فصل القضاء، ووزنه لأعمالهم عدلٌ لا جور فيه (١)،كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (٢).
وهو سبحانه «الحكم» بالعدل في وصفه وفي فعله وفي قوله وفي حكمه بالقسط. وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٣)؛ فإنّ أقواله صدق، وأفعاله دائرة بين العدل والفضل، فهي كلها أفعال رشيدة، وحكمه بين عباده فيما اختلفوا فيه أحكام عادلة لا ظلم فيها بوجهٍ من الوجوه، وكذلك أحكام الجزاء والثواب والعقاب (٤).
٤٦ - القُدُّوسُ ، ٤٧ - السَّلامُ
قال اللَّه تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ
стр. 142
الْقُدُّوسُ السَّلامُ﴾ الآية (١).
«القدوس السلام» معناهما متقاربان؛ فإن القدوس مأخوذ من قدّس بمعنى: نزّهه وأبعده عن السوء مع الإجلال، والتعظيم، والسلام مأخوذ من السلامة. فهو سبحانه السالم من مماثلة أحد من خلقه، ومن النقص، ومن كل ما ينافي كماله (٢).
فهو الْمُقَدَّسُ الْمُعَظَّمُ الْمُنَزَّهُ عن كل سوء، السالم من مماثلة أحد من خلقه ومن النقصان، ومن كل ما ينافي كماله. فهذا ضابط ما يُنَزّهُ عنه: يُنَزَّهُ عن كل نقص بوجه من الوجوه، ويُنَزَّهُ ويعظَّمُ أن يكون له مثيل، أو شبيه، أو كفؤ، أو سمي، أو نِدٌّ، أو مُضَادٌّ، ويُنَزَّه عن نقص صفة من صفاته التي هي أكمل الصفات وأعظمها وأوسعها. ومن تمام تنزيهه عن ذلك إثبات صفات الكبرياء والعظمة له؛ فإنَّ التنزيه مُرَادٌ لغيره، ومقصودٌ به حفظ كماله عن الظنون
стр. 143
السيئة. كظنّ الجاهلية الذين يظنون به ظنَّ السوء، ظنّاً غير ما يليق بجلاله، وإذا قال العبد مُثْنِياً على ربه: «سبحان اللَّه»، أو «تقدّس اللَّه»، أو «تعالى اللَّه» ونحوها كان مُثْنِياً عليه بالسلامة من كل نقص وإثبات كل كمال (١).
قال الإمام ابن القيم ﵀ في اسم «السلام»: [اللَّهُ] أحق بهذا الاسم من كل مسمىً له؛ لسلامته سبحانه من كل عيب ونقص من كل وجه، فهو السلام الحق بكل اعتبار، والمخلوق سلام بالإضافة، فهو سبحانه سلام في ذاته عن كل عيب ونقص يتخيله وَهْمٌ، وسلام في صفاته من كل عيب ونقص، وسلام في أفعاله من كل عيب ونقص وشر وظلم وفعل واقع على غير وجه الحكمة، بل هو السلام الحق من كل وجه وبكل اعتبار، فَعُلِمَ أن استحقاقه تعالى لهذا الاسم أكمل من استحقاق كل ما يطلق عليه، وهذا هو حقيقة التنزيه الذي نزّه به نفسه، ونزّهه به رسوله،
стр. 144
فهو السلام من الصاحبة والولد، والسلام من النظير والكفء والسمي والمماثل، والسلام من الشريك؛ ولذلك إذا نظرت إلى أفراد صفات كماله وجدت كل صفة سلاماً مما يضاد كما لها:
فحياته سلام من الموت ومن السِّنةِ والنوم، وكذلك قيّوميّته وقدرته سلام من التعب واللغوب، وعلمه سلام من عزوب شيء عنه، أو عروض نسيان أو حاجة إلى تَذَكُّرٍ وتَفَكُّرٍ، وإرادته سلام من خروجها عن الحكمة والمصلحة، وكلماته سلام من الكذب والظلم، بل تمت كلماته صدقاً وعدلاً، وغناه سلام من الحاجة إلى غيره بوجه ما، بل كل ما سواه محتاج إليه وهو غنى عن كل ما سواه، وملكه: سلام من منازع فيه، أو مشارك، أو معاون مظاهر، أو شافع عنده بدون إذنه، وإلاهيته سلام من مشارك له فيها، بل هو اللَّه الذي لا إله إلا هو، وحلمه وعفوه وصفحه ومغفرته وتجاوزه سلام من أن تكون عن حاجة منه أو ذل أو مصانعة كما يكون من غيره، بل هو محض جوده
стр. 145
وإحسانه وكرمه، وكذلك عذابه وانتقامه وشدة بطشه وسرعة عقابه سلام من أن يكون ظُلْماً، أو تَشَفِيَّاً، أو غِلْظَةً، أو قَسْوةً، بل هو محضُ حِكْمته وعَدْلِهِ ووَضْعِه الأشياءَ مَوَاضِعَها، وهو مما يَستَحِقُّ عليهَ الحمدَ والثناءَ كما يَستحِقُّه عَلى إحسانِهِ، وثَوَابِهِ، ونِعَمِهِ، بلْ لوْ وُضعَ الثوابُ مَوْضِعَ العقوبةِ لكان مُناقِضَاً لحكمتِهِ ولِعِزَّتِهِ، فوضْعُه العقوبةَ موضِعَها هو من عَدْلِهِ، وحِكْمَتِه، وعِزَّتِهِ، فهو سَلامٌ مما يَتوَهَّم أعداؤه الجاهلون به من خِلافِ حكمتِهِ.
وقضاؤه وقَدَره سلامٌ من العَبَثِ والجَورِ والظُّلْمِ، ومن تَوَهّم وقوعَه عَلى خِلافِ الحكمةِ البالغةِ. وشرعه ودينه سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب وخلاف مصلحة العباد ورحمتهم والإحسان إليهم وخلاف حكمته، بل شرعه كله حكمة، ورحمة، ومصلحة، وعدل، وكذلك عطاؤه سلام من كونه معاوضة أو لحاجة إلى المعطى.
ومنعه سلام من البخل وخوف الإملاق، بل عطاؤه
стр. 146
إحسان محض لا لمعاوضة ولا لحاجة، ومنعه عدل محض وحكمة لا يشوبه بخل ولا عجز.
واستواؤه وعلوّه على عرشه سلام من أن يكون مُحْتَاجاً إلى ما يحمله أو يستوي عليه، بل العرش محتاج إليه وحملته محتاجون إليه، فهو الغني عن العرش وعن حملته وعن كل ما سواه، فهو استواء وعلوّ لا يشوبه حصر ولا حاجة إلى عرش ولا غيره ولا إحاطة شيء به ، بل كان سبحانه ولا عرش، ولم يكن به حاجة إليه وهو الغني الحميد، بل استواؤه على عرشه واستيلاؤه على خلقه من موجبات ملكه وقهره من غير حاجة إلى عرش ولا غيره بوجهٍ ما.
ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا سلام مما يُضادّ عُلوَّه، وسلام مما يضاد غناه. وكماله سلام من كل ما يَتوهّم مُعَطِّلٌ أو مُشَبِّهٌ، وسلام من أن يصير تحت شيء أو محصوراً في شيء، تعالى اللَّه ربنا عن كل ما يُضادُّ كمالَه.
стр. 147
وغناه وسمعه وبصره سلام من كل ما يتخيّله مُشَبِّه أو يتقوّله مُعَطِّل. وموالاته لأوليائه سلامٌ من أن تكون عن ذُلٍّ كما يوالي المخلوق المخلوق، بل هي موالاة رحمة، وخير، وإحسان، وبرّ كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا * وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ (١)، فلم ينف أن يكون له وليّ مطلقاً، بل نفى أن يكون له وليٌّ من الذُّلِّ.
وكذلك محبته لمحبيه وأوليائه سلام من عوارض محبة المخلوق للمخلوق من كونها محبة حاجة إليه، أو تَمَلُّقٍ له، أو انتفاع بقربه، وسلام مما يتقوّله المُعَطِّلون فيها.
وكذلك ما أضافه إلى نفسه من اليد والوجه، فإنّه سلام عما يتخيَّله مُشَبِّه أو يتقوَّله مُعَطِّل.
فتأمل كيف تضمّن اسمه السلام كلّ ما نُزّه عنه ﵎. وكم ممن حفظ هذا الاسم لا يدري ما تضمنه من
стр. 148
هذه الأسرار والمعاني واللَّه المستعان (١).
٤٨ - البَرُّ ، ٤٩ - الوَهَّابُ
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ (٣).
من أسمائه تعالى: «البرّ الوهّاب» الذي شمل الكائنات بأسرها بِبِرِّهِ وهباته وكرمه، فهو مولى الجميل ودائم الإحسان وواسع المواهب، وصفُه البَرُّ وآثار هذا الوصف جميع النعم الظاهرة والباطنة، فلا يستغني مخلوق عن إحسانه وبِرِّه طرفة عين.
وإحسانه عام وخاص:
١ - فالعامّ المذكور في قوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ
стр. 149
شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ (١)، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ
شَيْءٍ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٣)، وهذا يشترك فيه البرُّ والفاجر وأهل السماء وأهل الأرض والمكلّفون وغيرهم.
٢ - والخاصّ رحمته ونعمه على المتقين حيث قال: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ الآية (٤)، وقال: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥)، وفي دعاء سليمان: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (٦)، وهذه الرحمة الخاصة التي يطلبها الأنبياء وأتباعهم، تقتضي التوفيق للإيمان، والعلم، والعمل، وصلاح الأحوال كلها، والسعادة الأبدية، والفلاح،
стр. 150
والنجاح، وهي المقصود الأعظم لخواص الخلق (١).
وهو سبحانه المتصف بالجود: وهو كثرة الفضل والإحسان، وجوده تعالى أيضاً نوعان:
النوع الأول: جودٌ مطلق عمَّ جميع الكائنات وملأها من فضله وكرمه ونعمه المتنوعة.
النوع الثاني: وجودٌ خاص بالسائلين بلسان المقال أو لسان الحال من برٍّ وفاجرٍ ومسلمٍ وكافرٍ، فمن سأل اللَّه أعطاه سؤله وأناله ما طلب، فإنه البرّ الرحيم: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ للَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ (٢). ومن جوده الواسع ما أعدَّه لأوليائه في دار النعيم مما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (٣).
٥٠ - الرَّحْمَنُ ، ٥١ - الرَّحِيمُ ، ٥٢ - الكَرِيمُ ، ٥٣ - الأكْرَمُ ، ٥٤ - الرَّءُوفُ
قال اللَّه تعالى: ﴿الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمينَ* لرَّحْمنِ
стр. 151
الرَّحِيمِ﴾ (١). الآيات، وقال تعالى: ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ
كَرِيمٌ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ﴾ (٣).
قال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀: الرحمنُ، الرحيمُ، والبرُ، الكريمُ، الجوادُ، الرؤوفُ، الوهابُ - هذه الأسماء تتقارب معانيها، وتدلّ كلُّها على اتصاف الرب، بالرحمة، والبر، والجود، والكرم، وعلى سعة رحمته ومواهبه التي عمَّ بها جميع الوجود بحسب ما تقتضيه حكمته. وخصَّ المؤمنين منها، بالنصيب الأوفر، والحظ الأكمل، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (٤) الآية. والنعم والإحسان، كله من آثار رحمته، وجوده، وكرمه.
стр. 152
وخيرات الدنيا والآخرة، كلها من آثار رحمته (١). وقال ابن تيمية ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٢)، سمّى ووصف نفسه بالكرم، وبأنه الأكرم بعد إخباره أنه خلق ليتبين أنه ينعم على المخلوقين ويوصلهم إلى الغايات المحمودة كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (٣)، ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (٤)، ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ (٥)، فالخلق يتضمن الابتداء والكرم تضمن الانتهاء. كما قال في سورة الفاتحة: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، ولفظ الكرم جامع للمحاسن والمحامد لا
стр. 153
يراد به مجرد الإعطاء بل الإعطاء من تمام معناه؛ فإن الإحسان إلى الغير تمام والمحاسن والكرم كثرة الخير ويسرته ... واللَّه سبحانه أخبر أنه الأكرم بصيغة التفضيل والتعريف لها. فدل على أنه الأكرم وحده بخلاف ما لو قال: «وربك الأكرم» فإنه لا يدل على الحصر. وقوله: ﴿الأَكْرَمُ﴾ يدل على الحصر، ولم يقل: «الأكرم من كذا» بل أطلق الاسم، ليبين أنه الأكرم مطلقاً غير مقيّد، فدلّ على أنه متصف بغاية الكرم الذي لا شيء فوقه ولا نقص فيه (١).
٥٥ - الْفَتَّاحُ
قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ (٢).
الفاتح: الحاكم، والفتاح من أبنية المبالغة.
فالفتّاح هو الحكم المحسن الجواد، وفَتْحهُ
стр. 154
تعالى قسمان:
القسم الأول: فتحه بحكمه الديني وحكمه الجزائي.
القسم الثاني: الفتاح بحكمه القدري. ففتحه بحكمه الديني هو شرعه على ألسنة رسله جميعَ ما يحتاجه المكلفون، ويستقيمون به على الصراط المستقيم.
وأما فتحه بجزائه فهو فتحه بين أنبيائه ومخالفيهم وبين أوليائه وأعدائه بإكرام الأنبياء وأتْباعِهم ونجاتهم، وبإهانة أعدائهم وعقوباتهم. وكذلك فتحه يوم القيامة وحكمه بين الخلائق حين يوفّى كل عامل ما عمله.
وأما فتحه القدَري فهو ما يُقَدِّرُه على عباده من خير وشر ونفع وضرّ وعطاء ومنع، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١)، فالربّ تعالى هو الفتاح العليم الذي يفتح لعباده الطائعين خزائن جوده وكرمه، ويفتح على أعدائه ضد ذلك، وذلك بفضله
стр. 155
وعدله (١).
٥٦ - الرَّزَّاقُ ، ٥٧ - الرَّازِقُ
وهو مبالغة من: رازق للدلالة على الكثرة، والرزاق من أسمائه سبحانه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ (٢)، ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٣)، وقال النبي ﷺ : «إنَّ اللَّه هوَ المسَعِّرُ القابضُ الباسطُ الرَّازِقُ» (٤) ورزقه لعباده نوعان: عام، وخاص.
١ - فالعام إيصاله لجميع الخليقة جميع ما
стр. 156
تحتاجه في معاشها وقيامها، فسهَّل لها الأرزاق، ودبّرها في أجسامها، وساقَ إلى كل عضوٍ صغير وكبير ما يحتاجه من القوت، وهذا عام للبرِّ والفاجر والمسلم والكافر، بل للآدميين والجن والملائكة والحيوانات كلها.
وعام أيضاً من وجه آخر في حق المكلّفين؛ فإنه قد يكون من الحلال الذي لا تبعة على العبد فيه، وقد يكون من الحرام ويسمى رزقاً ونعمة بهذا الاعتبار، ويقال: «رزقه اللَّه» سواء ارتزق من حلال أو حرام، وهو مطلق الرزق.
٢ - وأما الرزق المطلق فهو النوع الثاني، وهو الرزق الخاص، وهو الرزق النافع المستمر نفعه في الدنيا والآخرة، وهو الذي على يد الرسول ﷺ ، وهو نوعان:
النوع الأول: رزق القلوب بالعلم والإيمان وحقائق ذلك، فإن القلوب مفتقرة غاية الافتقار إلى أن تكون عالمة بالحق مريدة له متألّهة للَّه متعبّدة،
стр. 157
وبذلك يحصل غناها ويزول فقرها.
النوع الثاني: رزق البدن بالرزق الحلال الذي لا تبعة فيه؛ فإنَّ الرزق الذي خصَّ به المؤمنين والذي يسألونه منه شامل للأمرين، فينبغي للعبد إذا دعا ربه في حصول الرزق أن يستحضر بقلبه هذين الأمرين، فمعنى «اللَّهم ارزقني» أي ما يصلح به قلبي من العلم والهدى والمعرفة ومن الإيمان الشامل لكل عمل صالح وخلق حسن، وما به يصلح بدني من الرزق الحلال الهنيّ الذي لا صعوبة فيه ولا تبعة تعتريه (١).
٥٨ - الْحَيُّ ، ٥٩ - الْقَيُّومُ
قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٣)، وقال :
стр. 158
﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلمًا﴾ (١)، الحيُّ القيُّوم من أسماء اللَّه الحُسنى.
و «الحي القيوم» جمعهما في غاية المناسبة كما جمعهما اللَّه في عدة مواضع في كتابه، وذلك أنهما محتويان على جميع صفات الكمال، فالحي هو كامل الحياة، وذلك يتضمن جميع الصفات الذاتية للَّه: كالعلم، والعزّة، والقدرة، والإرادة، والعظمة، والكبرياء، وغيرها من صفات الذات المقدسة، والقيّوم هو كامل القيّوميّة وله معنيان:
المعنى الأول: هو الذي قام بنفسه، وعظمت صفاته، واستغنى عن جميع مخلوقاته.
المعنى الثاني: هو الذي قامت به الأرض والسموات وما فيهما من المخلوقات، فهو الذي أوجدها وأمدَّها وأعدَّها لكل ما فيه بقاؤها وصلاحها وقيامها، فهو الغنيّ عنها من كل وجه وهي التي افتقرت إليه من كل وجه، فالحيُّ والقيُّوم من له صفة
стр. 159
كل كمال وهو الفَعَّالُ لما يريد (١).
٦٠ - نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ (٢)
قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء﴾ (٣)، وقال النبي ﷺ : «اللَّهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ... » (٤) الحديث.
وقال ﷺ : «إن اللَّه لا ينام، ولا ينبغي له أن
стр. 160
ينام، يخفض القسط ويرفَعُهُ، يُرفَعُ إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابُهُ النورُ لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصرُهُ من خلقه» (١).
قال العلاّمة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀: من أسمائه ﷻ ومن أوصافه «النور» الذي هو وصفه العظيم، فإنه ذو الجلال والإكرام، وذو البهاء والسبحات الذي لو كشف الحجاب عن وجهه الكريم لأحرقت سبحاته ما انتهى إليه بصره من خلقه، وهو الذي استنارت به العوالم كلها، فبنور وجهه أشرقت الظلمات، واستنار به العرش والكرسي والسبع الطباق وجميع الأكوان.
والنور نوعان:
١ - حسيٌّ كهذه العوالم التي لم يحصل لها نور إلا من نوره.
стр. 161
٢ - ونور معنوي يحصل في القلوب والأرواح بما جاء به محمد ﷺ من كتاب اللَّه وسنة نبيّه. فعلم الكتاب والسُّنَّة والعمل بهما ينير القلوب والأسماع والأبصار، ويكون نوراً للعبد في الدنيا والآخرة: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ (١)، لما ذكر أنه نور السموات والأرض، وسمّى اللَّه كتابه نوراً، ورسوله نوراً، ووحيه نوراً ...
ثم إن ابن القيم ﵀ حذّر من اغترار من اغترّ من أهل التصوف، الذين لم يُفَرِّقوا بين نور الصفات وبين أنوار الإيمان والمعارف؛ فإنّهم لمّا تألّهوا وتعبّدوا من غير فرقان وعلم كامل، ولاحت أنوار التعبد في قلوبهم؛ لأنّ العبادات لها أنوار في القلوب، فظنّوا هذا النور هو نور الذات المقدسة، فحصل منهم من الشطح والكلام القبيح ما هو أثر هذا الجهل والاغترار والضلال.
стр. 162
وأما أهل العلم والإيمان والفرقان فإنهم يُفَرِّقون بين نور الذات والصفات، وبين النور المخلوق الحسي منه والمعنوي، فيعترفون أن نور أوصاف الباري ملازم لذاته لا يفارقها، ولا يحلّ بمخلوق، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وأما النور المخلوق فهو الذي تتصف به المخلوقات بحسب الأسباب والمعاني القائمة بها.
والمؤمن إذا كَمُلَ إيمانه أنار اللَّه قلبه، فانكشفت له حقائق الأشياء، وحصل له فرقان يُفَرِّق به بين الحق والباطل، وصار هذا النور هو مادة حياة العبد وقوته على الخير علماً وعملاً، وانكشفت عنه الشبهات القادحة في العلم واليقين، والشهوات الناشئة عن الغفلة والظلمة، وكان قلبه نوراً، وكلامه نوراً، وعمله نوراً، والنور محيط به من جهاته.
والكافر، أو المنافق، أو المعارض، أو المعرض الغافل كل هؤلاء يتخبّطون في الظلمات، كل له من الظلمة بحسب ما معه من موادها وأسبابها، واللَّه
стр. 163
الموفق وحده (١).
٦١ - الرَّبُّ
قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢).
اللَّه هو: المُرَبِّي جميع عباده، بالتدبير، وأصناف النعم. وأخص من هذا، تربيته لأصفيائه، بإصلاح قلوبهم، وأرواحهم وأخلاقهم، ولهذا كثر دعاؤهم له بهذا الاسم الجليل؛ لأنهم يطلبون منه هذه التربية الخاصة.
٦٢ - الله
واللَّه هو المألوه المعبود، ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، لما اتصف به من
стр. 164
صفات الألوهية التي هي صفات الكمال، وقد تقدم أن هذا الاسم ترجع إليه جميع الأسماء، فيُقال: الرحمن من أسماء اللَّه، ولا يُقال: اللَّه من أسماء الرحمن، وهكذا في جميع الأسماء، واسم اللَّه تعالى هو الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى، والصفات العُلا (١).
٦٣ - المَلِكُ ، ٦٤ - المَلِيكُ ، ٦٥ - مَالِكُ المُلْكِ
قال اللَّه تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ
مُّقْتَدِرٍ﴾ (٣)، ﴿قُلِ اللَّهمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن
стр. 165
تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١).
فهو الموصوف، بصفة الملك. وهي صفات العظمة والكبرياء، والقهر والتدبير، الذي له التصرف المطلق، في الخلق، والأمر، والجزاء.
وله جميع العالم، العلوي والسفلي، كلهم عبيد ومماليك، ومضطرون إليه (٢).
فهو الربّ الحقّ، الملك الحقّ، الإله الحقّ، خلقهم بربوبيّته، وقهرهم بملكه، واستعبدهم بإلاهيته، فتأملْ هذه الجلالةَ وهذه العظمةَ التي تضمنتها هذه الألفاظ الثلاثة على أبدع نظام، وأحسن سياق رب الناس، ملك الناس، إله الناس، وقد اشتملت هذه الإضافات الثلاث على جميع قواعد الإيمان، وتضمنت معاني أسمائه الحسنى، أما تضمنها لمعاني أسمائه الحُسنى فإنّ «الربّ»: هو القادر، الخالق، البارئ، المصوِّرُ، الحيّ، القيّوم،
стр. 166
العليم، السميع، البصير، المحسن، المنعم، الجواد، المعطي المانع، الضارّ النافع، المُقَدِّم، المُؤَخِّر، الذي يُضِلُّ من يشاء، ويهدي من يشاء، ويُسعد من يشاء، ويُشقي ويُعزّ من يشاء، ويُذِلُّ من يشاء، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته التي له منها ما يستحقّه من الأسماء الحُسنى.
وأما «الملك» فهو الآمر، الناهي، المُعِزُّ، المُذِلُّ، الذي يُصرِّفُ أمور عباده كما يحبّ، ويقلّبهم كما يشاء، وله من معنى الملك ما يستحقّه من الأسماء الحسنى كالعزيز، الجبار، المتكبر، الحكَم، العدل، الخافض، الرافع، المُعِزُّ، المُذِلُّ، العظيمُ، الجليلُ، الكبيرُ، الحسِيبُ، المجيدُ، الوَليُّ، المُتَعَالِي، مَالكُ الملْكِ، المقْسِطُ، الجامعُ، إلى غير ذلك من الأسماء العائدة إلى الملك.
وأما «الإله»: فهو الجامع لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال، فيدخل في هذا الاسم جميع الأسماء الحسنى، ولهذا كان القول الصحيح إن اللَّه أصله الإله
стр. 167
كما هو قول سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذَّ منهم، وإنّ اسم اللَّه تعالى هو الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى والصفات العلا، فقد تضمنت هذه الأسماء الثلاثة جميع معاني أسمائه الحسنى، فكان المستعيذ بها جديراً بأن يُعاذ، ويُحفظ، ويُمنع من الوسواس الخناس، ولا يُسَلَّط عليه (١).
وإذا كان وحده هو ربنا، ومَلِكُنا، وإِلَهُنَا فلا مفزع لنا في الشدائد سواه، ولا ملجأ لنا منه إلا إليه، ولا معبود لنا غيره، فلا ينبغي أن يُدعى، ولا يُخاف، ولا يُرجى، ولا يُحب سواه، ولا يُذل لغيره، ولا يُخضع لسواه، ولا يتوكل إلا عليه؛ لأن من ترجوه، وتخافه، وتدعوه، وتتوكل عليه إما أن يكون مربيك، والقيّم بأمورك، ومتولّي شأنك، وهو ربّك فلا ربّ سواه، أو تكون مملوكه وعبده الحقّ، فهو ملك الناس حقاً، وكلهم عبيده ومماليكه، أو يكون معبودك وإلهك الذي لا تستغني عنه طرفة عين، بل حاجتك إليه
стр. 168
أعظم من حاجتك إلى حياتك، وروحك، وهو الإله الحق إله الناس الذي لا إله لهم سواه فمن كان ربهم، وملكهم، وإلَهَهُم فهم جديرون أن لا يستعيذوا بغيره، ولا يستنصروا بسواه، ولا يلجؤوا إلى غير حماه، فهو كافيهم، وحسبهم، وناصرهم، ووليّهم، ومتولّي أمورهم جميعاً بربوبيته، وملكه، وإلاهيته لهم. فكيف لا يلتجئ العبد عند النوازل ونزول عَدُوِّهِ به إلى ربِّه، ومالكِه، وإلَهِهِ؟ (١).
٦٦ - الوَاحِدُ ، ٦٧ - الأحَدُ
قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (٣).
وهو الذي توحّد بجميع الكمالات، بحيث لا يشاركه فيها مشارك.
стр. 169
ويجب على العبيد توحيده، عقداً، وقولاً، وعملاً، بأن يعترفوا بكماله المطلق، وتفرّده بالوحدانية، ويفردوه بأنواع العبادة (١).
والأحد، يعني: الذي تفرّد بكل كمال، ومجد وجلال، وجمال وحمد، وحكمة ورحمة، وغيرها من صفات الكمال.
فليس له فيها مثيل ولا نظير، ولا مناسب بوجه من الوجوه. فهو الأحد في حياته وقيّوميّته، وعلمه وقدرته، وعظمته وجلاله، وجماله وحمده، وحكمته ورحمته، وغيرها من صفاته، موصوف بغاية الكمال ونهايته، من كل صفة من هذه الصفات.
ومن تحقيق أحَدِيَّتِهِ وتفرّده بها أنه «الصمد»، أي: الرب الكامل، والسيد العظيم، الذي لم يبقَ صفة كمال إلا اتّصف بها. ووُصف بغايتها وكمالها، بحيث لا تُحيط الخلائق ببعض تلك الصفات
стр. 170
بقلوبهم، ولا تُعبّر عنها ألسنتهم (١).
٦٨ - المُتَكَبِّرُ
قال اللَّه تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢).
فهو سبحانه المتكبر عن السوء، والنقص والعيوب، لعظمته وكبريائه.
٦٩ - الْخَالِقُ ، ٧٠ - البَارِئُ ، ٧١ - المُصَوِّرُ ، ٧٢ - الْخَلاَّقُ
قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ الْبَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٣). ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ﴾ (٤).
الذي خلق جميع الموجودات وبرأها، وسوّاها
стр. 171
بحكمته، وصوّرها بحمده وحكمته، وهو لم يزل، ولا يزال على هذا الوصف العظيم.
٧٣ - المُؤمنُ
الذي أثنى على نفسه بصفات الكمال، وبكمال الجلال والجمال، الذي أرسل رسله، وأنزل كتبه بالآيات والبراهين. وصدق رسله بكل آية وبرهان، يدلّ على صدقهم وصحة ما جاءوا به.
٧٤ - المُهيمِنُ
المطلع على خفايا الأمور، وخبايا الصدور، الذي أحاط بكل شيء علماً (١). وقال البغوي: الشهيد على عباده بأعمالهم وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما، يقال: هيمن يهيمن فهو مهيمن إذا كان رقيباً على الشيء ... (٢).
стр. 172
٧٥ - المُحيطُ
قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا﴾ (١). وقال : ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٢).
وهو الذي أحاط بكل شيء علماً، وقدرة، ورحمة، وقهراً. وقد أحاط علمه بجميع المعلومات، وبصره بجميع المبصرات، وسمعه بجميع المسموعات، ونفذت مشيئته وقدرته بجميع الموجودات، ووسعت رحمته أهل الأرض والسموات، وقهر بعزّته كل مخلوق، ودانت له جميع الأشياء (٣).
٧٦ - المُقِيتُ
قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
стр. 173
مُّقِيتًا﴾ (١)، فهو سبحانه الذي أوصل إلى كل موجود ما به يقتات، وأوصل إليها أرزاقها وصَّرفها كيف يشاء، بحكمته وحمده (٢).
قال الراغب الأصفهاني ﵀: «القوت ما يمسك الرَّمق، وجمعه: أقوات، قال تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ (٣)، وقاتَهُ يقوتُهُ قوتاً: أطعمه قوتَهُ. وأقاتهُ يُقيتُهُ جعل له ما يقوتُهُ، وفي الحديث: «كفى بالمرء إثماً أن يُضَيِّع من يقوتُ» (٤)، قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا﴾، قيل: مقتدراً، وقيل: شاهداً.
стр. 174
وحقيقته قائماً عليه يحفظُهُ ويُقيتهُ ... » (١)، وقال في القاموس المحيط: «المُقيتُ: الحافظ للشيء، والشاهد له، والمقتدر، كالذي يعطي كل أحد قوته» (٢)، وقال ابن عباس ﵄: مقتدراً، أو مجازياً، وقال مجاهد: شاهداً، وقال قتادة: حافظاً، وقيل: معناه على كل حيوان مُقيتاً: أي يوصل القوت إليه (٣)، وقال ابن كثير: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا﴾ أي حفيظاً، وقال مجاهد: شهيداً، وفي رواية عنه: حسيباً، وقيل: قديراً، وقيل: المقيت: الرازق، وقيل: مقيت لكل إنسان بقدر عمله (٤).
٧٧ - الوَكيلُ
قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ
стр. 175
شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (١)، فهو سبحانه المتولّي لتدبير خلقه، بعلمه، وكمال قدرته، وشمول حكمته، الذي تولى أولياءه، فيسَّرهم لليُسرى، وجنّبهم العُسرى، وكفاهم الأمور.
فمن اتخذه وكيلاً كفاه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ (٢).
٧٨ - ذو الجَلالِ والإكْرَامِ
أي: ذو العظمة والكبرياء، وذو الرحمة، والجود، والإحسان العام والخاص.
المُكْرِمُ لأوليائه وأصفيائه، الذين يُجلُّونه، ويُعظمونه، ويُحبونه (٣). قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (٤).
стр. 176
٧٩ - جَامِعُ النَّاسِ لِيَومٍ لا رَيْبَ فِيهِ
قال اللَّه تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّه لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (١). فاللَّه هو جامع الناس، وجامع أعمالهم وأرزاقهم، فلا يترك منها صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
وجامع ما تفرق واستحال من الأموات الأولين والآخرين، بكمال قدرته، وسعة علمه (٢).
٨٠ - بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ
قال اللَّه تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (٣).
أي: خالقهما ومبدعهما، في غاية ما يكون من الحسن والخلق البديع، والنظام العجيب المحكم.
стр. 177
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ
يُعِيدُهُ﴾ (١) ابتدأ خلقهم، ليبلوهم أيّهم أحسن عملاً، ثم يعيدهم، ليجزي الذين أحسنوا بالحُسنى، ويجزي المسيئين بإساءتهم.
وكذلك، هو الذي يبدأ إيجاد المخلوقات شيئاً فشيئاً، ثم يعيدها كل وقت.
وقال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (٣).
وهذا من كمال قوته، ونفوذ مشيئته، وقدرته، أن كل أمر يريده يفعله بلا ممانع، ولا معارض. وليس له ظهير ولا عوين، على أيّ أمر يكون. بل إذا أراد شيئاً قال له: «كن فيكون». ومع أنه الفعّال لما يريد، فإرادته، تابعة لحكمته وحمده. فهو موصوف بكمال القدرة،
стр. 178
ونفوذ المشيئة. وموصوف بشمول الحكمة، لكل ما فعله ويفعله (١).
٨١ - الكَافي
قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (٢)، فهو سبحانه الكافي عباده جميع ما يحتاجون ويضطرون إليه. الكافي كفاية خاصة، من آمن به، وتوكل عليه، واستمد منه حوائج دينه ودنياه.
٨٢ - الواسِعُ
قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣). فهو واسع الصفات، والنعوت، ومتعلّقاتها، بحيث لا يُحصِي أحد ثَناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه.
стр. 179
واسع العظمة، والسلطان، والملك، واسع الفضل، والإحسان، عظيم الجود والكرم.
٨٣ - الحَقُّ
اللَّه هو الحق في ذاته وصفاته، فهو واجب الوجود، كامل الصفات والنعوت، وجوده من لوازم ذاته، ولا وجود لشيء من الأشياء إلا به، فهو الذي لم يزل، ولا يزال، بالجلال، والجمال، والكمال، موصوفاً، ولم يزل ولا يزال بالإحسان معروفاً.
فقوله حق، وفعله، حق، ولقاؤه حق، ورسله حق، وكتبه حق، ودينه هو الحق، وعبادته وحده لا شريك له، هي الحق، وكل شيء ينسب إليه، فهو حق (١). ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٢).
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ
стр. 180
فَلْيَكْفُرْ﴾ (١). ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ﴾ (٢)، ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (٣). وقال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ (٤). فأوصافه العظيمة حق، وأفعاله هي الحق، وعبادته هي الحق، ووعده حق، ووعيده وحسابه هو العدل الذي لا جور فيه (٥).
٨٤ - الجَميلُ
قال النبي ﷺ : «إن اللَّه جميلٌ يحبُ الجمال» (٦)، فهو سبحانه جميلٌ بذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فلا يُمكن مخلوقاً أن يعبر عن بعض جمال ذاته،