← Акыда

Акыда · id 96493

شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (263 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسُّنَّة تأليف الفقير إلى الله تعالى د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني

стр. 2

أسماء الله الحسنى الله ... الأول ... الآخر ... الظاهر ... الباطن العليّ ... الأعلى ... المتعال ... العظيم ... المجيد الكبير ... السميع ... البصير ... العليم ... الخبير الحميد ... العزيز ... القدير ... القادر ... المقتدر القوي ... المتين ... الغني ... الحكيم ... الحليم العفو ... الغفور ... الغفار ... التواب ... الرقيب الشهيد ... الحفيظ ... اللطيف ... القريب ... المجيب الودود ... الشاكر ... الشكور ... السيد ... الصمد القاهر ... القهار ... الجبار ... الحسيب ... الهادي الحكم ... القدوس ... السلام ... البر ... الوهاب الرحمن ... الرحيم ... الكريم ... الأكرم ... الرءوف الفتاح ... الرازق ... الرزاق ... الحي ... القيوم نور السموات والأرض ... الرب ... الملك ... المليك ... مالك الملك الواحد ... الأحد ... المتكبر ... الخالق ... الخلاق البارئ ... المصور ... المؤمن ... المهيمن ... المحيط المقيت ... الوكيل ... ذو الجلال والإكرام ... جامع الناس ... بديع السموات والأرض الكافي ... الواسع ... الحق ... الجميل ... الرفيق الحيي ... الستير ... الإله ... القابض ... الباسط المعطي ... المقدم ... المؤخر ... المبين ... المنان الوليّ ... الموْلى ... النصير ... الشافي (١).

стр. 3

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فإن اللَّه قد جعل لكل مطلوب سبباً وطريقاً يوصل إليه. والإيمان هو أعظم المطالب وأهمها. وقد جعل اللَّه له أسباباً تجلبه وتقوِّيه، كما كان له أسباب تُضعِفه وتُوهيه. * ومن أعظم ما يُقوّي الإيمان ويَجلبُهُ معرفة أسماء اللَّه الحُسنى الواردة في الكتاب والسنة، والحرص على فهم معانيها، والتعبد للَّه بها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ

стр. 4

الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (١)، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن للَّه تسعة وتسعين اسماً مائةً إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة» (٢) أي من حفظها، وفهم معانيها ومدلولها، وأثنى على اللَّه بها، وسأله بها، واعتقدها دخل الجنة. والجنة لا يدخلها إلا المؤمنون. فَعُلِمَ أن ذلك أعظم ينبوع ومادة لحصول الإيمان، وقوَّته وثباته. ومعرفة الأسماء الحُسنى - بمراتبها الثلاث: إحصاء ألفاظها وعددها، وفهم معانيها ومدلولها، ودعاء اللَّه بها. دعاء الثناء والعبادة، ودعاء المسألة - هي أصل الإيمان والإيمان يرجع إليها؛ لأن معرفتها تتضمن أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد

стр. 5

الأسماء والصفات، وهذه الأنواع هي روح الإيمان، وأصله وغايته، فكلما ازداد العبد معرفة بأسماء اللَّه وصفاته ازداد إيمانُه، وقوي يقينهُ. فينبغي للمؤمن أن يبذل مقدوره ومستطاعه في معرفة اللَّه بأسمائه، وصفاته، وأفعاله. من غير تعطيل، ولا تمثيل، ولا تحريف، ولا تكييف. بل تكون المعرفة مُتلقَّاة من الكتاب والسنة، وما رُويَ عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان. فهذه هي المعرفة النافعة التي لا يزال صاحبها في زيادة في إيمانه، وقوة يقينه، وطُمأنينة في أحواله، ومحبة لربه، فمن عرف اللَّه بأسمائه، وصفاته، وأفعاله أحبه لا محالة؛ ولهذا كانت المعطلة، والفرعونية، والجهميّة قُطَّاع الطريق على القلوب بينها وبين الوصول إلى محبة اللَّه تعالى (١). * ومن الأمور التي تُقوِّي الإيمان وتجلبه تَدَبُّر القرآن الكريم، فإن المُتدبِّر للقرآن لا يزالُ يستفيد

стр. 6

من علومه، ومعارفه ما يزداد به إيماناً، وكذلك إذا نظر إلى انتظامه، وإحكامه، وأنه يُصَدِّق بعضه بعضاً، ويوافق بعضه بعضاً ليس فيه تناقض ولا اختلاف. فإذا قرأه العبد بالتدبر، والتفهم لمعانيه، وما أريد به كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه، ليتفهم مراد صاحبه منه. فهذا من أعظم مُقَوِّيات الإيمان. وحسن التأمل لما يرى العبد، ويسمع من الآيات المشهودة، والآيات المتلوَّة، يثمر صحة البصيرة. وملاك ذلك كله هو أن ينقل العبد قلبه من وطن الدنيا، ويسكنه وطن الآخرة. ثم يقبل به كلّه على معاني القرآن، ويتدبر معانيه، ويفهم ما يراد منه، وما أُنزِل لأجله، ويأخذ نصيبه وحظه من كل آية من آياته وينزلها على داء قلبه. فهذه طريقة مختصرة قريبة سهلة موصلة إلى الرفيق الأعلى. وهي من أقرب الطرق لتدبر القرآن الكريم (١).

стр. 7

* وكذلك معرفة أحاديث النبي ﷺ وما تدعو إليه من علوم الإيمان وأعماله. وكل ذلك من مُحصِّلات الإيمان ومقوِّياته. فكلَّما ازداد العبد معرفة بكتاب اللَّه وسنة رسوله ازداد إيمانه ويقينه، وقد يصل في علمه وإيمانه إلى مرتبة اليقين. * ومن طرق موجبات الإيمان وأسبابه: معرفة النبي ﷺ ومعرفة ما هو عليه من الأخلاق العالية، والأوصاف الكريمة؛ فإن من عرفه حق المعرفة لم يَرْتَبْ في صدقه وصدق ما جاء به: من الكتاب والسنة والدين الحق. * ومن أسباب الإيمان ودواعيه: التفكر في الكون: في خلق السموات والأرض، وما فيهن من المخلوقات المتنوعة، والنظر في نفس الإنسان وما هو عليه من الصفات؛ فإن ذلك داعٍ قَويٌّ للإيمان، لما في هذه الموجودات من عظمة الخَلق الدَّال على قدرة خالقها وعظمته، وما فيها من الحسن والانتظام والإحكام - الذي يُحيِّر العقول - الدال على سعة علم اللَّه وشمول حكمته.

стр. 8

وكذلك النظر إلى فقر المخلوقات كلها، واضطرارها إلى ربها من كل الوجوه، وأنها لا تستغني عن اللَّه طرفة عين ... وذلك يوجب للعبد كمال الخضوع، وكثرة الدعاء، والافتقار إلى اللَّه في جلب ما يحتاجه من منافع دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ويوجب له قوة التوكل على اللَّه، وشدة الطمع في بره، وإحسانه، وكمال الثقة بوعد اللَّه. وبهذا يتحقق الإيمان ويقوى. وكذلك التفكر في كثرة نعم اللَّه التي لا يخلو منها مخلوق طرفة عين. * ومن الأسباب التي تقوي الإيمان الإكثار من ذكر اللَّه تعالى ومن الدعاء الذي هو العبادة، ويكون هذا الذكر على كل حال: باللسان، والقلب، والعمل، والحال. فنصيب العبد من الإيمان على قدر نصيبه من هذا الذكر. * ومن الأسباب أيضاً معرفة محاسن الإسلام؛ فإن الدين الإسلامي كله محاسن: عقائده أصح

стр. 9

العقائد وأصدقها، وأنفعها، وأخلاقه أجمل الأخلاق، وأعماله وأحكامه أحسن الأحكام وأعدلها. وبهذا النظر يزين اللَّه الإيمان في قلب العبد، ويحببه إليه. * ومن أعظم مقويات الإيمان الاجتهاد في الإحسان في عبادة اللَّه، والإحسان إلى خلق اللَّه، فيجتهد العبد في عبادة اللَّه كأنه يشاهده فإن لم يَقْوَ على ذلك استحضر أن اللَّه يشاهده ويراه، فيجتهد في العمل وإتقانه ولا يزال العبد يجاهد نفسه حتى يقوى إيمانه ويقينه، ويصل في ذلك إلى حق اليقين الذي هو أعلى مراتب اليقين، فيذوق حلاوة الطاعات ... * ومن مقويات الإيمان الدعوة إلى اللَّه وإلى دينه، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، وبذلك يُكمِّل العبدُ بنفسه ويُكمِّلُ غيرَه. * ومن أهم أسباب تقوية الإيمان الابتعاد عن شعب الكفر، والنفاق، والفسوق والعصيان. * ومن الأسباب التي تقوي الإيمان التقرب إلى

стр. 10

اللَّه بالنوافل بعد الفرائض، وتقديم ما يحبه اللَّه على كل ما سواه عند غلبة الهوى. * ومن ذلك الخلوة باللَّه وقت نزوله، لمناجاته، وتلاوة كلامه، والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه، ثم خَتْمُ ذلك بالاستغفار والتوبة. * ومن الأسباب المقوية للإيمان مجالسة العلماء الصادقين المخلصين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما يُنْتَقَى أطايب الثمر. * ومن ذلك الابتعاد عن كل سبب يحول بين قلب العبد وبين اللَّه ﵎ (١). ومعرفة أسماء اللَّه الحُسنى بمراتبها الثلاث هي من أعظم مقويات الإيمان؛ بل معرفة اللَّه بأسمائه وصفاته هي أصل الإيمان، والإيمان يرجع إلى هذا الأصل العظيم.

стр. 11

ولهذا السبب وغيره جمعت ما يسر اللَّه لي من الأسماء الحُسنى وذكرت لكل اسم دليلاً من الكتاب أو من السنة ثم عرضت هذه الأسماء كلها على سماحة شيخنا الإمام العلاّمة عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية، جزاه اللَّه خيراً ورحمه، فما أقره أثبته، وما توقف عنه أو نفاه أسقطته حتى اجتمع لي أكثر من تسعة وتسعين من الأسماء الحسنى بأدلتها الصريحة (١) ثم اخترت من هذه الأسماء تسعةً وتسعين اسماً وشرحتها شرحاً مختصراً إلا في بعض الأسماء فقد أطلت في شرحها لأن المقام يقتضي هذا ونقلت الشرح لهذه الأسماء من المصادر المعتمدة وخاصة لأهل التحقيق من أهل السنة كابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والشيخ العلاّمة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ رحمة واسعة، وهو لا شك من

стр. 12

العلماء الذين نفع اللَّه بعلمهم. وقد قسَّمتُ هذا البحث خمسة عشر مبحثاً على النحو الآتي: المبحث الأول: أسماء الله تعالى توقيفية. المبحث الثاني: أركان الإيمان بالأسماء الحُسنى. المبحث الثالث: أقسام ما يوصف به الله تعالى. المبحث الرابع: دلالة الأسماء الحُسنى ثلاثة أنواع. المبحث الخامس: حقيقة الإلحاد في أسماء الله تعالى. المبحث السادس: إحصاء الأسماء الحُسنى أصلٌ للعلم. المبحث السابع: أسماء الله تعالى كلها حُسنى. المبحث الثامن: أسماء الله تعالى منها ما يطلق عليه مفرداً ومقترناً بغيره ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده بل مقروناً بمقابله. المبحث التاسع: من أسماء الله الحُسنى ما يكون دالاً على عدة صفات. المبحث العاشر: الأسماء الحُسنى التي ترجع إليها جميع الأسماء والصفات. المبحث الحادي عشر: أسماء الله وصفاته مختصة به واتفاق الأسماء لا يوجب تماثل المسميات. المبحث الثاني عشر: أمور ينبغي أن تُعلم.

стр. 13

المبحث الثالث عشر: مراتب إحصاء أسماء الله الحُسنى. المبحث الرابع عشر: الأسماء الحسنى لا تُحدُّ بعدد. المبحث الخامس عشر: شرح أسماء الله الحسنى بلا تعطيل، ولا تحريف، ولا تكييف، ولا تمثيل. وختمت ذلك بفتاوى في الأسماء الحسنى. للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية. وقد سميته شرح أسماء اللَّه الحسنى في ضوء الكتاب والسنة. هذا ما يَسّر اللَّه لي جمعه. فما كان من صوابٍ فمن الواحد المنّان، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان واللَّهُ بريءٌ منه ورسولُه. واللَّه أسأل أن يجعل هذا العمل القليل خالصاً لوجهه الكريم، مقرباً لجامعه، وقارئه، وطابعه من جنات النعيم وأن يجعله حجة لنا ولا يجعله حجة علينا، وأن ينفع به جامعه، ومن انتهى إليه إنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم وصلى اللَّه وسلم

стр. 14

وبارك على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا محمد بن عبد اللَّه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم. كتبه العبد الفقير إلى اللَّه تعالى. سعيد بن علي بن وهف القحطاني. ليلة السبت ١٢/ ٧/١٤٠٩هـ.

стр. 15

المبحث الأول: أسماء الله تعالى توقيفية أسماء اللَّه تعالى توقيفية لا مجال للعقل فيها، وعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة، فلا يزاد فيها ولا ينقص؛ لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء فوجب الوقوف في ذلك على النص لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ (١). وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢)؛ ولأن تسميته تعالى بما لم يُسمِّ به نفسه، أو إنكار ما سَمَّى به نفسه جناية في حقه تعالى فوجب سلوك الأدب في ذلك، والاقتصار على ما جاء به النص (٣).

стр. 16

المبحث الثاني: أركان الإيمان بالأسماء الحُسنى ١ - الإيمان بالاسم. ٢ - الإيمان بما دل عليه الاسم من المعنى. ٣ - الإيمان بما يتعلق به من الآثار. فنؤمن بأن اللَّه رحيمٌ ذو رحمة وسعت كل شيء، ويرحم عباده. قدير ذو قدرة، ويقدر على كل شيءٍ. غفور ذو مغفرة ويغفر لعباده (١).

стр. 17

المبحث الثالث: أقسام ما يوصف به الله تعالى قال ابن القيم ﵀: ما يجري صفة أو خبراً على الرب ﵎ أقسام: أحدها: ما يرجع إلى نفس الذات كقولك: ذات، وموجود، وشيء. الثاني: ما يرجع إلى صفات معنوية كالعليم، والقدير، والسميع. الثالث: ما يرجع إلى أفعاله نحو: الخالق، والرزَّاق. الرابع: ما يرجع إلى التنزيه المحض، ولابد من تضمنه ثبوتاً؛ إذ لا كمال في العدم المحض كالقدوس السلام. الخامس: ولم يذكره أكثر الناس، وهو الاسم الدال على جملة أوصاف عديدة لا تختص بصفة مُعَيَّنة، بل هو دال على معناه لا على معنى مفرد،

стр. 18

نحو: المجيد، العظيم، الصمد؛ فإن المجيد من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال، ولفظه يدل على هذا فإنه موضوع للسعة، والكثرة، والزيادة، فمنه استمجد المرخ والعفار (١)، وأمجد الناقة علفاً. ومنه «رب العرش المجيد» صفة للعرش لسعته وعِظَمِهِ وشرفه (٢). وتأمل كيف جاء هذا الاسم مقترناً بطلب الصلاة من اللَّه على رسوله كما علمناه ﷺ ؛ لأنه في مقام طلب المزيد والتعرض لسعة العطاء وكثرته ودوامه، فأتى في هذا المطلوب باسم تقتضيه كما تقول: اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، ولا يَحسن إنك أنت السميع البصير، فهو راجع إلى

стр. 19

المتوسل إليه بأسمائه وصفاته، وهو من أقرب الوسائل وأحبها إليه. ومنه الحديث الذي في المسند والترمذي: «ألظُّوا (١) بياذا الجلال الإكرام» (٢)، ومنه: «اللَّهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام» (٣)، فهذا سؤال له وتوسل إليه وبحمده، وأنه الذي لا إله إلا هو المنَّان، فهو توسل إليه بأسمائه

стр. 20

وصفاته، وما أحق ذلك بالإجابة وأعظمه موقعاً عند المسؤول، وهذا باب عظيم من أبواب التوحيد أشرنا إليه إشارة، وقد فُتِحَ لمن بصَّره اللَّه. ولنرجع إلى المقصود وهو وصفه تعالى بالاسم المتضمن لصفات عديدة. فالعظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال. وكذلك الصمد، قال ابن عباس: هو السيد الذي كَمُلَ في سؤدده، وقال ابن وائل: هو السيد الذي انتهى سُؤدده. وقال عكرمة: الذي ليس فوقه أحد وكذلك قال الزجاج: الذي ينتهي إليه السؤدد فقد صمد له كل شيء. وقال ابن الأنباري: لا خلاف بين أهل اللغة أنَّ الصمد السيد الذي ليس فوقه أحد، الذي يَصْمُدُ إليه الناس في حوائجهم وأمورهم. واشتقاقه يدل على هذا فإنه من الجمع والقصد الذي اجتمع القصد نحوه واجتمعت فيه صفات السؤدد وهذا أصله في اللغة كما قال: ألاَ بَكَر الناعي بخير بني أسدْ ... بعمرِو بن مسعودٍ وبالسيدِ الصَّمَدْ

стр. 21

والعرب تُسَمِّي أشرافها بالصمد؛ لاجتماع قصد القاصدين إليه، واجتماع صفات السيادة فيه. السادس صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر، وذلك قدر زائد على مفرديهما نحو: الغني الحميد، العفو القدير، الحميد المجيد. وهكذا عامة الصفات المقترنة والأسماء المزدوجة في القرآن؛ فإن الغنى صفة كمال، والحمد كذلك، واجتماع الغنى مع الحمد كمال آخر فله ثناء من غناه، وثناء من حمده، وثناء من اجتماعهما، وكذلك العفوّ القدير، والحميد المجيد، والعزيز الحكيم، فتأمله فإنه من أشرف المعارف. وأما صفات السلب المحض فلا تدخل في أوصافه تعالى إلا أن تكون متضمنة لثبوت: كالأحد المتضمن لانفراده بالربوبية والإلهية، والسلام المتضمن لبراءته من كل نقص يضاد كماله، وكذلك الإخبار عنه بالسلوب هو لتضمنها ثبوتاً كقوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ

стр. 22

نَوْمٌ﴾ (١)، فإنه متضمن لكمال حياته وقيّوميته، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ (٢)، متضمن لكمال قدرته، وكذلك قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ (٣) متضمن لكمال علمه، وكذلك قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٤)، متضمن لكمال صَمَدِيَّتِهِ وغناه، وكذلك قوله: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٥)، متضمن لتفرُّده بكماله، وأنه لا نظير له. وكذلك قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ (٦) متضمن لعظمته، وأنه جل عن أن يدرك بحيث يحاط به، وهذا مطّرد في كل ما وصف به نفسه من السلوب (٧).

стр. 23

المبحث الرابع: دلالة الأسماء الحُسنى ثلاثة أنواع: أسماء اللَّه كلها حُسنى، وكلها تدل على الكمال المطلق والحمد المطلق، وكلها مشتقة من أوصافها، فالوصف فيها لا ينافي العلمية، والعلمية لا تنافي الوصف، ودلالتها ثلاثة أنواع: دلالة مطابقة إذا فسرنا الاسم بجميع مدلوله. ودلالة تَضمُّن إذا فسرناه ببعض مدلوله. ودلالة التزام إذا استدللنا به على غيره من الأسماء التي يتوقف هذا الاسم عليها. فمثلاً «الرحمن» دلالته على الرحمة والذات دلالة مطابقة. وعلى أحدهما دلالة تضمن؛ لأنها داخلة في الضمن، ودلالته على الأسماء التي لا توجد الرحمة إلا بثبوتها كالحياة، والعلم، والإرادة، والقدرة، ونحوها دلالة التزام، وهذه الأخيرة تحتاج إلى قوة فكر وتأمل، ويتفاوت فيها أهل العلم، فالطريق إلى معرفتها أنك إذا فهمت اللفظ وما يدل عليه من المعنى وفهمته فهماً جيداً، فَفَكَّر فيما يتوقف عليه ولا يتم بدونه. وهذه القاعدة تنفعك في جميع النصوص الشرعية، فدلالاتها الثلاث كلها حجة لأنها معصومة محكمة (١).

стр. 24

المبحث الخامس: حقيقة الإلحاد في أسماء الله تعالى وحقيقة الإلحاد فيها هو الميل بها عن الاستقامة: إما بإثبات المشاركة فيها لأحدٍ من الخلق، كإلحاد المشركين الذين اشتقوا لآلهتهم من صفات اللَّه ما لا يصلح إلا للَّه، كتسميتهم اللات من الإله، والعزى من العزيز، ومناة من المنَّان، وكل مشرك تعلق بمخلوق اشتق لمعبوده من خصائص الربوبية والإلهية ما برَّر له عبادته. وأعظم الخلق إلحاداً طائفة الاتحادية الذين من قولهم: إن الرب عين المربوب، فكل اسم ممدوح أو مذموم يطلق على اللَّه عندهم، تعالى اللَّه عن قولهم علواً كبيراً. وإما أن يكون الإلحاد بنفي صفات اللَّه وإثبات أسماء لا حقيقة لها، كما فعل الجهمية ومن تفرع عنهم، وإما بجحدها وإنكارها رأساً إنكاراً لوجود اللَّه، كما فعل زنادقة الفلاسفة، فهؤلاء الملحدون قد انحرفوا عن الصراط المستقيم ويمموا طرق الجحيم (١).

стр. 25

قال ابن القيم ﵀: قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (١)، والإلحاد في أسمائه هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها، وهو مأخوذ من الميل كما تدل عليه مادته (ل ح د)، فمنه اللحد وهو الشق في جانب القبر الذي قد مال عن الوسط، ومنه الْمُلحِد في الدين المائل عن الحق إلى الباطل. قال ابن السِّكِّيت: الملحد المائل عن الحق المدخل فيه ما ليس منه. ومنه الملتحد وهو مفتعل من ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ (٢) أي من تعدل إليه وتهرب إليه وتلتجئ إليه وتبتهل إليه فتميل إليه عن غيره. تقول العرب: التحد فلان إلى فلان إذا عدل إليه. إذا عُرِفَ هذا فالإلحاد في أسمائه تعالى أنواع: أحدها: أن تُسمَّى الأصنام بها كتسميتهم اللات من الإله، والعزى من العزيز. وتسميتهم الصنم إلهاً،

стр. 26

وهذا إلحاد حقيقة؛ فإنهم عدلوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة. الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له أباً، وتسمية الفلاسفة له موجباً بذاته، أو علة فاعلة بالطبع ونحو ذلك. ثالثها: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص، كقول أخبث اليهود: إنه فقير. وقولهم: إنه استراح بعد أن خلق خلقه. وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾ (١)، وأمثال ذلك مما هو إلحاد في أسمائه وصفاته. ورابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها، كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم: إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني فيطلقون عليه اسم السميع، والبصير، والحي، والرحيم، والمتكلم، والمريد، ويقولون: لا حياة له، ولا سمع له، ولا بصر له، ولا كلام، ولا إرادة تقوم به وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلاً،

стр. 27

وشرعاً، ولغة، وفطرة، وهو يقابل إلحاد المشركين؛ فإن أولئك أعطوا أسماءه وصفاته لآلهتهم وهؤلاء سلبوه صفات كماله وجحدوها وعطلوها، فكلاهما ملحد في أسمائه، ثم الجهمية وفروخهم متفاوتون في هذا الإلحاد، فمنهم الغالي والمتوسط والمنكوب. وكل من جحد شيئاً مما وصف اللَّه به نفسه أو وصفه به رسوله فقد ألحد في ذلك فليستقلّ أو ليستكثر. وخامسها: تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى اللَّه عما يقول المشبهون علواً كبيراً. فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة، فإن أولئك نفوا صفة كماله وجحدوها، وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه فجمعهم الإلحاد وتفرقت بهم طرقه، وبرَّأ اللَّه أتباع رسوله وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله فلم يصفوه إلا بما وصف به نفسه، ولم يجحدوا صفاته، ولم يشبهوها بصفات خلقه، ولم يعدلوا بها عما أنزلت عليه لفظاً ولا معنىً؛ بل أثبتوا له الأسماء والصفات ونفوا عنه مشابهة المخلوقات فكان إثباتهم بريئاً من التشبيه، وتنزيههم

стр. 28

خالياً من التعطيل، لا كمن شبّه حتى كأنه يعبد صنماً، أو عطَّل حتى كأنه لا يعبد إلا عدماً. وأهل السنة وسط في النِّحل، كما أن أهل الإسلام وسط في الملل، توقد مصابيح معارفهم من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يُضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي اللَّه لنوره من يشاء. فنسأل اللَّه تعالى أن يهدينا لنوره، ويُسَهِّل لنا السبيل إلى الوصول إلى مرضاته ومتابعة رسوله، إنه قريب مجيب (١).

стр. 29

المبحث السادس: إحصاء الأسماء الحُسنى أصلٌ للعلم إحصاء الأسماء الحُسنى والعلم بها أصلٌ للعلم بكل معلوم، فإن المعلومات سواه إما أن تكون خلقاً له تعالى أو أمراً. إما علم بما كوّنه أو علم بما شرعه، ومصدر الخلق والأمر عن أسمائه الحسنى، وهما مرتبطان بها ارتباط المقتضى بمقتضيه، فالأمر كله مصدره عن أسمائه الحسنى، وهذا كله حسن لا يخرج عن مصالح العباد، والرأفة، والرحمة بهم، والإحسان إليهم بتكميلهم بما أمرهم به ونهاهم عنه، فأمره كله مصلحة، وحكمة، ورحمة، ولُطف، وإحسان؛ إذ مصدره أسماؤه الحسنى، وفعله كله لا يخرج عن العدل، والحكمة، والمصلحة، والرحمة، إذ مصدره أسماؤه الحسنى فلا تفاوت في خلقه، ولا عبث، ولم يخلق خلقه باطلاً، ولا سُدىً، ولا عبثاً. وكما أن كل موجود سواه فبإيجاده، فوجود من سواه تابع لوجوده تبع المفعول المخلوق لخالقه، فكذلك العلم بها أصل للعلم بكل ما سواه فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي

стр. 30

للمخلوق أحصى جميع العلوم؛ إذ إحصاء أسمائه أصل لإحصاء كل معلوم؛ لأن المعلومات هي من مقتضاها ومرتبطة بها، وتأمل صدور الخلق والأمر عن علمه وحكمته تعالى؛ ولهذا لا تجد فيها خللاً ولا تفاوتاً؛ لأن الخلل الواقع فيما يأمر به العبد أو يفعله إما أن يكون لجهله به أو لعدم حكمته. وأما الرب تعالى فهو العليم الحكيم، فلا يلحق فعله ولا أمره خلل، ولا تفاوت، ولا تناقض (١).

стр. 31

المبحث السابع: أسماء الله كلها حُسنى أسماء اللَّه كلها حُسنى، ليس فيها اسم غير ذلك أصلاً، وقد تقدم أن من أسمائه ما يطلق عليه باعتبار الفعل نحو الخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، وهذا يدل على أن أفعاله كلها خيرات محض لا شر فيها، لأنه لو فعل الشر لاشتقّ له منه اسم، ولم تكن أسماؤه كلها حُسنى، وهذا باطل، فالشر ليس إليه، فكما لا يدخل في صفاته ولا يلحق ذاته، ولا يدخل في أفعاله، فالشر ليس إليه، لا يُضاف إليه فعلاً ولا وصفاً، وإنما يدخل في مفعولاته. وفرق بين الفعل والمفعول، فالشر قائم بمفعوله المباين له، لا بفعله الذي هو فعله، فتأملْ هذا فإنه خَفِيَ على كثير من المتكلمين وزلَّت فيه أقدامٌ، وضلَّت فيه أفهامٌ، وهدى اللَّه أهل الحق لما اختلفوا فيه بإذنه، واللَّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (١).

стр. 32

المبحث الثامن: أسماء الله تعالى منها ما يطلق عليه مفرداً ومقترناً بغيره ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده بل مقروناً بمقابله إن أسماءه تعالى منها ما يطلق عليه مفرداً ومقترناً بغيره وهو غالب الأسماء. فالقدير، والسميع، والبصير، والعزيز، والحكيم، وهذا يسوغ أن يُدعَى به مفرداً ومقترناً بغيره، فتقول: يا عزيزُ يا حليمُ، يا غفورُ يا رحيمُ، وأن يفرد كل اسم وكذلك في الثناء عليه والخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد والجمع. ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده بل مقروناً بمقابله كالمانع، والضار، والمنتقم، فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله فإنه مقرون بالمُعطي، والنافع، والعفوّ، فهو المعطي المانع، الضارُّ النافعُ، المنتقمُ العفوّ، المعزّ المذلّ، لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله؛ لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية، وتدبير الخلق، والتصرف فيهم عطاءً، ومنعاً، ونفعاً، وضراً، وعفواً، وانتقاماً. وأما أن يثنى عليه بمجرد المنع، والانتقام، والإضرار، فلا يسوغ. فهذه الأسماء المزدوجة تُجرى الأسماء منها

стр. 33

مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعدّدت جارية مجرى الاسم الواحد؛ ولذلك لم تجئ مفردة ولم تطلق عليه إلا مقترنة، فاعلمه «فلو قلت» يا مُذلُ، يا ضارُّ، يا مانعُ، وأخبرت بذلك لم تكن مثنياً عليه ولا حامداً له حتى تذكر مقابلها (١).

стр. 34

المبحث التاسع: من أسماء الله الحُسنى ما يكون دالاً على عدة صفات قال الإمام ابن القيم ﵀: من أسمائه الحُسنى ما يكون دالاً على عدة صفات. ويكون ذلك الاسم متناولاً لجميعها تناول الاسم الدال على الصفة الواحدة لها ... كاسمه العظيم، والمجيد، والصمد، كما قال ابن عباس فيما رواه عنه ابن أبي حاتم في تفسيره: الصمد السيد الذي قد كَمُلَ في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع شرفه وسؤدده وهو اللَّه سبحانه. وهذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفواً أحد، وليس كمثله شيء، سبحان اللَّه الواحد القهار. هذا لفظه. وهذا مما خَفِيَ على كثير ممن تعاطَى الكلام في تفسير الأسماء الحسنى، ففسَّر الاسم بدون معناه، ونقصه من حيث لا يعلم، فمن لم يُحط بهذا علماً بخس الاسم الأعظم حقه وهضمه معناه فتدبره (١).

стр. 35

المبحث العاشر: الأسماء الحُسنى التي ترجع إليها جميع الأسماء والصفات قال ابن القيم ﵀ في تفسير سورة الفاتحة: اعلم أن هذه السورة اشتملت على أمهات المطالب العالية أتم اشتمال، وتضمنتها أكمل تضمن، فاشتملت على التعريف بالمعبود ﵎ بثلاثة أسماء مرجع الأسماء الحسنى، والصفات العليا إليها، ومدارها عليها وهي: اللَّه، والرَّب، والرَّحمنُ. وبُنيت السورة على الإلهية، والربوبية، والرحمة، فـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ مبني على الإلهية، و ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على الربوبية، وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم بصفة الرحمة. والحمد يتضمن الأمور الثلاثة: فهو المحمود في إلهيته، وربوبيته، ورحمته، والثناء والمجد كمالان لجده ... وتضمنت - يعني سورة الفاتحة - إثبات النبوات من جهات عديدة: ١ - كون اللَّه «رب العالمين». فلا يليق به أن يترك عباده سُدى هَمَلاً لا يُعرِّفَهم ما ينفعهم في معاشهم، ومعادهم، وما يضرهم فيهما فهذا هَضْمٌ

стр. 36

للربوبية، ونسبة الرب تعالى إلى ما لا يليق به، وما قدره حق قدره من نسبة إليه. ٢ - من اسم «اللَّه» وهو المألوه المعبود ولا سبيل للعباد إلى معرفة عبادته إلا من طريق رسله عليهم الصلاة والسلام. ٣ - من اسمه «الرحمن» فإن رحمته تمنع إهمال عباده، وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية كمالهم. فمن أعْطى اسم «الرحمن» حقه عرف أنه متضمن لإرسال الرسل، وإنزال الكتب، أعظم من تضمنه إنزال الغيث، وإنبات الكلأ، وإخراج الحب، فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح، لكن المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظّ البهائم والدواب. وأدرك منه أُولُو الألباب أمراً وراء ذلك ... (١).

стр. 37

واشتملت سورة الفاتحة على أنواع التوحيد الثلاثة التي اتفقت عليها الرسل صلوات اللَّه وسلامه عليهم. وهي: ١ - التوحيد العلمي - سُمِّي بذلك لتعلقه بالأخبار والمعرفة - ويسمى أيضاً بـ «توحيد الأسماء والصفات». ٢ - التوحيد القصدي الإرادي - سُمِّيَ بذلك لتعلقه بالقصد والإرادة - وهذا الثاني نوعان: توحيد في الربوبية، وتوحيد في الإلهية فهذه ثلاثة أنواع. فأما التوحيد العلمي [توحيد الأسماء والصفات] فمداره على إثبات صفات الكمال، وعلى نفي التشبيه، والمثال، والتنزيه عن العيوب والنقائص، وقد دل على هذا شيئان: أ – مجمل. ... ب - مفصل.

стр. 38

أ - أما المجمل فإثبات الحمد للَّه سبحانه. ب - وأما المفصل فذكر صفة «الإلهية، والربوبية، والرحمة، والملك» وعلى هذه الأربعة مدار الأسماء والصفات. * فأما تضمن الحمد لذلك فإن الحمد يتضمن مدح المحمود بصفات كماله، ونعوت جلاله، مع محبته والرضا عنه، والخضوع له. فلا يكون حامداً من جحد صفات المحمود، ولا من أعرض عن محبته والخضوع له، وكلما كانت صفات المحمود أكثر كان حمده أكمل، وكلما نقص من صفات كماله نقص من حمده بحسبها. ولهذا كان الحمد كله للَّه حمداً لا يحصيه سواه لكمال صفاته وكثرتها؛ ولأجل هذا لا يُحصي أحدٌ من خلقه ثناءً عليه لما له من صفات الكمال ونعوت الجلال التي لا يحصيها سواه. كما قال ﷺ : «اللَّهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على

стр. 39

نفسك» (١) .. فهذه دلالة على توحيد الأسماء والصفات. * وأما دلالة الأسماء الخمسة عليها «أي على الأسماء والصفات» وهي: «اللَّه، والرب، والرحمن، والرحيم، والملك» فمبني على أصلين: الأصل الأول: أسماء الرب ﵎ دالة على صفات كماله فهي مشتقة من الصفات. فهي أسماء وهي أوصاف، وبذلك كانت حُسنى؛ إذْ لو كانت ألفاظاً لا معاني فيها لم تكن حُسنى، ولا كانت دالةً على مدح ولا كمال، ولساغ وقوع أسماء الانتقام، والغضب في مقام الرحمة والإحسان، وبالعكس فيقال: اللَّهم إني ظلمت نفسي فاغفر إنك أنت المنتقم. واللَّهم أعطني فإنك أنت الضار المانع، ونحو ذلك، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علواً كبيراً. ونفي معاني الأسماء الحُسنى من أعظم الإلحاد

стр. 40

فيها قال تعالى: ﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (١)؛ ولأنها لو لم تدل على معانٍ وأوصاف لم يجز أن يخبر عنها بمصادرها ويوصف بها. لكن اللَّه أخبر عن نفسه بمصادرها وأثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله ﷺ . كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٢)، فعُلِم أن «القوي» من أسمائه ومعناه الموصوف بالقوة. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (٣)، فالعزيز من له العزة، فلولا ثبوت القوة والعزة لم يُسمَّ قوياً، ولا عزيزاً، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (٤) ... وأجمع المسلمون أنه لو حلف بحياة اللَّه، أوسمعه، أو بصره، أو قوته أو عزته، أو عظمته انعقدت يمينه وكانت مكفرة؛ لأن هذه صفات كماله التي اشتقَّتْ منها
следующие страницы →