المبحث الثاني عشر: ما يباح للمحرم
١ - يجوز للمحرم وغير المحرم أن يقتل الفواسق المؤذية في الحل والحرم ، فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحل والحرم: العقرب، والحدأة، والغراب، والفأرة، والكلب العقور)) (١).
وفي رواية لمسلم: (( ... والحية)) (٢).
٢ - إذا لم يجد المحرم إزاراً جاز له لبس السراويل ، وإذا لم يجد نعلين جاز له لبس الخفين؛ لحديث ابن عباس ﵄ في الصحيحين (٣).
٣ - لا حرج على المحرم في لبس الخِفَاف التي ساقها أسفل من الكعبين ؛ لكونها من جنس النعلين.
٤ - لا حرج على المحرم أن يغتسل للتبرد ، ويغسل رأسه ويحكه برفق وسهولة إذا احتاج إلى ذلك (٤).
٥ - للمحرم أن يغسل ثيابه ، التي أحرم فيها من وسخ ونحوه، ويجوز له إبدالها بغيرها إذا كانت الثياب الثانية مما يجوز للمحرم لبسه.
٦ - لا بأس بوضع النظارة الشمسية أو الطبية على العينين.
٧ - لا بأس بربط الساعة على المعصم أو لبسها في اليد.
стр. 37
٨ - لا بأس بالحجامة إذا احتاج إليها المحرم ؛ لأن النبي ﷺ : ((احتجم وهو محرم)) (١).
٩ - لا بأس بالاستظلال بالمظلة أو الشمسية ، أو بسقف السيارة، وبالخيمة والشجرة ونحو ذلك مما لا يكون ملاصقاً للرأس. فقد صح عنه ﷺ أنه ظُلِّلَ عليه بثوب حين رمى جمرة العقبة ضحىً (٢).
١٠ - لا حرج بعقد الإزار وربطه بخيط ونحوه لعدم الدليل المقتضي للمنع .
١١ - يباح للمرأة من المخيط ما شاءت من الثياب وغيرها من كل ما أباحه الله لها ، إلا أنها لا تلبس النقاب والبرقع ولا القفازين، وإذا احتاجت إلى أن تضع خمارها على وجهها فلا حرج عليها، بل ينبغي لها أن تسدل خمارها على وجهها من على رأسها إذا قابلت الرجال الأجانب (٣)، ولا حرج عليها في لبس الخفين، والشراب، والسراويل كما تقدم.
١٢ - لا حرج في شد ما يحفظ المال على الوسط ولا حرج في استخدامه لربط الإزار كذلك (٤).
١٣ - لا حرج في أن يخيط المحرم الشقوق في إزاره أو ردائه ، أو يرقع ذلك، وإنما الممنوع هو ما فُصِّلَ على هيئة العضو أو البدن (٥).
стр. 38
المبحث الثالث عشر: أركان الحج وواجباته
أولاً: أركان الحج: أربعة على الصحيح وهي:
١ - الإحرام: وهو نية الدخول في النسك، فمن ترك هذه النية لم ينعقد حجه، لقوله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (١).
٢ - الوقوف بعرفة؛ لقوله ﷺ : ((الحج عرفة)) (٢).
٣ - طواف الإفاضة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٣)؛ ولحديث عائشة في قصة صفية ﵄ (٤).
٤ - السعي بين الصفا والمروة؛ لقوله ﷺ : ((اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي)) (٥)؛ ولحديث عائشة ﵂ (٦).
ثانياً: واجبات الحج سبعة على الصحيح ، وهي:
١ - الإحرام من الميقات؛ لقوله ﷺ حينما وقّت المواقيت: ((هن لهن، ولمن أتى عليهن، من غير أهلهن، لمن كان يريد الحج والعمرة)) (٧).
٢ - الوقوف بعرفة، إلى غروب الشمس لمن وقف نهاراً؛ لأن النبي ﷺ
стр. 39
وقف إلى الغروب (١).
٣ - المبيت بمزدلفة؛ لأنه ﷺ بات بها؛ وقال: ((لتأخذ أمتي نسكها؛ فإني لا أدري لعلي لا ألقاهم بعد عامي هذا)) (٢)؛ ولأنه أذن للضعفة بعد منتصف الليل فدل ذلك على أن المبيت بمزدلفة لازم؛ وقد أمر الله بذكره عند المشعر الحرام (٣).
٤ - المبيت بمنى ليالي أيام التشريق؛ لأنه ﷺ بات بها؛ ولأنه أَذِنَ للعبَّاس أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته (٤)، ورخَّص لرعاة الإبل في البيتوتة عن منى (٥).
٥ - رمي الجمرات مرتباً: جمرة العقبة يوم النحر، والجمرات الثلاث أيام التشريق بعد الزوال؛ لأن النبي ﷺ بدأ بجمرة العقبة، ورمى الجمرات الثلاث أيام التشريق بعد الزوال؛ ولأن الله تعالى قال: ﴿وَاذْكُرُواْ الله فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٦)؛ ولحديث جابر ﵁ (٧).
стр. 40
٦ - الحلق أو التقصير؛ لأن النبي ﷺ أمر به فقال: ((وليقصر وليحل)) (١)؛ ولأنه ﷺ دعا للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة (٢).
٧ - طواف الوداع؛ لأمره ﷺ بذلك: ((لا ينفرنَّ أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت)) (٣)؛ ولقول ابن عباس ﵄: ((أُمِرَ الناسُ أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفِّفَ عن المرأة الحائض)) (٤).
فمن ترك ركناً لم يتم نسكه إلا به، ومن ترك واجباً جبره بدم، ومن ترك سنة فلا شيء عليه (٥)، ودليل وجوب الدم على تارك الواجب قول ابن عباس ﵄: ((من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً)) (٦).
стр. 41
المبحث الرابع عشر: أركان العمرة وواجباتها
أولاً: أركان العمرة ثلاثة (١)، وهي:
١ - الإحرام وهو نية الدخول فيها؛ لحديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) (٢).
٢ - الطواف.
٣ - السعي؛ قال النبي ﷺ في الطواف والسعي: ((ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة .. )) (٣)، وقال في السعي: ((اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي)) (٤).
ثانياً: واجبات العمرة اثنان:
١ - الإحرام بها من الحل؛ لأمره ﷺ عائشة أن تعتمر من التنعيم (٥)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ في المواقيت (٦).
٢ - الحلق أو التقصير؛ لقوله ﷺ : ((وليقصر وليحل)) (٧)، فمن ترك ركناً لم تتم عمرته إلا به، ومن ترك واجباً جبره بدم، ومن وقع في الجماع قبل التقصير أو الحلق في العمرة فعليه شاة، لفتوى ابن عباس ﵄
стр. 42
وعمرته صحيحة (١).
ومن وقع في الجماع قبل الطواف بالبيت لعمرته فسدت إجماعاً, وإن كان الجماع بعد الطواف وقبل السعي فسدت كذلك عند الجمهور، وعليه في الحالتين المضي في فسادها، والقضاء والهدي (٢).
стр. 43
المبحث الخامس عشر: صفة دخول مكة
إذا وصل المعتمر أو الحاج إلى مكة استحب له ما يأتي:
١ - يُستحبّ له أن يستريح بمكان مناسب حتى يحصل له النشاط والنظافة قبل الطواف (١).
٢ - يُستحبّ له إن تيسر أن يغتسل؛ لأن ابن عمر ﵄ كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح، ويغتسل ويَذْكُرُ ذلك عن النبي ﷺ (٢).
٣ - يُستحبّ له إن تيسر أن يدخل مكة من أعلاها؛ لحديث عائشة ﵂ (٣).
٤ - فإذا وصل إلى المسجد الحرام فالأفضل له أن يقدم رجله اليمنى ويقول: ((أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم)) (٤) [بسم الله والصلاة] (٥)، [والسلام على رسول الله] (٦)، اللهم افتح لي أبواب رحمتك)) (٧)، وإذا خرج من المسجد قال: ((بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم إني أسألك من فضلك)) [اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم] (٨)، وهذا الذكر يُقال
عند الدخول لسائر
стр. 44
المساجد وكذلك دعاء الخروج، وليس خاصاً بالمسجد الحرام ومن لم يفعل هذه السنن الأربع فلا حرج عليه بحمد الله تعالى (١).
٥ - من لم يتيسر له الغسل قبل دخول المسجد فلا بد له من الطهارة للطواف: من الحدث الأصغر والأكبر؛ لحديث عائشة ﵂ (٢).
٦ - تحية المسجد الحرام الطواف لمن أراد الطواف، أما من لم يرد الطواف فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (٣).
٧ - الركوب في الطواف أو السعي لا بأس به لمن كان به عِلَّةٌ كالمريض، لحديث أم سلمة ﵂ (٤).
стр. 45
المبحث السادس عشر: الطواف بالبيت
فإذا وصل المعتمر أو الحاج إلى الكعبة عمل كالآتي:
١ - يقطع التلبية قبل أن يشرع في الطواف إن كان متمتعاً أو معتمراً (١)، ثم يقصد الحجر الأسود ويستقبله ثم يستلمه بيمينه ويقبله إن تيسر ذلك (٢)، ولا يؤذي الناس بالزحام ويقول عند استلامه: ((الله أكبر)) (٣)، ولو قال: ((بسم الله والله أكبر)) (٤) فحسن.
٢ - ثم يأخذ ذات اليمين، ويجعل البيت عن يساره، وإن قال في ابتداء طوافه: ((اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيِّك محمد ﷺ ))، فحسن (٥).
٣ - يرمل الرجل في الثلاثة الأشواط الأُوَل من الحجر الأسود إلى أن يعود إليه (٦)، وذلك في الطواف الأول، سواءً كان متمتعاً، أو معتمراً، أو محرماً بالحج وحده، أو قارناً بين الحج والعمرة، والرمل: هو الإسراع في
стр. 46
المشي مع مقاربة الخُطَى، وهو الخَبَبُ، ويمشي في الأربعة الباقية، يبتدئ كل شوط بالحجر الأسود ويختم به.
٤ - يَضْطَبع الرجل في جميع الطواف الأول دون غيره، والاضطباع أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر (١).
٥ - فإذا وصل وحاذى الركن اليماني استلمه بيمينه (٢)، ولو قال إذا مسحه: ((بسم الله والله أكبر)) فحسن (٣)، ولا يُقبِّله؛ فإن شق عليه مَسْحُهُ تركه ومضى في طوافه، ولا يُشِيرُ إليه، ولا يكبر عند محاذاته؛ لأن ذلك لم يثبت عن النبي ﷺ ويفعل ذلك في كل شوط من طوافه.
٦ - يُستحبّ له أن يقول بين الركنين اليماني والحجر الأسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٤).
٧ - كُلَّمَا مَرَّ بالحجر الأسود استلمه وقبله، وقال: ((الله أكبر))، فإن لم يتيسر استلامه وتقبيله أشار إليه كلما حذاه مرة واحدة بيده اليمنى، وكبر مرة واحدة، ويكثر في طوافه من الذكر والدعاء والاستغفار، ويُسِرُّ بدعائه وقراءته إن قرأ شيئاً من القرآن، ولا يؤذي الطائفين، وليس في
стр. 47
الطواف أدعية محددة، ومن خصص لكل شوط من الطواف أو السعي أدعية خاصة فلا أصل له، ولا يطوف من داخل الحِجْر؛ لأنه من البيت فلا بد أن يكون الطواف من ورائه.
٨ - فإذا كَمَّل سبعة أشواط وفرغ منها سوَّى رداءه فوضعه على كتفيه، وتقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١)، ثم يصلي ركعتين خلف المقام إن تيسر ذلك، ويجعله بينه وبين البيت ولو بَعُدَ عنه، وإن لم يتيسر ذلك لزحام ونحوه صلاهما في أي موضع من المسجد، ولا يؤذي الناس، ولا يصلي في طريقهم، ويُستحبّ له أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية بعد الفاتحة: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ (٢).
٩ - يُستحبّ له أن يذهب إلى زمزم ويشرب منها ويصب على رأسه لفعله ﷺ (٣).
١٠ - يُستحبّ له أن يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه إن تيسر (٤).
стр. 48
المبحث السابع عشر: السعي بين الصفا والمروة
١ - ثم يخرج إلى المسعى ويتجه إلى الصفا، فإذا دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ الله﴾ (١)، أبدأ بما بدأ الله به (٢).
٢ - ثم يرقى على الصفا حتى يرى البيت فيستقبل القبلة فيوحِّد الله ويكبِّره [ويحمده] (٣)، ويقول: (([الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر] (٤) [لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد] [يحيي ويميت] (٥) وهو على كل شيء قدير، لا إلا الله وحده [لا شريك له] (٦) أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)) (٧)، ويرفع يديه بما تيسر من الدعاء (٨)، ويكرِّر هذا الذكر والدعاء ثلاث مرات يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة.
٣ - ثم ينزل من الصفا إلى المروة فيمشي حتى يَصِلَ إلى العلم الأخضر الأول فيسعى الرجل سعياً شديداً إن تيسر له الركض، ولا يؤذي أحداً، فإذا وصل إلى العلم الأخضر الثاني مشى كعادته حتى يصل إلى المروة، فيرقى عليها، ويستقبل القبلة، ويرفع يديه في دعائه، ويقول
стр. 49
ويفعل كما قال وفعل على الصفا.
٤ - ثم ينزل من المروة إلى الصفا فإذا وصل العلم الأول سعى بينه وبين الثاني سعياً شديداً، فإذا جاوز العلم الثاني مشى كعادته إلى أن يصل إلى الصفا، فإذا وصل قال وفعل كما قال وفعل أول مرة، وهكذا على المروة حتى يكمل سبعة أشواط: ذهابه من الصفا إلى المروة شوط، ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط آخر، ويقول في سعيه ما أحب من ذكرٍ ودعاءٍ، ويكثر من ذلك، وإن دعا في السعي في بطن الوادي بين الميلين الأخضرين بقوله: ((رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم)) فلا بأس، لثبوت ذلك عن ابن عمر وعبد الله بن مسعود ﵃ (١).
ويُستحبّ أن يكون متطهراً من الأحداث والأخباث، ولو سعى على غير طهارةٍ أجزأه ذلك، وهكذا المرأة لو حاضت أو نفست بعد الطواف سعت وأجزأها ذلك؛ لأن الطهارة ليست شرطاً في السعي، وإنما هي مستحبة (٢).
٥ - فإذا أتمَّ سبعة أشواط مبتدئاً بالصفا خاتماً بالمروة حلق رأسه إن كان رجلاً معتمراً، أو متمتعاً، وإن كانت امرأة فإنها تقصر من كل قرن قدر أنملة، والأنملة هي: (رأس الأصبع)، وإذا كان وقت الحج قريباً وكانت المدة بين العمرة والحج قصيرة بحيث لا يطول فيها الشعر، فإن الأفضل في حقه التقصير؛ ليحلق بقية رأسه في الحج؛ لأن النبي ﷺ لما قدم هو وأصحابه مكة في رابع ذي الحجة أمر من لم يسق الهدي أن يقصر ويحل (٣)، ولم يأمرهم
стр. 50
بالحلق، ولا بد في التقصير من تعميم الرأس، ولا يكفي تقصير بعضه، كما أن حلق بعض الرأس لا يكفي، والمرأة لا يشرع لها إلا التقصير، ولا تأخذ زيادة على قدر الأنملة.
فإذا فعل المحرم ما ذُكِرَ فقد تمت عمرته، وحلَّ له كل شيء حَرُمَ عليه بالإحرام، إلا أن يكون قارناً أو مفرداً قد ساق الهدي من الحلِّ؛ فإنه يبقى على إحرامه حتى يحلّ من الحجِّ والعمرةِ جميعاً بعد التحلل الأول يوم النحر.
فإذا لم يكن مع القارن أو المفرد هدي فالأفضل في حقه أن يجعلها عمرة ويفعل ما يفعله المتمتع، ويكون بهذا متمتعاً عليه ما على المتمتع؛ لقوله ﷺ في آخر طوافه على المروة: ((لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة)) (١).
وإذا حاضت المرأة أو نفست بعد إحرامها بالعمرة قبل أن تطوف بالبيت ولم تطهر حتى يوم التروية أحرمت بالحج من مكانها الذي هي مقيمة فيه، وتعتبر بذلك قارنة بين الحج والعمرة، وتفعل ما يفعله الحاج غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر وتغتسل؛ لقوله ﷺ لعائشة لمَّا حاضت: ((افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري)) (٢)، فإذا طهرت طافت بالبيت وبين الصفا والمروة طوافاً واحداً، وسعياً واحداً وأجزأها ذلك عن حجها وعمرتها جميعاً (٣).
стр. 51
المبحث الثامن عشر: أعمال الحج اليوم الثامن
١ - إذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة استحب للذين أحلوا بعد العمرة، وهم المتمتعون أن يحرموا بالحج ضُحىً من مساكنهم، وكذلك من أراد الحج من أهل مكة، أما القارن والمفرد الذين لم يحلوا من إحرامهم فهم باقون على إحرامهم الأول.
٢ - يُستحبّ الاغتسال، والتنظف، والتطيب، وأن يفعل ما فعل عند إحرامه من الميقات.
٣ - ينوي الحج بقلبه ويلبي قائلاً: ((لبيك حجاً))، وإن كان خائفاً من عائق يمنعه من إتمام حجه اشترط فقال: ((فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني)) (١).
وإذا كان حاجاً عن غيره نوى بقلبه ثم قال: لبيك حجاً عن فلانٍ، أو عن فلانة، أو عن أم فلان إن كانت أنثى، ثم يستمر في التلبية ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك والملك، لا شريك لك)) (٢).
وإن زاد: ((لبيك إله الحق لبيك)) فحسن؛ لثبوت ذلك عن النبي ﷺ (٣).
٤ - يُستحبّ التوجه إلى منى قبل الزوال والإكثار من التلبية.
стр. 52
٥ - يصلي بمنى الظهر، والعصر، والمغرب, والعشاء، والفجر قصراً بلا جمع إلا المغرب والفجر فلا يقصران؛ لأن النبي ﷺ صلَّى بالناس من أهل مكة وغيرهم قصراً، فلا فرق بين أهل مكة، وغيرهم؛ لأن النبي ﷺ لم يأمرهم بالإتمام، ولو كان واجباً عليهم لبيَّنه لهم (١).
٦ - يُستحبّ للحاج أن يبيت بمنى ليلة عرفة؛ لفعله ﷺ فإذا صلَّى الفجر مكث حتى تطلع الشمس (٢)، فإذا طلعت سار من منى إلى عرفات ملبياً أو مكبراً؛ لقول أنس ﵁: ((كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه ويكبر منا المكبر فلا يُنكر عليه)) (٣)، وقد أقرَّهم النبي ﷺ على ذلك، لكن الأفضل لزوم التلبية؛ لأن النبي ﷺ لازمها.
стр. 53
المبحث التاسع عشر: الوقوف بعرفة
١ - إذا وصل الحاج إلى عرفة استحب له أن ينزل بنمرة إلى الزوال إن تيسر له ذلك؛ لفعله ﷺ (١)، وإن لم يتيسر النزول بها فلا حرج عليه أن ينزل بعرفة.
٢ - إذا زالت الشمس سُنَّ للإمام أو نائبه أن يخطب خطبة يُبيِّنُ فيها ما يُشرع للحاج في هذا اليوم وما بعده، ويأمرهم فيها بتقوى الله وتوحيده، والإخلاص له في كل الأعمال، ويُحذِّرهم من محارمه تعالى، ويُوصيهم فيها بالتمسك بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، والحكم بهما والتحاكم إليهما في كل الأمور، اقتداءً بالنبي ﷺ في ذلك كلِّه، وبعد الخطبة يصلون الظهر والعصر قصراً وجمعاً في وقت الأولى بأذان واحد وإقامتين؛ لفعله ﷺ (٢).
٣ - من لم يُصلِّ مع الإمام صلَّى مع جماعة أخرى إذا زالت الشمس جمعاً وقصراً في وقت الأولى كما تقدم.
٤ - ثم ينزل إلى الموقف بعرفة إن لم يكن بها، وعليه أن يتأكد من حدودها ثم يكون داخلها، والأفضل أن يجعل جبل الرحمة بينه وبين القبلة إن تيسر له ذلك (٣) , فإن لم يتيسر استقبالهما استقبل القبلة، وإن لم يستقبل الجبل؛ لأن النبي ﷺ قال: ((وقفت ههنا وعرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة)) (٤).
стр. 54
٥ - يُستحبّ في هذا الموقف العظيم أن يجتهد الحاج في ذكر الله تعالى، ودعائه، والتضرع إليه، ويرفع يديه حال الدعاء اقتداءً بنبيِّه ﷺ ؛ فإنه وقف بعد الزوال رافعاً يديه مجتهداً في الدعاء، قال أسامة ﵁: ((كنت رديف النبي ﷺ بعرفات فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته فسقط خطامها فتناول الخطام بإحدى يديه وهو رافع يده الأخرى)) (١)، ((ولم يزل واقفاً يدعو حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً)) (٢)، وقد حث أمته على الدعاء ورغب فيه، فقال ﷺ : ((خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)) (٣)، وقال ﷺ : ((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء)) (٤)، فينبغي للحاج أن لا يفوِّت هذه الفرصة العظيمة، فعليه أن يكثر من الذكر، والدعاء، والتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتوبة، والاستغفار إلى أن تغرب الشمس (٥).
ومن الأفضل أن يكون مفطراً اقتداءً بالنبي ﷺ ، فقد أرسلت إليه أم الفضل بقدح لبنٍ وهو واقف على بعيره فشربه (٦).
стр. 55
٦ - فإذا غربت الشمس وتحقق غروبها انصرف الحاج إلى مزدلفة بسكينةٍ، ووقار، وأكثروا من التلبية، وأسرعوا في المتسع؛ لفعل النبي ﷺ ، وقوله: ((أيها الناس السكينةَ السكينةَ)) (١).
٧ - ولا يفوت الوقوف بعرفة إلا بطلوع الفجر من يوم النحر، لحديث عبد الرحمن بن يعمر (٢)، وعروة بن مُضرِّس ﵄ (٣).
٨ - إذا طلع الفجر من يوم النحر ولم يقف الحاج بعرفة فقد فاته الحج، فإن كان قد اشترط في ابتداء إحرامه بقوله: ((فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني)) تحلل من إحرامه ولا شيء عليه، ولكن الأفضل له أن يتحلَّل بعمرة، وإن لم يكن اشترط وفاته الوقوف بعرفة؛ فإنه يتحلَّل بعمرة، فيطوف، ويسعى، ويحلق أو يقصر، وإذا كان معه هدي ذبحه ويحج عاماً قابلاً ويهدي (٤)، كما أفتى بذلك عمر بن الخطاب ﵁، لأبي أيوب الأنصاري، وهبَّار بن الأسود ﵄ (٥).
стр. 56
المبحث العشرون: المبيت بمزدلفة
١ - إذا وصل الحاج مزدلفة صلى بها المغرب ثلاث ركعات، والعشاء ركعتين، جمعاً بأذانٍ واحدٍ وإقامتين من حين وصوله؛ لفعل النبي ﷺ (١)، سواء وصل الحاج إلى مزدلفة في وقت المغرب أو بعد دخول وقت العشاء، لكن إن لم يتمكَّن من وصول مزدلفة قبل نصف الليل، فإنه يصلي ولو قبل الوصول إلى مزدلفة، ولا يجوز أن يؤخر الصلاة إلى بعد نصف الليل، بل يصلِّي في أي مكان كان، ولا يصلي بينهما نافلة (٢).
٢ - يبيت الحاج في هذه الليلة بمزدلفة، ويحرص أن ينام مبكراً؛ ليكون نشيطاً لأداء مناسك الحج يوم النحر.
٣ - يجوز للضعفة من النساء، والصبيان، ونحوهم أن ينزلوا من مزدلفة إلى منى بعد منتصف الليل ومغيب القمر (٣)، لحديث أسماء، وابن عباس، وعائشة ﵃ (٤).
٤ - إذا تبين الفجر الثاني صلى الفجر مبكراً ثم يقف عند المشعر الحرام ويستقبل القبلة ويدعو الله, ويُكبِّره, ويُهلِّله, ويُوحِّده (٥)، ويُكثر من الدعاء ويرفع يديه، ويُستحبّ له أن يستمر على ذلك حتى يُسفر
стр. 57
جداً، وحيثما وقف من مزدلفة أجزأه ذلك؛ لقوله ﷺ : ((وقفت ههنا وجَمْعٌ كلُّها موقف)) (١) وجمع هي مزدلفة.
٥ - إذا أسفر جداً دفع من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس، والسنة أن يلتقط هذا اليوم سبع حصيات مثل حصى الخذف؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر أن يُلتقط له الحصى إلا بعد انصرافه من المشعر الحرام إلى منى؛ لحديث الفضل بن عباس ﵄ (٢)، أما في الأيام الثلاثة فيلتقط من منى كل يوم إحدى وعشرين حصاة يرمي بها الجمار الثلاث بعد الزوال (٣).
٦ - يكثر الحاج من التلبية في سيره إلى منى فإذا وصل إلى محسِّر (٤) استحب له الإسراع قليلاً إن استطاع ذلك بدون أذىً لأحدٍ؛ لفعله ﷺ (٥).
стр. 58
المبحث الحادي والعشرون: أعمال الحج يوم النحر
إذا وصل الحاج إلى منى يوم النحر فالأفضل أن يرتب هذه الأعمال الأربعة:
١ - يقطع التلبية عند جمرة العقبة (١)، ويُستحبّ له أن يجعل منى عن يمينه، والكعبة عن يساره، وجمرة العقبة أمامه، ثم يرميها بسبع حصيات متعاقبات، يرفع يده مع كل حصاة، ويُكبِّر مع كل حصاة (٢)، وجمرة العقبة هي الأخيرة مما يلي مكة.
٢ - إذا فرغ الحاج من رمي جمرة العقبة نحر هديه أو ذبحه، وهو شاة، أو سُبُعُ بدنة، أو سُبُعُ بقرة، وهو واجب على المتمتع والقارن؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٣)، ويُستحبّ أن يقول عند ذبحه أو نحره: ((بسم الله والله أكبر اللهم منك ولك [اللهم تقبل مني])) (٤)، ويسن ذبح الغنم والبقر على جنبها الأيسر موجهة إلى القبلة، ونحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى (٥)، ويُستحبّ أن يأكل من هديه،
стр. 59
ويهدي ويتصدق؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (١)، ويمتد وقت الذبح على الصحيح إلى غروب شمس اليوم الثالث عشر من أيام التشريق (٢)، ويجوز له أن يذبح في منى وهو الأفضل أو في مكة؛ لقوله ﷺ : ((كل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر)) (٣).
٣ - إذا فرغ الحاج من ذبح هديه أو نحره لمن كان له هدي حلق رأسه أو قصره، والحلق أفضل للرجال؛ لأن النبي ﷺ دعا بالرحمة والمغفرة للمحلقين ثلاث مرات وللمقصرين مرة واحدة (٤)، أما المرأة فليس عليها إلا التقصير تأخذ من كل قرن قدر الأنملة أو أقل، وبعد رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير يباح للمحرم كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء، ويُسمَّى هذا التحلل الأول.
فإذا تحلل التحلل الأول: استحب له أن يتطيب؛ لحديث عائشة ﵂ (٥)، ويُستحبّ له أن يتنظَّف ويلبس أحسن ثيابه.
٤ - يتوجَّه الحاج بعد الأعمال السابقة إلى مكة؛ ليطوف بالبيت، ويُسمَّى هذا الطواف: طواف الإفاضة، وطواف الزيارة، وهو ركن من أركان الحج، وهو المراد في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا
стр. 60
نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١)، ويكون طوافه كالطواف الذي ذُكِرَ سابقاً تماماً، لكن ليس فيه رَمَلٌ ولا اضطباع.
ثم يصلي ركعتين خلف المقام، ويُستحبّ أن يشرب من زمزم؛ لفعله ﷺ (٢).
ثم بعد الطواف وصلاة ركعتين يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً؛ لأن سعيه الأول لعمرته، وهذا سعي الحج؛ لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها (٣)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ (٤).
أما القارن والمفرد فليس عليه إلا سعي واحد؛ فإن كان قد سعاه بعد طواف القدوم كفاه ذلك عن السعي بعد طواف الإفاضة، وإلا سعى بعد طواف الإفاضة (٥).
والأعمال التي يحصل بها التحلل الثاني ثلاثة: رمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة مع السعي بعده لمن كان عليه سعي، فإذا فعل هذه الثلاثة حل له كل شيءٍ حرم عليه بالإحرام حتى النساء، ومن فعل اثنين منها حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا
стр. 61
النساء، ويسمى هذا بالتحلل الأول (١).
والأفضل للحاج أن يرتب هذه الأمور الأربعة المتقدمة: رمي جمرة العقبة، ثم النحر أو الذبح، ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف بالبيت والسعي بعده لمن كان عليه سعي.
فإن قدم بعض هذه الأمور على بعض فلا حرج وأجزأه ذلك (٢).
стр. 62
المبحث الثاني والعشرون: أعمال الحج أيام التشريق
١ - يرجع الحاج بعد طواف الإفاضة والسعي ممن عليه سعي إلى منى، فيبيت بها ليلة الحادي عشر، والثاني عشر، وهذا المبيت واجب من واجبات الحج إلا على السقاة والرعاة، ونحوهم فلا يجب عليهم؛ لأن النبي ﷺ رخَّص للرعاة في البيتوتة عن منى (١)، وأَذِنَ للعباس من أجل سقايته (٢)؛ ولهذا كان عمر ﵁ يقول: ((لا يبيتنَّ أحد من الحاج ليالي منى وراء العقبة)) (٣)، ويرمي الجمرات الثلاث في اليومين بعد زوال الشمس، وهذا الرمي واجب من واجبات الحاج.
ولا يجوز الرمي قبل الزوال؛ لأن النبي ﷺ لم يرمِ إلا بعد الزوال, ولو كان ذلك جائزاً لرمى قبل الزوال تيسيراً على أمته؛ ولهذا قال ابن عمر ﵄: ((كُنَّا نتحين (٤) فإذا زالت الشمس رمينا)) (٥)، وكان ابن عمر يقول: ((لا تُرمَى الجمار في الأيام الثلاثة حتى تزول الشمس)) (٦)، ويجب الترتيب في رمي الجمار على النحو الآتي:
أولاً: يبدأ بالجمرة الأولى وهي أبعد الجمرات عن مكة وهي التي تلي مسجد الخيف، فيرميها بسبع حصيات متعاقبات، يرفع يده بالرمي مع
стр. 63
كل حصاة، ويكبر على إثر كل حصاة، ولا بد أن يقع الحصى في الحوض، فإن لم يقع في الحوض لم يجزِ، ثم يتقدم حتى يسهل في مكان لا يصيبه الحصى فيه ولا يؤذي الناس، فيستقبل القبلة ويرفع يديه ويدعو طويلاً.
ثانياً: يرمي الجمرة الوسطى بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة، ثم يأخذ ذات الشمال ويتقدم حتى يسهل ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلاً يدعو ويرفع يديه.
ثالثاً: ثم يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة، ثم ينصرف ولا يقف عندها ولا يدعو (١).
ثم يرمي الجمرات في اليوم الثاني والثالث من أيام التشريق بعد الزوال كما رماها في اليوم الأول تماماً، ويفعل عند الأولى والثانية كما فعل في اليوم الأول من أيام التشريق.
٢ - إذا عجز المتمتع والقارن عن الهدي وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله، وهو مخير في صيام الثلاثة إن شاء صامها قبل يوم النحر، وإن شاء صامها في أيام التشريق الثلاثة؛ لحديث عائشة وابن عمر ﵃ قالا: ((لم يُرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي)) (٢)، والأفضل أن يقدم صيام الأيام الثلاثة عن يوم عرفة؛ ليكون يوم عرفة مفطراً؛ لأن النبي ﷺ وقف يوم عرفة مفطراً (٣).
стр. 64
٣ - من عجز عن الرمي: كالكبير، والمريض، والصغير، والمرأة الحامل ونحوهم، جاز أن يُوكَّل من يرمي عنه؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١)، وهؤلاء لا يستطيعون مزاحمة الناس عند الجمرات، وزمن الرمي يفوت، ولا يشرع قضاؤه فجاز لهم أن يُوكِّلوا بخلاف غيره من المناسك.
أما الأقوياء من الرجال والنساء فلا يجوز لهم التوكيل في الرمي، ويجوز للوكيل أن يرمي عن نفسه ثم عن من وكَّله كل جمرة من الجمار الثلاث في موقف واحد، فيرمي الجمرة الأولى بسبع حصيات عن نفسه، ثم بسبعٍ عن من وكَّله، وهكذا الثانية والثالثة.
وهكذا الصبي يجوز أن يرمي عنه وليُّه على التفصيل السابق (٢).
٤ - الأفضل في رمي الجمار أيام التشريق أن تُرْمَى قبل الغروب، وكذلك جمرة العقبة من رماها قبل غروب يوم النحر فقد رماها في وقت لها، وإن كان الأفضل أن تُرمى ضُحىً لغير الضعفة.
أما الرمي ليلاً فقد أجازه بعض أهل العلم؛ لأن النبي ﷺ وقَّت ابتداء الرمي بعد الزوال في أيام التشريق ولم يوقِّت انتهاءه، وكذلك جمرة العقبة بعد طلوع الشمس يوم النحر للأقوياء، فالأحوط أن يرمي قبل الغروب حتى يخرج من الخلاف، ولكن لو اضطر إلى ذلك ودعت الحاجة إليه فلا
стр. 65
بأس أن يرمي في الليل عن اليوم الذي غابت شمسه إلى آخر الليل (١).
٥ - من غربت عليه الشمس من اليوم الثاني عشر وهو لم يخرج من منى؛ فإنه يلزمه التأخر ويبيت في منى ويرمي الجمار الثلاث في اليوم الثالث عشر بعد الزوال؛ لما ثبت عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: ((من غربت عليه الشمس من أوسط أيام التشريق وهو بمنى فلا ينفرنَّ حتى يرمي الجمار من الغد)) (٢)، لكن لو غربت عليه الشمس بمنى في اليوم الثاني عشر بغير اختياره، مثل أن يكون قد ارتحل وركب، ولكن تأخر بسبب زحام السيارات فلا يلزمه التأخر.
٦ - بعد رمي الجمرات في اليوم الثاني عشر من أيام التشريق بعد الزوال، إن شاء الحاج تعجَّل وطاف طواف الوداع، ثم ذهب إلى بلاده، وإن شاء تأخَّر فبات بمنى ليلة الثالث عشر، ورمى الجمار بعد الزوال في اليوم الثالث عشر وهذا الأفضل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٣)؛ ولأن النبي ﷺ أَذِنَ ورخص للناس بالتعجل ولم يتعجل هو، بل بقي حتى رمى الجمرات
стр. 66
الثلاث بعد الزوال من اليوم الثالث عشر، ثم نزل بالأبطح وصلَّى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء, ثم رقد رقدةً، ثم نهض إلى مكة؛ ليطوف طواف الوداع (١).
والصواب إن شاء الله تعالى أن النزول بالأبطح يوم النفر سنة إن تيسر، ومن لم يفعل فلا حرج ولله الحمد (٢).
стр. 67
المبحث الثالث والعشرون: طواف الوداع
إذا أراد الحاج الخروج من مكة فلا يخرج حتى يطوف طواف الوداع؛ لقوله ﷺ : ((لا ينفرنَّ أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت)) (١)؛ ولقول ابن عباس ﵄: ((أُمِر الناسُ أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفِّفَ عن المرأة الحائض)) (٢)، فالحائض ليس عليها وداع وكذلك النفساء، وفي حديث عائشة ﵂ أن صفية ﵂ حاضت بعد طواف الإفاضة فقال ﷺ : ((فلتنفر إذاً)) (٣).
فيطوف سبعة أشواط بالبيت، ثم يصلي ركعتين خلف مقام إبراهيم عليه وعلى نبيِّنا الصلاة والسلام، ثم يخرج من المسجد الحرام ويقول دعاء الخروج من المسجد كما تقدم، ثم يذهب إلى بلاده.
стр. 68
المبحث الرابع والعشرون: زيارة مسجد رسول الله ﷺ -
١ - تستحب زيارة مسجد النبي ﷺ وهي مشروعة في أيِّ وقت، وفي أيِّ زمان، وليس لها وقت محدد، وليست من أعمال الحج، ولا يجوز شَدُّ الرحال والسفر من أجل زيارة القبر؛ فإن شَدَّ الرحال على وجه التعبد لا يكون لزيارة القبور، وإنما يكون للمساجد الثلاثة، كما قال النّبي ﷺ : ((لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)) (١)، فالبعيد عن المدينة ليس له شد الرحال بقصد زيارة القبر، ولكن يشرع له شد الرحال بقصد زيارة المسجد النبوي الشريف، فإذا وصله زار قبره ﷺ وقبور أصحابه، فدخلت الزيارة لقبره تبعاً لزيارة مسجده ﷺ ؛ لما في زيارة المسجد من الثواب العظيم، قال النّبي ﷺ : ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)) (٢)، وقال ﷺ : ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه)) (٣).
٢ - إذا دخل المسجد النبوي الشريف استحب له أن يُقدِّم رجله اليمنى عند دخوله ويقول: ((أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم. بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله،
стр. 69
اللهم افتح لي أبواب رحمتك)) (١)، كما يقول ذلك عند دخول سائر المساجد.
٣ - يصلي ركعتين تحية المسجد، أو يصلي ما شاء، ويدعو في صلاته بما شاء، والأفضل أن يفعل ذلك في الروضة الشريفة، وهي ما بين منبر النبي ﷺ وحجرته؛ لقوله ﷺ : ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي)) (٢)، أما صلاة الفريضة فينبغي للزائر وغيره أن يحافظ عليها في الصف الأول.
٤ - ثم بعد الصلاة إن أراد زيارة قبر النبي ﷺ وقف أمام قبره: بأدب، ووقار، وخفض صوت، ثم يسلم عليه ﷺ قائلاً: ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم [في العالمين]، إنك حميد مجيد))، أو يقول: ((السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته))؛ لقوله ﷺ : ((ما من أحد يسلم عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد ﵇) (٣)، وإن قال: أشهد أنك رسول الله حقّاً، وأنك قد بلّغت الرسالة، وأدّيت الأمانة، وجاهدت في الله حق جهاده، ونصحت الأمة، فجزاك الله عن أمتك أفضل ما جزى نبياً عن أمته، فلا بأس؛ لأن هذا كله من أوصافه ﷺ .
стр. 70
٥ - ثم يأخذ ذات اليمين قليلاً فيسلم على أبي بكر الصدِّيق ﵁، ويدعو له بما يناسبه، ثم يأخذ ذات اليمين قليلاً أيضاً فيسلم على عمر بن الخطاب، ويترضى عنه، ويدعو له، وكان ابن عمر ﵄ إذا سلَّمَ على الرسول ﷺ وصاحبيه لا يزيد غالباً على قوله: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه ثم ينصرف (١)، ولا يجوز لأحد أن يتقرب إلى الله بمسح الحجرة، أو الطواف بها، ولا يسأل الرسول ﷺ قضاء حاجته، أو شفاء مريضه، ونحو ذلك؛ لأن ذلك كله لا يطلب إلا من الله وحده.
والمرأة لا تزور قبر النبي ﷺ ولا قبر غيره؛ لأنه ﷺ لعن زوَّارات القبور (٢)، لكن تزور المسجد، وتَتَعَبَّد لله فيه رغبةً فيما فيه من مضاعفة الصلاة، وتسلم على النبي ﷺ وهي في مكانها فيبلغ ذلك النبي ﷺ وهي في أي مكان كانت؛ لقوله ﷺ : ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلُّوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) (٣)، وقال ﷺ : ((إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام)) (٤).
стр. 71
٦ - يُستحبّ لزائر المدينة أثناء وجوده بها أن يزور مسجد قباء ويصلي فيه؛ ((لأن النبي ﷺ كان يأتيه راكباً وماشياً ويصلي فيه ركعتين)) (١)، وعن سهل بن حنيف قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تَطَهَّر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاةً كان له كأجر عمرة)) (٢)، وقال أسيد بن ظهير الأنصاري ﵁ يرفعه: ((صلاة في مسجد قباء كعمرة)) (٣).
٧ - ويسن للرجال زيارة قبور البقيع - وهي مقبرة المدينة - وقبور الشهداء، وقبر حمزة ﵃؛ لأن النبي ﷺ كان يزورهم ويدعو لهم؛ ولقوله ﷺ : ((زوروا القبور فإنها تذكركم الموت)) (٤).
ويقول إذا زارهم: ((السلام عليكم أهل الديار، من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون [ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين] نسأل الله لنا ولكم العافية)) (٥).
ولا شك أن المقصود بزيارة القبور هو تذكر الآخرة والإحسان إلى الموتى بالدعاء لهم، وإتباع سنة النبي ﷺ ، وهذه هي الزيارة الشرعية، وأما زيارتهم؛ لقصد الدعاء عند قبورهم، أو سؤالهم قضاء الحاجات، أو
شفاء المرضى، أو سؤال الله بهم، أو بجاههم، ونحو ذلك فهذه زيارة
стр. 72
بدعية منكرة لم يشرعها الله ولا رسوله، ولا فعلها السلف الصالح.
وبعض هذه الأمور المذكورة بدعة وليس بشرك: كدعاء الله عند القبور، وسؤال الله بحق الميت، أو جاهه، ونحو ذلك.
وبعضها بدعة من الشرك الأكبر: كدعاء الموتى، والاستعانة بهم، وسؤالهم النصر، أو المدد.
فَتَنَبَّه، واحذر، واسأل ربك التوفيق، والهداية للحق، فهو سبحانه الموفق، والهادي لا إله غيره ولا رب سواه (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده الأمين، نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.