٣٣
سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني
_
صلاة المريض
مفهوم، وفضائل، وآداب، وكيفية، وأحكام
في ضوء الكتاب والسنة
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد.
فهذه رسالة مختصرة في ((صلاة المريض)) بيّنت فيها: مفهوم المرض، ووجوب الصبر، وفضله، والآداب التي ينبغي للمريض أن يلتزمها، وأوضحت يسر الشريعة الإسلامية وسماحتها، وكيفية طهارة المريض بالتفصيل، وكيفية صلاته بإيجاز وتفصيل، وحكم الصلاة: في السفينة، والباخرة، والقطار، والطائرة، والسيارة، بإيجاز وبيان مفصَّل، كما أوضحت حكم صلاة النافلة في السفر
стр. 3
على جميع وسائل النقل، وقرنت كل مسألة بدليلها ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.
وقد استفدت كثيرًا من تقريرات وترجيحات شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ ورفع درجاته في الفردوس الأعلى.
والله أسأل أن يجعل هذا العمل مقبولاً، مباركًا، خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه سبحانه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وخيرته من خلقه، نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
حرر بين المغرب والعشاء يوم السبت الموافق ١٥/ ١٢/١٤٢١هـ.
стр. 4
أولاً: مفهوم المرض: المرض: السُّقم، نقيض الصحة، ويقال: المرض والسُّقم في البدن والدين جميعًا، كما يقال الصحة في البدن والدين جميعًا، والمرض في القلب يطلق على كل ما خرج به الإنسان عن الصحة في الدين، وأصل المرض: النقصان، يقال: بدن مريض: ناقص القوة، ويقال: قلب مريض: ناقص الدين، والمرض في القلب: فتورٌ عن الحق، وفي الأبدان، فتورُ الأعضاء (١)، والمرض: جمع أمراض؛ فساد المزاج وسوء الصحة بعد اعتدالها، ومرض الموت: العلة التي يقرر الأطباء أنها علة مميتة (٢). وعلى هذا فالمريض: هو الذي اعتلت صحته، سواء كانت في جزء من بدنه أو في جميع بدنه (٣).
ثانيًا: صبر المريض واحتسابه . المريض يجب عليه
стр. 5
أن يصبر ويحتسب على الله الثواب الذي وعده سبحانه الصابرين، قال الله : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١). وقال : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (٢). وقال : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٣). وقال : ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٥). وقال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ*أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (٧). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٨). وقال رسول الله ﷺ : (( ... والصبر ضياء)) (٩). وعن صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضّراء صبر فكان خيرًا له)) (١٠). وعن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله
стр. 6
- قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوَّضته منهما الجنة)) يريد عينيه (١).
وعن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون فأخبرها ((أنه كان عذابًا يبعثه الله على من شاء فجعله رحمة للمؤمنين (٢)، فليس من عبد يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد)) (٣). وقال ﷺ :
стр. 7
(( ... إنما الصبر عند الصدمة الأولى)) (١).
وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((ما يصيب المسلم من نصب (٢)، ولا وصب (٣)، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غمّ، حتى الشوكة يُشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه)) (٤).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلم يُصيبه أذى من مرض فما سواه إلاّ حطَّ الله سيئاته كما تحطّ الشجرة ورقها)) (٥).
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((ما من
стр. 8
مسلم يشاك شوكة فما فوقها، إلا كُتب له بها درجة ومُحيت عنه بها خطيئة)) (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من يُرد الله به خيرًا يُصبْ (٢) منه)) (٣).
وعن أنس ﵁ يرفعه: ((إن عِظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السُّخط)) (٤).
وعن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ قال: قلت: يا رسول
стр. 9
الله، أي الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: ((الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صُلبًا، اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقةٌ ابتلي على حسب دينه، فما يبرحُ البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة)) (١).
ثالثًا: المسلم يسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة ، ولا يسأل البلاء؛ لحديث العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قلت: يا رسول الله علمني شيئًا أسأله الله؟ قال: ((سل الله العافية))، فمكثت أيامًا ثم جئت فقلت: يا رسول الله علمني شيئًا أسأله الله، فقال لي: ((يا عباسُ يا عمَّ رسول الله: ((سل الله العافية في الدنيا والآخرة)) (٢)؛
стр. 10
ولحديث أبي بكر الصديق ﵁ أن النبي ﷺ قال على المنبر: ((سلوا الله العفو والعافية؛ فإن أحدًا لم يُعْطَ بعد اليقين خيرًا من العافية)) (١)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ : ((اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك)) (٢)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ((كان يتعوذ من سوء القضاء، ومن درك الشقاء، ومن شماتة الأعداء، ومن جهد البلاء)) (٣).
رابعًا: الاجتهاد في حال الصحة في الأعمال الصالحة ؛ لتكتب له كاملة في حال عجزه عن العمل؛ لحديث أبي
стр. 11
موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا مرض العبد أو سافر كُتِبَ له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا)) (١)
خامسًا: يُسْر الشريعة الإسلامية وسهولتها؛ وكمالها ، قال الله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤). وقال النبي ﷺ : ((دعوني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)) (٥).
стр. 12
وقال ﷺ : ((إن الدين يسر)) (١).
سادسًا: كيفية طهارة المريض على النحو الآتي:
١ - يجب على المريض أن يتوضأ من الحدث الأصغر: (نواقض الوضوء)، ويغتسل من الحدث الأكبر: (موجبات الغسل).
٢ - يجب أن يزيل ما على السبيلين من النجاسة بالماء قبل الوضوء؛ لأن النبي ﷺ كان يستنجي بالماء (٢).
والاستجمار بالحجارة، أو ما يقوم مقامها يقوم مقام الاستنجاء بالماء، ويقوم مقام الحجارة ما في معناها من كل جامد طاهر ليس له حرمة: كالخشب، والخرق، والمناديل، وكل ما أنقى به فهو كالحجارة على الصحيح (٣)؛ لقوله ﷺ : ((إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه
стр. 13
بثلاثة أحجار يستطيب بهن؛ فإنها تجزئ عنه)) (١). ولابد في الاستجمار من ثلاثة أحجار أو ما يقوم مقامها فأكثر؛ لحديث سلمان ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ : ((لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي باليمين، أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع (٢) أو بعظم)) (٣). فإن لم تكفِ ثلاثة أحجار زاد رابعًا، وخامسًا حتى ينقي المحل، والأفضل أن يقطع الاستجمار على وتر؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: ((ومن استجمر فليوتر)) (٤).
والأفضل أن يستجمر الإنسان بالحجارة ثم يتبعها بالماء؛ لأن الحجارة تزيل عين النجاسة والماء يطهر
стр. 14
المحل، فيكون أبلغ في الطهارة، وهو مخير بين الاستجمار بالحجارة، أو الاستنجاء بالماء أو الجمع بينهما وهو الأفضل، وإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل؛ لأنه يطهر المحل ويزيل العين والأثر.
والاستنجاء يكون من الخارج الرطب من السبيلين: كالبول والغائط، أما النوم، والريح، وأكل لحم الإبل، ومس الفرج فلا يُستنجى منها؛ لأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة من السبيلين (١).
٣ - إذا كان المريض لا يستطيع الحركة؛ فإنه يوضئه شخص آخر ، وإذا كان عليه حدث أكبر ساعده في الغسل، ولا ينظر إلى عورته.
٤ - فإن كان المريض لا يستطيع أن يتطهر بالماء ؛ لخوفه تلف النفس، أو تلف عضو، أو حدوث مرض، أو لعجزه، أو خوف زيادة المرض أو تأخر برئه؛ فإنه يتيمم؛
стр. 15
لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (١).
وكيفية التيمم: أن ينوي رفع الحدث، ثم يضرب بيديه على التراب الطاهر ضربة واحدة فيمسح جميع وجهه، بباطن أصابعه، ثم يمسح كفيه براحتيه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ الله كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٢)؛ ولقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣).
стр. 16
٥ - فإن لم يستطع أن يتيمم بنفسه؛ فإنه ييممه من عنده من المرافقين أو الحاضرين، يحضر التراب الطاهر ثم ييممه به.
٦ - من به جروح أو كسر أو مرض يضره استعمال الماء ؛ فإنه يتيمم سواء كان محدثًا حدثًا أصغر أو أكبر، لكن لو أمكنه أن يغسل الصحيح من جسده أو أعضائه وجب عليه ذلك وتيمم للباقي؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١)؛ ولقوله : ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٢).
٧ - إذا كان في بعض أعضاء الطهارة جرح يستطيع أن يغسله بالماء غسله، فإن كان الغسل بالماء يؤثر عليه مسحه بالماء مسحًا، فإن كان المسح يؤثر عليه أيضًا فإنه يشد عليه جبيرة أو لزقة ويمسح عليها، فإن عجز فحينئذ يتيمم عنه بعد الطهارة.
стр. 17
أما إذا كان الجرح مستورًا بجبس أو لزقة أو جبيرة، أو ما أشبه ذلك ففي هذا الحال يمسح على الساتر ويغنيه عن الغسل، ولا يشترط لبس الجبيرة على طهارة على القول الراجح، وليس للمسح على الجبيرة توقيت؛ لأن مسحها لضرورة فيقدر بقدرها، ويمسح عليها في الحدث الأكبر والأصغر (١). والصواب أنه إذا مسح على العضو يكفيه عن التيمم، فلا يجمع بين المسح والتيمم إلا إذا كان هناك عضو آخر لم يستطع المسح عليه (٢).
٨ - إذا تيمم لصلاة وبقي على طهارته إلى وقت الصلاة الأخرى ؛ فإنه يصليها بالتيمم الأول؛ ولا يعيد التيمم للصلاة الثانية؛ لأنه لم يزل على طهارته ولم يحصل ما يبطلها من نواقض الطهارة؛ لأن التيمم لا يبطل إلا بما يبطل الوضوء.
стр. 18
٩ - يجب على المريض أن يطهر بدنه وثيابه، وموضع صلاته من النجاسات، فإن عجز عن شيء من ذلك ولم يجد من يقوم بتطهير النجاسة صلى على حسب حاله وصلاته صحيحة ولا إعادة عليه، ولكن لو استطاع أن يبدل ثيابه النجسة بثياب أخرى طاهرة أو يفرش على الفراش النجس فراشًا طاهرًا وجب عليه ذلك.
١٠ - لا يجوز للمريض أن يؤخر الصلاة عن وقتها من أجل العجز عن الطهارة، بل يتطهر بقدر ما يستطيع، ويطهر بدنه وثوبه والبقعة التي يصلي عليها؛ فإن عجز عن استعمال الماء تيمم، فإن عجز عن استعمال التيمم سقطت عنه الطهارة وصلى على حسب حاله (١).
١١ - المريض المصاب بسلس البول، أو استمرار خروج الدم ، أو الريح، ولم يبرأ بمعالجته، عليه أن يتوضأ لكل
стр. 19
صلاة بعد دخول وقتها، ويغسل ما يصيب بدنه، وثوبه، أو يجعل للصلاة ثوبًا طاهرًا إن تيسر له ذلك، ويحتاط لنفسه احتياطًا يمنع انتشار البول أو الدم في ثوبه أو جسمه، أو مكان صلاته، وله أن يفعل في وقت الصلاة ما تيسر من صلاة، وقراءة في المصحف حتى يخرج الوقت فإذا خرج الوقت فعليه أن يعيد الوضوء أو التيمم إن عجز عن الوضوء؛ لأن النبي ﷺ أمر المستحاضة أن تتوضأ لوقت كل صلاة (١)؛ولقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢)، وهذا فيه الدلالة على يسر الشريعة وسماحتها (٣).
سابعًا: كيفية صلاة المريض على النحو الآتي:
١ - يجب على المريض الذي لا يخاف زيادة مرضه أن
стр. 20
يصلي الفريضة قائمًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لله قَانِتِينَ﴾ (١).
٢ - إن قدر المريض على القيام بأن يتكئ على عصا أو يستند إلى حائط أو يعتمد على أحد جانبيه لزمه القيام؛ لحديث وابصة ﵁ عن أم قيس ﵂: أن رسول الله ﷺ لما أسنَّ وحمل اللحم اتخذ عمودًا في مصلاه يعتمد عليه (٢)؛ ولأنه قادر على القيام من غير ضرر؛ لحديث عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال له: ((صلّ قائمًا ... )) (٣).
٣ - إن قدر المريض على القيام إلا أنه يكون منحنيًا على هيئة الراكع؛ كالأحدب، أو الكبير الذي انحنى ظهره وهو يستطيع القيام لزمه القيام؛ لحديث عمران ﵁ المتقدم.
٤ - المريض الذي يقدر على القيام لكنه يعجز عن
стр. 21
الركوع أو السجود لا يسقط عنه القيام، وعليه أن يصلي قائمًا ويومئ بالركوع قائمًا إن عجز عنه، وإن لم يمكنه أن يحني ظهره حنى رقبته، وإن تقوّس ظهره فصار كأنه راكع زاد في انحنائه قليلاً، ثم يجلس فيومئ بالسجود جالسًا إن عجز عنه ويقرب وجهه إلى الأرض في السجود أكثر ما يمكنه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لله قَانِتِينَ﴾ (١)؛ ولقول النبي ﷺ لعمران بن حصين ﵄: ((صلّ قائمًا)) (٢)؛ ولأن القيام ركن قدر عليه فلزمه الإتيان به (٣).
٥ - المريض الذي يزيد القيام في مرضه، أو يشق عليه مشقة شديدة، أو يضره، أو يخاف زيادة مرضه يصلي قاعدًا؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤)؛
стр. 22
ولقوله : ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (١)؛ ولقوله : ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢)، ولقوله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣)؛ ولحديث عمران بن حصين ﵄ وفيه: ((صلّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا ... )) (٤)؛ ولحديث أنس ﵁ قال: سقط النبي ﷺ عن فرس فجُحش شقه الأيمن فدخلنا عليه نعوده فحضرت الصلاة فصلى بنا قاعدًا (٥).
وقد أجمع العلماء على أن من لا يطيق القيام له أن يصلي جالسًا (٦).
٦ - الأفضل للمريض إذا صلى جالسًا أن يكون متربعًا في موضع القيام، والصحيح أنه إذا ركع يركع وهو
стр. 23
متربع؛ لأن الراكع قائم؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((رأيت النبي ﷺ يصلي متربعًا)) (١)، والسنة له أن يجعل يديه على ركبتيه في حال الركوع، أما في حال السجود فالواجب أن يسجد على الأرض، فإن لم يستطع وجب عليه أن يجعل يديه على الأرض وأومأ بالسجود؛ لما ثبت عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين)) (٢)؛ فإن لم يستطع جعل يديه على ركبتيه وأومأ بالسجود وجعله أخفض من الركوع؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣)؛ ولقوله ﷺ : (( ... وإذا أمرتكم بشيء فأتوا
стр. 24
منه ما استطعتم (١)) (٢).
٧ - إن عجز المريض عن الصلاة قاعدًا صلى على جنبه مستقبل القبلة بوجهه، والأفضل أن يصلي على جنبه الأيمن؛ لحديث عمران ﵁ وفيه: ((صلّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب)) (٣)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: ((كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعُّله، وترجُّله، وطهوره، وفي شأنه كله)) (٤).
٨ - فإن عجز المريض عن الصلاة على جنبه صلى مستلقيًا رجلاه إلى القبلة؛ لحديث عمران بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال له: ((صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع
стр. 25
فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب)) (١)، زاد النسائي: ((فإن لم تستطع فمستلقياً لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها)) (٢). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وزاد النسائي: ((فإن لم تستطع فمستلقيًا))، ثم قال: فكانت الصفات: ((قائمًا، جالسًا، على جنب، مستلقيًا)) (٣).
٩ - فإن عجز المريض عن الصلاة إلى القبلة ولم يوجد من يوجهه إليها صلى على حسب حاله ؛ لقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٤).
стр. 26
١٠ - فإن عجز المريض عن الصلاة مستلقيًا صلى على حسب حاله على أي حال كان؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١).
١١ - فإن عجز المريض عن جميع الأحوال السابقة صلى بقلبه: فيكبِّر، ويقرأ، وينوي الركوع والسجود، والقيام والقعود بقلبه، فإن الصلاة لا تسقط عنه مادام عقله ثابتًا بأي حال من الأحوال؛ للأدلة السابقة (٢).
١٢ - إذا قدر المريض في أثناء صلاته على ما كان عاجزًا عنه: من قيام أو قعود، أو ركوع، أو سجود، أو إيماء انتقل إليه وبنى على ما مضى من صلاته، وهكذا لو كان قادرًا فعجز أثناء الصلاة أتم صلاته على حسب حاله؛ لأن ما مضى من الصلاة كان صحيحًا فبنى عليه كما لو لم
стр. 27
يتغير حاله (١).
١٣ - إن عجز المريض عن السجود على الأرض؛ فإنه يومئ بالسجود في الهواء ولا يتخذ شيئًا يسجد عليه؛ لحديث جابر ﵁ يرفعه: أن رسول الله ﷺ عاد مريضًا فرآه يصلي على وسادة فأخذها فرمى بها، فأخذ عودًا ليصلي عليه فأخذه فرمى به، قال: ((صلِّ على الأرض إن استطعت وإلا فأومِ إيماءً واجعل سجودك أخفض من ركوعك)) (٢).
стр. 28
١٤ - يجب على المريض أن يصلي كل صلاة في وقتها ، ويفعل كل ما يقدر عليه مما يجب فيها؛ فإن شق عليه فعل كل صلاة في وقتها فله الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، إما جمع تقديم بحيث يقدم العصر مع الظهر، والعشاء مع المغرب، وإما جمع تأخير بحيث يؤخر الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، حسبما يكون أيسر له، أما صلاة الفجر فلا تجمع مع ما قبلها ولا مع ما بعدها؛ لأن وقتها منفصل عما قبلها وعما بعدها (١)، ومما يدل على جواز الجمع للمريض الذي يشق عليه فعل الصلاة في وقتها ويضعف عن ذلك حديث ابن عباس ﵄ قال: ((صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا في غير خوف ولا سفر)). وفي لفظ: ((جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب
стр. 29
والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر)) فسئل ابن عباس لم فعل ذلك؟ فقال: ((أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته))، وفي لفظ: ((أراد أن لا يحرج أمته)) (١). والصواب في تأويل هذا الحديث قول من قال: هو محمول على الجمع بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه من الأعذار (٢).
وقد ثبت أن النبي ﷺ أمر حمنة بنت جحش ﵂ لما كانت مستحاضة بتأخير الظهر وتعجيل العصر، وتأخير المغرب وتعجيل العشاء (٣)، وهذا هو الجمع الصوري.
١٥ - لا يجوز للمريض ترك الصلاة بأي حال من الأحوال مادام عقله ثابتًا، بل يجب على المكلف أن
стр. 30
يحرص على الصلاة أيام مرضه أكثر من حرصه عليها أيام صحته ويصليها في وقتها المشروع حسب استطاعته، فإذا تركها متعمدًا وهو عاقل عالم بالحكم الشرعي مكلف يقوى على أدائها ولو إيماءً فهو آثم، وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى كفره بذلك (١)؛ لقول النبي ﷺ : ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)) (٢)؛ ولحديث جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) (٣)؛ ولحديث معاذ ﵁ وفيه: ((رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد)) (٤).
стр. 31
١٦ - إذا نام المريض عن صلاته، أو نسيها وجب عليه أن يصليها حال استيقاظه، أو ذكره لها، ولا يجوز له تركها إلى دخول وقت مثلها ليصليها فيه؛ لحديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من نسي صلاته فليصلِّها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك))، وفي لفظ لمسلم: ((من نسي صلاته أو نام عنها ... )) الحديث (١).
ويقضي الصلاة المغمى عليه ثلاثة أيام فأقل؛ لأنه يلحق بالنائم، أما إذا كانت المدة أكثر من ذلك فلا قضاء عليه؛ لأنه يلحق بالمجنون لجامع زوال العقل (٢).
١٧ - إذا كان المريض مسافرًا يعالج في غير بلده، فإنه يقصر الصلاة الرباعية، فيصلي الظهر، والعصر، والعشاء، ركعتين ركعتين مادام مسافرًا لم يُجمِعْ على إقامة
стр. 32
أكثر من أربعة أيام (١)، أما صلاة المغرب فيصليها ثلاثًا سفرًا وحضرًا، وهكذا صلاة الفجر يصليها اثنتين سفرًا وحضرًا، ويصلي سنة الفجر قبلها: ركعتين؛ لأن النبي ﷺ كان يصليهما حضرًا وسفرًا، قالت عائشة ﵂: ((لم يكن يدعهما أبدًا)) (٢)، ويصلي الوتر كذلك؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به يومئ إيماءً صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته)). وفي لفظ: ((كان يوتر على راحلته)) (٣). أما السنن الرواتب فالسنة أن لا يصليها في السفر؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: ((صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله)) (٤).
стр. 33
أما التطوع المطلق فمشروع في الحضر والسفر مطلقًا، مثل: صلاة الضحى، وصلاة الليل، وسنة الوضوء وغيرها من النوافل، قال النووي ﵀: ((وقد اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر ... )) (١). وهذا لمن لم يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام، أو لا يدري متى يرتحل؛ فإنَّ له أحكام السفر حتى يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام أو يرجع إلى وطنه. والأحوط للمسلم أن لا يقصر في أقل من مسافة يوم وليلة للإبل والمشاة بالسير العادي، وذلك يقارب ثمانين كيلو تقريبًا؛ لأن هذه المسافة تعتبر سفرًا عُرفًا عند الجمهور، فإن عزم على الإقامة أكثر من أربعة أيام، أو كانت المسافة أقل من مسيرة يوم وليلة فالأحوط للمؤمن أن لا يأخذ بأحكام السفر، بل يتم الصلاة أربعًا كالمقيمين: الظهر، والعصر، والعشاء (٢) والله الموفق (٣).
стр. 34
ثامنًا: الصلاة في السفينة والطائرة، والقطار، والسيارة ، أو على الراحلة على النحو الآتي:
١ - تصح صلاة الفرض في السفينة والباخرة والقطار ، قائمًا عند القدرة؛ لحديث ابن عمر ﵄، قال: ((سئل النبي ﷺ عن الصلاة في السفينة، فقال: كيف أصلي في السفينة؟ قال: ((صلِّ فيها قائمًا إلا أن تخاف الغرق)) (١).
وعن عبد الله بن أبي عتبة قال: ((صحبت جابر بن عبد
стр. 35
الله، وأبا سعيد الخدري، وأبا هريرة في سفينة فصلوا قيامًا في جماعة، أمّهم بعضهم، وهم يقدرون على الجُدَّ (١)) (٢)، قال الإمام الشوكاني ﵀: ((والمراد أنهم يقدرون على الصلاة في البر، وقد صحت صلاتهم في السفينة مع اضطرابها، وفيه جواز الصلاة في السفينة وإن كان الخروج إلى البر ممكنًا)) (٣). ولا تصح صلاة الفرض في السفينة قاعدًا لقادر على القيام، فإن عجز عن القيام صلى جالسًا؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤)، فيصلي على حسب حاله ويأتي بما يقدر عليه من القيام وغيره على حسب ما تقدم في صفة صلاة المريض (٥)،
стр. 36
ويصلون فيها جماعة على حسب استطاعتهم، ويستقبلون القبلة في الفرض، وكلما انحرفت السفينة عن القبلة اتجهوا إليها (١).
٢ - الصلاة المفروضة في الطائرة صحيحة ؛ لأن الطائرة في الجو على متن الهواء كالباخرة في البحر على متن الماء، ولكن يجب على المسلم أن يفعل ما يجب عليه في الصلاة: من القيام بالأركان، والواجبات، والشروط مثل: الطهارة، واستقبال القبلة، والقيام، والقعود، والركوع، والسجود، وغير ذلك مما يجب، وإذا كان لا يستطيع القيام بذلك فلا يصلي في الطائرة بل ينتظر حتى تهبط إلا إذا علم أن الهبوط بعد خروج الوقت، وكانت الصلاة التي أدركته في الجو لا يمكن جمعها مع ما بعدها، مثل: العصر والفجر ويعلم بأن هبوط الطائرة بعد خروج وقتها لزمه أن يصليها في الطائرة ولا يؤخرها عن
стр. 37
وقتها، فيصليها كالصلاة في السفينة كما تقدم، فإن استطاع أن يصلي قائمًا صلى قائمًا، فإن لم يستطع صلى قاعدًا ويكون مستقبل القبلة ويدور مع القبلة حيث دارت، ويومئ بالركوع والسجود ويكون أخفض من الركوع، ويقوم بما يستطيع؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١)، أما إذا كانت الصلاة مما يجمع جمع تقديم أو تأخير، فإن الأفضل للمسلم أن يصليها إذا أدركه وقت الأولى قبل الإقلاع، فيصلي التي أدركه وقتها كالظهر مثلاً ثم يصلي العصر، وهكذا المغرب والعشاء إذا كان مسافرًا قد خرج من بلده، أما إذا لم يدخل وقت الأولى وأقلعت الطائرة أو القطار أو السفينة قبل دخول الوقت فإنه يؤخرها إلى وقت الثانية فيصلي جمع تأخير مع قصر الرباعية إذا كان مسافرًا.
أما إذا دخل الوقت أثناء السير وهو يعلم أن وقت
стр. 38
الصلاة الثانية يخرج قبل الهبوط وجب عليه أن يصليها قبل خروج وقت الثانية على حسب استطاعته.
٣ - الصلاة في السيارة أو على الراحلة على النحو الآتي:
أ- إذا كانت السيارة كبيرة وفيها مكان واسع للصلاة يستطيع الإنسان أن يصلي الفرض قائمًا راكعًا ساجدًا، مستقبل القبلة، وقد تطهر، فلا حرج عليه أن يصلي فيها، كما يصلي في السفينة والطائرة والقطار كما تقدم.
ب- إذا كان لا يستطيع أن يقوم بما يجب عليه في صلاة الفريضة فإنه لا يصلي في السيارة إلا إذا لم يستطع النزول منها وخشي خروج وقت الصلاة، فإنه حينئذ يصلي على حسب حاله كما تقدم.
جـ- أما الصلاة على الرواحل: كالإبل، والخيل، والبغال ، وغيرها فلا تصح إلا عند خشية التأذي بمطر، أو وحل إذا نزل على الأرض ولا يستقر في صلاته فإنه حينئذ يصلي ولكن يستقبل القبلة، ويعمل ما يستطيع في صلاته، وكذا يصح الفرض على الراحلة إذا خاف
стр. 39
انقطاعًا عن رفقته بنزوله، أو خاف على نفسه من عدو أو عجز عن ركوب إن نزل، وعليه أن يستقبل القبلة إن قدر على ذلك، وعليه أن يركع ويسجد ويجعل سجوده أخفض من ركوعه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١)، ولقوله سبحانه: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٢).
د - صلاة النافلة في السفر تصح على جميع وسائل النقل ، سواء كانت: من السفن، أو البواخر، أو الطائرات، أو السيارات، أو الراحلة؛ لأن النبي ﷺ كان يصلي النافلة وهو على راحلته حيث توجهت به، وقد رآه ابن عمر ﵄ يصلي الوتر كذلك على الراحلة (٣)؛ لكن الأفضل أن يستقبل القبلة عند تكبيرة الإحرام ثم يصلي
стр. 40
كيفما توجهت به (١) السفينة، أو الطائرة، أو الراحلة أو غير ذلك (٢)، ولو لم يستقبل القبلة في النافلة عند تكبيرة الإحرام فلا حرج في ذلك، ولكن هذا من باب الاستحباب.
والله أعلم وأحكم، وهو الموفق .
وصلى الله وسلم على رسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.