١٥
رسائل سعيد بن علي بن وهف القحطاني
قضية التكفير
في ضوء الكتاب والسُّنَّة
تأليف الفقير إلى الله تعالى
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم معالي العلامة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله تعالى
الحمد لله وحده، وبعد.
فقد اطلعت على الرسالة المسماة: قضية التكفير لمؤلفها الشيخ:
سعيد بن علي بن وهف القحطاني، فوجدتها رسالة قيمة في موضوعها وافية بالغرض تمس الحاجة إليها في هذا الزمن الذي التبس فيه الحق بالباطل لدى كثير من الناس بسبب دعاة الضلال وقادة الفتنة.
فكان لا بد من بيان الحق. فكانت هذه الرسالة ولله الحمد لبنة جيدة في بناء الأمة.
جزى الله مؤلفها خير الجزاء ونفع بها.
إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
وكتبه
صالح بن فوزان الفوزان.
٧/ ٦/ ١٤١٧هـ.
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:
فهذه رسالة مختصرة في ((قضية التكفير)) بيّنت فيها عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه القضية العظيمة الخطيرة، وأوضحت رَدَّ أهل السنة على ما خالفهم من الطوائف الضّالّة.
وقد قسّمت البحث إلى ثلاثة أبواب وتحت كل باب فصول على النحو الآتي:
الباب الأول: أصولٌ وضوابطٌ وموانعٌ في التكفير.
الفصل الأول: تحريم الخروج على أئمة المسلمين ووجوب طاعتهم بالمعروف.
الفصل الثاني: أُصولٌ في التكفير.
الفصل الثالث: ضوابطُ التكفير.
الفصل الرابع: موانعُ التكفير.
الفصل الخامس: خطورة التكفير.
الفصل السادس: تعاريف ومفاهيم.
الباب الثاني: مذهب أهل السنة والجماعة في قضية التكفير.
стр. 4
الفصل الأول: مذهب أهل السنة ومعتمدهم.
الفصل الثاني: أنواع الكفر وأخطر المكفرات.
الباب الثالث: مذاهب الناس في تكفير أهل القبلة ومناقشتها.
الفصل الأول: مذاهب الناس في التكفير.
الفصل الثاني: مناقشة الآراء وتقرير الحق بالدليل.
وقد سلكت في هذا البحث منهج أهل السنة والجماعة، فما كان من صواب فمن الواحد المنَّان، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، والله بريء منه ورسوله ﷺ .
وأسال الله أن يجعله مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم، مقرباً لمؤلفه، وقارئه، وطابعه، وناشره من جنات النعيم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه، إنه خير مسؤول وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المؤلف
حرّر في عام ١٤٠٩هـ ثم في يوم السبت الموافق ٢٤/ ١٢/١٤١٦هـ
стр. 5
الباب الأول: أصولٌ وضوابطٌ وموانعٌ في التكفير
تمهيد:
قبل أن أشرع في هذا الموضوع الخطير أبدأ ببيان أمور ينبغي أن تُعْلَم وتُفهم؛ لأن فهمها يزيل إشكالاتٍ كثيرةً، ويوضّح الحق لمن لا يفهمه، وما أحسن ما قاله القائل:
وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم
ويكون ذلك في الفصول الآتية:
الفصل الأول: تحريم الخروج على أئمة المسلمين ووجوب طاعتهم في المعروف
المبحث الأول: وجوب السمع والطاعة بالمعروف
إن طاعة ولاة أمر المسلمين واجبة في المعروف؛ لأدلة كثيرة منها:
١ - قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (١).
و ولاة الأمر هم: العلماء، والولاة، والأمراء (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((فطاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد، وطاعة ولاة الأمور واجبة؛ لأمر الله بطاعتهم، فمن أطاع الله
стр. 6
ورسوله بطاعة ولاة الأمر لله فأجره على الله، ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم وإن منعوه عصاهم: فما له في الآخرة من خلاق)) (١).
ولا شك أن الولاية مهمة عظيمة وأمانة كبيرة؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وُكِلتَ إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أُعِنْتَ عليها)) (٢)؛ ولهذه الأهمية العظيمة قال النبي ﷺ : ((إنَّا والله لا نولّي على هذا العمل أَحَداً سأله، ولا أحداً حرص عليه)) (٣)، وقال ﷺ لأبي ذر حينما قال: يا رسول الله ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكب أبي ذر ثم قال: ((يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه فيها)) (٤)، وهذا يؤكّد وجوب طاعة ولاة أمر المسلمين وإعانتهم على هذا الأمر العظيم طاعة لله تعالى؛ لأن عليهم حملاً عظيماً وأمانة عظيمة.
٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن
стр. 7
عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)) (١).
٣ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((عليك السّمعُ والطّاعةُ في عُسْرِك، ويُسرِك، ومَنشطك ومَكرهك (٢)، وأثرةٍ (٣) عليكَ)) (٤).
٤ - وعن أبي ذر ﵁ قال: ((إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً مجدع الأطراف)) (٥).
٥ - وعن أم الحصين ﵂ قالت سمعت النبي ﷺ يخطب في حجة الوداع وهو يقول: ((ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله
стр. 8
فاسمعوا له وأطيعوا)) (١).
٦ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحبَّ وكره، إلا أن يُؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) (٢)،.
٧ - وقال النبي ﷺ : ((لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف)) (٣).
٨ - وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: دعانا رسول الله ﷺ فبايعناه فكان فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة: في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله (٤).
قال: ((إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان)) (٥).
٩ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنها ستكون بعدي أثرةٌ وأمورٌ تنكرونها))،قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك منّا ذلك؟ قال: ((تُؤدّون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم)) (٦).
стр. 9
١٠ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ في حديثه الطويل يرفعه: (( ... فمن أحبَّ أن يُزحزَح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منَّيتُهُ وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحبّ أن يُؤتى إليه، ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر)) (١).
١١ - وعن حذيفة ﵁ يرفعه: ((يكون بعدي أئمة لا يهتدون بِهُدَاي ولا يستنّون بسنّتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس)) قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركتُ ذلك؟ قال: ((تسمعُ وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع)) (٢).
١٢ - وعن العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظةً وَجِلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودِّع فأوصِنا، قال: ((أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمّر عليكم عبدٌ؛ فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضّو عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة)) (٣).
стр. 10
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: ((أما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين، ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معايشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم، وطاعة ربهم)) (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ((وقد استفاض وتقرر في غير هذا الموضع ما قد أمر به ﷺ ، من طاعة الأمراء في غير معصية الله، ومناصحتهم، والصبر عليهم في حكمهم، وقسمهم، والغزو معهم، والصلاة خلفهم، ونحو ذلك من متابعتهم في الحسنات التي لا يقوم بها إلاَّ هُم؛ فإنه من باب التعاون على البر والتقوى، وما نهى عنه من تصديقهم بكذبهم، وإعانتهم على ظلمهم، وطاعتهم في معصية الله ونحو ذلك، مما هو من باب التعاون على الإثم والعدوان)) (٢).
стр. 11
المبحث الثاني: تحريم الخروج على الإمام المسلم
قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: (( ... ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يداً من طاعة، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة، ما لم يأمروا بمعصيةٍ وندعو لهم بالصلاح والمعافاة ... )) (١).
١٣ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات مِيتةً جاهليةً (٢)، ومن قاتل تحت راية عُمِّيَّةٍ (٣) يغضب لعصبةٍ، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة (٤)، فقُتل فَقِتْلَةٌ جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برَّها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها (٥)، ولا يفي لذي عهدٍ عهده، فليس مني ولست منه)) (٦).
١٤ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من رأى من
стр. 12
أميره شيئاً يكرهه فليصبر؛ فإنه من فارق الجماعة شبراً (١) فمات فَمِيتَةٌ جاهلية)) (٢).
١٥ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له (٣)، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتةً جاهلية)) (٤).
١٦ - وعن عرفجة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من أتاكم وأمركم جميعٌ (٥) على رجل واحد يريد أن يشقَّ عصاكم (٦)، أو يُفرّق جماعتكم فاقتلوه)) (٧).
١٧ - وسأل سلمةُ بنُ يزيد الجُعفي رسولَ الله ﷺ فقال: يا نبي الله أرأيتَ إن قامت علينا أمراءُ يسألونا حقهم، ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة
стр. 13
فجذبه الأشعث بن قيس فقال رسول الله ﷺ : ((اسمعوا وأطيعوا؛ فإنما عليهم ما حُمِّلُوا، وعليكم ما حملتم)) (١).
١٨ـ وعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((إنه سيستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع))،قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: ((لا ما صلّوا)) (٢).
١٩ - وعن عوف بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((خيار أئمتكم الذين تحبّونهم ويحبّونكم، ويُصلُّون عليكم وتُصَلُّون عليهم (٣)، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم)) قيل:
يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: ((لا. ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من وُلاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يداً من طاعة)) (٤).
٢٠ - وعن نافع قال: لما خلع أهل المدينة يزيدَ بن معاوية جمع ابن عمر حَشَمه (٥) وولده، فقال: إني سمعت النبي ﷺ يقول: ((يُنْصَبُ لكل غادرٍ لواءٌ يوم القيامة))، وإنَّا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإنِّي لا أعلم غدراً (٦) أعظم من أن يبايع رجُلٌ على بيع الله ورسوله ثم يُنْصَبُ له
стр. 14
القتال، وإني لا أعلم أحداً منكم خلعه، ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه (١).
قال ابن حجر ﵀: ((وفي هذا الحديث وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع من الخروج عليه ولو جار في حكمه، وأنه لا ينخلع بالفسق)) (٢).
стр. 15
المبحث الثالث: النَّصيحة بالحكمة
٢١ - قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((نضّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وحفظها، وبلّغها، فَرُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفْقَهُ منه، ثلاثٌ لا يغلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإنّ دعوتهم تحيط من ورائهم)) (١).
فقد دعا النبي ﷺ بالبهجة ونضارة الوجه والحُسن الذي يُكسى به الوجه من آثار الإيمان وابتهاج الباطن به، وفرح القلب وسروره به، وَالْتِذَاذِهِ لمن سمع كلامه، ووعاه، وحفظه، وبلّغه غيره، فمن قام بهذه المراتب الأربع دخل تحت هذه الدعوة النبوية المتضمّنة لجمال الباطن والظاهر (٢).
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث: ((وقوله: ﷺ : ((ثلاث لا يغِلُّ عليهن قلب مسلم ... )) أي لا يحمل الغِلَّ، ولا يبقى فيه مع هذه الثلاثة؛ فإنها تنفي الغل والغش وفساد القلب، وسخائمه، فالمخلص لله إخلاصهُ يمنعُ غِلَّ قلبه، ويخرجه ويزيله جُملةً؛ لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه، فلم يبقَ فيه موضع للغش.
وقوله ﷺ : ((ومناصحة أئمة المسلمين ... )) هذا أيضًا منافٍ للغل
стр. 16
والغش؛ فإن النصيحة لا تجامع الغلَّ، إذ هي ضدُّهُ، فمن نصح الأئمة والأمة فقد برئ من الغل.
وقوله ﷺ : ((ولزوم جماعتهم ... )) هذا أيضاً مما يُطَهِّر القلب من الغلِّ والغشِّ، فإن صاحبه - للزومه جماعة المسلمين - يُحبُّ لهم ما يحبُّ لنفسه، ويكره لهم ما يكرَهُ لها، ويسوؤهُ ما يسوؤهم، ويسرّه ما يسرّهم، وهذا بخلاف من انحاز عنهم، واشتغل بالطعن عليهم والعيب والذّمِّ، كفعل الرافضة والخوارج والمعتزلة وغيرهم؛ فإن قلوبهم مُمتلئةٌ غِلاًّ وغِشَّاً؛ ولهذا تجد الرافضة أبعد الناس من الإخلاص، وأغشَّهم للأئمة والأُمَّة، وأشدَّهم بُعداً عن جماعة المسلمين.
وقوله ﷺ : ((فإنّ دعوتهم تحيط من ورائهم ... )) هذا من أحسن الكلام وأوجزه، وأفخمه معنىً، شبَّه دعوة المسلمين بالسور والسِّياج المحيط بهم، المانع من دخول عدوِّهم عليهم، فتلك الدعوة التي هي دعوةُ الإسلام - وهم داخلوها - لَمّا كانت سوراً وسياجاً عليهم أخبر أن من لزم جماعة المسلمين أحاطت به تلك الدعوة التي هي دعوة الإسلام كما أحاطت بهم، فالدعوةُ تجمع شمل الأمة، وتلمُّ شَعَثَها، وتحيط بها، فمن دخل جماعتها أحاطت به وشَمِلَتْهُ)) (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ((وما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور، ومناصحتهم واجب على الإنسان وإن لم يعاهدهم عليه، وإن لم يحلف لهم الأيمان المؤكّدة، كما تجب عليه
стр. 17
الصلوات الخمس، والزكاة، والصيام، وحج البيت، وغير ذلك مما أمر الله به ورسوله من الطاعة، فإذا حلف على ذلك كان ذلك توكيداً وتثبيتاً لِمَا أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور، ومناصحتهم، فالحالف على هذه الأمور لا يحل له أن يفعل خلاف المحلوف عليه ... فإن ما أوجبه الله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم واجب وإن لم يحلف عليه، فكيف إذا حلف عليه، وما نهى الله ورسوله ﷺ عن معصيتهم وغشهم محرم، وإن لم يحلف على ذلك)) (١).
والنصيحة لولاة الأمر تكون سرّاً بين الناصح وبينهم: برفقٍ ولينٍ، وحكمةٍ وموعظةٍ حسنة، وأسلوبٍ مناسب.
٢٢ - فعن عياض بن غنم أنه قال لهشام بن حكيم ﵄: ألم تسمع بقول رسول الله ﷺ : ((من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يُبده علانية ولكن يأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدّى الذي عليه)) (٢).
٢٣ - وعن تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((الدِّينُ النصيحة)) قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمَّة المسلمين، وعامَّتهم)) (٣).
стр. 18
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: ((أما النصيحة لأئمة المسلمين: فحبُّ صلاحهم ورُشدهم وعدلهم، وحب اجتماع الأمة عليهم، وكراهة افتراق الأمة عليهم، والتدين بطاعتهم في طاعة الله ، والبغض لمن رأى الخروج عليهم، وحبّ إعزازهم في طاعة الله )) (١). وقال في موضع آخر: ((والنصيحة لأئمة المسلمين: معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفقٍ ولطفٍ، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق وحث الأغيار على ذلك)) (٢).
وقال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: ((وأما النصيحة لأئمة المسلمين: وهم ولاتهم من السلطان الأعظم إلى الأمير إلى القاضي، فهؤلاء لمّا كانت مهماتهم وواجباتهم أعظمَ من غيرهم، وجب لهم من النصيحة بحسب مراتبهم ومقاماتهم، وذلك باعتقاد إمامتهم، والاعتراف بولايتهم، ووجوب طاعتهم بالمعروف، وعدم الخروج عليهم، وحث الرعية على طاعتهم، ولزوم أمرهم الذي لا يخالف أمر الله ورسوله ﷺ ، وبذل ما يستطيع الإنسان من نصيحتهم،
стр. 19
وتوضيح ما خفي عليهم مما يحتاجون إليه في رعايتهم، كل أحد بحسب حاله، والدعاء لهم بالصلاح والتوفيق؛ فإن صلاحهم صلاح لرعيتهم، واجتناب سبِّهم، والقدح فيهم، وإشاعة مثالبهم؛ فإن في ذلك شرّاً، وضرراً، وفساداً كبيراً.
فمن نصيحتهم الحذر والتحذير من ذلك، وعلى من رأى منهم ما لا يحل أن ينبههم سرّاً لا علناً، بلطفٍ وعبارة تليق بالمقام، ويحصل بها المقصود؛ فإن هذا هو المطلوب في حق كل أحد، وبالأخص ولاة الأمور؛ فإن تنبيههم على هذا الوجه فيه خير كثير، وذلك علامة الصدق والإخلاص، واحذر أيها الناصح لهم - على هذا الوجه المحمود - أن تفسد نصيحتك بالتمدح عند الناس فتقول لهم: إني نصحتهم، وقلت وقلت؛ فإن هذا عنوان الرياء، وعلامة ضعف الإخلاص، وفيه أضرار أُخر معروفة)) (١).
٢٤ - وعن زياد بن كُسيب العدوي قال: كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر وهو يخطب، وعليه ثياب رقاق، فقال: أبو بلال: انظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفُسّاق، فقال أبو بكرة: اسكت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله)) (٢)، ولفظ الإمام أحمد بدون ذكر القصة: ((من أكرم سلطان الله ﵎ في الدنيا
стр. 20
أكرمه الله يوم القيامة، ومن أهان سلطان الله ﵎ في الدنيا أهانه الله يوم القيامة)) (١)؛ ولهذا قال سهل بن عبد الله التستري ﵀: ((لا يزال الناس بخير ما عظَّموا السلطان والعلماء، فإن عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإن استخفّوا بهذين أفسد دنياهم وأخراهم)) (٢).
٢٥ - وقيل لأسامة بن زيد ﵄: لو أتيت فلاناً (٣) فكلَّمته، قال: ((إنكم لترون أني لا أُكلِّمُه إلا أُسْمِعُكم، إني أُكلِّمه في السِّر [وفي رواية لمسلم: والله لقد كلَّمته فيما بيني وبينه] دون أن أفتح باباً لا أكون أول من فتحه ... )) (٤).
فقد استخدم أسامة ﵁ أسلوب الحكمة مع الأمير العظيم عثمان ﵁ وأرضاه؛ لِأَنَّ النصيحة لولي أمر المسلمين لا بد فيها من مراعاة مركزه، وحاله؛ لأن إنزال الناس منازلهم من صميم الحِكمة؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ((وفي الحديث تعظيم الأمراء، والأدب معهم، وتبليغهم ما يقول الناس فيهم (٥)؛ ليكفُّوا ويأخذوا حذرهم بلطفٍ،
стр. 21
وحسن تأدية، بحيث يبلغ المقصود من غير أذيَّة للغير)) (١).
وإنكار المنكر مشروط بأن لا يحصل منكر أنكر ؛ لأن إنكار المنكر له أربع درجات كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
الأولى: أن يزول، ويخلفه ضده .
الثانية: أن يقل، وإن لم يزل بجملته .
الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله .
الرابعة: أن يخلفه شر منه .
فالدرجتان الأولَيَان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرّمة (٢).
وقال النووي رحمه الله تعالى على قول أسامة: ((دون أن أفتتح أمراً لا أحب أن أكون أول من فتحه)): ((يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ كما جرى لقتلة عثمان ﵁، وفيه الأدب مع الأمراء، واللطف بهم، ووعظهم سرّاً، وتبليغهم ما يقول الناس فيهم، ليكفّوا عنه ... )) (٣).
ولا شك أن الإنكار على ولي أمر المسلمين جهاراً أمام الرعية، وبحضرتهم يسبّب شرّاً كثيراً في الغالب، وربما حصل بذلك فرقة، أو خروج على إمام المسلمين، وولي الأمر لا بد له أن يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ثم لا يأمن أن يقع منه تقصير؛ لأنه بشر، ولكن يعالج سرّاً، وبالحكمة والمداراة المحمودة، ويُتلطف به، ويُنصح برفق
стр. 22
ولين، وذلك أجدر بالقبول (١).
قال سماحة العلامة الإمام المحقق الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀: ((ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الانقلاب، وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخروج الذي يضرّ ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير، وإنكار المنكر يكون من دون ذكر الفاعل، فينكر الزنى، وينكر الخمر، وينكر الربا، من دون ذكر من فعله، ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها من غير ذكر أن فلاناً يفعلها: لا حاكم ولا غير حاكم .. )) (٢).
стр. 23
المبحث الرابع: الدعاء لولاة الأمر من المسلمين
ومن حقوق السلطان على رعيته الدعاء له؛ ولهذا كان السلف الصالح: كالفضيل بن عياض، والإمام أحمد بن حنبل، وغيرهما يقولون: ((لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها للسلطان)) (١)، وما ذلك إلا لأن السلطان إذا صلح صلحت الرعية، وإذا فسد فسدت، ولهذا يُذكر عن عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: ((إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن))، ولهذا قال الإمام الحسن بن علي البربهاري ﵀: ((إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا سمعت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله تعالى)) (٢).
وقال الفضيل بن عياض: ((لو كان لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا للسلطان، قيل له: يا أبا علي فَسِّر لنا هذا؟ قال: إذا جعلتها في نفسي لم تعْدُني، وإذا جعلتها في السلطان صلح، فصلح بصلاحه العباد والبلاد، فأُمرنا أن ندعو لهم بالصلاح، ولم نؤمر أن ندعو عليهم، وإن جاروا وظلموا؛ لأن جورهم وظلمهم على أنفسهم، وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين)) (٣).
وهكذا أيضاً تكون النصيحة والدعاء للعلماء إذا حصل منهم قصور أو نسيان؛ لأنهم بشر وغير معصومين، وهم من أعظم ولاة أمر المسلمين، فلا يجوز سبهم، ولا التشهير بهم، ولا تتبع عثراتهم ونشرها
стр. 24
بين الناس؛ لأن في ذلك فساداً كبيراً؛ ولهذا قال ابن عساكر رحمه الله تعالى: ((اعلم يا أخي - وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلني وإياك ممن يتقيه حق تقاته - أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أسرار منتقصهم معلومة، وأن من أطال لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١)، والله المستعان، وعليه التكلان (٢).
стр. 25
المبحث الخامس: الخارجون على الأئمة وصفاتهم
الخارجون على الإمام المسلم أربعة أصناف:
١ - قوم امتنعوا عن طاعة الإمام ، وخرجوا عن قبضته، فهؤلاء قطاع طريق، ساعون في الأرض بالفساد.
٢ - قوم لهم تأويل إلا أنهم نفر يسير لا منعة لهم: كالواحد والاثنين والعشرة ونحوهم، فهؤلاء قطاع طريق في قول أكثر الحنابلة، وهو مذهب الشافعي، وقيل: لا فرق بين القليل والكثير، وحكمهم حكم البغاة إذا خرجوا عن قبضة الإمام.
٣ - قوم من أهل الإسلام يخرجون عن قبضة الإمام ويريدون خلعه ؛ لتأويل سائغ، وفيهم منعة يحتاجون إلى جمع الجيش، فهؤلاء البغاة.
٤ - الخوارج الذين يكفّرون بالذنب ، ويكفّرون عثمان، وعليّاً، وطلحة، والزبير، وكثيراً من الصحابة ﵃ (١).
والخوارج يكفّرون أصحاب الكبائر، ويستحلُّون دماءَهم، وأموالهم، ويخلدونهم في النار، ويرون اتّباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب - وإن كانت متواترة - ويكفّرون من خالفهم، ويستحلّون منه - لارتداده عندهم - ما لا يستحلّونه من الكافر الأصلي (٢)، ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقّاً واجباً (٣)، وقد بيّن النبي ﷺ
стр. 26
صفاتهم (١)، وأوضحها للناس، ومن ذلك أن رجلاً منهم قال للنبي ﷺ وهو يقسم غنيمةً بالجعرانه -: يا محمد اعدل. قال: ((ويلك ومن يعدلُ إذا لم أكن أعدل، لقد خبتَ وخسرتَ إن لم أكن أعدل))، فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله، فأقتل هذا المنافق؛ فقال ﷺ : ((معاذ الله أن يتحدَّث الناس أني أقتل أصحابي. إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن
لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرميَّة)) (٢).
وكان النبي ﷺ يقسم ذهباً، فجاء إليه رجل فقال: ((اتقِّ الله يا محمد))! فقال رسول الله ﷺ : ((فمن يطع الله إن عصيته! أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني))، ثم قال: ((إن من ضئضئِ هذا (٣) قوماً يقرؤون القرآن
لا يجاوزُ حناجرهم (٤) يقتلون أهل الإسلام، ويَدَعُون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرميَّة (٥)، لئن أدركتهم
стр. 27
لأقتلنَّهم قتل عاد)) (١).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يخرج فيكم قومٌ تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرميَّة)) (٢).
وقال علي بن أبي طالب ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((سيخرج في آخر الزمان قومٌ أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام (٣)، يقولون من خير قول البريَّة (٤)، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرميَّة، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة)) (٥).
стр. 28
الفصل الثاني: أُصولٌ في التكفير
هناك أصولٌ لا بد من إتقانها، ومنها الأصول التالية:
١ - إن السنة والأحاديث النبوية هي المبيِّنة للأحكام القرآنية ، وما يراد من النصوص الواردة في كتاب الله تعالى في باب معرفة حدود ما أنزل الله، لمعرفة: المؤمن والكافر، والمشرك والموحد، والفاجر والبر، والتقي والظالم، وما يُراد بالموالاة والتولي، ونحو ذلك من الحدود ... وغيرها من أمور الشريعة. فمن أهمل هذا وأضاعه فقد سدّ على نفسه باب العلم والإيمان، ومعرفة معاني التنزيل والقرآن (١).
٢ - إن الإيمان أَصْلٌ له شُعَب متعددة كل شعبةٍ منها تسمى إيماناً ، فأعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، فمنها ما يزول بزواله الإيمان إجماعاً، كشعبة الشهادتين، ومنها ما لا يزول بزواله إجماعاً كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبين هاتين الشعبتين شعب متفاوتة، منها ما يلحق بشعبة الشهادة، ويكون إليها أقرب، ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى عن الطريق، ويكون إليها أقرب، والتسوية بين هذه الشعب في اجتماعها مخالفٌ للنصوص وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها.
وكذلك الكفر أيضاً ذو أصلٍ وشُعَب، فكما أن شُعَب الإيمان إيمانٌ، فشُعَب الكفر كفر، والمعاصي كلها من شُعَب الكفر، كما أن الطاعات
стр. 29
كلها من شُعَب الإيمان، ولا يسوّى بينهما في الأسماء والأحكام.
وفرق بين من أشرك بالله أو استهان بالمصحف وبين من يسرق ويزني، أو يشرب الخمر، فمن سوّى بين شُعَب الكفر في ذلك فهو مخالف للكتاب والسنة، خارج عن سبيل سلف الأمة، داخل في عموم أهل البدع والأهواء.
٣ - إن الإيمان مُركَّب من قولٍ وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، هذه أربعة أمور جامعة لأمور الإسلام:
الأول: قول القلب: وهو تصديقه وإيقانه واعتقاده .
الثاني: قول اللسان: وهو النطق بالشهادتين، والإقرار بلوازمهما .
الثالث: عمل القلب: وهو النية والإخلاص والمحبة والانقياد ، والإقبال على الله ، والتوكل عليه، ولوازم ذلك وتوابعه.
الرابع: عمل اللسان والجوارح: فعمل اللسان ما لا يُؤَدَّى إلا به: كتلاوة القرآن، وسائر الأذكار والدعاء والاستغفار وغير ذلك، وعمل الجوارح ما لا يُؤَدَّى إلا بها مثل: القيام، والركوع، والسجود، والمشي في مرضاة الله، كنقل الخطى إلى المساجد، وإلى الحج والجهاد في سبيل الله تعالى ... وغير ذلك (١).
فإذا زال تصديق القلب ورضاه ومحبته لله زال الإيمان.
стр. 30
وإذا زال شيء من أعمال الجوارح فهذا فيه تفصيل عند أهل السنة وأدلة هذا مبسوطة في أماكنها (١).
٤ - إن الكفر نوعان: كفر أكبر كالشرك بالله تعالى، أو جحد ما أخبر به ، أو سبّ الله، أو سبّ رسوله ﷺ ، وهذا مضادّ للإيمان من كل وجه. وكفر أصغر لا يُخرج من الملة، كالمعاصي التي دون الكفر الأكبر (٢).
وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى وبيان أن كلاً من: الكفر، والنفاق، والشرك، والظلم، والفسوق، والبدعة، ينقسم إلى قسمين: أكبر وأصغر (٣).
٥ - إنه لا يلزم من قيام شعبة من شُعَب الإيمان بالعبد أن يُسمّى مؤمناً ، ولا يلزم من قيام شعبة من شُعَب الكفر أن يُسمّى كافراً، وإن كان ما قام به كفر، كما أنه لا يلزم من قيام جزءٍ من أجزاء العلم، أو من أجزاء الطب، أو من أجزاء الفقه، أن يُسمّى: عالماً، أو طبيباً، أو فقيهاً. وأما الشعبة نفسها فيطلق عليها اسم الكفر كما في حديث أبي هريرة ﵁: ((اثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت)) (٤)، ولكنه كفر دون كفر، فلا يستحق اسم الكفر على الإطلاق، فمن عرف هذا عرف فقه السلف، وعمق علومهم، وقلَّةَ تكلُّفهم؛ ولهذا قال ابن
стр. 31
مسعود ﵁: ((من كان متأسِّياً فليتأسَّ بأصحاب رسول الله ﷺ ، فإنهم أبرُّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلُّها تكلّفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، فاعرفوا لهم حقهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم)) (١).
стр. 32
الفصل الثالث: ضوابط التكفير
إن التكفير له ضوابط لا بد من معرفتها، ومنها الضوابط الآتية:
١ - الحكم بالظاهر ، فإن أهل السنة لا تكون أحكامهم مبنية على الظنون والأوهام؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ لأسامة ﵁ عندما قتل رجلاً بعد أن قال لا إله إلا الله: ((أقال لا إله إلا الله وقتلته؟)) قال: قلت يا رسول الله: إنما قالها خوفاً من السلاح. قال: ((أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟)) فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذٍ (١)، وهذا فيه دليل على القاعدة المعروفة في الفقه والأصول أن الأحكام يعمل فيها بالظاهر، والله يتولى السرائر (٢).
٢ - الاحتياط في تكفير المعين ؛ فإن مذهب أهل السنة وسط بين من يقول: لا نُكفِّر من أهل القبلة أحداً، وبين من يكفر المسلم بكل ذنبٍ دون النظر إلى توفر شروط التكفير، وانتفاء موانعه، فأهل السنة يقولون: من استحلَّ ما هو معلوم من الدِّين بالضرورة كفر، ومن قال: القرآن مخلوق، أو إن الله لا يُرى في الآخرة كفر، لكن الشخص الذي قال مقالة الكفر، أو فعل فعل الكفر، لا يحكم بكفره حتى تتوفر شروط الكفر، وتنتفي موانعه (٣).
стр. 33
فإذا توفرت الشروط وانتفت الموانع حكم بردته، فيُستتاب فإن تاب وإلاّ قُتل (١).
٣ - ما تقوم به الحجة: اتفق السلف على عدم تكفير المعين إلا بعد قيام الحجة، فلا بد من معرفة ما تقوم به الحجة، وما الفرق بين بلوغ الحجة وفهمها؟ وما الأدلة على ذلك؟ وهذا يحتاج إلى تفصيل وعناية دقيقة من طالب العلم لا يتّسع المقام لذكرها هنا (٢).
٤ - عدم التكفير بكل ذنب ؛ ولهذا قال الطحاوي ﵀: ((ولا نُكفِّر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله))، والمراد لا يكفّر بكل ذنب، فأهل السنة لا يُكفِّرون المسلم الموحِّد المؤمن بالله واليوم الآخر بذنب يرتكبه: كالزنا، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، وأمثال ذلك، ما لم يستحل ذلك، فإن استحله كفر؛ لكونه بذلك مُكذِّباً لله ولرسوله ﷺ ، خارجاً عن دينه، أما إذا لم يستحلَّ ذلك فإنه لا يكفر بل يكون ضعيف الإيمان، وله حكم ما تعاطاه من المعاصي في التفسيق، وإقامة الحدود، وغير ذلك حسبما جاء في الشرع المُطهَّر (٣).
стр. 34
الفصل الرابع: موانع التكفير
إن التكفير له موانع لا بد من فهمها، ومنها الموانع الآتية:
١ - الجهل، ولكن العذر بالجهل له حالات ؛ لأنه يختلف باختلاف الأزمنة، والأمكنة، والأشخاص يختلفون: فمنهم من قامت عليه الحجَّة، ومنهم من لم تقم عليه، باعتباره - مثلاً -: حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، وكذلك الجهل يختلف إن كان جهلاً بما هو معلوم من الدين بالضرورة أو ما دون ذلك. ولا يعني أن الجهل عذر مقبول لكل من ادّعاه؛ فإن من العلم ما لا يسع المسلم البالغ غير المغلوب على عقله جهله مثل: الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، وزكاةً في أموالهم، وأن الله حرّم عليهم الزنا والقتل، والسرقة والخمر، وما كان في هذا المعنى، والمقصود أن العذر بالجهل يحتاج إلى تفصيل وعناية وفهم دقيق ليس هذا مقامها (١).
٢ - الخطأ ، قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٢)، وقال النبي ﷺ : ((إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) (٣).
стр. 35
لكن ينبغي أن يُعلم أن لذلك ضوابط وشروطاً يعرفها أهل العلم لا يتسع المقام لذكرها هنا (١).
٣ - الإكراه ، للحديث السابق؛ ولقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِالله مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَّنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢).
والإكراه له أنواع وشروط وضوابط يعرفها العلماء ليس هذا موضع ذكرها (٣).
٤ - التأويل ، المقصود به هنا: التلبس والوقوع في الكفر من غير قصد لذلك، وسببه القصور في فهم الأدلة الشرعية دون تعمّدٍ للمخالفة، بل يعتقد أنه على حق. قال ابن تيمية ﵀: ((والتكفير من الوعيد؛ فإنه وإن كان القول تكذيباً لَمَا قاله الرسول ﷺ ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها،
стр. 36
وإن كان مخطئاً)) (١)، ولكن التأويل الذي يعذر صاحبه له حدود وشروط وضوابط يعرفها العلماء لا يتسع المقام لذكرها (٢).
٥ - التقليد ، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: ((والذي عليه جماهير الأمة: أن الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة، لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد، ويُحرِّمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد، ويُحرِّمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد، فأما القادر على الاجتهاد فهل يجوز له التقليد؟ هذا فيه خلاف، والصحيح أنه يجوز حيث عجز عن الاجتهاد، إما لتكافؤ الأدلة، وإما لضيق الوقت عن الاجتهاد، وإما لعدم ظهور الدليل له؛ فإنه حيث عجز سقط عنه وجوب ما عجز عنه، وانتقل إلى بدله وهو التقليد، كما لو عجز عن الطهارة بالماء، وكذلك العامي إذا أمكنه الاجتهاد في بعض المسائل جاز له الاجتهاد؛ فإن الاجتهاد منصب يقبل التجزي والانقسام، فالعبرة بالقدرة والعجز ... )) (٣).
ويظهر من كلام الإمام ابن تيمية ﵀: أنه يُعذر من وقع في الكفر تقليداً إن كان جاهلاً لا بصيرة له ولا فقه، فهو معذور حتى تقوم عليه الحجة (٤).
стр. 37
وقال الإمام ابن القيم ﵀: ((وأمَّا أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام، ولكنهم مخالفون في بعض الأصول فهؤلاء أقسام: ((أحدها: الجاهل المقلّد الذي لا بصيرة له، فهذا لا يُكفَّر، ولا يُفَسَّق، ولا تُردُّ شهادته إذا لم يكن قادراً على تعلم الهدى، وحُكْمُهُ حكم المستضعفين من الرجال والنساء والوِلْدَان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوّاً غفوراً)) (١).
و التقليد في الحقيقة: هو اتباع قول من ليس قوله حجة، والخلاصة أن العذر بالتقليد له ضوابط وشروط لا بد من إتقانها، ولا يتسع المقام لذكرها هنا. والله المستعان (٢).
стр. 38
الفصل الخامس: خطورة التكفير
والذي ينبغي أن نُؤَصِّلَهُ هنا: أن الحكم بالكفر على إنسان ما: حكم خطير؛ لِمَا يترتّب عليه من آثار، هي غاية في الخطر، منها الأخطار الآتية:
١ - أنَّه لا يحل لزوجته البقاءُ معه ، ويجب أن يُفَرَّقَ بينها وبينه؛ لأن المسلمة لا يصح أن تكون زوجة لكافر بالإجماع المتيقَّن.
٢ - أنَّ أولاده لا يجوز أن يبقوا تحت سلطانه ؛ لأنَّه لا يُؤتَمَن عليهم، ويُخشى أن يُؤثِّر عليهم بكفره، وبخاصة أن عُودَهم طريّ، وهم أمانة في عنق المجتمع الإسلامي كله.
٣ - أنَّه فقد حق الولاية والنُّصرة من المجتمع الإسلامي بعد أن مرق منه وخرج عليه بالكفر الصريح، والرِّدَّة البَوَاح. ولهذا يجب أن يُقاطع، ويُفرَض عليه حصار أدبي من المجتمع، حتى يفيق لنفسه، ويثوب إلى رشده.
٤ - أنَّه يجب أن يُحاكم أمام القضاء الإسلامي ، ليُنفَّذَ فيه حكم المرتدِّ، بعد أن يُستتاب وتُزال من ذهنه الشبهات وتُقام عليه الحجة.
٥ - أنَّه إذا مات لا تُجرى عليه أحكام المسلمين ، فلا يُغسَّل، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، ولا يُورث، كما أنه لا يرث إذا مات مورِّث له.
٦ - أنَّه إذا مات على حاله من الكفر يستوجب لعنة الله وطرده من رحمته ، والخلود الأبدي في نار جهنم.
стр. 39
وهذه الأحكام الخطيرة توجب على من يتصدَّى للحكم بتكفير خلق الله أن يتريَّث مرات ومرات قبل أن يقول ما يقول (١).
٧ - أنَّه لا يُدعَى له بالرَّحمة ، ولا يُستغفر له؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٢). قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀: ((الكفر حق الله ورسوله، فلا كافر إلا من كفَّره الله ورسوله)) (٣).
стр. 40
الفصل السادس: تعاريف ومفاهيم
١ـ الكفر ٢ـ الشرك
٣ـ الإلحاد ٤ـ النفاق
٥ـ الزندقة ٦ـ البدعة
١ - الكَفر: بالفتح: الستر والتغطية، يقال: كَفَر الزارع البذر في الأرض: إذا غطَّاه بالتُّراب. وبالضم: ضِدُّ الإيمان، وكفر نعمة الله وبها كُفُوراً وكفراناً: جحدها، وسترها، وكافره حقه: جحده، والمكفَّرُ كَمُعَظَّم: المجحُودُ النِّعمةِ مع إحسانِهِ، وكافرٌ جاحدٌ لأنْعُمِ الله تعالى (١).
فالكفر: هو الستر وجحود الحق وإنكاره، والكافر: ضدّ المسلم، والمرتدُّ: هو الذي كفر بعد إسلامه؛ بقولٍ، أو فعلٍ، أو اعتقادٍ، أو شكٍّ، وحدّ الكفر الجامع لجميع أجناسه وأنواعه وأفراده: هو جحد ما جاء به الرسول ﷺ ، أو جحد بعضه، كما أن الإيمان: اعتقاد ما جاء به الرسول ﷺ والتزامه، والعمل به جملة وتفصيلاً (٢).
والكفر هو: أول ما ذُكِرَ من المعاصي في القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣)، وهو أكبر الكبائر على الإطلاق، فلا كبيرة فوق الكفر (٤) والكفر كفران: