شرح العقيدة الواسطية
لشيخ الإسلام ابن تيمية
في ضوء الكتاب والسُّنَّة
تأليف الفقير إلى الله تعالى
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:
فإن العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عقيدة أهل السنة والجماعة.
ومن أسباب كتابته لها رحمه الله تعالى وتسميتها بالواسطية: أن القاضي الواسطي عندما قدم لموسم الحج من بلدته واسط طلب من شيخ الإسلام أن يكتب له عقيدته السلفية؛ فكتبها ﵀ في جلسة واحدة بعد صلاة العصر، وهذا دليل واضح على سعة علمه ﵀ وما أعطاه الله من القدرة والموهبة العلمية الباهرة، ولا يستغرب ذلك؛ فإن فضل الله يؤتيه من يشاء ويحرمه من يشاء فنسأل الله العلي العظيم من فضله، وكرمه.
وعندما عرفت ما للعقيدة الواسطية من الأهمية البالغة أحببت أن أقوم بشرح مختصر لهذه العقيدة وأسأل الله أن يجعله خالصاً لوجهه
стр. 3
الكريم.
لا شك أن العلماء قد قاموا بجهد كبير نحو هذه العقيدة بالحفظ، والتدريس، والتعليق، والشرح، ومما عرفته من الشروح لهذه العقيدة: الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية للشيخ زيد بن فياض، والكواشف الجلية عن معاني العقيدة الواسطية للشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان، والأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية للشيخ عبد العزيز بن محمد أيضاً. وشرح العقيدة الواسطية لمحمد خليل الهراس، والتعليقات المفيدة على العقيدة الواسطية للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الشريف. وهذه الشروح جيدة قد بسطت معاني هذه العقيدة، وهذا الشرح المختصر الذي قمت به قد عملت فيه كالآتي:
خرَّجت الأحاديث وعزوتها إلى مصادرها الأصلية، وربما اكتفيت بالإشارة إلى مصدر الحديث بدون نصِّه. وعزوت الآيات إلى سورها مرقَّمة. ووضعت لكل موضوع عنواناً مناسباً على النحو الآتي: تعريف الفرقة الناجية، أركان الإيمان عند الفرقة الناجية، مذهب أهل السنة والجماعة في صفات الله تعالى، طريقة أهل السنة في النفي والإثبات، ومذهبهم في أسماء الله وصفاته وآيات الصفات وأحاديثها، وجعلت لكل صفة عنواناً، وربما جعلت عنواناً يضم صفات وليس ذلك للحصر بل لذكر الصفات التي ذكرها المؤلف ﵀، وذكر المؤلف آيات كثيرة وأحاديث كذلك فاكتفيت بالدليل لكل صفة بآية أو حديث وحذفت الباقي للرغبة في الاختصار، ثم ذكرت توسط أهل السنة في باب صفات
стр. 4
الله تعالى بين الفرق الأخرى، وتوسطهم في باب أفعال العباد، وتوسطهم في باب وعيد الله، وتوسطهم في باب أسماء الإيمان والدين، وتوسطهم في صحابة رسول الله ﷺ ، ثم الإيمان باليوم الآخر وما يتعلق به، ثم القدر ومراتبه الأربع، ثم مذهب أهل السنة في الإيمان والدين، وفي صحابة رسول الله ﷺ ، وكرامات الأولياء، ثم آخر ذلك مكارم أخلاق أهل السنة والجماعة.
وأسأل الله التوفيق لما يحبه ويرضاه وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه.
المؤلف
حرر في عام ١٤٠٧هـ
стр. 5
المبحث الأول: تعريف الفرقة الناجية: ((أهل السنة والجماعة))
الفِرقة بكسر الفاء: الطائفة من الناس. ووصفت بأنها الناجية المنصورة إشارة إلى قوله ﷺ : ((لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك)) (١).
وأهل السنة والجماعة بدل من الفرقة، والمراد بالسنة: الطريقة التي كان عليها رسول الله ﷺ وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة.
والجماعة: في الأصل القوم المجتمعون، والمراد بهم في هذه العقيدة: سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وإن كان واحداً قد ثبت على الحق الذي كانت عليه الجماعة المذكورة (٢). قال عبد الله بن مسعود ﵁: ((الجماعة من وافق الحق وإن كنت وحدك)) (٣).
وعن عوف بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وسبعون في النار. وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة. فإحدى وسبعون فرقة في النار وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقنَّ أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة، واثنتان وسبعون في النار)) (٤).
стр. 6
المبحث الثاني: أركان الإيمان عند الفرقة الناجية
أولاً: الإيمان بالله تعالى: وهو الاعتقاد الجازم بأن الله رب كل شيء ومليكه، وأنه الخالق، الرازق، المحيي، المميت، وأنه المستحق للعبادة دون ما سواه، وأن يُفرد بالعبادة والذل، والخضوع وجميع أنواع العبادات، وأن الله هو المتصف بصفات الكمال والعظمة، والجلال، المنزَّه عن كل عيب ونقص (١).
ثانياً: الإيمان بالملائكة: وهو الاعتقاد الجازم بأن لله ملائكة موجودون مخلوقون من نور، وهم كما وصفهم الله عباد مكرمون لا يعصون الله
ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ويسبحون الله الليل والنهار لا يفترون، وأنهم قائمون بوظائفهم التي أمرهم الله بها كما تواترت بذلك النصوص من الكتاب والسنة، فكل حركة في السموات والأرض فهي ناشئة عن الملائكة الموكلين بالسموات والأرض امتثالاً لأمر الله . فيجب الإيمان بمن سَمَّى الله منهم على وجه التفصيل، ومن لم يسمِّ منهم فيجب الإيمان به على وجه الإجمال (٢).
ثالثاً: الإيمان بالكتب: وهو التصديق الجازم بأن لله كتباً أنزلها على أنبيائه ورسله، وهي من كلامه حقيقة، وأنها نور وهدى، وأن ما تضمنته حق، ولا يعلم عددها إلا الله، ويجب الإيمان بها جملة إلا ما سمَّى الله منها
стр. 7
فيجب الإيمان به على وجه التفصيل وهي: التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن، ويجب مع الإيمان بالقرآن وأنه من عند الله الإيمان بأن الله تكلم به كما تكلم بالكتب المنزَّلة، كما يجب مع هذا كله اتباع ما فيه من أوامر، واجتناب ما فيه من زواجر، وأنه مُهَيْمِن على الكتب السابقة، وأنه مخصوص من الله بالحفظ من التبديل والتغيير، فهو كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود (١).
رابعاً: الإيمان بالرسل: وهو التصديق الجازم بأن الله أرسل رسلاً لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، واقتضت حكمته تعالى أن يرسلهم إلى خلقه مبشرين ومنذرين، فيجب الإيمان بهم جميعاً على وجه الإجمال، ويجب الإيمان بمن سمَّى الله منهم على وجه التفصيل وهم: خمسة وعشرون ذكرهم الله في القرآن الكريم، ويجب الإيمان بأن لله رسلاً غيرهم وأنبياء لا يُحصي عددهم إلا الله، ولا يعلم أسماءهم إلا هو جل وعلا كما يجب الإيمان بأن محمداً ﷺ أفضلهم وخاتمهم، وأن رسالته عامة للثقلين ولا نبي بعده ﷺ (٢).
خامساً: الإيمان بالبعث بعد الموت: وهو الاعتقاد الجازم بأن هناك داراً آخرة يجازي الله فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ويغفر الله ما دون الشرك لمن يشاء.
والبعث شرعاً: هو إعادة الأبدان وإدخال الأرواح فيها، فيخرجون
стр. 8
من الأجداث كأنهم جراد منتشر أحياء مهطعين إلى الداعي، فنسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة (١).
سادساً: الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى: وهو التصديق الجازم بأن كل خير وشر هو بقضاء الله وقدره، وأن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها أزلاً قبل إيجادها ثم أوجدها بقدرته، ومشيئته على وِفْقِ ما علمه منها، وأنه كتبها في اللوح المحفوظ قبل إحداثها (٢).
والأدلة على هذه الأركان الستة من الكتاب والسنة كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ... الآية (٣)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٤)، وقوله ﷺ في حديث جبريل. (( ... أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)) (٥).
стр. 9
المبحث الثالث: مذهب أهل السنة والجماعة في صفات الله تعالى إجمالاً
أهل السنة والجماعة يثبتون صفات الله تعالى: بلا تعطيل، ولا تمثيل، ولا تحريف، ولا تكييف، ويمرُّونها كما جاءت مع الإيمان بمعانيها وما تدل عليه.
أولاً: التحريف: هو لغة التغيير والتبديل. واصطلاحاً. تغيير ألفاظ الأسماء الحسنى والصفات العلا أو معانيها. وهو ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: تحريف اللفظ بزيادة، أو نقص، أو تغيير شكل وذلك كقول الجهمية ومن تبعهم في استوى: استولى. بزيادة اللام. وكقول اليهود: حنطة لَمّا قيل لهم: قولوا حطة، وكقول بعض المبتدعة بنصب لفظ الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (١).
والقسم الثاني: تحريف المعنى وهو إبقاء اللفظ على حاله وتغيير معناه وذلك كتفسير بعض المبتدعة: الغضب بإرادة الانتقام، والرحمة بإرادة الإنعام، واليد بالنعمة.
ثانياً: التعطيل: هو لغة: الترك. والمراد به نفي الصفات الإلهية عن الله تعالى وإنكار قيامها بذاته تعالى أو إنكار بعضها. فيكون الفرق بين التحريف والتعطيل هو أن التعطيل نفي للمعنى الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة، والتحريف: هو تفسير النصوص بالمعاني الباطلة.
أنواع التعطيل
التعطيل أنواع:
стр. 10
١ - تعطيل الله عن كماله المقدس، وذلك بتعطيل أسمائه وصفاته أو تعطيل شيء من ذلك كما فعلت الجهمية والمعتزلة.
٢ - تعطيل الله بترك معاملته، وذلك بترك عبادته أو بعضها، أو عبادة غيره معه.
٣ - تعطيل المخلوق عن خالقه، وذلك مثل قول القائلين: إن الطبيعة هي التي أوجدت الأشياء، وإنها تتصرف بطبيعتها. وكل محرف معطل، وليس كل معطل محرفاً. فمن أثبت المعنى الباطل، ونفى المعنى الحق، فهو محرِّف ومعطِّل. أما من نفى الصفات فهو معطل وليس بمحرف.
ثالثاً: التكييف: هو السؤال بكيف. والمراد به تعيين وتحديد كنه الصفة بحيث يجعل لها كيفية معلومة، وليس المراد بنفي الكيفية تفويض المعنى المراد من الصفات؛ بل المعنى معلوم من لغة العرب، وهذا مذهب السلف كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى حينما سئل عن كيفية الاستواء فقال رحمه الله تعالى: ((الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)) (١). فكل صفة من صفات الله تعالى تدل على معنى حقيقي ثابت نؤمن به ونثبته لله، ولكننا لا نعرف كيفيتها، وهيئتها وصورتها. فالواجب إثبات الصفات حقيقة ومعنى، وتفويض الكيفية بخلاف الواقفة الذين يفوضون معانيها.
رابعاً: التمثيل: هو بمعنى التشبيه بحيث يُجعل لله شبيهٌ في صفاته الذاتية أو الفعلية، وهو قسمان:
стр. 11
أ - تشبيه المخلوق بالخالق، كما شبهت النصارى المسيح بن مريم بالله تعالى، وكما شبهت اليهود عزيراً بالله. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ب - تشبيه الخالق بالمخلوق، كما فعلت المشبهة الذين يقولون: له وجه كوجه المخلوق، ويد كيد المخلوق، وسمع كسمع المخلوق، ونحو ذلك من التشبيه الباطل تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً (١)(٢).
стр. 12
المبحث الرابع: الإلحاد في أسماء الله وصفاته:
الإلحاد في أسماء الله تعالى: هو العدول بها وبحقائقها، ومعانيها عن الحق الثابت لها. والإلحاد إما أن يكون بجحدها أو إنكارها بالكلية، وإما بجحد معانيها وتعطيلها، وإما بتحريفها عن الصواب وإخراجها عن الحق بالتأويل الفاسد، وإما بجعلها أسماء لبعض المبتدعات كإلحاد أهل الاتحاد، فيدخل في الإلحاد: التحريف، والتعطيل، والتكييف، والتمثيل، والتشبيه (١).
стр. 13
المبحث الخامس: طريقة أهل السنة والجماعة في النفي والإثبات
أهل السنة والجماعة يثبتون ما أثبته الله لنفسه مفصلاً على حد قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، فكل ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من جميع الأسماء والصفات أثبتوه لله على الوجه اللائق به تعالى. وأهل السنة والجماعة ينفون ما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله ﷺ نفياً إجمالياً غالباً على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١).
والنفي يقتضي إثبات ما يضاده من الكمال فكل ما نفى الله عن نفسه من النقائص ومشاركة أحد من خلقه في شيء من خصائصه فإنها تدل على ضدها من أنواع الكمال. وجمع الله النفي والإثبات في آية واحدة - أعني النفي الإجمالي والإثبات المفصل - وهي قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، فهذه الآية تضمنت تنزيه الله عن مشابهة خلقه لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. وفي أول هذه الآية رد على المشبهة وهو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وفي آخرها رد على المعطلة وهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، وفي أول هذه الآية نفي مجمل، وفي آخرها إثبات مفصّل، وفيها رد على الأشاعرة الذين يقولون ببعض الصفات وينفون البعض الآخر، وفيها رد على المعتزلة الذين يقولون سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر (٢). وقد ساق المؤلف رحمه الله تعالى (٣) الآية السابقة، وسورة الإخلاص، وآية الكرسي لتضمن
стр. 14
هذه السورة - وما ذكر معها من الآيات - النفي والإثبات (١)، فسورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن كما بين ذلك رسول الله ﷺ (٢)، وذكر العلماء من تفسير ذلك أن القرآن أنزل على ثلاثة أنواع: توحيد، وقصص، وأحكام. وهذه السورة تدل على التوحيد بأنواعه الثلاثة: توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات؛ لذا قيل إنها تعدل ثلث القرآن (٣).
وآية الكرسي آية عظيمة، وهي أعظم آية في كتاب الله تعالى (٤)، وما ذلك إلا لما اشتملت عليه من الأسماء الحسنى والصفات العلا، فقد اجتمع فيها ما لم يجتمع في غيرها، فآية احتوت على هذه المعاني العظيمة يحق أن تكون أعظم آية في كتاب الله تعالى (٥).
стр. 15
المبحث السادس: مذهب أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته تفصيلاً
أهل السنة مذهبهم مذهب سلف هذه الأمة رحمهم الله تعالى، وهو أنهم يؤمنون بكل ما أخبر الله به عن نفسه في كتابه، وبكل ما أخبر به عنه رسوله ﷺ إيماناً سالماً من التحريف والتعطيل، ومن التكييف والتمثيل، ويجعلون الكلام في صفات الله وذاته باباً واحداً فالقول في الصفات كالقول في الذات، فإن كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات تكييف، فكذلك إثبات الصفات. فيجب عندهم الإيمان بأسماء الله وصفاته التي ثبتت بالكتاب والسنة الصحيحة أو بأحدهما ويجب أن تُمرّ كما جاءت بلا تكييف مع الإيمان بما دلّت عليه من المعاني العظيمة التي هي أوصاف لله يجب وصفه بها على الوجه اللائق به بلا تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل (١).
وأهل السنة والجماعة لا يقيسون الله بخلقه، فلا يجوز عندهم استعمال الأقيسة التي تقتضي المماثلة، والمساواة بين المقيس والمقيس عليه في الشؤون الإلهية، فلا يستخدمون قياس التمثيل، ولا قياس الشمول في حق الله تعالى. إنما يستخدمون في حقه سبحانه قياس الأَوْلى. ومضمون هذا القياس أن كل كمال ثبت للمخلوق لا نقص فيه بوجه من الوجوه فالخالق به أولى، وكل نقص تنزّه عنه المخلوق فالخالق أحقّ بالتنزيه عنه.
стр. 16
المبحث السابع: آيات الصفات وأحاديثها
بعد أن ذكر المؤلف رحمه الله تعالى (١) عقيدة الفرقة الناجية إجمالاً: من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى، شرع في ذلك على وجه التفصيل، فذكر ﵀ أن من الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
ثم ذكر ﵀ جملة من الآيات، وجملة من الأحاديث الصحيحة التي أثبت فيها رسول الله ﷺ صفات الله على الوجه اللائق به تعالى. وأراد المؤلف بهذا الإثبات أنه لا طريق لمعرفة الإنسان المسلم صفات ربه العلا، وأسمائه الحسنى إلا عن طريق الوحي. وأسماء الله وصفاته توقيفية فما أثبته الله لنفسه أو أثبته رسوله ﷺ أثبتناه، وما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ نفيناه. وحسبنا ما جاء في هذا القرآن وصحيح السنة.
ومما ذكر ﵀ ما يلي:
١ - صفة العزة: قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)، فسبح الله نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب.
стр. 17
٢ - صفة الإحاطة: قال تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١)، وقد فسر ذلك رسول الله ﷺ بقوله: ((اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء)) (٢)، وهذا يدل على الإحاطة الزمانية ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ ويدل على الإحاطة المكانية قوله تعالى: ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾.
٣ - صفة العلم ، ٤ - صفة الحكمة ، ٥ - صفة الخبرة: قال الله تعالى:
﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٤)، وعلم الله تعالى من الصفات الذاتية التي لا تنفك عن الله، فهو قد أحاط بكل شيء علماً جملة وتفصيلاً. والله تعالى له الحكم في الدنيا والآخرة، وهو سبحانه إذا أحكم شيئاً لا يتطرّق إليه الفساد فقد أحكم هذا الخلق وأوجده وهو سبحانه الحكيم العليم (٥).
٦ - صفة الرزق ، ٧ - والقوة ، ٨ - والمتانة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٦)، والرزاق هو كثير الرزق واسعه كما تدل
стр. 18
عليه صيغة المبالغة، وكل ما في الكون من رزق فهو من الله تعالى. والرزق رزقان:
رزق يستمر نفعه في الدنيا والآخرة، وهو رزق القلوب، الذي هو العلم والإيمان والرزق الحلال.
والرزق الثاني وهو الرزق العام لسائر الخلق برَّهم وفاجرهم والبهائم وغيرها. والله تعالى موصوف بالقوة، والقوي شديد القوة، فَعُلِمَ أن القوي من أسمائه ومعناه الموصوف بالقوة. والمتين البالغ في القوة والقدرة نهايتهما (١).
٩ - صفة السمع ، ١٠ - صفة البصر: قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (٢)، من صفات الله الذاتية: السمع والبصر. فله تعالى سمع وبصر يليق بجلاله لا كسمع خلقه ولا بصرهم، بل قد أحاط سمعه بجميع المسموعات، وهو يشاهد، ويرى كل شيء وإن خفي ظاهراً وباطناً (٣) وقد قال الشاعر:
يا من يرى مدَّ البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويرى مناط عروقها في نحرها ... والمخَّ في تلك العظام النحَّل
امننْ عليَّ بتوبةٍ تمحو بها ... ما كان مني في الزمان الأوّل
стр. 19
١١ - صفة الإرادة ، ١٢ - والمشيئة: قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ الله مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٢)، والإرادة نوعان:
١ - إرادة كونية ترادفها المشيئة وهما تتعلقان بكل ما يشاء الله فعله وإحداثه، فهو سبحانه إذا أراد شيئاً وشاءه كان عقب إرادته له كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣)، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
٢ - إرادة شرعية تتعلق بما أمر الله به عباده مما يحبه ويرضاه، وهي المذكورة في مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٤).
الفرق بين الإرادتين:
الإرادة الكونية القدرية عامة تشمل جميع الحوادث وكل ما يقع في هذا الكون من خير وشر، وكفر، وإيمان، وطاعة ومعصية. أما الإرادة الدينية الشرعية فتختص بما يحبه الله ويرضاه مما جاء في الكتاب والسنة. فتجتمعان في حق المطيع وتنفرد الكونية القدرية في حق العاصي
стр. 20
والكافر. ومعنى ذلك أن طاعة المطيع أرادها الله ديناً، وشرعاً، وكوناً، وقدراً. أما كفر الكافر فأراده الله كوناً وقدراً، ولم يرده ديناً وشرعاً (١).
١٣ - صفة المحبة ، ١٤ - والمودة: قال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢)، ومحبة الله تليق بجلاله كما تقدم، وهي من الصفات الفعلية وسببها امتثال ما أمر الله به من الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى عباد الله. وكذلك صفة المودة لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ (٣)، والود صفاء المحبة وخالصها.
١٥ - صفة الرحمة ، ١٦ - والمغفرة: قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ (٤)،وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٥) في الآية الأولى أثبت الله لنفسه صفة الرحمة، وفي الآية الثانية أثبت سبحانه لنفسه صفة المغفرة، ونحن نثبت ما أثبت الله لنفسه على الوجه اللائق به .
١٧ - صفة الرضى ، ١٨ - والغضب ، ١٩ - والسخط ، ٢٠ - واللعن ، ٢١ - والكراهية ، ٢٢ - والأسف ، ٢٣ - والمقت: قال الله تعالى: ﴿رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٦)، وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا
стр. 21
فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ (١)،وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ الله وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ الله أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَلَكِن كَرِهَ الله انبِعَاثَهُمْ﴾ (٥)، في هذه الآيات وصف الله نفسه بالغضب، والسخط، والرضى، واللعن، والكراهية، والأسف، والمقت. وهذه كلها من صفات الأفعال التي يفعلها جل وعلا متى شاء إذا شاء، فكما أثبت أهل السنة الصفات الذاتية لله كذلك أثبتوا أفعاله الاختيارية على ما يليق بجلاله (٦).
٢٤ - مجيء الله ، ٢٥ - وإتيانه: قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ (٧)، وقال تعالى:
﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٨). في هذه الآيات التي ذكر المؤلف وفي غيرها إثبات صفة المجيء، وصفة الإتيان، والنزول على ما يليق بالله تعالى. وهذه الأفعال الاختيارية المتعلقة بالمشيئة والقدرة.
стр. 22
٢٦ - صفة الوجه ، ٢٧ - واليدين ، ٢٨ - والعينين: قال الله تعالى:
﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٣)، في هذه الآيات إثبات صفة الوجه، واليدين، والعينين لله تعالى على ما يليق به. ويدل على صفة العينين من السنة قوله ﷺ : ((إن ربكم ليس بأعور)) (٤).
٢٩ - صفة المكر ، ٣٠ - والكيد: قال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله وَالله خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ
كَيْدًا﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (٧)، أثبت الله لنفسه هذه الصفات المذكورة في الآيات. وهي: المكر، والكيد، والمماحلة، وهذه صفات فعلية تثبت لله كما يليق بجلاله وعظمته، ولا يجوز أن يشتق له من هذه الصفات الفعلية اسم، فلا يُقال: من أسمائه الماكر، ولا الكائد؛ لأن ذلك لم يرد، بل نقف عندما ورد من أنه سبحانه خير الماكرين، وأنه يكيد لأعدائه الكافرين. فوصف الله نفسه بالمكر، والكيد على وجه الجزاء
стр. 23
والمقابلة، نحو: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ (١)، وقيل على بابه: وهو إيصال المكر والكيد لمن يستحقه عقوبة له: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيل* أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيل﴾ (٢)، والله تعالى أطلق على نفسه أفعالاً لم يتسمَّ فيها بأسماء الفاعل: كأراد، وشاء، وأحدث، ولم يُسمَّ بالمريد، والشائي، والمُحدث، كما لم يُسمِّ نفسَه بالصانع، والفاعل، والمتقن، وغير ذلك من الأسماء التي أطلق أفعالها على نفسه، فباب الأفعال أوسع من باب الأسماء. ولكن ما أثبته الله لنفسه أثبتناه، كقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (٣)، وكقوله: ﴿صُنْعَ الله الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٤).
٣١ - صفة العفو ، ٣٢ - والمغفرة ، ٣٣ - والعزة ، ٣٤ - والقدرة: قال الله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ الله كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَلله الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٧)، ففي هذه الآيات أثبت الله لنفسه صفة العفو، وصفة المغفرة، وصفة العزة، وصفة القدرة فنحن نثبتها لله على الوجه اللائق به تعالى لا يشبه في ذلك شيئاً من خلقه)) (٨).
стр. 24
٣٥ - صفة الاستواء ، ٣٦ - والعلو:
قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١)، ذكر الله ذلك في سبعة مواضع من كتابه، فنحن نثبت ما أثبته الله لنفسه فنقول: إنه استوى حقيقة استواء يليق بجلاله، فالاستواء معلومٌ، والكيف مجهولٌ، والإيمان به واجبٌ، والسؤال عنه بدعةٌ، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة (٢). وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٣)، والعلوُّ وصفٌ ذاتيٌّ لله تعالى: فله العلوُّ المطلق: علوُّ الذاتِ وعلوُّ القدر، وعلوُّ القهر (٤)، وفي الحديث: ((والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه)) (٥).
٣٧ - صفة المعيّة لله تعالى: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ
стр. 25
وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الله مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (٢)، نجد في هذه الآيات أن الله تعالى أثبت لنفسه معيّةً، وهذه المعيّة معيّتان:
١ - معيّة الله لجميع المخلوقات ومقتضاها العلم، والإحاطة، والاطلاع، ودليل ذلك ما جاء في آية سورة الحديد السابقة.
٢ - معيّة خاصة لأهل الإيمان والتقوى ومقتضاها الحفظ، والعناية، والنصرة ... والمعيّة العامّة من الصفات الذاتية، والمعيّة الخاصّة من الصفات الفعلية. قال ﷺ : ((إنّ أحدكم إذا قام في صلاته فإنّه يناجي ربه أو إنّ ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقنّ أحدكم قِبَلَ وجهه، [ولا عن يمينه] ولكن عن يساره أو تحت قدمه [وفي رواية] أو تحت قدمه اليسرى)) (٣)، وقال ﷺ : ((والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم)) (٤).
٣٨ - صفة الكلام لله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ الله مُوسَى
стр. 26
تَكْلِيمًا﴾ (١)، هذه الآية وغيرها من الآيات التي ذكرها المؤلف، وهي كثيرة جداً، تدل على أن الله يتكلّم حقيقة على ما يليق بجلاله، فهو سبحانه يتكلّم إذا شاء بما شاء متى شاء، فهو تعالى قد تكلّم بالقرآن، والكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والقرآن كلامه تعالى مُنَزَّل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وإذا قرأ الناس القرآن أو كتبوه في المصاحف لم يخرجه ذلك عن أن يكون كلام الله؛ فإنّ الكلام إنّما يضاف إلى من قاله أولاً أي مبتدئاً لا إلى من بلّغه مؤدياً والله تكلم بحروفه، ومعانيه بلفظ نفسه سبحانه ليس شيء منه لغيره، فالله تعالى متكلّم بكلامٍ قديم النوع حادث الآحاد، وأنه لم يزل متكلّماً بحرف وصوت بكلام يُسْمِعُه من شاء من خلقه وهو سبحانه يكلّم المؤمنين يوم القيامة ويكلّمونه، وكلامه قائم بذاته وهو صفة ذات وفعل فهو لم يزل ولا يزال متكلماً إذا شاء على ما يليق بجلاله (٢)، وقد قال النبي ﷺ : ((ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)) (٣)، وقال ﷺ : يقول الله : ((يا آدم فيقول: لبيك وسعديك، والخيرُ في يديك، قال: يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألفٍ تسعمائة وتسعةً وتسعين. قال: فذاك حين يشيب الصغير، وتضعُ كل ذات حملٍ حملها، وترى الناس
стр. 27
سُكارَى، وما هم بسُكارَى ولكن عذاب الله شديد ... )) (١) الحديث.
٣٩ - رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة: قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢)، ذكر المؤلف رحمه الله تعالى تحت هذا الباب آيات تدل على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة عِياناً بأبصارهم على الوجه اللائق بالله تعالى، لا يشبه في ذلك شيء من خلقه، وقد وردت السنة بذلك أيضاً قال ﷺ : ((إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ قال يقول الله ﵎: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيّض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟، قال: فيكشف الحجاب، فما أُعطوا شيئاً أحبّ إليهم من النظر إلى ربهم ))، ثم تلا هذه الآية: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٣)(٤)، وقد اتفق على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة: الأنبياء، والمرسلون، وجميع الصحابة، والتابعون، وأئمة الإسلام على تتابع القرون. والمخالفون في ذلك: الجهمية، والمعتزلة، ومن تبعهم، وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة (٥)، وقال النبي ﷺ : ((إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامّون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلَبوا
стр. 28
على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وصلاةٍ قبل غروب الشمس فافعلوا)) (١).
٤٠ - نزول الله إلى السماء الدنيا كل ليلة: قال النبي ﷺ : ((ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له)) (٢)، وهذا الحديث المتفق على صحته دليل صحيح صريح في إثبات نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، ونزوله تعالى يليق بجلاله، وعظمته، والنزول من الصفات الفعلية ينزل إذا شاء متى شاء فالنزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب والسنة، وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض بحيث يبقى السقف فوقهم، بل الله منزه عن ذلك (٣).
٤١ - صفة الفرح لله تعالى: قال النبي ﷺ : ((الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة)) (٤)، وهذه الصفة من
стр. 29
الصفات الفعلية وهي تليق بالله .
٤٢ - صفة الضحك لله تعالى: قال النبي ﷺ : ((يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر: كلاهما يدخل الجنة))، فقالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: ((يقاتل هذا في سبيل الله فَيُسْتَشْهَد ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيقاتل في سبيل الله فيستشهد)) (١)، في هذا الحديث دليل صحيح صريح على إثبات صفة الضحك لله على الوجه اللائق
بجلاله تعالى، لا يشبه أحداً من خلقه، وهذه الصفة من الصفات الفعلية التي يفعلها الله إذا شاء متى شاء كيف شاء على الوجه اللائق به سبحانه (٢).
٤٣ - صفة العجب: قال ﷺ : ((لقد عجب الله أو ضحك من فلان وفلانة فأنزل الله : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ
خَصَاصَةٌ﴾)) (٣)، وفي هذا الحديث الصحيح إثبات صفة العجب، وهي من الصفات الفعلية، فالله تعالى يعجب متى شاء إذا شاء على ما يليق بجلاله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
стр. 30
٤٤ - صفة قَدَم الرحمن: قال النبي ﷺ : ((لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه -[وفي رواية] عليها قدمه - فينزوي بعضها إلى بعض فتقول قط قط)) (١)، وفي هذا إثبات صفة قدم الرحمن على ما يليق بجلاله كما تقدم (٢).
الصفات تنقسم إلى فعلية وذاتية
القسم الأول: الصفات الذاتية: وهي التي لا تنفك عن الله تعالى، فهو لم يزل ولا يزال متصفاً بها: كالعلم، والحياة، والقدرة، والسمع، والبصر، والوجه، واليدين، والعينين، والرجل، والملك، والعظمة، والكبرياء، والعزة، والعلو، والإصبع، والقدم، والغنى، والرحمة، والكلام.
القسم الثاني: الصفات الفعلية: وهي التي تتعلق بالمشيئة والقدرة: كالاستواء، والنزول، والمجيء، والضحك، والرضى، والعجب، والسخط، والإتيان، والإحياء، والإماتة، والفرح، والغضب، والكره، والحب، فهذه صفات يقال لها قديمة النوع حادثة الآحاد، وهذه الصفات وغيرها تتعلق بالمشيئة إن شاء فعلها وإن لم يشأ لم يفعلها (٣).
قد تكون الصفات ذاتية فعلية باعتبارين
كالكلام فإنّه باعتبار أصله صفة ذاتية؛ لأنّه لم يزل ولا يزال متكلماً،
стр. 31
وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية؛ لأنّ الكلام يتعلق بمشيئته يتكلم إذا شاء بما شاء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ﴾، وكل صفة تتعلق بمشيئة الله تعالى فإنّها تابعة لحكمته، وقد تكون الحكمة معلومةً لنا، وقد نعجز عن إدراكها، لكننا نعلم علم اليقين أنه سبحانه لا يشاء شيئاً إلا وهو موافق للحكمة، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاّ أَن يَشَاءَ الله إِنَّ الله كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١)(٢).
стр. 32
المبحث الثامن: وسطية أهل السنة والجماعة
أولاً: توسط أهل السنة بين فرق الضلال في باب صفات الله تعالى
الأمة الإسلامية وسط بين الملل، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (١)، وأهل السنة وسط بين الفرق المنتسبة للإسلام. فهم وسط بين الجهمية الذين ينفون صفات الله تعالى وأسمائه الحسنى، فعطَّلوا الله عن صفاته، فبذلك أطلق عليهم اسم أهل التعطيل، وبين أهل التمثيل وهم طائفة عارضت الجهمية، فأثبتوا الصفات لله غير أنهم جعلوها كصفات المخلوقين، فقالوا: يد كيد المخلوق، وسمع كسمع المخلوق. تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وأما أهل السنة والجماعة فيثبتون الصفات إثباتاً بلا تمثيل، وينزهون الله عن مشابهة المخلوقين تنزيهاً بلا تعطيل، فهم جمعوا بين التنزيه والإثبات. وقد ردّ الله على الطائفتين بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ردٌّ على المشبِّهة. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ردٌّ على المعطِّلة (٢).
ثانياً: توسّط أهل السنة في باب أفعال العباد بين الجبرية والقدرية
وأهل السنة وسط في باب أفعال العباد بين الجبرية والقدرية وغيرهم. فالجبرية الذين هم الجهمية أتباع الجهم بن صفوان يقولون: إن العبد مجبورٌ على فعله وحركاته وأفعاله كلها كحركات المرتعش والعروق
стр. 33
النابضة [وكالريشة في مهب الريح] والكل فعل الله.
أما القدرية الذين هم المعتزلة أتباع معبد الجهني ومن وافقهم فقالوا: إنّ العبد هو الخالق لأفعاله دون مشيئة الله وقدرته، فأنكروا أن يكون الله هو الخالق لأفعال العباد، وقالوا: إنّ الله لم يُرِدْها ولم يشأْها. وهدى الله أهل السنة والجماعة لأن يكونوا وسطاً بين هاتين الفرقتين، فقالوا: إنّ الله تعالى هو خالق العباد وأفعالهم، والعباد فاعلون حقيقة ولهم قدرة على أعمالهم، والله خالقهم وخالق قدراتهم قال الله تعالى: ﴿وَالله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١)، وأثبتوا للعبد مشيئة واختياراً تابعين لمشيئة الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿لمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاّ أَن يَشَاءَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).
ثالثاً: أهل السنة وسط في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية
المرجئة: نسبة إلى الإرجاء وهو التأخير، وسُمُّوا بذلك لأنهم أخَّروا الأعمال عن الإيمان حيث قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فعندهم أن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن مرتكب الكبيرة كامل الإيمان غير مُعرَّض للوعيد، ومذهبهم باطل بالكتاب والسنة.
والوعيدية هم الذين قالوا: إنّ الله يجب عليه عقلاً أن يُعذِّب العاصي، كما يجب عليه أن يثيب الطائع، فمن مات على كبيرة ولم يتب منها فهو
стр. 34
خالد مُخلَّد في النار، وهذا أصل من أصول المعتزلة، وبه تقول الخوارج، قالوا: لأنَّ الله لا يخلف الميعاد. ومذهبهم باطل مخالف للكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لمَن
يَشَاء﴾ (١).
أما أهل السنة والجماعة فهم وسط في باب وعيد الله بين هاتين الطائفتين حيث قالوا: إنّ مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته أو مؤمن ناقص الإيمان، وإن مات ولم يتب فهو تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه برحمته وفضله وأدخله الجنة من أول وهلة، وإن شاء عذبه بعدله بقدر ذنوبه في النار، ولكنه لا يخلد فيها بل يخرج بعد التطهير والتمحيص من الذنوب والمعاصي، ويدخل الجنة بشفاعة أو بفضل الله ورحمته، وكلٌّ من فضل الله تعالى. وقال أهل السنة: وإخلاف الوعيد كرم بخلاف إخلاف الوعد؛ فإنّه يمدح بإخلاف الوعيد بخلاف [إخلاف] الوعد.
قال الشاعر:
وإنِّي وإن أَوعدتُُه أو وعدتُُه ... لمخلفُُ إيعادي ومنجزُ موعدي (٢)
رابعاً: أهل السُّنَّة وسط في باب أسماء الإيمان والدِّين بين الحرورية، والمعتزلة، وبين المرجئة، والجهمية
المراد بالأسماء هنا أسماء الدِّين مثل: مؤمن، ومسلم، وكافر، وفاسق. والمراد بالأحكام: أحكام أصحابها في الدنيا والآخرة.
стр. 35
١ - الحرورية طائفة من الخوارج نسبوا إلى حروراء، وهو موضع قريب من الكوفة اجتمعوا فيه حين خرجوا على علي ﵁ فعندهم أنَّه لا يُسمَّى مؤمناً إلا من أدَّى الواجبات واجتنب الكبائر. ويقولون: إنّ الدين والإيمان قول، وعمل، واعتقاد. ولكنه لا يزيد ولا ينقص، فمن أتى كبيرة كفر في الدنيا وهو في الآخرة خالد مخلد في النار إن لم يتب قبل الموت.
٢ - المعتزلة هم أتباع واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد سُمُّوا بذلك لمّا اعتزلوا مجلس الحسن البصري، وقيل غير ذلك. فعندهم أنه لا يُسمَّى مؤمناً إلا من أدى الواجبات واجتنب الكبائر، ويقولون: إن الدين والإيمان قول وعمل واعتقاد، ولكنه لا يزيد ولا ينقص، فمن أتى كبيرة صار في منزلة بين المنزلتين - خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر - هذا حكمه عندهم في الدنيا،، وحكمه في الآخرة خالد مُخَلَّدٌ في النار. فوقع الخلاف بين الخوارج والمعتزلة في موضعين ووقع الاتفاق بينهم في موضعين. وقع الاتفاق بينهم في:
أ - نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة.
ب - خلوده في النار مع الكفار.
ووقع الخلاف بينهم في:
أ - الخوارج سَمُّوه كافراً، والمعتزلة قالوا في منزلة بين المنزلتين.
ب - الخوارج استحلُّوا دمه وماله، والمعتزلة لم يفعلوا ذلك.
٣ - المرجئة قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر
стр. 36
طاعة، فهم يقولون: إن الإيمان مُجرَّد التصديق بالقلب. فمرتكب الكبيرة عندهم كامل الإيمان ولا يستحق دخول النار. فعلى هذا يكون إيمان أفسق الناس كإيمان أكمل الناس.
٤ - وكذا قال الجهمية. فالجهم قد ابتدع التعطيل، والجبر، والإرجاء كما قال الإمام ابن القيم ﵀، فمرتكب الكبيرة عند هؤلاء كامل الإيمان ولا يستحق دخول النار.
٥ - أما أهل السنة والجماعة فهداهم الله للحق، فقالوا: إنّ الإيمان قول باللِّسان، وعمل بالجوارح، واعتقاد بالقلب، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن ناقص الإيمان، قد نقص من إيمانه بقدر ما ارتكب من معصية، فلا ينفون عنه الإيمان أصلاً كالخوارج والمعتزلة، ولا يقولون: بأنَّه كامل الإيمان كالمرجئة والجهمية. أما حكمهُ في الآخرة فهو تحت مشيئة الله إن شاء أدخله الجنة من أول مرَّة رحمة منه وفضلاً، وإن شاء عذبه بقدر معصيته عدلاً منه سبحانه ثم بعد التطهير يخرجه من النار ويدخله الجنة. هذا إن لم يأت بناقض من نواقض الإسلام، أو يستحل ما حرم الله أو يحرم ما أحل الله.
وحكم أهل السنة على عدم تخليد المؤمن في النار وسط كذلك بين الخوارج والمعتزلة لقولهم بخلوده في النار، وبين المرجئة والجهمية الذين قالوا لا يستحق على المعصية عقاباً (١).
стр. 37
خامساً: أهل السنة وسط في أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج والنواصب
الرافضة هم طائفة من الشيعة غلوا في علي ﵁ وأهل البيت، ونصبوا العداوة لجمهور الصحابة كالثَّلاثة، وكفّروهم، ومن والاهم، وكفّروا من قاتل علياً وقالوا: إنّ علياً إمام معصوم، وسبب تسميتهم بهذا الاسم أنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين، حينما قالوا: تبرّأْ من الشيخين: أبي بكر وعمر، فقال: معاذ الله، وزيرا جدي، فرفضوه فسموا رافضة.
وأما الزيدية فقالوا: نتولاهما، ونتبرّأ ممن تبرّأ منهما، وتبعوا زيداً فسُمّوا بالزيدية.
والخوارج قابلوا هؤلاء فكفروا علياً، ومعاوية، ومن معهما من الصحابة، وقاتلوهم، واستحلوا دماءهم، وأموالهم.
والنواصب: هم الذين نصبوا العداوة لأهل البيت ويطعنون فيهم.
أما أهل السنة والجماعة فهداهم الله تعالى للحق والصواب، فلم يغلوا في علي وأهل البيت، ولم ينصبوا العداوة للصحابة ﵃ ولم يكفّروهم، ولم يفعلوا كما فعل النواصب من عداوة أهل البيت. بل يعترفون بحق الجميع وفضلهم، ويوالونهم ويرتبونهم في الفضل والأفضليَّة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃،ويكفون عن الخوض فيما جرى بينهم، ويترحَّمون على جميع الصحابة، فكانوا وسطاً بين غلو الرافضة، وجفاء الخوارج (١).
стр. 38
المبحث التاسع: الإيمان باليوم الآخر
الإيمان باليوم الآخر هو أحد أركان الإيمان السِّتة، وقد تقدم ذكر الإيمان باليوم الآخر إجمالاً، وهاهنا أراد مؤلف العقيدة (١) ﵀ ذكر بعض تفاصيل ذلك اليوم العظيم. وخلاصة مذهب أهل السنة في الإيمان باليوم الآخر على النحو الآتي:
أولاً: الإيمان بفتنة القبر . يجب الإيمان بأنَّ الناس يمتحنون في قبورهم بعد الموت، وهذا الامتحان أو الاختبار يقال له فتنة القبر، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن الناس يمتحنون في قبورهم فيقال للإنسان: ((مَن ربُّك؟ وما دينُك؟ ومن نبيُّك؟. فالمؤمن يقول: ربِّي الله وديني الإسلام، ونبيّيَ محمد ﷺ والفاجر يقول: هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيقال له: لا دريت ولا تليت، فَيُضرب بمطرقةٍ من حديد فيصيح صيحةً يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها لصعق)) (٢). قال الله تعالى:
﴿يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ﴾ (٣).
ثانياً: نعيم القبر وعذابه: ورد به الكتاب والسنة، وأنه حق يجب الإيمان به. فإنّه بعد الفتنة في القبر نعوذ بالله من فتنة القبر وعذابه، بعد هذه الفتنة إما عذاب، وإما نعيم، فمن أجاب على أسئلة الامتحان في القبر نجا
стр. 39
وسعد في قبره، ويوم حشره، ومن لم يجب على هذه الأسئلة فقد خسر خسراناً مبيناً نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة. والنعيم أو العذاب في القبر يجري على الروح والجسد تبع له، وفي يوم القيامة على الروح والبدن جميعاً، والخلاصة أنّ عذاب القبر ونعيمه حقٌّ دلَّ عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع الأمة الإسلامية.
ثالثاً: القيامة الكبرى: يجب الإيمان بأنّه بعد انتهاء مُدَّة الحياة الدنيا تقوم القيامة الكبرى حين ينفخ إسرافيل في الصور النفخة الأولى، ثم ينفخ نفخة البعث والنشور فتعاد الأرواح إلى أجسادها فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين: حفاة، عراة، غرلاً ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً﴾ (١)، ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ*وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ (٢)، وأول من ينشقّ عنه القبر محمد ﷺ . وتدنو من العباد الشمس في هذا اليوم ويلجمهم العرق على حسب أعمالهم، ومنهم من يظله الله في ظله يوم لا ظلَّ إلاّ ظلُّه.
رابعاً: الميزان: وتُنصب الموازين يوم القيامة فتوزن فيها أعمال العباد
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٣)، ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ (٤)، وهذا الميزان حقيقي له لسان وكفتان، ويوزن العامل وعمله.
خامساً: الدواوين وتطاير الصحف: وفي هذا اليوم تُنشر الدواوين
стр. 40
وتفتح، فآخذٌ كتابه وصحائفَ أعماله بيمينه، فهذا له السعادة الأبدية التي لا يشقى بعدها أبداً، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ (١)، نسأل الله من فضله، وأن يجعلنا منهم. ومنهم آخذٌ كتابه بشماله من وراء ظهره، فهذا له الشقاوة، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ (٢) الآيات، نعوذ بالله من غضبه وعقابه.
سادساً: الحساب: ويجب الإيمان بذلك؛ لأنَّ الله أخبر بذلك وأخبر به رسوله ﷺ . فإنّ الله يوقف عباده على أعمالهم قبل الانصراف من المحشر، فيرى كل إنسان عمله سواء كان خيراً أو شراً، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٤)، ويُسأل الإنسان في هذا اليوم العظيم عن أربع: ((عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه