المبحث الثالث: حكمة القول التصويرية
من حكمة القول في الدعوة إلى اللَّه - تعالى - استخدام الأساليب التصويرية التي تدخل على القلوب مباشرة فتؤثر فيها، وتشد أذهان المدعوين، وتشوقهم إلى الاستماع والاستفادة، ومن ذلك على سبيل المثال ما يلي:
المسلك الأول: القصص الحكيم:
القصة من خير ما يتوصل به الداعية الحكيم لإبلاغ دعوته إلى أعماق القلوب؛ لأن النفس تميل إليها، وترغب فيها، يقول سيد قطب ﵀: ((مما لا شك فيه أن للقصص طريقته الخاصة في عرض الحقائق وإدخالها إلى القلوب في صورة حية عميقة الإيقاع بتمثيل هذه الحقائق في صورتها الواقعية، وهي تجري في الحياة البشرية، وهذا أوقع في النفس من مجرد عرض الحقائق عرضاً تجريديّاً)) (١).
وأفضل القصص ما جاء في القرآن الكريم، والسنة الصحيحة، فقد بيّن اللَّه في كتابه العزيز أخبار الأمم الماضية أحسن بيان، ومن ذلك قصص الأنبياء وأقوامهم، وأثنى على أنبيائه ومن تبعهم من المؤمنين، وبيّن سنته في نصرتهم وتأييدهم، وذم الأمم التي كذبت رسلها، وبين سنته فيهم، وما أوقع بهم من العذاب والدمار،
стр. 37
وغير ذلك من القصص العظيم الحسن كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (١)، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ (٢).
أما القصص من السنة فإن قدوة الداعية في ذلك رسول اللَّه ﷺ ، فقد كان يقصّ على أصحابه القصص الذي ينفعهم، ويرغبهم في الخير، ويخوفهم من الوقوع في ضده، ومن ذلك: قصة الأبرص والأعمى والأقرع (٣)، ففي هذه القصة التحذير من كفران النعم والبخل، والتشويق إلى شكر النعم، والاعتراف بها للخالق، والإحسان إلى الناس (٤).
وقصة الغلام مع الملك والساحر والراهب (٥)، وفيها تشويق الناس في الثبات على دين اللَّه، والتضحية بكل غال ورخيص في سبيل نصرة دين اللَّه وإظهاره.
стр. 38
وقصة الرجل الذي قتل مائة ثم تاب فتاب اللَّه عليه (١)، فإن في هذه القصة الإيضاح للناس أن من تاب تاب اللَّه عليه، وأن البيئة لها تأثير على الشخص، فلابد للتائب أن يلتمس الجليس الصالح، وغير ذلك كثير في السنة النبوية.
المسلك الثاني: التشبيه وضرب الأمثال:
في القرآن الكريم كثير من الأمثال المضروبة، والداعية لابد له من ذلك في دعوته، ومن ذلك أن اللَّه – تعالى – شبه المنفق في سبيله بمن بذر بذراً فأنبتت كل حبة سبع سنابل، اشتملت كل سنبلة على مائة حبة، واللَّه يُضاعف فوق ذلك لمن يشاء بحسب حال المنفق وإخلاصه (٢).
ومثل المنفق رياء وسمعة بطلان عمله كمثل حجر أملس عليه تراب فأصابه مطر شديد، فتركه أملسَ لا شيء عليه (٣).
وشبه سبحانه الدنيا في زهرتها وسرعة زوالها بالماء الذي ينزل من السماء فأنبت الكلأ والعشب، ثم صار بعد هذه النضرة هشيماً (٤)، وغير ذلك كثير في كتاب اللَّه تعالى (٥).
стр. 39
وضرب النبي ﷺ الأمثال في دعوته، ومن ذلك تشبيهه الجليس الصالح بحامل المسك، والجليس السوء بنافخ الكير (١)، وهذا من حكمة النبي ﷺ ، لأنه جمع بين الترغيب والحثّ على مجالسة من يُستفاد من مجالسته في الدين والدنيا، وحذر من مجالسة من يتأذى بمجالسته فيهما (٢)، وهذا كثير في السنة (٣).
المسلك الثالث: لفت الأنظار والقلوب إلى الصور المعنوية وآثارها:
من حكمة القول التصويرية لفت أنظار الناس إلى الأوصاف الحميدة المعنوية، وبيان آثارها العملية التي تحصل بسبب تطبيقها والعمل بها، ومن هذه الصور المعنوية ذكر الداعية أوصاف المؤمنين، وآثار هذه الأوصاف، وهذا كثير في كتاب اللَّه – تعالى –
стр. 40
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ* أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ* الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١).
وهذه أوصاف تجذب القلوب الحية، وتلفت الأنظار إلى هذه الصفات العالية وآثارها الحميدة، ومن أعظم آثارها الفوز بالفردوس الأعلى في الجنة، وكتاب اللَّه يزخر بأوصاف عباد اللَّه المؤمنين، وآثار هذه الأوصاف في الدنيا والآخرة (٢).
فحري بالداعية أن لا يغفل هذا الجانب؛ فإن له الأثر الحميد بتوفيق اللَّه تعالى.
المسلك الرابع: لفت الأنظار والقلوب إلى الآثار المحسوسة:
من حكمة القول التصويرية لفت أنظار الناس إلى آثار الأمم
стр. 41
الماضية، والأفراد والجماعات الظالمة، والقُرى والأمصار المكذبة المجرمة، وقد تكون الآثار في الأزمان القريبة أو الأماكن والأزمان المعاصرة المتأخرة؛ فإن في النظر فيما حلّ بهم من الهلاك والدمار والزلازل والمحن والأمراض، أعظم العبر لمن اعتبر وتفكّر، ونظر واتعظ، والنظر في مساكنهم وديارهم، وكيف أبادهم وأهلكهم وأذلهم، وخذلهم الملك الجبار، وجعل أخبارهم عبرة لأولي الأبصار (١)؟!
وقد أمر اللَّه عباده بالسير والنظر والتأمل في هذه الآثار في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٣).
والأمر بالسير يشمل السير بالأبدان، والتفكر بالقلوب للنظر والتأمل في عواقب المكذبين والمجرمين، والنظر بالأبصار والبصيرة في آثار هؤلاء من المساكن الخاوية، والديار المهجورة،
стр. 42
والسماع بالآذان الأخبار المفزعة، وإلا فمجرد نظر العين الجامدة، وسماع الأذن المسدودة، وسير البدن الخالي من القلب المتفكر المعتبر غير مفيد، ولا موصل إلى المطلوب (١).
стр. 43
المبحث الرابع: الدعوة بالقوة الفعلية مع عصاة المسلمين
المطلب الأول: أسباب استخدام القوة مع عصاة المسلمين
كما أنّ من الحكمة في الدعوة إلى اللَّه استخدام القوة مع الكفار عند الحاجة إليها، فكذلك تستخدم مع من يحتاجها من المسلمين الذين لم ينتفعوا بالمواعظ من الترغيب والترهيب، ولم يستفيدوا من حكمة القول التصويرية: من ضرب الأمثال، ولفت الأنظار إلى الصورة المعنوية كصفات المؤمنين وآثارها، ولفت الأنظار والقلوب إلى الآثار المحسوسة، كالأمر بالسير في الأرض، والنظر فيما حلّ بالمكذبين من الدَّمار والهلاك.
فإذا لم يؤثّر ما تقدَّم في عُصاة المؤمنين فإن استخدام القوة حينئذٍ من الحكمة، لأن القوة كالعمليّة الجراحية للمريض إذا لم ينفع في علاج مرضه غيرها، فتستخدم عند الحاجة إليها بشرط الالتزام بالشروط والضَّوابط الشرعيَّة.
واستخدام القوة في هذه المرحلة يتنوع ويختلف باختلاف الداعية والمدعو، والأحوال والأزمان والأماكن، وإمكانية استخدام القوة مع أمن الوقوع في المفاسد؛ فإن النبي ﷺ شرع لأمته الدعوة إلى اللَّه - تعالى - وإيجاب إنكار المنكر؛ ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه اللَّه ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه، وأبغض إلى اللَّه ورسوله؛ فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان
стр. 44
اللَّه يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم؛ فإنه أساس كل شرٍّ وفتنة إلى آخر الدهر، وقد استأذن الصحابة ﵃ رسول اللَّه ﷺ في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ فقال: ((لا، ما أقاموا الصلاة)) (١)، وقال: ((من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، [ولا ينزعنّ يداً من طاعة])) (٢)، ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر؛ فطلب إزالته، فتولَّد منه ما هو أكبر منه وأنكر؛ ولهذا كان رسول اللَّه ﷺ يترك بعض الأمور المختارة، ويصبر على بعض المفاسد خوفاً من أن يترتب على ذلك مفسدة أعظم؛ ولهذا لما فتح اللَّه مكة وصارت دار إسلام عزم على نقض بناء البيت وردِّهِ على قواعد إبراهيم، ولكن منعه من ذلك – مع قدرته عليه – خشية وقوع ما هو أعظم منه، من عدم احتمال قريش لذلك؛ لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكفر، ولهذا لم يأذن في قتل عبد اللَّه بن أُبيّ، ولم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد، لما يترتب على
стр. 45
ذلك من وقوع ما هو أعظم منه (١).
المطلب الثاني: الكلمة القوية والفعل الحكيم
١ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ رأى خاتماً من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه، وقال: ((يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده))! فقيل للرجل بعدما ذهب رسول اللَّه ﷺ : خذ خاتمك انتفع به. قال: لا واللَّه لا آخذه أبداً، وقد طرحه رسول اللَّه ﷺ (٢).
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ مرّ على صُبْرَةِ طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال: ((ما هذا يا صاحب الطعام))؟ قال: أصابته السماء يا رسول اللَّه، قال: ((أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غشّ فليس مِنِّي)) (٣).
٣ - وعن عائشة ﵂ أنها اشترت نمرقة (٤) فيها تصاوير، فقام النبي ﷺ بالباب فلم يدخل، فقلت: أتوب إلى اللَّه ماذا أذنبت؟ قال:
стр. 46
((ما هذه النمرقة))؟ قلت: لتجلس عليها وتوسّدها قال: ((إن أصحاب هذه الصور يعذَّبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيُوا ما خلقتم! وإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه الصورة)) (١).
٤ - وعنها ﵂: قدم رسول اللَّه ﷺ ، من سفر وقد سترت بقرام لي (٢) على سهوةٍ (٣) فيها تماثيل (٤). فلما رآه رسول اللَّه ﷺ هتكه، وقال: ((إن أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة الذين يُضاهون بخلق اللَّه)). قالت: فجعلناه وسادة أو وسادتين (٥).
٥ - وعن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: بينما النبي ﷺ يصلِّي رأى في قبلة المسجد نُخامةً فحكّها بيده، فتغيَّظ ثم قال: ((إن أحدكم إذا كان في الصلاة فإنَّ اللَّه حيال وجهه فلا يتنخمنَّ حيال وجهه في الصلاة)) (٦).
стр. 47
فهذه كلمات حكيمة قوية مُؤثّرة تصحبها الحكمة الفعلية، وما ذلك إلا لأن النبي ﷺ أسوة الدعاة إلى اللَّه، فقد قال ﷺ : ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) (١).
٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: ((ما خُيّر رسول اللَّه ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً؛ فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول اللَّه ﷺ لنفسه إلا أن تُنتهك حُرمةُ اللَّه، فينتقم للَّه بها)) (٢).
المطلب الثالث: التهديد الحكيم والوعيد بالعقوبة:
قال ﷺ : ((إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتُقام ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأُحرِّق عليهم بيوتهم بالنار)) (٣).
وفي هذا الحديث التَّخويف بتقديم الوعيد والتَّهديد على
стр. 48
العقوبة، والسرّ في ذلك – واللَّه أعلم – أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزَّجر اكتُفِيَ به عن الأعلى من العقوبة (١)، وهذا من حكمته ﷺ فقد خوّف وزجر عن التخلُّف عن صلاة الجماعة بهذا الوعيد والهمّ بالتَّعذيب، فللداعية الحكيم القادر أن يستخدم التَّخويف بالعقوبة الجائزة شرعاً، أما التَّعذيب بالنار فقد نسخ (٢).
ولابد في التهديد والوعيد بالعقوبة من مراعاة الشروط والضوابط الشرعية، والأصول التي دل عليها كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ .
وهذه الشروط والضوابط والأصول تجعل الداعية في سلامة من الزلل، فلا ينكر منكراً ويقع ما هو أنكر منه، ولا يسعى في جلب مصلحة ويفوّت ما هو أعظم منها؛ فإن من أعظم الحكم في الدعوة إلى اللَّه دفع المفاسد وجلب المصالح، فإن تعارضت المصالح والمفاسد دُفعت أعظم المفسدتين أو الضررين باحتمال أيسرهما، وجُلبت أعظم المصلحتين بترك أيسرهما (٣).
стр. 49
المطلب الرابع: حكمة القوة بالعقوبات الشرعية
توطئة:
قرّر الإسلام العقوبات الشرعيّة على ارتكاب الجرائم؛ ليستوفي المجرم جزاءه، ويُطهَّر من هذه الجريمة، ويرتدع أمثاله من ناحية أخرى، وهذا من أبلغ الحكم، ومن أعدل الأحكام، ومن أعظم وسائل حفظ الأمن والاستقرار، وبهذا حفظ الإسلام لأهله: الدّين، والنّفس، والنّسب، والعرض، والعقل، والمال (١).
والدعوة إلى اللَّه - تعالى - والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم ذلك كلّه إلا بتطبيق وتنفيذ العقوبات الشرعيّة، فإن اللَّه يَزَعُ بالسّلطان ما لا يزع بالقرآن، وذلك واجب على وُلاة الأمور، وذلك يحصل بالعقوبات على ترك الواجبات وفعل المحرمات، ولا يجوز لهم التّهاون في تنفيذها؛ لأنها من شرع اللَّه، وتعطيلها يُؤدي إلى سخط اللَّه كما يؤدي إلى فساد المجتمع، فإذا أُقيمت الحدود ظهرت طاعة اللَّه، ونقصت معصيته، وحصل الخير والنّصر، والتَّمكين (٢)، وتطبيق هذه العقوبات كما أمر اللَّه من حكمة القوة في الدعوة إلى اللَّه ونصر دينه. وسأذكر معظم هذه العقوبات الشرعيّة الحكيمة في
стр. 50
عشرة مسالك بإيجاز كالآتي:
المسلك الأول: عقوبة الهجر الحكيم:
من حكمة القوّة في الدّعوة إلى اللَّه هجر من يظهر المنكرات على وجه التّأديب حتى يتوب، كم هجر النبي ﷺ الثلاثة الذي خُلِّفُوا حتى أنزل اللَّه توبتهم.
وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم، وقلتهم وكثرتهم؛ فإن المقصود به زجرُ المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كان هجره يضعف الشرّ كان مشروعاً، وإن كان المهجور لا يرتدع بذلك ولا يرتدع به غيره، بل يزيد الشرّ والهاجر ضعيف، وتكون مفسدة الهجر راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، كما كان الهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قوماً ويهجر آخرين (١)، وينبغي أن يُفرّق بين الهجر لِحَقِّ اللَّه وبين الهجر لحق النفس، فالهجر لِحَقِّ اللَّه – تعالى – مأمور به، والثاني منهي عنه.
ولا شك أن الهجر لحق اللَّه من العقوبات الشرعية، فهو من جنس الجهاد في سبيل اللَّه (٢)، وهذا يُفعَل؛ لتكون كلمة اللَّه هي
стр. 51
العليا ويكون الدين كله للَّه. وهذا يدلّ على أن حكمة القوّة لها الأثر الكبير عند وضعها في موضعها.
ولهذا يجب على وليّ أمر المسلمين – وهو الذي ينبغي أن ينصر الدعوة بعد النبي ﷺ – أن يعلم بأن إقامة الحدود والعقوبات الشرعيّة رحمة من اللَّه بعباده، وأن يكون قويّاً في إقامة الحد لا تأخذه في اللَّه لومَة لائمٍ، ويكون قصده رحمة الخلق بكفّ الناس عن المنكرات، ويكون بمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه، فَيُدخِل المريض على نفسه المشقّة، ويشرب الدواء لينال به الرّاحة والشِّفاء (١).
المسلك الثاني: عقوبة التعزير:
التعزير هو العقوبة المشروعة على جناية لا حد فيها (٢)، وقد اتفق العلماء – ﵏ – على أن التعزير مشروع في كل معصية ليس فيها حدّ. والمعصية نوعان: ترك واجب أو فعل محرم (٣). كما يُستتاب المرتدّ حتى يسلم، فإن تاب وإلا قتل، وكما يُعاقب تارك الزّكاة وحقوق الآدميين حتى يؤدوها (٤).
والتعزير أجناس: فمنه ما يكون بالتّوبيخ والزّجر بالكلام، ومنه
стр. 52
ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنَّفي عن الوطن، ومنه ما يكون بالضَّرب؛ فإن كان ذلك لترك واجب مثل الضّرب على ترك الصلاة، أو ترك أداء الحقوق الواجبة مثل: ترك وفاء الدين مع القدرة عليه، أو على ترك ردّ المغصوب، أو أداء الأمانة إلى أهلها، فإنه يضرب مرة بعد مرة حتى يُؤدي الواجب، ويفرَّق عليه الضرب يوماً بعد يوم، وإن كان الضَّرب على ذنب ماضٍ جزاء بما كسب ونَكَالاً من اللَّه له، فهذا يفعل منه بقدر الحاجة فقط، وليس لأقله حدّ. أما أكثر التعزير ففيه ثلاثة أقوال، وأعدلها: أنه لا يتقدّر بحدّ، لكن إن كان التعزير فيما فيه مقدَّر لم يبلغ به ذلك المقدَّر، مثل التَّعزير على سرقة دون النِّصاب لا يبلغ به القطع، والتعزير على المضمضة بالخمر لا يبلغ به حدّ الشّرب، والتَّعزير على القذف بغير الزنا واللواط لا يبلغ به الحدّ (١). أما حديث: ((لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حدّ من حدود اللَّه)) (٢) فقد فسره طائفة من أهل العلم بأن المراد بحدود اللَّه ما حُرِّم لحق اللَّه، ومراد الحديث أن من ضَرَبَ لحق نفسه كضرب الرجل امرأته في النّشوز وكتأديب الأب ولده الصغير، فلا يزيد على عشر جلدات في التأديبات (٣)، ثم من لم
стр. 53
يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قُتِلَ، مثل: المفرِّق لجماعة المسلمين، والداعي إلى البدع في الدين (١).
المسلك الثالث: القصاص:
أوجب اللَّه - تعالى - القصاص في جريمة قتل العمد والاعتداء على الأطراف، قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤).
المسلك الرابع: حد الزنا واللواط:
(أ) الزاني إن كان مُحصناً؛ فإنّهُ يُرجم بالحجارة حتى يموت ،
стр. 54
كما رَجَم النبي ﷺ ماعزَ بن مالك الأسلمي، ورجم الغامدية، ورجم اليهوديّيْن، ورجم غير هؤلاء، ورجم المسلمون بعده (١).
(ب) وإن كان الزَّاني غير مُحصَن؛ فإنه يُجلد مائة جلدة بكتاب اللَّه تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، ويُغَرَّبُ عاماً بسنَّة رسول اللَّه ﷺ (٣).
(ج) وأما اللواط فالصحيح الذي اتفق عليه الصحابة أنه يقتل الإثنان: الأعلى والأسفل. فعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال:)) من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به (((٤)، ولم يختلف الصحابة في قتله، ولكن تنوعوا فيه (٥).
المسلك الخامس: حد القذف:
حفظ الإسلام الأعراض من الاعتداء عليها، وجعل عقوبة
стр. 55
القاذف ثمانين جلدة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ* إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١).
وهذا الحد جاء به الكتاب والسنة وأجمع عليه المسلمون؛ فإذا قذف المحصن بالزّنا أو اللواط وجب الحدّ على قاذفه، والمحصن هنا هو الحرّ العفيف، وفي باب حدّ الزنا هو الذي وطئ وطئاً كاملاً في نكاح تامّ (٢).
المسلك السادس: حد شرب الخرم:
وحدّ الشرب ثابت بسنة رسول اللَّه ﷺ وإجماع المسلمين، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه ضرب في شرب الخمر بالجريد والنعال أربعين، وضرب أبو بكر ﵁ في خلافته أربعين، وضرب عمر ﵁ في خلافته ثمانين، وكان علي ﵁ يضرب مرة أربعين ومرة ثمانين. فمن العلماء من يقول يجب ضرب الثمانين، ومنهم من يقول: الواجب أربعون، والزيادة يفعلها الإمام عند الحاجة إذا أدْمَنَ الناس الخمر أو كان الشارب ممن لا يرتدع بدونها، ورجَّح ذلك شيخ الإسلام ابن
стр. 56
تيمية رحمه اللَّه تعالى (١).
المسلك السابع: حد السرقة:
السرقة اعتداء على مال معصوم لا شُبهة له فيه، يأخذه خفيةً بشروط معينة منها: أن يكون المال محرزاً، ولا تقلّ قيمته عن ربع دينار، وحينئذ يجب عليه حدّ السرقة بالكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢).
ولا يجوز بعد اكتمال شروط القطع وثبوت الحدّ عليه بالبينة أو بالإقرار تأخيره لا بحبس ولا مال يُفتدى به ولا غيره، بل تُقطع يده اليمنى في الأوقات المعظمة وغيرها (٣).
المسلك الثامن: حد المحاربين قطاع الطريق:
قُطَّاع الطريق هم المحاربون الذين يتعرّضون للناس بالسلاح في الصحراء والطّرقات؛ ليغصبوهم المال مجاهرة بالقوة والقهر، وسواء ارتكب هذه الجريمة فرد أو جماعة، فإنه يُسمّى
стр. 57
بالمحارب (١).
والأصل في عقوبتهم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ* إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢).
وعن ابن عباس ﵄ أنه قال في قُطّاع الطّريق: >إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصُلبُوا، وإذا قَتَلُوا ولم يأخذوا المال قُتِلُوا ولم يُصلَبوا، وإذا أخذوا المال ولم يَقْتلُوا قُطّعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافُوا السَّبيل ولم يأخذوا مالاً نُفُوا من الأرض< (٣)، وهذا قول كثير من أهل العلم كالشَّافعي وأحمد، أما من كان من المحاربين قد قتل فإنه يقتل حدّاً لا يجوز العفو عنه بحال بإجماع العلماء، ولا يكون أمره إلى ورثة المقتول بخلاف ما لو قتل رجل رجلاً لعداوة بينهما.
أما غير القاتل فمنهم من قال: للإمام أن يجتهد فيهم، فيقتل من
стр. 58
رأى في قتله مصلحة، والقول الأول قول الأكثر (١).
المسلك التاسع: عقوبة المرتد:
المرتدّ هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر بفعل، أو قول، أو اعتقاد، أو شكّ، قال تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢)، وقال ﷺ :)) من بدَّل دينه فاقتلوه (((٣)، وقال ﷺ :)) لا يحل دم امرئٍ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث: الثيّب الزَّاني، والنَّفس بالنَّفس، والتَّارك لدينه المفارق للجماعة (((٤)، فمن ارتدّ عن الإسلام من الرِّجال والنِّساء وكان بالغاً عاقلاً استُتيبَ ثلاثة أيام فإن رجع وإلا قتل بالسَّيف (٥).
المسلك العاشر: قتال أهل البغي:
جريمة البغي هي خروج جماعة ذات قوَّة وشوكة على الإمام
стр. 59
يُريدون خلعه بالقوَّة والعنف، فعلى الإمام أن يراسلهم فيسألهم ما ينقمون منه؛ فإن ذكروا مظلمة أزالها، وإن ادعوا شُبهة كشفها، فإن رجعوا وإلا قاتلهم، وعلى المسلمين القتال مع إمامهم، والأصل في هذه الجريمة (١) وعقوبتها قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢).
وقال ﷺ : (( ... ستكن هنّاتٌ وهنّات (٣)، فمن أراد أن يُفرّق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسَّيف كائناً من كان (((٤). وقال:)) من أتاكم وأمرُكُم جميع على رجل واحد يُريد أن يشقّ عصاكم أو يُفرِّق جماعتكم فاقتلوه)) (٥).
стр. 60
الخاتمة
الحمد للَّه الذي أعانني على إتمام هذه الرسالة على هذه الصورة، فالفضل والمنّة له أولاً وآخراً، و ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١)، ﴿الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٢).
بعد هذه الرحلة المباركة – إن شاء اللَّه تعالى – التي طُفت من خلالها بمفهوم الحكمة الصحيح في الدعوة إلى اللَّه – تعالى – وأنواعها، ودرجاتها، وأركانها التي تقوم عليها، ومعاول هدمها، وطرق ومسالك اكتسابها، ومواقف الحكمة في الدعوة إلى اللَّه – تعالى – التي أعزّ اللَّه بها الإسلام وأهله، وأذلّ بها الكفر والعصيان والنّفاق وأعوانها، وحكمة القول مع أصناف المدعوين على اختلاف عقائدهم وعقولهم وإدراكاتهم ومنازلهم، وحكمة القوة الفعلية مع المدعوين: الكفار، ثم عصاة المسلمين، أقول:
هذا ما منّ اللَّه به، ثم ما وسعه الجهد، وسمح به الوقت، وتوصّل إليه الفهم المتواضع، فإن يكن صواباً فمن اللَّه، وإن يكن فيه خطأ أو
стр. 61
نقص فتلك سنة اللَّه في بني الإنسان، فالكمال للَّه وحده، والنقص والقصور واختلاف وجهات النظر من صفات الجنس البشري، ولا أدعي الكمال، وحسبي أني قد حاولت التسديد والمقاربة، وبذلت الجهد ما استطعت بتوفيق اللَّه – تعالى – وأسأل اللَّه أن ينفعني بذلك، وينفع به جميع المسلمين؛ فإنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
أما أهم النتائج التي أعانني اللَّه ويسّر لي التوصل إليها في هذا البحث فمنها ما يلي:
١ - إن الحكمة في الدعوة إلى اللَّه لا تقتصر على الكلام اللين والتّرغيب والرفق والحلم والعفو والصَّفح، بل تشمل جميع الأمور التي عُملت بإتقان وإحكام، وذلك بأن تنزل في منازلها اللائقة بها، فيوضع القول الحكيم والتعليم والتربية في مواضعها، والموعظة في موضعها، والمجادلة بالتي هي أحسن في موضعها، ومجادلة الظالم المعاند، والمستكبر في موضعها، والزَّجر والغلظة والقوة في مواضعها، وكل ذلك بإحكام وإتقان، ومراعاة لأحوال المدعوين، والواقع والأزمان والأماكن، في مختلف العصور والبلدان، مع إحسان القصد والرغبة فيما عند الكريم المنان.
٢ - إنّ الدّاعية الحكيم هو الذي يدرس ويعرف أحوال المدعوين: الاعتقادية، والنفسية والاقتصادية، والاجتماعية، والعلميّة، ويعرف مراكز الضّلال ومواطن الانحراف، وعاداتهم
стр. 62
ولغتهم ولهجاتهم، والإحاطة بمشكلاتهم، ومستواهم الجدلي، ونزعاتهم الخلقية، والشّبه التي تعلق بأذهانهم، ثم ينزل الناس منازلهم ويدعوهم على قدر عقولهم وأفهامهم، ويُعطِي الدّواء على حسب الداء.
٣ - إن النبي ﷺ هو القدوة الحسنة للدُّعاة الحكماء، فقد كان يُلازم الحكمة في جميع أموره، وخاصة في دعوته إلى اللَّه – – وهذا من فضل اللَّه عليه وعلى أتباعه، فقد أرسل جبريل ففرج صدره ثم غسله بماء زمزم، ثم أفرغ في صدره طستاً من ذهب ممتلئ حكمةً وإيماناً (١)، وأقبل الناس، ودخلوا في دين اللَّه أفواجاً بفضل اللَّه ثم بحكمة هذا النبي الكريم، وما من خلق كريم ولا سلوك حكيم إلا كان له منه أوفر الحظ والنصيب.
٤ - إن أحسن الطرق في دعوة الناس ومخاطبتهم ومجادلتهم طريقة القرآن الكريم، وطريقة النبي ﷺ ، وسوق النص القرآني والحديث النبوي في ألصق الأمور مساساً بها من أعظم الحكم التي من أوتيها فقد أوتي خيراً كثيراً.
٥ - إن الحكمة تجعل الداعي إلى اللَّه يقدر الأمور ويعطيها ما تستحقه، فلا يزهد في الدنيا والناس في حاجة إلى النشاط والجد والعمل، ولا يدعو إلى الانقطاع والانعزال عن الناس، والمسلمون
стр. 63
في حاجة إلى الدفاع عن عقيدتهم وبلادهم وأعراضهم، ولا يبدأ بتعليم الناس البيع والشراء، وهم في مسيس الحاجة إلى تعلم الوضوء والصلاة، فالحكمة تجعل الداعية ينظر ببصيرة المؤمن، فيرى حاجة الناس فيعالجها بحسب ما يقتضيه الحال، وبذلك ينفذ إلى قلوب الناس من أوسع الأبواب، وينشرح له صدورهم، ويرون فيه المنقذ الحريص على سعادتهم ورفاهيتهم وأمنهم.
٦ - إن البصيرة في الدعوة إلى اللَّه هي أعلى درجات الحكمة والعلم، وهذه الخاصية اختص بها النبي ﷺ ، ثم أصحابه، والمخلصين من أتباعه، وهي أعلى درجات العلماء، وحقيقتها الدعوة إلى اللَّه على علم ويقين وبرهان عقلي وشرعي، وترتكز البصيرة في الدعوة إلى اللَّه على ثلاثة أمور:
(أ) أن يكون الداعية على بصيرة، وذلك بأن يكون عالماً بالحكم الشرعي فيما يدعو إليه.
(ب) وأن يكون على بصيرة في حال المدعو حتى يقدم له ما يناسبه.
(ج) وأن يكون على بصيرة في كيفية الدعوة.
٧ - إن العلم النافع المقرون بالعمل الصالح، والحلم والأناة من أعظم الأسس التي تقوم عليها الحكمة في الدعوة إلى اللَّه – تعالى -، ولهذا فقد يكون المرء عالماً أو حليماً، ولا يكون حكيماً حتى يجمع هذه الأسس الثلاثة.
٨ - إن العلم والحلم والأناة لها أسباب تؤدي وتوصل إليها،
стр. 64
وأسباب تعين على التمسك بها، والمحافظة عليها.
٩ - إن العلم لا يكون من دعائم الحكمة إلا باقترانه بالعمل الصالح، وقد كان علم الصحابة مقروناً بالعمل والإخلاص والمتابعة، ولهذا كانت أقوالهم وأفعالهم وسائر تصرفاتهم – في دعوتهم إلى اللَّه وأمورهم – تزخر بالحكمة.
١٠ - إن العجلة وعدم التثبت والتأني والتبصر أو التباطؤ والتقاعس، كل ذلك يؤدي إلى كثير من الأضرار والمفاسد، والداعية أولى الناس بالابتعاد عن ذلك كله، فمقتضى الحكمة أن يعطي كل شيء حقّه، ولا يعجّله عن وقته، ولا يؤخّره عنه، فالأشياء لها مراتب وحقوق تقتضيها، ونهايات تصل إليها ولا تتعداها، ولها أوقات لا تتقدّم عنها ولا تتأخر.
١١ - إن الحلم من أعظم ركائز الحكمة ومبانيها العظام، وقد كان خلقاً من أخلاق النبوة والرسالة، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم عظماء البشر، وقدوة أتباعهم من الدعاة إلى اللَّه، والصالحين في أخلاقهم كافة، وعلى رأسهم محمد ﷺ وأتباعه.
١٢ - إن الأناة عند الداعية تسمح له بأن يحكم أموره، فلا يُقدم على أي عمل إلا بعد النظر والتأمل ووضوح الغاية الحميدة التي سيجنيها، ولا يتعجَّل بالكلام قبل أن يُديره على عقله، ولا بالفتوى قبل أن يعرف دليله وبرهانه الذي اعتمد عليه وبنى عليه فتواه.
فالداعية بحاجة ماسَّة إلى الأناة، لما يحصل بذلك من الفوائد
стр. 65
الكثيرة، والكف عن شرور عظيمة، وهذا يجعل الداعية بإذن اللَّه – تعالى – في سلامة عن الزلل.
١٣ - إنّ الداعية لا يكون حكيماً في أقواله وأفعاله وسائر تصرفاته وأفكاره، وموافقاً للصواب في جميع أموره إلا بتوفيق اللَّه – تعالى – له، ثم بسلوك طرق الحكمة، وذلك بالتزام السلوك الحكيم، والسياسة الحكيمة مع مراعاة التسديد والمقاربة والأساليب الحكيمة، وفقه أركان الدعوة، وأن يكون عاملاً بما يدعو إليه مخلصاً متخذاً في ذلك محمداً ﷺ قدوةً وإماماً.
١٤ - إن الخبرات والتجارب والمران من أعظم ما يُعين الداعية على التزام الحكمة واكتسابها، فهو بتجاربه بالسفر ومعاشرة الجماهير سيكون له الأثر الكبير في نجاح دعوته، وابتعاده عن الوقوع في الخطأ في منهجه ودعوته إلى اللَّه؛ لأنه إذا وقع في خطأ مرة لا يقع فيه أخرى، فيستفيد من تجاربه وخبراته.
١٥ - إن تحري أوقات الفراغ والنشاط والحاجة عند المدعوين وتخولهم بالموعظة والتعليم من أعظم ما يعين الداعية على استجلاب الناس وجذب قلوبهم إلى دعوته.
١٦ - إن المصالح إذا تعارضت أو تعارضت مصلحة ومفسدة، وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدئ بالأهم، فيدفع إحدى المفسدتين أو الضررين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما.
стр. 66
١٧ - إن لتأليف القلوب بالمال والعفو والصفح والرفق واللين والإحسان بالقول أو الفعل أعظم الأثر في نفوس المدعوين.
١٨ - إن من أعظم الأساليب البالغة في منتهى الحكمة عدم مواجهة الداعية أحداً بعينه عندما يريد أن يؤدبه أو يعاتبه أو يزجره مادام يجد في الموعظة العامة كفاية، وذلك إذا كان المدعو المقصود بين جمهور المخاطبين أو يبلغه ذلك، كأن يقول الداعية: ما بال أقوام، أو ما بال أناس، أو ما بال رجال يفعلون كذا، أو يتركون كذا.
١٩ - إن الداعية لا يكون حكيماً في دعوته إلا بفقهه لركائز الدعوة، وذلك: بمعرفة ما يدعو إليه، وما هي الصفات والأخلاق والآداب التي ينبغي أن يلتزم بها الداعية، ومعرفة المدعوين وأصنافهم، والوسائل والأساليب التي تستخدم في نشر الدعوة وتبليغها.
٢٠ - إن الدعوة بالمواقف الحكيمة المشرفة، لها الأثر البالغ في قلوب المدعوين؛ لأنها تدفعهم إلى التفكير والتأمل، ثم تكون نقطة التحول في نظام حياتهم بإذن اللَّه تعالى.
٢١ - إن اطلاع الداعية على مواقف النبي ﷺ الحكيمة في عفوه وصفحه، ورفقه وحلمه وأناته، وشجاعته، وجوده وكرمه، وإصلاحه، من أعظم ما يفيد الداعية في حياته، وخاصة في دعوته إلى اللَّه – تعالى -.
٢٢ - إن للصحابة وأتباعهم ومن سار على نهجهم مواقف
стр. 67
حكيمة في دعوتهم إلى اللَّه – تعالى -، تدل على صدقهم ورغبتهم فيما عند اللَّه تعالى، وتبين مدى جهودهم، وتغذي وتربي من اطلع عليها من الدعاة إلى اللَّه تعالى.
٢٣ - إن من أعظم الحكمة في دعوة الملحدين أن تقدّم لهم الأدلّة الفطريّة على وجود اللَّه – تعالى – وربوبيته، والبراهين العقليّة القطعية بمسالكها التفصيلية، والأدلة الحسية المشاهدة، ثم يختم ذلك بالأدلة الشرعية.
٢٤ - إن من الحكمة في دعوة الوثنيين بالحكمة القولية: أن يقدم لهم الداعية الحجج والبراهين العقلية على إثبات ألوهية اللَّه – تعالى -، وأن الكمال المطلق له من كل الوجوه، وما عبد من دونه ضعيف من كل وجه، وأن التوحيد الخالص دعوة جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام والغلو في الصالحين سبب كفر بني آدم، والشفاعة لا تنفع إلا بإذن اللَّه للشافع ورضاه عن الشافع والمشفوع له، وأن البعث ثابت بالأدلة العقلية والنقلية القطعية، وأن اللَّه الذي سخر جميع ما في هذا الكون الفسيح لعباده، فهو في الحقيقة المستحق للعبادة وحده.
٢٥ - إن دعوة اليهود بالحكمة القولية إلى اللَّه – تعالى – ترتكز على إثبات نسخ الإسلام لجميع الشرائع، وإظهار وإثبات وقوع التحريف في التوراة، واعتراف المنصفين من علمائهم، وإثبات رسالة عيسى ومحمد، عليهما الصلاة والسلام.
стр. 68
٢٦ - إن دعوة النصارى بالحكمة القولية إلى الإسلام تقوم على إبطال عقيدة التثليث، وإثبات وحدانية اللَّه – تعالى -، وتقديم الأدلة العقلية والبراهين القطعية على إثبات بشرية عيسى ﷺ ، وأنه عبد اللَّه ورسوله، ثم تقدم البراهين على إبطال قضية الصلب والقتل، وإثبات وقوع النسخ والتحريف في الأناجيل، وتتويج ذلك بالاعترافات الصادقة من المنصفين من علماء النصارى.
٢٧ - إن من حكمة القول مع أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن تقدم لهم الأدلة والبراهين القطعية على صدق رسالة النبي محمد ﷺ ، وذلك ببيان معجزات القرآن الكريم التي عجز عنها جميع الجن والإنس، ومعجزات النبي ﷺ الحسية المشاهدة، ثم تتويج ذلك بالأدلة القطعية على عموم رسالة الإسلام في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة.
٢٨ - إن من مقتضى العقول السليمة والحكمة السديدة أن لا يخاطب المسلم – في توجيهه وإرشاده وحثه على الالتزام بدينه – كما يخاطب الملحد، أو الوثني، أو الكتابي، أو غيرهم من الكفار.
٢٩ - إن من الدعوة إلى اللَّه بالحكمة أن يبدأ الداعية بالمهم، ثم الذي يليه، وأن يجعل للمدعو من الدروس ما يسهل عليه حفظها وفهمها، والتفكر التام فيها، وأن يعلم العوام ما يحتاجون إليه بألفاظ وعبارات قريبة من أفهامهم تناسب مستواهم مع مراعاة التنويع في الأسلوب والتشويق.
стр. 69
٣٠ - إن مراتب الدعوة بحسب مراتب البشر، فالقابل للحق يدعى بالحكمة، فيبين له الحق بدليله: علماً وعملاً واعتقاداً، فيقبله ويعمل به. وهذا هو القسم الأول من المسلمين، والقابل للحق الذي عنده شهوات تصده عن اتباع الحق يدعى بالموعظة الحسنة المشتملة على الترغيب في الحق والترهيب من الباطل، ويغذى بالحكمة التصويرية: من القصص الحكيم، وضرب الأمثال، ولفت القلوب والأنظار إلى الصور المعنوية وآثارها، والآثار المحسوسة. وهذا هو القسم الثاني من المسلمين وهم العصاة.
والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن.
والظالم الذي عاند وجحد ولم يقبل الحق بل وقف في طريقه، فهذا يدعى بالقوة إن أمكن.
فهذه مراتب الدعوة بحسب مراتب البشر، ويلاحظ أن مرتبة الحكمة ملازمة لجميع المراتب الأخرى، وذلك؛ لأن الحكمة في الحقيقة هي وضع الشيء في موضعه والإصابة في الأفعال والأقوال والاعتقادات إصابة محكمة متقنة.
٣١ - إن استخدام القوة الفعلية في الدعوة إلى اللَّه – تعالى – من أعظم الحكم عند الحاجة إليها، وهي تكون بقوة الكلام، والتأديب، وبالضرب، وبالجهاد في سبيل اللَّه تعالى.
ومفهوم القوة الحكيمة في الدعوة إلى اللَّه تعالى ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: حكمة القوة مع جميع الكفار: من الملحدين،
стр. 70
والوثنيين، وأهل الكتاب، وغيرهم من الكفار، فهؤلاء إذا لم ينفع فيهم جدالهم بالتي هي أحسن، ولم يستفيدوا من حكمة القول: العقلية والحسية، والنقلية، والبراهين والمعجزات، وأعرضوا وكذبوا، فحينئذ يكون آخر الطب الكي: وهو استخدام القوة بالجهاد في سبيل اللَّه - تعالى: بالسيف، والسنان، والحجة، والبيان، وبجميع ما يستطيع المسلمون من قوة، بشرط مراعاة الشروط والضوابط الشرعية، مع الإعداد المعنوي والحسي للجهاد، والعمل بأسباب النصر على الأعداء.
القسم الثاني: حكمة القوة مع عصاة المسلمين، فهؤلاء إذا لم ينفع فيهم الوعظ، والترغيب، والترهيب، والقصص الحكيم، وضرب الأمثال، ولم يؤثر فيهم ما يلقى إليهم من الحكمة التصويرية، ولفت أنظارهم إلى الصور المعنوية والآثار المحسوسة، فحينئذٍ يكون من الحكمة في دعوتهم إلى اللَّه استخدام القوة: بالكلمة القوية مع الفعل الحكيم، وبالتهديد الحكيم والوعيد بالعقوبة، وبالتعزير، والهجر للَّه - تعالى -، وإقامة الحدود الشرعية بالشروط والضوابط التي دل عليها الكتاب والسنة.
أما التوصيات والمقترحات:
١ - فإني أوصي نفسي وإخواني الباحثين والدعاة بتقوى اللَّه - تعالى - فهي وصية اللَّه للأولين والآخرين، ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ
стр. 71
أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ ... ﴾ (١).
٢ - التزام الحكمة في جميع الأمور، وخاصة في الدعوة إلى اللَّه - تعالى - قولاً وفعلاً، وتفكيراً، ومنهجاً، وسلوكاً، صدقاً وإخلاصاً ورغبة فيما عند اللَّه - - وهذا من أعظم العطايا وأجلّ الهبات، ولا يكون ذلك إلا بالتزام أحكام القرآن الكريم والسنة المطهرة الشريفة، والعناية بهما حفظاً وفهماً وعملاً، وتعليماً للناس ودعوة، فهما المنبعان الصّافيان، من أخذ بهما سعد وفاز في الدنيا والآخرة، ومن أعرض عنهما وعن هديهما خاب وخسر وضلّ مسعاه، وتشتَّتَ شمله.
٣ - أقترح عقد دورات تدريبية علمية وميدانية للعاملين في مراكز الدعوة ومراكز هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لرفع مستواهم العلمي وتدريسهم كيفية دعوة الناس بالحكمة.
وأسأل اللَّه بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، أن يجعلني وإياهم وجميع المسلمين من القائلين بالحق وبه يعملون، وأن يُحسن لنا جميعاً النية والقصد والعاقبة، إنه حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم، وصلى اللَّه وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.