وعلى إثر ذلك دخل الحجاج مكة، فبايع أهلها لعبد الملك بن مروان، ثم سار إلى المدينة المنورة فدانت له، وبذلك يكون الحجاج قد أدخل الحجاز في طاعة الدولة الأموية (١).
стр. 247
الفصل الثاني
الحجاج وإمارته على العراق
المبحث الأول: إمارة العراق (١):
اشتعلت الفتن في عهد عثمان بن عفان ﵁ وذلك في العراق وازدادت الاضطرابات والثورات فيه بعد وفاة معاوية بن أبي سفيان
стр. 248
- ﵁، ولكن قتل الحسين، وقوة عبيد الله بن زياد جعلت الهمم الثورية في العراق تصاب ببعض الإحباط والسكينة تجاه الأمويين في دمشق.
وحينما استطاع عبد الملك بن مروان السيطرة على العراق بمقتل ابن الزبير (مصعب)،تمّ إخماد الفتن التي تلت هذا بوجود أخيه بشر بن مروان أميراً على العراق، ووجود كثير من القواد وكبار وجوه العرب من حوله، كما عزّزه بحامية عسكرية شامية كبيرة لحفظ الأمن والنظام، ولإرهاب الأقوام الذين يحاولون زعزعة ركن الدولة، ويبدو أن هذا الاستقرار المزعزع لم يدم طويلاً، إذ عاد الخوارج إلى الثورة من جديد، فهدّدوا أمن الدولة الأموية، وذلك حين توفي بشر بن مروان، ولولا الله، ثم مقارعة القائد الأموي المشهور، المهلَّب بن أبي صُفرة لهم، ومطاولته حروبهم؛ لسيطروا على البصرة، والكوفة، وحوّلوا وجه الحوادث إلى غير ما يريده الأمويون، وأضف إلى ذلك: أن العراق يقطنها أقليات عدة، كلها تتجمّع على كره الأمويين. وربما اجتمع كثير منها على كره المسلمين بصفة عامة، والعرب بصفة خاصة (١).
فبعث عبد الملك بن مروان الوالي تلو الوالي إلى العراق، ولكن العراقيين كلما جاءهم والٍ استخفّوا به، وإذا صعد المنبر رموه بالحصا، وازدادت البلوى بأن فر كثيرٌ من الجند ولحقوا بأهلهم، الأمر الذي جعل حامي العراق من الخوارج المهلّب يغضب، ويكتب إلى عبد الملك أن يبعث إليه بشخصية قوية، تستطيع أن ترغم الجند على الصمود أمام الخوارج، عند ذلك نثر عبد الملك كنانته فيمن يوليه العراق، ويستطيع إخماد الشر الملتهب، ويصارع
стр. 249
كل الأعداء في هذا الجزء المهم من الدولة، فلم يجد إلا أمير المدينة: الحجاج بن يوسف، فكتب إليه بخطه: أما بعد يا حجاج: فقد وليتك العراقين صدقة، فإذا قدمت الكوفة فطأها وطأة يتضاءل منها أهل البصرة، وإياك وهوينا الحجاز؛ فإن القائل هناك يقول ألفاً، ولا يقطع بهن حرفاً، وقد رميت العرض الأقصى، فارمه بنفسك، وأرد ما أردته بك، والسلام.
فلما قرأ الحجاج الكتاب، ترك المدينة إلى العراق، فقدم الكوفة في اثني عشر راكباً على النجائب، فبدأ بالمسجد فدخله، ثم صعد المنبر وهو متلثم بعمامة حمراء، فقال: عَليَّ بالناس، فحسبه أصحابه خارجيّاً فهموا به، حتى إذا اجتمع عليه الناس، قام فكشف الغطاء عن وجهه وقال:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
أما والله إني لأحمل الشر محمله، وأحذوه بنعله، وأجزيه بمثله، إلى آخر الخطبة (١).
وبهذه الخطبة حدّد الحجاج سياسته تجاه أهل العراق، ووضَّح لهم نهجه فأخافهم (٢)(٣).
المبحث الثاني: فتوحات الحجاج:
اختار الحجاج وجهتين لسير العمليات العسكرية:
أ - الوجهة الأولى: وجهة خراسان، وما وراء النهر.
стр. 250
ب - الوجهة الثانية: وجهة مكران، وبلاد السند.
والآن ندرس العمليات بالتفصيل:
أ - خراسان، وما وراء النهر:
وقد عقد الحجاج لواءها للقائد: قتيبة بن مسلم الباهلي، الذي نقله الحجاج من إمارة الري جنوب قزوين، وعيَّنه على خراسان.
ب - مكران وبلاد السند (باكستان) كان عليها محمد بن القاسم الثقفي، فقد اختاره الحجاج رغم صغر سنه التي لا تتجاوز السابعة عشرة. ولم يزل محمد بن القاسم في فتح نصر حتى أكمل بلاد السند، وأتاه نعي الحجاج (١).
المبحث الثالث: صفات الحجاج وإصلاحاته:
أ - من صفات الحجاج:
١ - حفظه للقرآن وفقهه:
قال بعض السلف: كان الحجاج يقرأ القرآن كل ليلة (٢).
٢ - الصدق:
اشتهر الحجاج بالصدق وانعدم لديه الكذب والغدر، فكان حازم الرأي، لا يداجي ولا يماري (٣).
٣ - عقليته وسياسته:
قال الدارقطني: ذكر سليمان بن أبي منيح، عن صالح بن سليمان قال: قال عقبة بن عمرو: ما رأيت عقول الناس إلا قريباً بعضها من
стр. 251
بعض إلا الحجاج، وإياس بن معاوية، فإن عقولهما كانت ترجح على عقول الناس (١).
٤ - قبوله للنصح:
فقد كان الحجاج يقبل النصح، ويأخذ به، ويتقبل الآراء من الآخرين، وخاصة أولئك الناس القادرين على إسداء النصح (٢).
أما إصلاحات الحجاج فمنها:
١ - تعجيم القرآن، وتنقيط الحروف الهجائية.
٢ - تحويل الدواوين من الفارسية إلى العربية.
٣ - بناء القوة العسكرية في الخليج، وبحر الهند.
٤ - إصلاح السفن.
٥ - تنظيم الإصلاح الزراعي.
٦ - العناية الفائقة في الكيان الاقتصادي (٣).
стр. 252
الباب الثالث
الحجاج والأدب العربي
الفصل الأول: الشعر العربي.
المبحث الأول: ما قيل فيه من مدح.
المبحث الثاني: ما قيل فيه من هجاء.
الفصل الثاني: الحجاج والخطابة.
المبحث الأول: الخطب.
المبحث الثاني: الرسائل.
стр. 253
الفصل الأول
الشعر العربي
المبحث الأول: ما قيل فيه من مدح:
قالت ليلى الأخيلية تمدح الحجاج:
أحجاج لا يفل سلاحك إنما الـ ... منايا بكفّ الله حيث براها
أحجاج لا تعطِ العصاة مناهُم ... والله لا يعطي العصاة مناها
إذا هبط الحجاج أرضاً مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العُضال الذي بها ... غلام إذا هزّ القناة سقاها
سقاها فروّاها بشرب سجالة ... دماء الرجال حيث قال خشاها
إذا سمع الحجاج زفَّ كتيبةٍ ... أعدّ لها قبل النزول قِراها
أعدّ لها مسمومة فارسية ... بأيدي رجال يحلبون صداها
فما ولد الأبكار والعون مثله ... ببحر ولا أرض يجف ثراها (١)
وقالت تمدحه أيضاً:
حجاج أنت شهاب الحرب إن لقحت ... وأنتَ للناس نور في الدجى يقدُ (٢)
وقد قال الفرزدق يمدح الحجاج:
أمير المؤمنين وقد بلونا ... أمورك كلها راشداً صواباً
تعلم إنما الحجاج سيفٌ ... تجذبه الجماجم والرقابا
стр. 254
هو السيف الذي نصر ابن أروى ... ويوم الدار أسهلت انسكاباً
عشية يدخلون بغير إذن ... على متوكّل وفّى وطابا
خليل محمد، وإمام حقّ ... ورابع خير من وطئ الترابا
فليس بزايل للحرب منهم ... شهاب يطفئون به شهابا
إلى أن قال:
رأيتك حين تعترك المنايا ... إذا المرعوب للغمرات هابا
وأذلقه النقاق وكاد منه ... وجيب القلب ينتزع الحجابا
فمن يمننْ عليك النصر يكذب ... سوى الله الذي رفع السحابا
ثم قال بعد عدة أبيات:
فعفوك يا ابن يوسف خير عفوٍ ... وأنت أشد منتقم عقاباً
رأيت الناس قد خافوك حتى ... خشوا بيديك أو فرقوا الحسابا (١)
المبحث الثاني: ما قيل فيه من هجاء:
قال الفرزدق يهجوه بعد موته:
وما نصر الحجاج إلا بغيره ... على كل يوم مستحر الملاحم
بقوم أبو العاصي أبوهم توارثوا ... خلافة مهدي وخير الخواتم
ولا رد مذ حطَّ صحيفة ناكثاً ... كلاماً ولا باتت له عين نائم
ولا رجعوا حتى رأوا في شماله ... كتاباً لمغرور لدى النار نادم (٢)
стр. 255
الفصل الثاني
الحجاج والخطابة
المبحث الأول: الخطب:
منها خطبته يوم قتل ابن الزبير:
قال بعد حمد الله والثناء عليه: ((يا أهل مكة، بلغني إكباركم قتل ابن الزبير، ألا وإن ابن الزبير كان من خيار هذه الأمة، حتى رغب في الخلافة، ونازع فيها أهلها، فنزع طاعة الله، واستكنّ بحرم الله، ولو كان شيءٌ مانع العصاة، لمنعت آدم حرمة الجنة، إن الله خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأباح له كرامته، وأسكنه جنّته، فلما أخطأ أخرجه من الجنة بخطيئة، وآدم أكرم على الله من ابن الزبير، والجنة أعظم من حرمة الكعبة، اذكروا الله يذكركم)) (١).
المبحث الثاني: الرسائل:
من رسائل الحجاج:
كان الخليفة في دمشق قد أرسل جيشاً شاميّاً عليه سفيان بن الأبرد الكلبي إلى العراق، للمساعدة في حرب الخوارج، فأرسل لهم الحجاج رسالة يحثّهم فيها على السرعة:
((أما بعد، فإذا حاذيتهم هيت، فدعوا طريق الفرات والأنبار، وخذوا على عين التمر، حتى تقدموا الكوفة، إن شاء الله، وعجّلوا السير، والسلام)) (٢).
стр. 256
الباب الرابع
نقد الحجاج ونهايته
الفصل الأول: نقد الحجاج.
المبحث الأول: آراء العلماء وأهل الحديث فيه.
المبحث الثاني: آراء المؤرخين وأصحاب الشأن.
الفصل الثاني: نهاية الحجاج.
المبحث الأول: موته، ووقته.
المبحث الثاني: آثار وفاته.
стр. 257
الفصل الأول
نقد الحجاج
المبحث الأول: آراء العلماء وأهل الحديث فيه:
قال الإمام الذهبي: الحجاج بن يوسف الثقفي عن أنس، قال أحمد والحاكم: ((أهلٌ ألا يُروَى عنه. وقال النسائي: ليس بثقة ولا مأمون. قال الإمام الذهبي: يحكي عنه ثابت، وحميد، وغيرهما، فلولا ما ارتكبه من العظائم والفتك والشر لمشى حاله)) (١).
وقال ابن حجر: ((حجاج بن يوسف ... (من الثالثة) وقع ذكره وكلامه في الصحيحين، وليس بأهل أن يُروى عنه، ولي أمر العراق ٢٠ سنة، ومات سنة ٩٥هـ)) (٢).
المبحث الثاني: الرُّؤى والأحلام في الحجاج:
حكى عمر بن عبد العزيز: أنه رأى الحجاج بعد موته في المنام، قال: فرأيته على شكل رماد، فقلت له: أحجاج؟ قال: نعم، قلت: ما فعل الله بك؟ قال: قتلني بكل من قتلته مرة مرة، وبسعيد بن جبير سبعين مرة، وأنا أرجو ما يرجوه الموحِّد (٣).
стр. 258
الفصل الثاني
نهاية الحجاج
المبحث الأول: موته، ووقته:
توفي الحجاج سنة ٩٥هـيوم الجمعة، لتسع بقين من رمضان، وقيل: مات في شوال وهو ابن أربع وخمسين سنة، وقيل: ثلاث وخمسين سنة (١).
المبحث الثاني: أثر وفاته:
لما توفي قال خادم الوليد: إني لأوضئ الوليد يوماً للغداة، فمد يده فجعلت أصب عليه الماء وهو ساهٍ، والماء يسيل، فلا يستطيع أن يتكلم، ثم نضح الماء في وجهي وقال: ما تدري ما جاء الليلة؟ فقلت: لا، قال: ويحك مات الحجاج (٢)(٣).
[مواقف الحجاج مع التابعين ومواقفهم معه (٤):
١ - موقفه مع الحسن البصري:
للحسن البصري مواقفه الشجاعة الباسلة في وجه الحجاج، تشهد له بعلوّ كعبه، وسبقه في هذا الأمر، فقد تصدّى لطغيانه، وجهر بين العامة بسوء أفعاله، وصدع في وجهه بكلمة الحق والصدق. ولا
стр. 259
أدلّ على ذلك من موقفه القوي الشجاع حين بنى الحجاج بناءً في واسط - وهي مدينة متوسطة بين البصرة والكوفة -، ونادى الحجاج الناس أن يخرجوا لينظروا إلى روعة البناء، فسارع الحسن البصري وخرج في وسط الجموع الغفيرة وهم يطوفون بهذه البناية، فوقف فيهم خطيباً يعظ الناس ويقلل الدنيا في أعينهم، فقال: لقد نظرنا فيما ابتنى أخبث الأخبثين، فوجدنا أنّ فرعون شيّد أعظم مما شيَّد، وبنى أعلى مما بنى، ثم أهلك الله فرعون، وأتى على ما بنى وشيّد، ليت الحجاج يعلم أنّ أهل السماء قد مقتوه، وأن أهل الأرض قد غرّوه، فلما سمع الحجاج مقالة الحسن البصري امتقع لونه، وخرس لسانه، وغاص في جلده، ولم يتكلّم ببنت شفة، غير أنه اقتصر على قوله:
حسبك يا أبا سعيد. . . حسبك.
فرد عليه الحسن البصري بثبات جنان، ورباطة جأش: لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليبينّنه للناس، ولا يكتمونه.
ولم يملك الحجاج أن يفعل للحسن شيئاً وانصرف، وفي اليوم التالي عاتب جنده وحراسه، ووبّخهم، وعنّفهم قائلاً لهم: تبّاً لكم وسحقاً! يقوم عبد من عبيد أهل البصرة، ويقول فينا ما شاء أن يقول، ثم لا يجد فيكم من يرده أو ينكر عليه، والله لأسقينّكم من دمه يا معشر الجبناء.
واستدعي الحسن لينكّل به الحجاج في وسط حرسه وجنوده، وجاء الحسن، ولما رأى النّطع والسيف والسيّاف دعا ربه أن يكفيه شرّ الحجاج، وأن يجعل نقمته برداً وسلاماً، كما جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم الخليل ﵇، فدخل الحسن على الحجاج،
стр. 260
ولم يعبأ بما رأى، ولم يهزهّ منظر السيف والنّطع والسيّاف، بل كان في عزّة المؤمن، ووقار الداعي إلى الله، فهابه الحجاج، وأقبل عليه يرحب به، ويدنيه من مجلسه، ويوسّع له، هذا ما حدث في وسط دهشة واستغراب الحرس والجنود.
وطفق الحجاج يسأل الحسن عن بعض أمور الدين، والحسن يجيبه عن كل مسألة بثقة العالم الرباني، لا يتتعتع، ولا يهتزّ، حتى انفضّ المجلس، وأحسن الحجاج للحسن، وطيَّبه (١).
٢ - موقفه مع سعيد بن المسيّب:
وهذا الحجاج الحاكم الظالم الغشوم، لا يقف أمامه أحد لظلمه وجبروته، فقد قيل لسعيد بن المسيّب: ما شأن الحجاج لا يبعث إليك، ولا يهيجك، ولا يؤذيك؟! قال سعيد: لا أدري، غير أن صلّى ذات يوم مع أبيه صلاة، فجعل لا يتمّ ركوعها ولا سجودها، فأخذت كفّاً من حصباء، فحصبته بها. قال الحجاج: فما زلت بعد ذلك أحسن الصلاة.
ولما عقد عبد الملك لابنيه الوليد وسليمان بالعهد، وكتب بالبيعة لهما إلى البلدان فبايع الناس إلا سعيد بن المسيّب، فضربه هشام [أمير المدينة وقتذاك] ستين سوطاً، وطاف به في تبان من شعر حتى بلغ به رأس الثنية، فلما كروا به قال سعيد: أين تكرّون بي؟ قالوا: إلى السجن. قال سعيد: والله لولا أنني ظننته الصلب ما لبست هذا التبان أبداً. (أي حتى لا تكشف عورته إذا قتل) فردوه إلى السجن فحبسه. وكتب إلى عبد الملك يخبره بخلافه، فكتب إليه عبد الملك
стр. 261
يلومه فيما صنع بسعيد وقال: سعيد كان والله أحوج أن تصل رحمه من أن تضربه، وإنا لنعلم ما عنده خلاف (١).
٣ - خروج ابن الأشعث على الحجاج:
قدر الله أن تمرّد على الحجاج أحد قوَّاده، وهو عبد الرحمن بن الأشعث، فقد سيّر الحجاج قائده ابن الأشعث بجيش ليغزو رتبيل ملك الترك في بلاده ما وراء سجستان، وكان ابن الأشعث معروفاً بشجاعته، وبسالته، وقوّته، وبالفعل تمّ له - بفضل الله - فتح هذه البلاد والنصر على رتبيل، فأرسل ابن الأشعث خُمس الغنائم إلى الحجاج، ليودعها في بيت مال المسلمين، واستأذنه في التوقف عن القتال ريثما يتبين له أمر تلك البلاد، ويقف على معالمها ومداخلها ومخارجها حتى لا يعرّض جيشه لصعوبات ومواقف حرجة، قد تؤدي به في النهاية إلى الهزيمة والهلَكة، فاستشاط الحجاج غيظاً، واعتبر ذلك منه تمرداً على أوامره، أو خنوعاً، وخوفاً وجبناً، وكتب الحجاج لابن الأشعث كتاباً يهدده، وينذره، ويلوح عليه باللائمة والنقمة، فغضب لذلك ابن الأشعث، وانتهزها فرصة، خاصة وأن الجيش ناقم على الحجاج، غير راض عنه وعن حكومته، ولا عن سياسته. فاستشارهم ابن الأشعث فيما يفعل بعد أن أطلعهم على الكتاب، فصادف ميلاً في قلوبهم، وحانت الفرصة التي يتخلّصون من حكمه، وبطشه، وجبروته، فدعوا ابن الأشعث إلى الخروج عليه، ولما استوثق ابن الأشعث من رغبتهم هذه، أخذ منهم البيعة على ذلك، فبايعه الجند على قتال الحجاج، ودارت بينهما معارك
стр. 262
طاحنة، كان النصر فيها حليفاً لابن الأشعث، فاستولى على سجستان، وأكثر بلاد فارس، مما شجع ابن الأشعث على مواصلة حربه وقتاله، وتخليص الكوفة والبصرة من بطش الحجاج وعتوّه، ولكن مالت كفّة النصر، وأصبحت من نصيب الحاكم الظالم الغشوم الحجاج بن يوسف الثقفي.
وانهزم ابن الأشعث هزيمة منكرة، فر على إثرها لينجو بنفسه، واستسلم الجيش المتمرّد، وأمر الحجاج بتجديد البيعة له، والانطواء تحت عباءته، فاستجاب الكثير، وفرّ البعض، وكان من أمر الذين استجابوا له واستسلموا أن خيّرهم الحجاج بين أمرين: أحلاهما مرّ، وأخفّهما تأباه النفس الأبيّة، وتلفظه الفطرة السويّة، خيّرهم الحجاج بين أن يشهدوا على أنفسهم بالكفر بنقض البيعة لوالي أمير المؤمنين، وبين أن يُقتلوا، فاختار بعضهم القتل على أن يتكلم بكلمة الكفر، وبعضهم استعمل التَّقيَّة، وأخذ بالرخصة، وشهد على نفسه بالكفر كرهاً واضطراراً (١).
٤ - موقفه مع سعيد بن جبير:
ونجَّى الله سعيد بن جبير من هذه الورطة، فكان ممن فرّ واختفى عن أعين الحجاج عشر سنوات، ولكن قدر الله لابدّ نافذ، فعندما تولّى خالد بن عبد الله القسري ولاية مكة من قبل الحجاج، وكان سيّئ السيرة، فخاف أصحاب سعيد على سعيد، فألحّوا عليه بالفرار والخروج من مكة، ولكن سعيداً أبى الخروج، وقال لأصحابه: والله
стр. 263
لقد استحييت من الله مما أفرّ، ولا مفرّ من قدر الله.
وكان والي المدينة من قبل الحجاج عثمان بن حيان بدل عمر بن عبد العزيز، فجعل يبعث من بالمدينة من أصحاب ابن الأشعث من العراق إلى الحجاج في القيود، فتعلّم منه خالد بن عبد الله القسري، فعيّن من عنده من مكة: سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبر، وعمرو بن دينار، وطلق بن حبيب، فبعث خالد بهؤلاء إلى الحجاج، ثم عفا عن عطاء، وعمرو بن دينار؛ لأنهما من أهل مكة، وبعث بأولئك الثلاثة، فأما طلق فمات في الطريق قبل أن يصل، وأما مجاهد فحبس، فمازال في السجن حتى مات الحجاج، وأما سعيد بن جبير ذلك العابد القانت التقي الورع الطاهر، وصل مدينة واسط وهو مقيّد في الأغلال، فأدخلوه على الحجاج، وهو ثابت القلب، هادئ النفس، رابط الجأش، قوي الحِجَاج، فصيح اللسان، لم يتزعزع، ولم يهن، راسخ رسوخ الجبال، ودار بينهما حوار طويل يكشف عن عظمة الرجل، وحسن توكله على ربه، وقوّة إيمانه، وصبره، ويقينه، رجل فريد لم تلن له قناة، ولم يفتّ في عضده تهديد أو وعيد، فأقبل على عدوّه بما يسوؤه وهو في قبضته، والسيف مصلت على رقبته، فلم يعبأ به، وهو يعلم أنه مقتول لا محالة.
وعن الحسن قال: لما أُتي الحجاج بسعيد بن جبير، قال: أنت الشقي ابن كسير؟ قال: بل أنا سعيد بن جبير، قال: بل أنت الشقي ابن كسير، قال: كانت أمي أعرف باسمي منك، قال: ما تقول في محمدٍ؟ قال: تعني النبي ﷺ ، قال: نعم، قال: سيد ولد آدم؛ النبي المصطفى خير من بقي، وخير من مضى، قال: فما تقول في أبي
стр. 264
بكر؟ قال: الصديق؛ خليفة الله، مضى حميداً، وعاش سعيداً، مضى على منهاج نبيه ﷺ لم يغير، ولم يبدل، قال: فما تقول في عمر؟ قال: عمر الفاروق خيرة الله وخيرة رسوله، مضى حميداً على منهاج صاحبيه، لم يغيّر، ولم يبدّل، قال: ما تقول في عثمان؟ قال: المقتول ظلماً، المجهّز جيش العسرة، الحافر بئر رومة، المشتري بيته في الجنة، صهر رسول الله ﷺ على ابنتيه، زوَّجه النبي ﷺ بوحي من السماء، قال: فما تقول في علي؟ قال: ابن عم رسول الله ﷺ ، وأول من أسلم؛ زوج فاطمة، وأبو الحسن والحسين، قال: فما تقول في معاوية؟ قال: أنت أعلم ونفسك، قال: بت بعلمك، قال: إذاً يسوؤك ولا يسرّك، قال: بت بعلمك، قال: اعفني، قال: لا عفا الله عني إن أعفيتك، قال: إني لأعلم أنك مخالف لكتاب الله - تعالى -، ترى من نفسك أموراً تريد بها الهيبة، وهي تقحمك الهلكة، وسترد غداً فتعلم، قال: أما والله لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحداً قبلك، ولا أقتلها أحداً بعدك، قال: إذاً تفسد عليّ دنياي، وأفسد عليك آخرتك، قال: يا غلام، السيف والنطع، قال: فلما ولّى ضحك، قال: أليس قد بلغني أنك لم تضحك؟ قال: وقد كان ذلك، قال: فما أضحكك عند القتل؟ قال: من جرأتك على الله، ومن حلم الله عنك، قال: يا غلام اقتله، فاستقبل القبلة وقال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، فصرف وجهه عن القبلة، قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾، قال: اضرب به الأرض، قال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾، قال: اذبح عدو الله، فما أنزعه لآيات القرآن منذ اليوم.
وقبل أن ينزل السيف على رقبة سعيد دعا ربه قائلاً: اللهم لا
стр. 265
تسلط الحجاج على أحد بعدي.
وسقط رأس سعيد على الأرض، الرأس التي كانت تحوي علوماً كثيرة، وتضم تفسير كلام رب العالمين، سقطت على الأرض، وذكر أهل التاريخ أن رأسه هلّلت ثلاث مرات: لا إله إلا الله، يفصح في الأوليين، ولم يفصح في الثالثة.
ومات سعيد الإنسان والجسد، ولكن لم تمت ذكراه، ولم يمت اسمه وعلمه وفقهه، ومات أيضاً الحجاج بعده بقليل شرّ ميتة، فاشتدّت عليه آلام المرض، وغصص الموت، فكان يهبّ مذعوراً وهو يقول: ما لي ولسعيد بن جبير، ويكرّرها، حتى أهلكه الله، وخلّص العباد والبلاد من شرّه وطغيانه، ورؤي الحجاج في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلني الله بكل امرئ قتلة واحدة وقتلني بسعيد بن جبير سبعين قتلة (١).
٥ - مواقفه مع الشعبي:
يقال إن الحجاج بن يوسف الثقفي قال للشعبي يوماً: كم عطاءك في السنة؟ فقال الشعبي: ألفين. فقال الحجاج: ويحك! كم عطاؤك؟ فقال الشعبي: ألفان. قال الحجاج: كيف لحنت أولاً؟! قال الشعبي: لحن الأمير فلحنت. فلما أعرب أعربت، وما أمكن أن يلحن الأمير وأعرب أنا. فاستحسن ذلك منه وأجازه.
وعن الشعبي قال: لما قدم الحجاج سألني عن أشياء من العلم، فوجدني بها عارفاً، فجعلني عريفاً على قومي الشعبيين، ومنكباً على جميع همدان، وفرض لي، فلم أزل عنده بأحسن منزلة، حتى كان
стр. 266
شأن عبد الرحمن بن الأشعث، فأتاني قُرّاء أهل الكوفة، فقالوا: يا أبا عمرو، إنك زعيم القرّاء، فلم يزالوا حتى خرجت معهم، فقمت بين الصفين أذكر الحجاج، وأعيبه بأشياء، فبلغني أنه قال: ألا تعجبون من هذا الخبيث أما لئن أمكنني الله منه لأجعلن الدنيا عليه أضيق من مَسْكِ جمل. قال: فما لبثنا أن هُزمنا، فجئت إلى بيتي، وأغلقت عليّ، فمكثت تسعة أشهر، فندب الناس لخراسان، فقام قتيبة بن مسلم، فقال: أنا لها، فعقد له على خراسان، فنادى مناديه: من لحق بعسكر قتيبة فهو آمن، فاشترى مولى لي حماراً، وزوّدني، ثم خرجت، فكنت في العسكر، فلم أزل معه حتى أتينا فَرْغانة؛ فجلس ذات يوم وقد برق؛ فنظرت إليه فقلت: أيها الأمير، عندي علم (ما تريد) فقال: ومن أنت؟ قلتُ: أعيذك ألا تسأل عن ذلك، فعرف أني ممن يخفي نفسه؛ فدعا بكتاب فقال: اكتب نسخة. قلت: لا تحتاج إلى ذلك، فجعلت أملي عليه وهو ينظر، حتى فرغ من كتاب الفتح. قال: فحملني على بغلة، وأرسل إلي بسرق من حرير، وكنت عنده في أحسن منزلة، فإني ليلة أتعشى معه، إذا أنا برسول الحجاج بكتاب فيه: إذا نظرت في كتابي هذا، فإن صاحب كتابك عامر الشعبي، فإن فاتك، قطعت يدك على رجلك وعزلتك. قال: فالتفت إليّ، وقال: ما عرفتك قبل الساعة، فاذهب حيث شئت من الأرض، فوالله لأحلفن له بكل يمين؛ فقلت: أيها الأمير، إن مثلي لا يخفى، فقال: أنت أعلم. قال: فبعثني إليه وقال: إذا وصلتم إلى خضراء واسط فقيّدوه، ثم أدخلوه على الحجاج.
فلما دنوت من واسط، استقبلني ابن أبي مسلم، فقال: يا أبا عمرو، إني لأضنُّ بك عن القتل، إذا دخلت على الأمير فقل كذا،
стр. 267
وقل كذا، فلما أُدخلت عليه ورآني قال: لا مرحباً، ولا أهلاً، جئتني ولست في الشرف من قومك، ولا عريفاً ففعلت وفعلت، ثم خرجت عليَّ؟ وأنا ساكت فقال: تكلّم. فقلت: أصلح الله الأمير، كلّ ما قلته حقّ، ولكنّا قد اكتحلنا بعدك السهر، وتحلَّسنا الخوف، ولم نكن مع ذلك بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء، فهذا أوان حقنت لي دمي، واستقبلت بي التوبة. قال: قد فعلت ذلك (١).
٦ - ابن سيرين يذب عن الحجاج ويدفع غيبته:
سمع ابن سيرين رجلاً يسبّ الحجاج، فأقبل عليه فقال له: مهْ أيها الرجل، فإنك لو قد وافيت الآخرة، كان أصغر ذنب عملته قط أعظم عليك من أعظم ذنب عمله الحجاج، واعلم أن الله تعالى حَكَمٌ عَدْلٌ، إن أخذ من الحجاج لمن ظلمه، فسوف يأخذ للحجاج ممن ظلمه، فلا تشغلن نفسك بسب أحد (٢).
٧ - مواقفه مع محمد ابن الحنفية:
عن الحسن بن علي بن محمد ابن الحنفية عن أبيه قال: لما صار محمد بن علي إلى الشعب سنة اثنتين وسبعين، وابن الزبير لم يقتل، والحجاج محاصره، أرسل إليه أن يبايع لعبد الملك، فقال ابن الحنفية: قد عرفت مقامي بمكة، وشخوصي إلى الطائف وإلى الشام، كل هذا إباءً مني أن أبايع ابن الزبير أو عبد الملك، حتى
стр. 268
يجتمع الناس على أحدهما، وأنا رجل ليس عندي خلاف، لما رأيت الناس اختلفوا اعتزلتهم حتى يجتمعوا، فأويت إلى أعظم بلاد الله حرمة، يأمن فيه الطير، فأساء ابن الزبير جواري، فتحولت إلى الشام، فكره عبد الملك قربي، فتحوّلت إلى الحرم، فإن يقتل ابن الزبير، ويجتمع الناس على عبد الملك أبايعك، فأبى الحجاج أن يرضى بذلك منه حتى يبايع لعبد الملك، فأبى ذلك ابن الحنفية، وأبى الحجاج أن يقرّه على ذلك، فلم يزل محمد يدافعه حتى قتل ابن الزبير.
فلما اجتمع الناس على عبد الملك، وبايع ابن عمر، قال ابن عمر لابن الحنفية: ما بقي شيء فبايع، فكتب ابن الحنفية إلى عبد الملك:
بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين من محمد بن علي أما بعد، فإني لما رأيت الأمة قد اختلفت اعتزلتهم، فلما أفضى هذا الأمر إليك، وبايعك الناس كنت كرجل منهم، أدخل في صالح ما دخلوا فيه، فقد بايعتك، وبايعت الحجاج لك، وبعثت إليك ببيعتي، ورأيت الناس قد اجتمعوا عليك، ونحن نحب أن تؤمّننا، وتعطينا ميثاقاً على الوفاء، فإن الغدر لا خير فيه، فإن أبيت فإن أرض الله واسعة.
فلما قرأ عبد الملك الكتاب قال قبيصة بن ذؤيب وروح بن زنباع: ما لك عليه سبيل، ولو أراد فتقاً لقدر عليه، ولقد سلّم وبايع، فنرى أن تكتب إليه بالعهد والميثاق بالأمان له، والعهد لأصحابه. ففعل فكتب إليه عبد الملك: إنك عندنا محمود، أنت أحب وأقرب بنا رحماً من ابن الزبير، فلك العهد والميثاق وذمة رسوله أن لا
стр. 269
تهاج، ولا أحد من أصحابك بشيء تكرهه، ارجع إلى بلدك، واذهب حيث شئت، ولست أدع صلتك وعونك ما حييت، وكتب إلى الحجاج يأمره بحسن جواره وإكرامه، فرجع ابن الحنفية إلى المدينة.
وعن زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: وفدت مع أبان بن عثمان على عبد الملك بن مروان وعنده ابن الحنفية، فدعا عبد الملك بسيف النبي ﷺ ، فأتي به، ودعا بصيقل فنظر إليه فقال: ما رأيت حديدة قط أجود منها. قال عبد الملك: ولا والله ما أرى الناس مثل صاحبها، يا محمد هبْ لي هذا السيف، فقال محمد: أينا رأيت أحقّ به فليأخذه. قال عبد الملك: إن كان لك قرابة، فلكلٍّ قرابة وحق، قال: فأعطاه محمدٌ عبدَ الملك، وقال: يا أمير المؤمنين إن هذا - يعني الحجاج وهو عنده - قد آذاني، واستخفّ بحقي، ولو كانت خمسة دراهم أرسل إليّ فيها، فقال عبد الملك: لا إمرة لك عليه. فلما ولّى محمد، قال عبد الملك للحجاج: أدركه فسُلّ سخيمته. فأدركه فقال: إن أمير المؤمنين أرسلني إليك لأسلّ سخيمتك، ولا مرحباً بشيء ساءك. فقال محمد. ويحك يا حجاج، اتقّ الله، واحذر الله، ما من صباح يصبحه العباد إلا لله في كل عبد من عباده ثلاثمائة وستون لحظة، إن أخذ أخذ بمقدرة، وإن عفا عفا بحلم، فاحذر الله. فقال له الحجاج: لا تسألني شيئاً إلا أعطيتكه، فقال له محمد: وتفعل؟ قال له الحجاج: نعم. قال: فإني أسألك صَرم الدهر. قال فذكر الحجاج ذلك لعبد الملك، فأرسل عبد الملك إلى رأس الجالوت، فذكر له الذي قال محمد، وقال: إن رجلاً منا ذكر حديثاً ما سمعناه إلا منه. وأخبره بقول محمد، فقال رأس الجالوت: ما
стр. 270
خرجت هذه الكلمة إلا من بيت نبوة.
وعن إبراهيم أن الحجاج أراد أن يضع رجله على المقام، فزجره ابن الحنفية ونهاه (١).
٨ - شقيق بن سلمة يدعو على الحجاج ثم يعتذر، ويدفع غيبته:
عن عاصم قال: ما رأيت أبا وائل ملتفتاً في صلاة، ولا في غيرها، ولا سمعته يسب دابة قط، إلا أنه ذكر الحجاج يوماً فقال: اللهم أطعم الحجاج من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع. ثم تداركها، فقال: إن كان ذاك أحبَّ إليك، فقلت: وتستثني في الحجاج؟ فقال: نعدها ذنباً.
وعن الزبرقان قال: كنت عند أبي وائل، فجعلت أسبّ الحجاج وأذكر مساوئه، فقال: لا تسبه، وما يدريك لعله قال: اللهم اغفر لي، فغفر له.
وعن ابن عون قال: ذهب بي رجل إلى أبي وائل فقال: يا أبا وائل أي شيء تشهد على الحجاج؟ قال: أتأمرني أن أحكم على الله؟
وعن عاصم عن أبي وائل قال: أرسل إليّ الحجاج فأتيته فقال: ما اسمك؟ قلت: ما أرسل إليَّ الأمير إلا وقد عرف اسمي. قال: متى هبطت هذا البلد؟ قلت: ليالي هبطه أهله. قال: كأين تقرأ من القرآن؟ قال: قلت: أقرأ منه ما إن اتبعته كفاني، قال: إنا نريد أن نستعملك على بعض عملنا. قال: قلت: على أي عمل الأمير؟ قال: السلسلة. قال: قلت: إن السلسلة لا يُصلحها إلا رجال يقومون عليها، ويعملون عليها، فإن تستعن بي تستعن بشيخ أخرق ضعيف
стр. 271
يخاف أعوان السوء، وإن يعفني الأمير فهو أحبَ إلي، وإن يقحمني الأمير أقتحم، وايم الله، إني لأتعارَ من الليل فأذكر الأمير فما يأتيني النوم حتى أصبح، ولست للأمير على عمل، فكيف إذا كنت للأمير على عمل؟ وايم الله، ما أعلم الناس هابوا أميراً قط هيبتهم إياك أيها الأمير. قال: فأعجبه ما قلت. قال: أعد عليّ، فأعدت عليه فقال: أما قولك: إن يعفني الأمير فهو أحبّ إليَّ، وإن يُقحمني أقتحم، فإنا إن لا نجد غيرك نقحمك، وإن نجد غيرك لا نقحمك، وأما قولك: إن الناس لم يهابوا أميراً قط هيبتهم إياي، فإني والله ما أعلم اليوم رجلاً على ظهر الأرض هو أجرؤ على دم مني، ولقد ركبت أموراً كان هابها الناس، فأخرج لي بها. انطلق يرحمك الله. قال شقيق: فخرجت من عنده وعدلت من الطريق عمداً كأني لا أنظر.
قال الحجاج: أرشدوا الشيخ، أرشدوا الشيخ. حتى جاء إنسان فأخذ بيدي، فأخرجني، فلم أعد إليه بعد (١).
٩ - مواقفه مع سالم بن عبد الله بن عمر:
عن عطاء بن السائب، قال: دفع الحجاج إلى سالم بن عبد الله سيفاً، وأمره بقتل رجل، فقال سالم للرجل: أمسلم أنت؟ قال: نعم، امض لما أمرت به. قال: فصليت اليوم صلاة الصبح؟ قال: نعم، قال: فرجع إلى الحجاج، فرمى إليه السيف، وقال: إنه ذكر أنه مسلم، وأنه قد صلَّى صلاة الصبح، فهو في ذمّة الله، وإن رسول الله ﷺ قال: ((من صلّى
стр. 272
صلاة الصبح فهو في ذمّة الله)) (١). قال الحجاج: لسنا نقتله على صلاة الصبح، ولكنه ممن أعان على قتل عثمان، فقال سالم: هاهنا من هو أولى بعثمان مني، فبلغ ذلك عبد الله بن عمر فقال: ما صنع سالم؟
قالوا: صنع كذا وكذا، فقال ابن عمر: مكيس (٢) مكيس (٣)] (٤).
стр. 273
الخاتمة
نحمد الله أولاً وآخراً، حيث أنعم علينا بنعم [لا تُعدّ ولا تُحصى]، منها إكمال هذا البحث، ويحتوي البحث على سيرة ملخصة من سير الحجاج، فقد ذكرت: أسرته، وحروبه، ومعاملاته، وأدبه إلى غير ذلك من كلام العلماء والمؤرخين فيه، وذكر وفاته، وأثرها على الخليقة.
ومن أهم نتائج البحث: تمييز الصادق من الكاذب، [والمظلوم من الظالم]، وذلك من أخباره، والتعرف على علاقة الحاكم بالمحكوم، والتعرف على بعض العقليات السياسية للحاكم.
ومن أهم التوصيات والاقتراحات: أن يكتب البحاثون في سيرته، [والتحذير من الاقتداء به في الظلم والعدوان، وسفك الدماء بدون حق]، وأوصيهم أن يتجنبوا الكذب من أخبار الرواة عنه، والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 274
الرسالة الخامسة
مواقف لا تنسى
من سيرة والدتي رحمها الله تعالى
١٣٤٥ هـ- ١٤٢٨هـ
تأليف الفقير إلى الله تعالى
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
стр. 275
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً كثيراً، أما بعد:
فهذه كلمات مختصرات من سيرة والدتي الغالية العزيزة الكريمة: نشطا بنت سعيد بن محمد بن جازعة: آل جحيش من آل سليمان، من عبيدة، قحطان، رحمها الله تعالى، ورفع منزلتها، بينت فيها سيرتها الجميلة، ومواقفها الحكيمة التي لا تنسى إن شاء الله تعالى، لعلّ الله أن يشرح صدر من قرأها إلى أن يدعوَ لها، ويستغفر لها، ويترحَّم عليها.
والله تعالى أسأل أن يجعل هذه الكلمات اليسيرات خالصةً لوجهه الكريم، وبِرّاً بوالدتي الغالية، وسبباً للدعاء لها، وأن يغفر لها، ويُعلي درجتها، وأن يجزيها عنِّي خير ما جزى والدة عن ولدها، وأن يجمعنا بها في الفردوس الأعلى مع نبيّنا محمد بن عبد الله ﷺ ، ووالدينا، ومشايخنا، وذرّياتنا، وأزواجنا، وأحبابنا في الله جميعاً، وكل من قرأ هذه الرسالة من المؤمنين الصادقين؛ إنه تعالى على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وإذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، لا إله إلا هو، ولا ربّ سواه، ولا
стр. 276
حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم.
وصلّى الله على عبده، ورسوله، وخليله، وأمينه على وحيه، نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قاله وكتبه ابنها: أبو عبد الرحمن
سعيد بن علي بن وهف القحطاني
حرر بعد ظهر يوم الأحد الموافق ٤/ ٩/ ١٤٢٨هـ
стр. 277
* أولاً: ولادتها: وُلِدَتْ رحمها الله تعالى في ضواحي العرين التابع لأبها، يبعد عن أبها شرقاً ١٢٥ كيلو تقريباً في البادية، وكان والدها من أهل الأغنام الذين يتتبّعون مواقع القطر، وشعف الجبال في هذه البلاد المذكورة، وكان زمن ولادتها على حسب إخبار كبار السن من أقربائها عام ١٣٤٥هـ تقريباً.
* ثانياً: نشأتها: نشأتْ بتوفيق الله تعالى ورعايته، وفضله، وإحسانه على ما نشأ عليه أهل التوحيد، وكانت في مجتمع أمّيّ لا يقرأ، ولا يكتب، إلا أنهم على فطرة التوحيد، فلا يعرفون في الرخاء ولا في الشدة الالتجاء إلاَّ إلى الله وحده، ولا يصرفون شيئاً من العبادات إلا له وحده لا شريك له.
وَتَربَّتْ مع والدها، وكانت ترعى البهم ((صغار الأغنام)) في طفولتها، وكان والدها ﵀ رجلاً صالحاً، كريماً، شجاعاً، من الذاكرين الله كثيراً، وقد عُرف بالإصابة في الرمي، فلا يُخطئ في رميه، سواء كان ذلك في رمي الصيد أو غيره، وقد ثبت عندي أنه: أثناء اصطياده للصيد قيل له: اجعل طلقة البندقية في أسفل قرن الغزال، فرماه فوقعت في المكان الذي حُدِّد له أسفل قرنها.
وقد عُرِفَ عنه إجابة الدعوة في مواقف كثيرة، منها: أن الوالدة نشطا رحمها الله كانت ذات يوم في صغرها تأكل من قطعة لحم قد وضعتها في يدها، فجاءت حدأةٌ فاختطفت قطعة اللحم من يدها، فأغضب ذلك والدها؛ لأن اللحم في ذاك الوقت كان عزيزاً، وربما لا
стр. 278
يأكلون اللحم إلا من عيد الأضحى إلى عيد الأضحى لقلّة ما في اليد، وشدّة الحال عند أهل البادية، فعند ذلك دعا والدها على الحدأة، فقال: ((اللهم إن كان أجلها في السماء فأنزله عليها، وإن كان في الأرض فابعثه إليها))، أو كما قال في دعائه ﵀، وفوراً وقعت الحدأة قريباً من بيت الشَّعْر الذي كانوا يسكنونه في ذلك الوقت، وإذا هي قد قُتلت، ونظروا فإذا الذي قتلها صقر هجم عليها، وضربها ضربة قضت عليها؛ من أجل قطعة اللحم التي كانت معها، استجابةً لدعوةِ والد الطفلة الصغيرة التي أخذت قطعة اللحم من يدها، وكانت أغلى ما تملك، وأحبَّ إليها من الحلوى للأطفال في عصرنا هذا.
* ثالثاً: زواجها ؛ بعد أن أمضت مع والدها خمساً وعشرين سنة في حدود عام ١٣٧٠هـ تقريباً، زوّجها من ابن أخته علي بن وهف بن محمد ﵀، وكانت أمُّه مهرة بنت محمد بن جازعة عمة الوالدة، رحم الله الجميع رحمةً واسعة، وكانت الوالدة هي الزوجة الثانية للوالد ﵀، حيث كان قد تزوج قبلها بنت عمه صالحة بنت دغش بن محمد رحمة الله على الجميع، وختم لزوجة أبي صالحة بخير.
وبقيت الوالدة لم تحمل عند الوالد علي بن وهف لمدة سنتين تقريباً، وكانت ترعى الأغنام عند زوجها: الوالد علي، كما كانت ترعاها عند والدها، فيسرحون بالأغنام من بيوت الشعر إلى الجبال والأودية بعد ارتفاع الشمس، وبعد ما يحلبون الأغنام، ويُرضعون البهم ((صغار
стр. 279
الأغنام))، ثم يعودون قبل غروب الشمس، ويسمّونه الرّواح، فيقولون: راحت الأغنام إذا وصلت البيوت بعد الرعي مساءً، ويقولون: سرحت إذا ذهبت صباحاً.
* رابعاً: بعد سنتين من زواجها تقريباً حملت بابنها الأكبر، وهو بكرها: سعيد، كاتب هذه الأسطر: عفا الله عني، وتجاوز، وغفر، وعن والدتي الغالية، ووالدي العزيز، وعن ذريتهما، وجميع المؤمنين المخلصين.
وكانت ولادتها ببكرها سعيد في شهر الفطر ٢٥/ ١٠/ عام ١٣٧٢ تقريباً، كما أخبرتني الوالدة رحمها الله، وكانت حالة الوضع صعبة جداً، فقد أخبرتني الوالدة رحمها الله أنها سرحت بالأغنام في ذلك اليوم من شهر الفطر من ذلك العام، وكان الوقت صيفاً، وفي حرٍّ شديد، فكانت تُطْلَقُ طلقاً شديداً في الرّمضاء الحارّة الشديدة في منتصف النهار، فدخلت رحمها الله تحت سدرة تستظلّ، ويسمّون السّدْر ((العِلْب))، فوضعت تحت شجرة السدرة وقت الظهر تقريباً، وهي عند الأغنام، وليس معها أحد إلا الله ، وقد جَهَّزَت سكّيناً معها؛ لتقطع السرَّ للمولود، وفعلاً قطعت السرّ، وقد كانت بكراً لا تُحسن القطع للسرِّ رحمها الله، فلم تربط السرّ، بل قطعته، وتركته ينزف دماً، وحملت الطفل الغالي عندها جداً، بعد أن لَفَّته في خرقة، وقامت تسوق الغنم حتى وصلت بيت الشعر قبل غروب الشمس، وعندما رأتها عمّتها أخت أبيها، وهي أمُّ زوجها، مهرة بنت محمد بن جازعة استقبلتها، ودعت لها وبرّكت، وهالها ما
стр. 280
رأت من الدماء المتدفّقة من سرِّ المولود، فما كان من عمّتها مهرة إلا أن ربطت السرّ، فوقفت الدماء، وقد كاد الطفل أن يموت لولا رحمة الله تعالى، وأنه تعالى جعل جدتي مهرة المذكورة سبباً في حياة الطفل، رحمها الله، وقد كانت جدتي مهرة من الذاكرات الله كثيراً، وخاصة في آخر حياتها، ومما سمعته من ذكرها في طفولتي: أنها كانت تستغفر الله كثيراً، وتسبّح، وتهلِّل، وتكبّر، ومن ذلك أنها كانت تقول: ((أستغفر الله ألفاً في ألف، عدد حروف القرآن حرفاً حرفاً، والملائكة تكتب، والله يعفو ... ))، وكنت أسمع دويَّ صوتها بالذكر في غرفتها كدويّ صوت النحل، وكانت إذا شربت لبناً أو حليباً قالت بعد الشرب: ((الحمد لله الذي أخرجه لي من بين فرثٍ ودمٍ))، أو: ((الحمد لله الذي سقاني هذا من بين فرثٍ ودمٍ)).
وقد كانت لا تقرأ ولا تكتب، ولكن دعاءها هذا مقتبس من قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (٢).
وكان مكان حادثة الولادة المذكورة -كما أخبرتني الوالدة رحمها الله، وكما أخبرتني أمي من الرضاعة زوجة أبي صالحة بنت دغش أحسن الله لنا ولها الخاتمة - في جبال السّود شرق وادي العلوبي أسفل العرين، في
стр. 281
ظهر جبال السّود، في شِعبٍ يُقال له شوحطة، وَسَيْلُه يقع في وادي الإسلي، ووادي الإسلي في الجهة الغربية الجنوبية لوادي الأمواه، وسيل الإسلي يقع في وادي العَوَص غرب الأمواه، وسيل وادي العَوَص يقع في تثليث.
واستمرَّت الوالدة مع الوالد، ومع أمي من الرضاعة زوجة أبي صالحة، ومع عمتها أخت أبيها أم زوجها مهرة، يتنقَّلون من شِعبٍ إلى شِعبٍ يتتبعون مواقع القطر، وشعف الجبال بأغنامهم، وكانوا يحملون الماء على الحمير في القِرَب، وربما حملوها على الإبل، لكن الجمال في الغالب يحملون عليها الأثاث وبيوت الشَّعْر، ويركبون عليها، أما الماء فيحملونه على الحمير في الغالب.
ولم تحمل الوالدة بعد ولدها الأول إلا بعد سنتين تقريباً، ثم حملت بالأخ الشقيق حسين أبي عليّ، مؤذّن الجامع الكبير بطريب، ومغسِّل الأموات هناك، أمدَّ الله في عمره على طاعته، ووضعت حملها في أسفل وادي العلوبي، وهو وادٍ في أسفل وادي العرين، يبعد عنه ثلاثين كيلو تقريباً، وسيله يصبُّ في وادي عرقة، وسيل عرقة يصبُّ في وادي تثليث، وقد كان مكان ولادة الأخ حسين شمال شرق وادي العلوبي، في شِعبٍ يقال له كُرَيْشة، وبداية سيل شعب كريشة تبدأ من أعلى جبال السود، ونهايته تصبُّ في وادي عرقة، وهي معروفة الآن بعرقة آل سليمان.
وكان ذلك ليلاً، حين جاء الوالدة الطلقُ، فتركتني في وسط الغنم،
стр. 282
وأمرت راعيةً عندنا أن تُشْغِلَني عنها ((والراعية هي رفعة بنت جبران بن محمد بن جازعة، وهي بنت عم الوالدة، وهي أم زوجتي أم عبد الرحمن))، فوضعت الوالدة في الجبل، وكان من عادة النساء إذا أردن الوضع أن تذهب إحداهن لأعلى الجبل، لتستتر عن الناس، وتبتعد عنهم حتى لا يسمعوا ما يحصل عند الوضع، والله أعلم.
وكان ذلك الزمن يُعرَف بخريف كويع، وهو سيل شديد قلع الأشجار، وأهلك كثيراً من الناس، وحصل به دمار عظيم، ومات فيه خلق كثير، منهم رجل يقال له: كويع، فأرّخوا به هذه الحادثة، وهو عام ١٣٧٥هـ.
ثم لم تحمل الوالدة بعد الأخ حسين مدة ست سنين تقريباً، واستمرّوا على ما هم عليه من رعي الأغنام، والتنقلات من مكان إلى مكان على حسب الأمطار، ومواقع القطر، وشعف الجبال، والأودية، والشعاب.
وفي عام ١٣٨٢هـ وضعت الوالدة الأخ الشقيق الدكتور سعداً أبا عبد العزيز، الأستاذ المشارك بجامعة الملك سعود، أمدَّ الله في عمره على طاعته.
وكنت على علمٍ بما يحدث، وكانت الولادة آنذاك في شعبٍ يقال له قرضة، في حدباء يُقال لها: البيضاء، وشِعب قرضة وحدباء البيضاء بداية سيلهما من جبال السود جنوب شعب شوحطة الذي وُلِدْتُ فيه، فإذا ذهب الذاهب إلى جبال السود من أعلى قرضة، وتجاوز الجبل، وقع في
стр. 283
شعب شوحطة.
وشعب قرضة مع حدباء البيضاء يقع سيلهما في وادي العلوبي الذي سبق ذكره.
وفي يومٍ من الأيام من عام ١٣٨٢هـ وَلَدت أمي رحمها الله الأخ سعداً داخل بيت الشَّعْر، وليس معها أحدٌ إلاّ الله تعالى، وأظن أن الأغنام كانت محيطة بها في ذلك البيت، وأظن أن ذلك كان وقت العصر، ومن شدة التعب الذي حصل لها خرج الطفل أسود، والله المستعان.
ولكن أخبرني الأخ الشقيق حسين أنه كان عند الوالدة في ذلك اليوم، وكان في السابعة من عمره قال: ذهبتَ أنتَ يا أخي سعيد عند الغنم ترعاها في الجبال صباحاً، وبقيتُ أنا عند الوالدة في بيت الشعر، وفي الضحى أخرَجَتْني من البيت، فامتنعتُ، فأخذت ترميني بالحجارة حتى خرجتُ، وحينما كنتُ خارج البيت سمعتُ صوت الطفل يصرخ صُراخاً عظيماً، فجئتُ مسرعاً، وجاء الكلب من خارج البيت ينبح نُباحاً عظيماً لشدة صياح الصبي، وكاد الكلب أن يخطف الطفل من بين يدي الوالدة، فرمتْه رحمها الله بالتراب حتى خرج من البيت، ثم جئتَ أنت يا أخي سعيد بالأغنام وقت العصر.
وقد أخبرتني الوالدة رحمها الله أنها عندما وضعت الأخ سعداً، وسمع الأخ حسين صياح الطفل، ونباح الكلب، ورأى الكلب يقترب وينبح، فزع الأخ حسين فزعاً شديداً، وجاء إليها وقال: يا أمي لا تعطيهِ
стр. 284
الكلب، وذكرت رحمها الله: أنها طلبت من الأخ حسين أن يعطيها السكين؛ لتقطع سرّ الطفل، ففزع وقال: يا أمي، لا تذبحيه، اتركيه معنا! فقالت له: لا، يا ولدي إنما أريد أن أقطع سرّه، فأعطاها السكين، فقطعت سرّه!.
وهذا يدلّ على أن الأخ حسين كان في سنِّ التمييز، ويدلّ على شدّة الحال، وعلى صبر الوالدة رحمها الله تعالى.
واستمرت الوالدة مع الوالد في رعي الأغنام، والانتقال من مكان إلى مكان.
* خامساً: في عام ١٣٨٤ أو ١٣٨٥هـ تقريباً حصل الوالد على قطعة أرض زراعية في وادي الغرس، وهو وادٍ في أعلى وادي العرين، في شعب يقال له البقلة، فحفر هناك بئراً، وغرس نخلاً، وفي هذا الزمن حملت الوالدة بالأخ هادي أبي سعد، أمدَّ الله في عمره على طاعته، ووَضَعَتْه في عام ١٣٨٦هـ تقريباً، وأذكر أن حالة الوضع كانت وهي عند والدها سعيد بن محمد بن جازعة المذكور، وعند والدتها نورة بنت حسن، وكانت جدتي نورة من النساء الصالحات، الذاكرات لله تعالى، رحم الله الجميع.
وبعد إنجاب الأخ هادي استمرت الوالدة مع الوالد في حياة قرويّةٍ جديدة، في قرية البقلة بالغرس، وشاركت الوالدة الوالد علي بن وهف في بناء قصر من الطين، واستمرّت الوالدة تزرع في هذه المزرعة: البر،
стр. 285
والشعير، والذرة، والطماطم، أما أمِّي من الرضاعة زوجة أبي صالحة بنت دغش فبقيت في البادية عند أغنامها وأغنام الوالد أحياناً.
* سادساً: في عام ١٤٠٠هـ انتقلت الوالدة نشطا رحمها الله إلى الرياض معي أنا ولدها: سعيد، وانتقل معها الأخ هادي، وقبله الأخ سعد، وبقي الوالد في مزرعةٍ له أخرى في وادي العلوبي المذكور آنفاً يسكن فيها، ويخدم أمَّه: مهرة بنت محمد بن جازعة، حيث بلغت من الكِبَرِ عتِيّاً، فكان الوالد لا يفارقها أبداً، ولا يسافر مطلقاً، بل رابط عندها عدد سنين، وجعل نفسه لها مقام الخادمة في كل شيء، حتى اشتهر بذلك بين الناس في برِّ أمه، فلا يرون أن أحداً منهم يبلغ منزلته في خدمة أمِّه وبرِّها، وكان يسرُّه أن يخدمها سروراً كثيراً، وآثر خدمتها، ولم يرغب أن يخدمها غيره، لا خادمة ولا غيرها، حتى ماتت في الشهر السادس من عام ١٤٠٦ هـ عن عمر يقارب ١٥٠ مائة وخمسين سنة كما يذكر أخوها جدي لأمي سعيد بن محمد بن جازعة الذي توفي عام ١٤١٩هـ، وهو ممن بايع الملك عبد العزيز ﵀ بعد عام ١٣١٩هـ، فقد ذكر: أنه أصغر من أخته مهرة، وقال: عمرها ١٥٠ سنة تقريباً، وقال: ((بايعت الملك عبد العزيز ﵀ وأنا قد تزوّجت ثم طلّقت، وقد بلغت من العمر خمسين سنة تقريباً))، وقد مات ﵀ عن عمر يقارب مائة وعشرين سنة تقريباً.
وبعد أن ماتت أمُّ الوالد علي ﵀، صار يتنقَّل بين الرياض وبين مزرعته المذكورة، وكان رجلاً صالحاً، من الذاكرين الله تعالى، ومن ذلك أنه كان يستيقظ آخر الليل، ويصلي، ويذكر الله إلى طلوع الفجر، وكان من ذكره قبل الفجر: أنه