا أيضاً منافٍ للغلِّ والغشِّ؛ فإن النصيحة لا تُجامع الغل، إذ هي ضده، فمن نصح الأئِمةَ والأمةَ فقد برئ من الغلِّ.

стр. 72

وقوله: ((ولزوم جماعتهم))؛ هذا أيضاً مما يُطَهِّرُ القلبَ من الغلِّ والغش؛ فإن صاحبه - للزومه جماعة المسلمين - يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لها، ويسوؤه ما يسوؤهم, ويسره ما يسرهم. وهذا بخلاف من انحاز عنهم واشتغل بالطعن عليهم والعيب والذم؛ كفعل الرافضة والخوارج, والمعتزلة, وغيرهم؛ فإن قلوبهم ممتلئةً غِلاًّ, وغشًّا؛ ولهذا تجدُ الرافضة أبعد الناس من الإخلاص، وأغشهم للأئمة والأمة، وأشدهم بُعداً عن جماعة المسلمين. فهؤلاء أشدُّ الناس غِلاًّ وغشًّا بشهادة الرسول والأمة عليهم، وشهادتهم على أنفسهم بذلك؛ فإنهم لا يكونون قطُّ إلا أعواناً وظَهراً على أهل الإسلام، فأيُّ عدوٍّ قام للمسلمين كانوا أعوان ذلك العدو وبطانته!

стр. 73

وهذا أمرٌ قد شاهدتْهُ الأمةُ منهم، ومن لم يشاهده فقد سمع منه ما يُصِمُّ الآذان ويُشجْي القلوب. وقوله: ((فإن دعوتهم تحيط من ورائهم))؛ هذا من أحسن الكلام, وأوجزه, وأفخمه معنىً؛ شبَّه دعوة المسلمين بالسُّورِ والسياج المحيط بهم، المانع من دخول عدوهم عليهم، فتلك الدعوةُ التي هي دعوة الإسلام - وهم داخلوها - لما كانت سُوراً وسياجاً عليهم أخبر أن من لزم جماعة المسلمين أحاطت به تلك الدعوة التي هي دعوة الإسلام كما أحاطت بهم، فالدعوة تجمع شمل الأمة, وتلم شعثها، وتحيط بها، فمن دخل في جماعتها أحاطت به وشملته (١). وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.