← Общие книги

Общие книги · id 96517

كيفية دعوة الوثنيين إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (75 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المسلك الثاني: الأدلة الحسية: من الأدلة الحسية التي شاهدها الناس ونقلها لنا أعظم الكتب والمهيمن عليها ما يأتي: أولاً: إحياء اللَّه الموتى في الحياة الدنيا: فمن أعظم البراهين التي تدل على البعث إحياء اللَّه - - بعض الموتى في الحياة الدنيا؛ لأن من أحيا نفساً واحدة بعد موتها قادر على إحياء جميع النفوس ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (١). ومن هذا النوع الأمثلة الآتية: ١ - قوم موسى حين قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى اللَّه جهرةً ، فأماتهم اللَّه - تعالى - ثم أحياهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢). ٢ - قصة القتيل الذي اختصم فيه بنو إسرائيل ، فأمرهم اللَّه تعالى أن يذبحوا بقرة، ثم يضربوه ببعضها، ثم فعلوا فأحياه اللَّه، فأخبر بمن قتله، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ

стр. 37

الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١). ٣ - قصة القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ، فأماتهم اللَّه تعالى ثم أحياهم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ (٢). ٤ - قصة الرجل الذي مرّ على قرية ميتة فاستبعد أن يُحييها اللَّه، فأماته اللَّه مائة سنة ثم أحياه ، قال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣). ٥ - قصة إبراهيم ﷺ حين سأل اللَّه – تعالى – أن يريه كيف يحيي الموتى ؟ فأمره أن يذبح أربعة من الطير، ويفرقهن أجزاء على الجبال التي حوله، ثم يناديهن فتجتمع الأجزاء بعضها إلى بعض،

стр. 38

وتأتي إلى إبراهيم سعياً (١)، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢). ٦ - ما أخبر اللَّه به عن عيسى ﷺ من أنه كان يحيي الموتى ، ويخرجهم من قبورهم بإذن اللَّه تعالى: ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٣)، ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي﴾ (٤). فهذه أدلة حسية واقعة، وبرهان قطعي على القدرة الإلهية، وأن الذي أماتهم ثم أحياهم قادر على بعثهم يوم القيامة، فإنه لا يعجزه شيء سبحانه (٥). ثانياً: إحياء الأرض بعد موتها: إحياء اللَّه الأرض بعد موتها بُرهان قاطع من أعظم الأدلة على البعث بعد الموت؛ لأنه بُرهان حسي يتجدد بين يدي الناس، ويشاهدون فيه آثار قدرة اللَّه - تعالى - في الإحياء المتجدد، ولأن

стр. 39

من أخرج النبات وجعل في الأرض من كل زوج بهيج فأحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء الناس بعد موتهم (١) قال اللَّه – تعالى -: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (٢)، ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣)، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤). المسلك الثالث: الأدلة الشرعية: رد اللَّه – تعالى – شبه المنكرين للبعث، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ * قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (٥)، ﴿ق~ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ

стр. 40

رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ (١). فبيّن سبحانه أنه يعلم ما تأكل الأرض من أجسادهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم، ولا يخفى عليه أين تفرقت، وإلى أين ذهبت، كل ذلك عنده في كتاب مضبوط محفوظ (٢). وأمر اللَّه رسوله ﷺ أن يُقسم بربه – سبحانه – على وقوع البعث ووجوده، وأنه لا يغيب عن اللَّه – تعالى – مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ولا يعجزه شيء (٣)، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (٤)، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٥). فإذا استخدم الداعية إلى اللَّه – تعالى – في دعوته للوثنيين بالحكمة القولية ما جاء في هذه المطالب ومسالكها التفصيلية، كان مصيباً مسدداً، منزلاً للناس منازلهم، سالكاً طريق الحكمة في

стр. 41

دعوتهم بإذن اللَّه تعالى. المبحث العاشر: الدعوة بالقوة الفعلية مع الكفار المطلب الأول: مراتب الدعوة إلى اللَّه تعالى قد دل كتاب اللَّه على أن مراتب الدعوة - بحسب مراتب البشر - قال اللَّه تعالى -: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٢)، فاتضح بذلك أن مراتب الدعوة إلى اللَّه أربع مراتب كالآتي: المرتبة الأولى: الحكمة . المرتبة الثانية: الموعظة الحسنة . المرتبة الثالثة: الجدال بالتي هي أحسن . المرتبة الرابعة: استخدام القوة . ولابد أن تكون مرتبة الحكمة ملازمة لجميع المراتب التي بعدها، فالموعظة لابد أن توضع في موضعها، والجدال في موضعه، واستخدام القوة في موضعه مع بيان الحق بدليله والإصابة في الأقوال والأفعال، وكل ذلك بإحكام وإتقان.

стр. 42

وبهذا تكون مراتب المدعوِّينَ بحسب هذه المراتب كالآتي: ١ - المستجيب الذكي، القابل للحق، الذي لا يعاند ولا يأباه ، وهذا يُبيّن له الحق علماً وعملاً واعتقاداً، فيقبله ويعمل به. ٢ - القابل للحق المعترف به؛ لكن عنده نوع غفلة وتأخر ، وله أهواء وشهوات تصدّه عن اتباع الحق، فهذا يُدعى بالموعظة الحسنة المشتملة على الترغيب في الحق والترهيب من الباطل. ٣ - المعاند الجاحد، فهذا يُجادل بالتي هي أحسن (١). ٤ - فإن ظلم المعاند ولم يرجع إلى الحق انتُقل معه إلى مرتبة استخدام القوة إن أمكن . واستخدام القوة يكون بالكلام، وبالتأديب لمن له سلطة وقوة، وبالجهاد في سبيل اللَّه - تعالى - تحت لواء ولي أمر المسلمين بالشروط التي دلّ عليها الكتاب والسنة (٢)، وهذا ما يقتضيه مفهوم الحكمة الصحيح؛ لأنها وضع الشي في موضعه اللائق به بإحكام وإتقان وإصابة.

стр. 43

ويزيد ذلك وضوحاً وبياناً ما كان عليه رسول اللَّه ﷺ وهو الذي أعطاه ربه من الحكمة ما لم يعط أحداً من العالمين، فقد كان يضع العلم والتعليم والتربية في مواضعها، والموعظة في موضعها، والمجادلة بالتي هي أحسن في موضعها، والقوة والغلظة والسيف في مواضعها، وهذا من أحكم الحكم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١)، وهذا عين الحكمة في الدعوة إلى اللَّه تعالى (٢). المطلب الثاني: أسباب استخدام القوة الفعلية مع الكفار أصناف المدعوين: من الملحدين، والوثنيين، وأهل الكتاب، وغيرهم من الكفار إذا لم يؤثر فيهم ما تقدم من حكمة القول في دعوتهم، ولم يستفيدوا من حكمة القول العقلية، والحسية، والنقلية، والبراهين المعجزة، والجدال بالتي هي أحسن، وأعرضوا وكذبوا فحينئذ يكون آخر الطب الكي: وهو استخدام القوة؛ فإن لها الأثر العظيم في نشر الدعوة، وقمع الباطل وأهله، ونصر الحق وأهله، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ

стр. 44

لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١). فبين - سبحانه - أنه أرسل الرسل ﵊، بالبينات وهي: المعجزات، والحُجج الباهرات، والبراهين السَّاطعات، والدلائل القاطعات، التي يوضح اللَّه بها الحقّ، ويدفع بها الباطل، وأنزل مع الرسل الكتاب الذي فيه البينات والهدى والإيضاح، وأنزل معهم الميزان: وهو العدل في الأقوال والأفعال الذي يُنصَف به المظلوم من الظالم، ويقام به الحق، ويعامل الناس على ضوئه بالحق، وأنزل الحديد فيه قوة وردع وزجر لمن خالف الحق، فالحديد لمن لم تنفع فيه الحجة والبرهان وتؤثر فيه البيّنة، فهو الملزم بالحق والقامع للباطل بإذن اللَّه - تعالى -. ولقد أحسن من قال في مثل هذا: وما هو إلا الوحْيُ أوْحَدُّ مُرْهَفٍ ... تُميلُ ظُبَاه أخدَعَيْ كُلِّ مائِلِ فهذا دواءُ الدَّاءِ مِن كلِّ عالمٍ ... وهذا دواءُ الدَّاءِ من كُلِّ جاهِلِ هوَ الحقُّ إنْ تستيقِظُوا فيه تَغْنَمُوا ... وإن تَغْفَلُوا فالسَّيْفُ لَيْسَ بغافِلِ (٢) وقال آخر: يعني رسول اللَّه ﷺ : قالوا غَزَوْتَ ورسْلُ اللَّه ما بُعثوا ... لقتْلِ نفسٍ ولا جاءُوا لسفكِ دم جهلٌ وتضليلُ أحلامٍ وسفسطة ... فتحتَ بالسيف بعد الفتح بالقلم

стр. 45

لما أتى لكَ عفواً كلُّ ذي حَسَبٍ ... تكفَّلَ السيفُ بالجهالِ والعَمَم (١) وما أحكم ما قاله الآخر: دعا المصطفى دهراً بمكة لم يجب ... وقد لان منه جانب وخطاب فلما دعا والسيف صلت بكفه ... له أسلموا واستسلموا وأنابوا (٢) فالعاقل ذو الفطرة السليمة ينتفع بالبينة والبرهان ويقبل الحق بدليله، أما الظالم المتّبع لهواه فلا يردّه إلا السيف وأنواع السلاح (٣)، ولهذا يكون الجهاد في سبيل اللَّه أعظم حكمة القوة في الدعوة إلى دين اللَّه تعالى. المطلب الثالث: قوة الجهاد في سبيل اللَّه تعالى الجهاد في سبيل اللَّه (٤) من أعظم ما تقرّب به العباد بعد الفرائض

стр. 46

إلى اللَّه - تعالى - لما يترتب عليه من نصر المؤمنين وإعلاء كلمة الدين وقمع الكافرين المعاندين والمنافقين وغير ذلك من المصالح الكثيرة والعواقب الحميدة، وله أهداف، وأطوار، وأنواع، ومراتب إذا علمها المجاهدون وعملوا بها فقد أحرزوا حكمة القوّة الفعلية في الدعوة إلى اللَّه. وسأتناول ذلك بإذن اللَّه - تعالى - في المسالك الآتية: المسلك الأول: أهداف الجهاد وغايته . المسلك الثاني: أطوار الجهاد. المسلك الثالث: الإعداد للجهاد. المسلك الرابع: ضوابط قوة الجهاد. المسلك الخامس: مراتب الجهاد وأنواعه. المسلك الأول: أهداف الجهاد وغايته: الجهاد جهادان: جهاد الطَّلب وجهاد الدِّفاع، والمقصود منها جميعاً والهدف هو:

стр. 47

١ - إعلاء كلمة اللَّه، وتبليغ دينه، ودعوة الناس إليه، وإخراجهم من الظلمات إلى النور ، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للَّهِ﴾ (١). ٢ - نصر المظلومين ، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾ (٢). ٣ - رد العدوان، وحفظ الإسلام، وحماية عقيدة التوحيد ، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣)، ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٤). المسلك الثاني: أطوار قوة الجهاد: قد كان الجهاد في الإسلام على أطوار ثلاثة: الطور الأول: الإذن للمسلمين بالجهاد من غير إلزامهم به وفرضه

стр. 48

عليهم، كما في قوله سبحانه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (١). الطور الثاني: الأمر بقتال من قاتل المسلمين والكفّ عمن كفّ عنهم، كما قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا * إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ (٢). الطور الثالث: جهاد الكفار والمشركين كافةً، وغزوهم في بلادهم وقتالهم بعد البلاغ والدعوة إلى الإسلام وإصرارهم على الكفر، فيجاهَدوا حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله للَّه. وليعم الخير أهل الأرض، وتتسع رقعة الإسلام، ويزول من طريق الدعوة دُعاة الكفر والإلحاد، ويَنْعَمَ العباد بحكم الشريعة العادل، وليخرجوا بهذا الدين من ضيق الدنيا إلى سعة الإسلام، ومن عبادة الخلق إلى عبادة الخالق سبحانه، ومن ظلم الجبابرة إلى عدل الشريعة الإسلامية وأحكامها الرشيدة.

стр. 49

ويستمر القتال حتى يدخلوا في دين اللَّه أو يلتزموا بالجزية بشروطها إذا كانوا من أهلها (١)، كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢). وهذا هو الذي استقر عليه أمر الإسلام وتوفي عليه نبينا محمد ﷺ وأنزل اللَّه فيه آية السيف، وهي من آخر ما نزل: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للَّهِ﴾ (٤). وقوله ﷺ : ((أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمداً رسول اللَّه، ويُقيموا الصلاةَ ويُؤتُوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عَصموا منِّي دماءهم وأموالهم إلا بحقِّ الإسلام

стр. 50

وحسابهم على اللَّه (((١). وهذا إذا استطاع المسلمون بدء عدوهم بالقتال وجهاده في سبيل اللَّه. أما إذا لم يستطيعوا فعليهم أن يُقاتلوا من قاتلهم واعتدى عليهم، ويكفُّون عمن كفَّ عنهم عملاً بآية النساء وما ورد في معناها في الطور الثاني من أطوار الجهاد (٢)، قال تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣)، ولا تعارض بين هذه الآية وآية التوبة وما جاء في معناها، لأن آية التوبة فيها الأمر بقتال الكفَّار إذا أمكن ذلك، فأما إن كان العدو كثيفاً فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه آية الأنفال، وكما فعل النبي ﷺ يوم الحُديبية، فلا مُنافاة ولا نسخ ولا تخصيص واللَّه أعلم (٤). ويكون الأمر لوليّ الأمر إن شاء قاتل، وإن شاء كفّ، وإن شاء قاتل قوماً دون قوم على حسب القوة والقدرة والمصلحة للمسلمين لا

стр. 51

على حسب هواه وشهواته. فإذا صار عندهم من القوة والقدرة، والسلاح ما يستطيعون به قتال جميع الكفار أعلنوها حرباً للجميع وأعلنوا الجهاد للجميع (١). المسلك الثالث: الإعداد لقوة الجهاد: ولا يمكن أن يكون الجهاد قويًّا إلا بإعداد قوتين عظيمتين: ١ - قوة الإيمان والعمل الصالح ، كما قال : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٣)، ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤)، فالقيام بجميع الواجبات والابتعاد عن جميع المحرَّمات من أعظم أسباب النصر والتمكين. ٢ - قوة الحديد وما استطاعه المسلمون من قوّة مادية ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (٥)، والإعداد يكون على حسب الظروف والأحوال، ويتناول كل وسيلة يستطيعها المسلمون، وقد ثبت عنه

стр. 52

- ﷺ أنه قال: ((وأعِدُّوا لهم ما استطعتم من قُوَّةٍ، ألا إن القوَّة الرمي، ألا إن القوّة الرمي، ألا إنّ القوة الرَّمي)) (١)، فيجب إعداد القوات البرية، والجوية، والبحرية إذا استطاع المسلمون ذلك (٢)، ويجب عليهم أن يأخذوا حذرهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ (٣). وهذا يدل على وجوب العناية بالأسباب والحذر من مكائد الأعداء، ويدخل في ذلك جميع أنواع الإعداد المتعلقة بالأسلحة والأبدان، وتدريب المجاهدين على أنواع الأسلحة، وكيفية استعمالها وتوجيههم إلى ما يُعينهم على جهاد عدوّهم والسلامة من مكائده، واللَّه أطلق الأمر بالإعداد وأخْذ الحذر، ولم يذكر نوعاً دون نوع ولا حالاً دون حال، وما ذلك إلا لأن الأوقات تختلف، والأسلحة تتنوع، والعدوّ يقل ويكثر، ويضعف ويقوى، فلهذا ينبغي على قادة المسلمين وأعيانهم ومفكريهم إعداد ما يستطيعون من قوة لقتال أعدائهم وما يرونه من المكيدة في ذلك، وقد قال ﷺ : ((الحرب خدعة)) (٤)، ومعناه أن الخصم قد يُدرك من خصمه بالمكر

стр. 53

والخديعة في الحرب ما لا يُدركه بالقوة والعدد، وذلك مُجرّب ومعروف (١). المسلك الرابع: ضوابط قوة الجهاد: ومع أن ما تقدم هو مفهوم القوة الصحيح في الدعوة إلى اللَّه - تعالى - فإن قوة الجهاد في سبيل اللَّه لها ضوابط ينبغي أن يلتزم بها المجاهدون في سبيل اللَّه - تعالى - ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢)، فيدخل في ذلك ارتكاب المناهي: من المثلة والغلول، وقتل النساء، والصبيان، والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال، والرُّهبان، والمرضى، والعُمي، وأصحاب الصّوامع؛ لكن من قاتل من هؤلاء أو استعان الكفّار برأيه قتل (٣). ويدخل في ذلك قتل الحيوان لغير مصلحة، وتحريق الأشجار، وإفساد الزّروع والثّمار، والمياه، وتلويث الآبار، وهدم البيوت (٤)، ولهذا كان ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سريّة أوصاه في خاصته بتقوى اللَّه ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: ((اغزوا بسم اللَّه في سبيل اللَّه، قاتلوا من كفر باللَّه، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تُمثّلوا، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوّك من المشركين فادعهم

стр. 54

إلى ثلاث خصال ... (((١)، ثم بيّنها ﷺ كالآتي: (أ) الإسلام والهجرة ، أو إلى الإسلام دون الهجرة، ويكونون كأعراب المسلمين. (ب) فإن أبوا الإسلام دعاهم إلى بذل الجزية . (ج) فإن امتنعوا عن ذلك كله استعان باللَّه وقاتلهم (٢). ومن هذه الضوابط قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ (٣). فإذا كان بين المسلمين والكفار عهد أو أمان فلا يجوز للمسلمين الغدر حتى ينقضي الأمد، فإن خاف المسلمون من أعدائهم خيانةً، بأن ظهر من قرائن أحوالهم ما يدل على خيانتهم من غير تصريح منهم بالخيانة، فحينئذٍ يخبرهم المسلمون أنه لا عهد بيننا وبينكم حتى يستوي علم المسلمين وعلم أعدائهم بذلك. ودلت الآية على أنه إذا وُجِدَت الخيانة المحققة من الأعداء لم يحتج أن يُنبذ إليهم عهدهم؛ لأنه لم يُخَف منهم بل عُلم ذلك. ودل مفهوم الآية أيضاً أنه إذا لم يُخف منهم خيانة؛ بأن لم يوجد

стр. 55

منهم ما يدل على ذلك، أنه لا يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب الوفاء إلى أن تتم مدته (١). ولهذا قال سليم بن عامر: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى عهدهم غزاهم، فجاء رجل على فرس أو بِرْذَون، وهو يقول: اللَّه أكبر، وفاء لا غدر. فنظروا فإذا عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية ﵁ فسأله، فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: ((من كان بينه وبين قومٍ عهدٌ فلا يشدُّ عقدة ولا يحلها حتى ينقضيَ أمَدُها أو ينبذ إليهم على سواء)) فرجع معاوية (٢). وهذا هو عين الحكمة في دعوة من ظلم وتجبّر وصدَّ عن سبيل اللَّه تعالى. المسلك الخامس: مراتب قوة الجهاد وأنواعه: الجهاد له أربع مراتب: جهاد النفس، والشيطان، والكفَّار والمنافقين، وأصحاب الظلم والبدع والمنكرات. ١ - جهاد النفس له أربع مراتب: (أ) جهادها على تعلم أمور الدين والهُدى الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به.

стр. 56

(ب) جهادها على العمل به بعد علمه ، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها. (ج) جهادها على الدعوة إليه ببصيرة ، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل اللَّه من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه ولا يُنجيه من عذاب اللَّه. (د) جهادها على الصبر على مشاقّ الدعوة إلى اللَّه ، وأذى الخلق، وأن يتحمل ذلك كله للَّه. فمن علم وعمل، وصبر فذاك يُدعى عظيماً في ملكوت السماوات. قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (١). ٢ - جهاد الشيطان وله مرتبتان: (أ) جهاده على دفع ما يلقي إلى العبد من الشبهات والشّكوك القادحة في الإيمان. (ب) جهاده على دفع ما يلقي إليه من الشهوات والإرادات الفاسدة ، فالجهاد الأول بعد اليقين، والثاني بعد الصبر. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا

стр. 57

يُوقِنُونَ﴾ (١). والشيطان من أخبث الأعداء، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ (٢). ٣ - جهاد الكفَّار والمنافقين: وله أربع مراتب: (أ) بالقلب. (ب) باللسان. (ج) بالمال. (د) باليد. وجهاد الكفار أخصّ باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان. ٤ - جهاد أصحاب الظّلم والعدوان، والبدع والمنكرات: وله ثلاث مراتب: (أ) باليد إذا قدر المجاهد على ذلك . (ب) فإن عجز انتقل إلى اللسان . (ج) فإن عجز جاهد بالقلب ، قال ﷺ : ((من رأى منكم منكراً فليُغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان)) (٣). فهذه ثلاث عشرة مرتبة من الجهاد، وأكمل الناس عند اللَّه من كمل مراتب الجهاد كلها، والخلق متفاوتون في منازلهم عند اللَّه

стр. 58

تفاوتهم في مراتب الجهاد، ولهذا كان أكمل الخلق وأكرمهم على اللَّه محمد خاتم أنبيائه ورسله؛ فإنه كمَّل مراتب الجهاد وجاهد في اللَّه حق جهاده (١)، فصلوات اللَّه وسلامه عليه ما تتابع الليل والنهار. ولما كان جهاد أعداء اللَّه في الخارج فرعاً على جهاد العبد نفسه في ذات اللَّه، كما قال ﷺ : ((ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة اللَّه، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب)) (٢). كان جهاد النفس مقدماً على جهاد العدو في الخارج وأصلاً له، فإنه ما لم يجاهد نفسه أولاً لتفعل ما أمرها اللَّه به وتترك ما نهاها اللَّه عنه، ويحاربها في اللَّه، لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصار عليه، وعدوه الذي بين جنبيه غالب له وقاهر له؟ ولا يمكنه الخروج إلى عدوه حتى يُجاهد نفسه على الخروج. فهذان عدوان (٣)، وبينهما عدو ثالث لا يمكن للعبد أن يجاهدهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يثبط الإنسان عن جهادهما ويخوِّفه ويخذله، ولا يزال يخوّفه ما في جهادهما من

стр. 59

المشاقّ، وفوات اللذات، والشهوات، فلا يمكنه أن يُجاهد هذين العدوين إلا بجهاد هذا العدوّ الثالث، وهو الأصل لجهادهما، وهو الشيطان (١). و يتضح مما تقدم أن ميادين أو أنواع القتال في الجهاد كالآتي: ١ - جهاد الكفّار، والمنافقين، والمرتدين (٢). ٢ - جهاد البغاة المعتدين . ٣ - جهاد الدفاع عن: الدين، والنفس، والأهل، والمال . ويدخل في هذا النوع جهاد قُطَّاع الطّرق أو المحاربين. قال ﷺ : ((من قُتِلَ دون ماله فهو شهيدٌ، ومن قُتِلَ دون أهله فهو شهيدٌ، ومن قُتِلَ دون دينه فهو شهيدٌ، ومن قُتِلَ دون دمه فهو شهيدٌ)) (٣). المطلب الرابع: أسباب النصر من المعلوم يقيناً أن النصر على الأعداء له أسباب تُحقّقه للمسلمين على أعدائهم بإذن اللَّه - تعالى - وسأذكر معظم هذه

стр. 60

الأسباب بإيجاز في أربعة عشر مسلكاً كالآتي: المسلك الأول: الإيمان والعمل الصالح: وعد اللَّه المؤمنين بالنصر المبين على أعدائهم، وذلك بإظهار دينهم، وإهلاك عدوهم وإن طال الزمن قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ *يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). والمؤمنون الموعودون بالنصر هم الموصوفون بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ... ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ

стр. 61

لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١). المسلك الثاني: نصر دين اللَّه تعالى: ومن أعظم أسباب النصر: نصر دين اللَّه – تعالى – والقيام به قولاً، واعتقاداً، وعملاً ودعوة. قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٤). المسلك الثالث: التوكل على اللَّه والأخذ بالأسباب: التوكل على اللَّه مع إعداد القوة من أعظم عوامل النصر، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٥). وقال سبحانه: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن

стр. 62

بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٢). ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ (٣). ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ (٤). وقال ﷺ : ((لو أنكم كنتم توكّلون على اللَّه حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وترُوحُ بِطاناً)) (٥). ولابد مع التوكل من الأخذ بالأسباب، لأن التوكل يقوم على ركنين عظيمين: (أ) الاعتماد على اللَّه، والثقة بوعده ونصره تعالى . (ب) الأخذ بالأسباب المشروعة . ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (٦). وعن أنس ﵁ أن رجلاً قال: يا رسول اللَّه أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: ((اعقلها

стр. 63

وتوكل)) (١). المسلك الرابع: المشاورة بين المسؤولين: كما كان رسول اللَّه ﷺ يشاور أصحابه مع كمال عقله وسداد رأيه، امتثالاً لأمر اللَّه تعالى وتطييباً لنفوس أصحابه، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٢)، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٣). المسلك الخامس: الثبات عند لقاء العدو: من عوامل النصر الثَّبات عند اللقاء وعدم الانهزام والفرار، فقد ثبت النبي ﷺ في جميع معاركه التي خاضها، كما فعل في بدر، وأُحد وحُنين. وكان يقول في حنين حينما ثبت وتراجع بعض المسلمين: ((أنا النبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. اللَّهم نزِّل نصرك)) (٤) وثبت أصحابه من بعده. وهو قدوتنا وأسوتنا الحسنة

стр. 64

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١). وقال ﷺ : ((يا أيُّها الناسُ لا تمنَّوا لقاءَ العدوِّ، واسألوا اللَّه العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) (٢). المسلك السادس: الشجاعة والبطولة والتضحية: من أعظم أسباب النصر: الاتصاف بالشجاعة والتضحية بالنفس والاعتقاد بأن الجهاد لا يُقدِّم الموت ولا يُؤخِّره؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ (٣). قال الشاعر: من لم يمت بالسيف مات بغيره ... تعددت الأسباب والموت واحد ولهذا كان أهل الإيمان الكامل هم أشجع الناس، وأكملهم شجاعة هو إمامهم محمد ﷺ ، وقد ظهرت شجاعته في المعارك الكبرى التي قاتل فيها، ومنها على سبيل المثال:

стр. 65

(أ) شجاعته البطولية الفذَّة في معركة بدر ، قال علي بن أبي طالب ﵁: ((لقد رأيتُنا يوم بدرٍ ونحن نلوذُ برسول اللَّه ﷺ وهو أقربنا إلى العدوّ، وكان من أشد الناس يومئذٍ بأساً)) (١). وقال ﵁: ((كُنَّا إذا حَميَ البأسُ ولقي القومُ القومَ اتقينا برسول اللَّه ﷺ ، فلا يكون أحدنا أدنى إلى القوم منه)) (٢). (ب) في معركة أحد قاتل قتالاً بطوليّاً لم يُقاتله أحد (٣). (ج) في معركة حنين: قال البراء: كُنّا إذا احمر البأس نتقي به ، وإن الشجاع منا للذي يُحاذي به يعني النبي ﷺ (٤). وهكذا أصحابه ﵃ ومن بعدهم من أهل العلم والإيمان، فينبغي للمجاهدين أن يقتدوا بنبيهم ﷺ ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٥). المسلك السابع: الدعاء وكثرة الذكر: من أعظم وأقوى عوامل النصر الاستغاثة باللَّه وكثرة ذكره؛ لأنه القويّ القادر على هزيمة أعدائه ونصر أوليائه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا

стр. 66

سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١). ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٢)، ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ (٣). وقد أمر اللَّه بالذكر والدعاء عند لقاء العدو، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤). لأنه سبحانه النصير، فنعم المولى ونعم النصير. وقال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٥). ولهذا كان النبي ﷺ يدعو ربه في معاركه ويستغيث به، فينصره ويمدّه بجنوده، ومن ذلك أنه نظر ﷺ يوم بدر إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل ﷺ القبلة ورفع يديه واستغاث باللَّه، وما زال يطلب المدد من اللَّه وحده مادّاً يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: ((يا نبي اللَّه كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما

стр. 67

وعدك))، فأنزل اللَّه : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (١) فأمدَّه اللَّه بالملائكة. وهكذا كان ﷺ يدعو اللَّه في جميع معاركه، ومن ذلك قوله: ((اللَّهم منزل الكتاب، سريع الحساب [مُجْريَ السَّحاب] [هازمَ الأحزاب] اهزم الأحزاب. اللَّهم اهزمهم وزلزلهم، وانصرنا عليهم)) (٢). وكان يقول عند لقاء العدو: ((اللَّهم أنت عَضُدي، وأنت نصيري، بك أحول، وبك أصُول، وبك أقاتل)) (٣). وكان إذا خاف قوماً قال: ((اللَّهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم)) (٤). وقال ابن عباس ﵄: ((حسبنا اللَّه ونعم الوكيل. قالها إبراهيم حين أُلقيَ في النار، وقالها محمد حين قال له الناس: ﴿إن الناس قد جمعوا لكم﴾)) (٥). وهكذا ينبغي أن يكون المجاهدون في سبيل اللَّه - تعالى - لأن الدعاء يدفع اللَّه به من البلاء ما اللَّه به عليم.

стр. 68

ولهذا قال ﷺ : ((لا يردّ القضاء إلا الدّعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر)) (١). المسلك الثامن: طاعة اللَّه ورسوله ﷺ -: طاعة اللَّه ورسوله من أقوى دعائم وعوامل النصر، فيجب على كل مجاهد في سبيل اللَّه - تعالى - بل على كل مسلم أن لا يعصي اللَّه طرفة عين، فما أمر اللَّه - تعالى - به وجب الائتمار به، وما نهى عنه تعالى وجب الابتعاد عنه. ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٣). ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥). وقال ﷺ : (( ... وجُعِلَ الذلُّ والصّغارُ على من خالف أمري، ومن تشبه بقومٍ فهو منهم)) (٦).

стр. 69

المسلك التاسع: الاجتماع وعدم النزاع: يجب على المجاهدين أن يُحقِّقوا عوامل النصر، ولا سيما الاعتصام باللَّه والتكاتف، وعدم النزاع والافتراق، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (١). وقال: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (٣). المسلك العاشر: الصبر والمصابرة: لابد من الصبر في الأمور كلها، ولا سيما الصبر على قتال أعداء اللَّه ورسوله. والصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة اللَّه التي هي من عوامل النصر، وصبر عن محارم اللَّه، وصبر على أقدار اللَّه المؤلمة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤)، ﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٥). وجاء عنه

стр. 70

- ﷺ : ((واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً)) (١). وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢). المسلك الحادي عشر: الإخلاص للَّه تعالى: لا يكون المقاتل والغازي مجاهداً في سبيل اللَّه إلا بالإخلاص، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ (٣) الآية. وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤). وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! الرجل يُقاتل للمغنم، والرجل يُقاتل للذِّكْر (٥). والرجل يُقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل اللَّه؟ قال: ((من قاتل لتكون كلمةُ اللَّه هي العليا

стр. 71

فهو في سبيل اللَّه)) (١)، وقد ثبت عنه ﷺ أن أول من يُقضى عليه يوم القيامة ثلاثة، وذكر منهم من قاتل ليُقال: هو جريء – أي شجاع (٢). المسلك الثاني عشر: الرغبة فيما عند اللَّه تعالى: مما يُعين على النصر على الأعداء هو الطّمع في فضل اللَّه وسعادة الدنيا والآخرة، ولهذا نصر اللَّه نبيه ﷺ وأصحابه من بعده، ومما يدلّ على الرغبة فيما عند اللَّه تعالى ما يأتي: (أ) ما فعل عُمير بن الحمام في بدر ، حينما قال ﷺ ((قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض)). فقال: يا رسول اللَّه جنّة عرضها السموات والأرض؟ قال: ((نعم)) قال: بَخٍ بَخٍ (٣) فقال ﷺ : ((ما يحملك على قولك بَخٍ بَخٍ))؟ قال: لا واللَّه يا رسول اللَّه إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: ((فإنك من أهلها)). فأخرج تمرات من قرنه (٤) فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل (٥).

стр. 72

(ب) ما فعل أنس بن النضر - عم أنس بن مالك - يوم أحد . تأخر ﵁ عن معركة بدر، فشقّ عليه ذلك، وقال: أول مشهد شهده رسول اللَّه ﷺ غبت عنه، وإن أراني اللَّه مشهداً فيما بعد مع رسول اللَّه ﷺ ليراني اللَّه ما أصنع (١). فشهد مع رسول اللَّه ﷺ يوم أحد، فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس: يا أبا عمرو واهاً لريح الجنة (٢) أجده دون أحد. فقاتلهم حتى قُتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية، فما عرفته أخته - الربيع بنت النضر - إلا ببنانه، ونزلت هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (٣). فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه (٤). والمسلم المجاهد في سبيل اللَّه - تعالى - إذا رغب فيما عند اللَّه، فإنه لا يُبالي بما أصابه رغبة في الفوز العظيم. فلست أُبالي حين أُقتل مسلماً ... على أي جنب كان في اللَّه مصرعي

стр. 73

المسلك الثالث عشر: إسناد القيادة لأهل الإيمان: من أسباب النصر تولية قيادة الجيوش، والسرايا، والأفواج والجبهات لمن عرفوا بالإيمان الكامل والعمل الصالح والشجاعة الحكيمة، ثم الأمثل فالأمثل، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١). واللَّه يُحبُّ أهل التَّقوى، ومحبّته - سبحانه - للعبد من أعظم الأسباب في توفيق عبده وتسديده ونصره على أعدائه، قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢). المسلك الرابع عشر: التحصن بالدعائم المنجيات: إن العباد لهم منجيات، ودعائم تُنجّيهم من المهالك والهزائم إذا حلّت بهم، وهذه الأمور هي من أعظم العلاج لمن أُصيب بالمهلكات أو الحروب والأوبئة، وهي كذلك وقاية من حلول المصائب قبل نزولها، وتتلخّص في اتّباع الدعائم المنجيات الآتية: (أ) التوبة والاستغفار من جميع المعاصي والذنوب كبيرها وصغيرها ، ولا تقبل التوبة إلا بشروط: ١ - الإقلاع عن جميع الذنوب وتركها . ٢ - العزيمة على عدم العودة إليها .

стр. 74

٣ - الندم على فعلها . فإن كانت المعصية في حقّ آدمي فلها شرط رابع، وهو التّحلل من صاحب ذلك الحقّ. ولا تنفع التوبة عند الغرغرة، أو بعد طلوع الشمس من مغربها. ولا شكّ أن التوبة النصوح والاستغفار من أعظم وسائل النصر ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١). ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٢). (ب) تقوى اللَّه تعالى وهي أن يجعل العبد بينه وبين ما يخشاه من ربه ومن غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك. وهي أن تعمل بطاعة اللَّه على نور من اللَّه ترجو ثواب اللَّه، وأن تترك معصية اللَّه على نور من اللَّه تخاف عقاب اللَّه. (ج) أداء جميع الفرائض واتباعها بالنوافل ؛ لأن محبة اللَّه لعبده تحصل بذلك. (د) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال ﷺ : ((والذي نفسي بيده لتأمُرُنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر أو ليُوشِكَنَّ اللَّه أن يبعث عليكم عقاباً من عنده، ثم لتدْعُنَّه فلا يستجيب لكم)) (٣). وقال

стр. 75

تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ (١). (هـ) الاقتداء بالنبي ﷺ في جميع الاعتقادات، والأقوال والأفعال . (و) الدعاء والضَّراعة إلى اللَّه تعالى . وصلى اللَّه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.