ولهذا طبَّق الصحابة هذه السياسة، فقد كان عبد الله بن مسعود يُذكِّر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لودِدْتُ أنك ذكرتنا في كل يوم، قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملّكم، وإني أتخوَّلُكم بالموعظة كما كان النبي ﷺ يتخوّلنا بها مخافة السآمة علينا (١).
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((يسّروا ولا تُعسّروا، وبشّروا ولا تُنفِّروا)) (٢).
الطريق الثاني: ترك الأمر الذي لا ضرر فيه ولا إثم ، اتقاءً للفتنة، فقد يجد الداعية قوماً استقر مجتمعهم وعاداتهم على أشياء لا تخالف الشريعة؛ ولكن فعل غيرها أفضل، فإذا علم الداعية أنه سيحصل فتنة إذا دعا إلى ترك هذا الأمر أو فعله فلا حرج ألاَّ يدعو، فقد ترك النبي ﷺ هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم ﷺ اجتناباً لفتنة قومٍ كانوا حديثي عهدٍ بجاهلية، فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: ((يا عائشة، لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فَهُدِمَ، فأدخلت فيه ما أُخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين: باباً
شرقياً، وباباً غربياً، فبلغت به أساس إبراهيم)) (٣).
وفي رواية: ((إن قومك قصرت بهم النفقة))، قلت: فما شأن بابه
стр. 72
مرتفعاً؟ قال: ((فعل ذلك قومك لِيُدخِلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، ولولا أن قومك حديثٌ عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجَدْرَ في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض)) (١).
وهذا يدل الداعية على أن المصالح إذا تعارضت، أو تعارضت مصلحة ومفسدة، وتعذَّر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بُدِئَ بالأهم؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن نقض الكعبة وردَّها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم ﷺ مصلحة، ولكن تعارضه مفسدة أعظم منه، وهو خوف فتنة بعض من أسلم قريباً، وذلك لما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة، فيرون تغييرها عظيماً، فتركها ﷺ لدفع هذه المفسدة (٢).
الطريق الثالث: تأليف القلوب بالمال أحياناً، فالداعية كالطبيب الذي يشخِّص المرض أولاً، ثم يعطي العلاج على حسب نوع المرض، فإذا علم الداعية أن المدعو لم يرسخ الإيمان في قلبه رسوخاً لا تزلزله الفتن، فله أن يعطيه من المال ما يستطيعه، للاحتفاظ بالبقاء على الهداية بالإسلام، وقد شرع الله للمؤلفة قلوبهم نصيباً من الزكاة، وقد كان رسول الله ﷺ يسلك
هذا المسلك، فيؤثر حديثي العهد بالإسلام بجانب من المال، إذا ظهر له أن الإيمان لم يرسخ؛ ولذلك أشار ﷺ بقوله: ((إني لأعطي الرجل وغيره أحبُّ إليَّ منه خشية أن يُكبّ في النار على وجهه)) (٣).
стр. 73
وقد كان يعطي النبي ﷺ أشراف قريش وغيرهم من المؤلفة قلوبهم، لتلافي أحقادهم؛ ولأن الهدايا تجمع القلوب، وتجعل القلوب متهيئة للنظر في صدق الدعوة، وصحة العقيدة، والاستفادة من الآيات البيِّنات، والبراهين الواضحة (١).
وصدق النبي ﷺ حيث قال: ((تهادوا تحابّوا)) (٢).
وللتأليف بالمال أمثلة كثيرة من هديه ﷺ (٣).
الطريق الرابع: التأليف بالجاه من السياسة الحكيمة ؛ ولهذا قال النبي ﷺ للأنصار حينما آثر عليهم غيرهم في العطاء: ((أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول الله ﷺ ؟ فوالله لما تنقلبون به خير ما ينقلبون به))، فقالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا (٤).
وفي رواية: ((لو سلك الناس وادياً أو شِعباً، وسلكت الأنصار وادياً أو شِعباً لسَلكتُ وادي الأنصار أو شِعب الأنصار)) (٥).
стр. 74
فإذا سلك الداعية هذه السياسة وُفِّق للصواب والحكمة - بإذن الله تعالى -.
الطريق الخامس: التأليف بالعفو في موضع الانتقام ، والإحسان في مكان الإساءة، وباللين في موضع المؤاخذة، وبالصبر على الأذى، فكان يقابل الأذى بالصبر الجميل، ويقابل الحمق بالحلم والرفق، ويقابل العجلة والطيش بالأناة والتثبت.
وهذا أعظم ما يجذب المدعوين إلى الإسلام والاستقامة والثبات، وبمثل هذه المعاملة الحسنة جمع النبي ﷺ قلوب أصحابه حوله، فتفانوا في محبته والدفاع عنه، وعن دعوته بمؤازرته ومناصرته.
وقد مدح الله رسوله ﷺ ، وأمره بالعفو والصفح والاستغفار لمن تبعه من المؤمنين بقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١).
وقال : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ
عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢).
الطريق السادس: عدم مواجهة الداعية أحداً بعينه عندما يريد أن يُؤدِّبه أو يزجره مادام يجد في الموعظة العامة كفاية، وهذا من السياسة
стр. 75
البالغة في منتهى الحكمة؛ ولهذا كان النبي ﷺ يسلك هذا الأسلوب الحكيم، ومن ذلك قوله ﷺ : ((ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه، فيتنخَّع أمامه، أيحب أحدكم أن يُستقبل فيتنخّع في وجهه، فإذا تنخّع أحدكم فليتنخّع عن يساره تحت قدمه، فإن لم يجد فليفعل هكذا))، ووصف القاسم فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض (١).
وفقد النبي ﷺ ناساً في بعض الصلوات، فقال: ((والذي نفسي بيده لقد هممتُ أن آمر بحطبٍ فيُحطبَ، ثم آمر بالصلاة فيؤذَّن لها، ثم آمر رجلاً يؤمُّ الناس، ثم أُخالف إلى رجالٍ [يتخلّفون عنها] فأحرق عليهم بيوتهم)) (٢).
وقال ﷺ : ((ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة))،فاشتدّ قوله في ذلك حتى قال: ((لينتهُنَّ عن ذلك أو لتُخطَفنَّ أبصارُهم)) (٣).
وصنع النبي ﷺ شيئاً فرخّص فيه، فتنزَّه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فخطب، فحمد الله، ثم قال: ((ما بال أقوام يتنزَّهون عن شيءٍ أصنعه،
فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدُّهم له خشية)) (٤).
وقال النبي ﷺ : ((ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)) (٥).
стр. 76
وبلغه شرط أهل بريرة ﵂ أن الولاء لهم بعد بيعها، ثم خطب الناس فقال: ((ما بال أناسٍ يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له، وإن شرط مائة مرة، شرط الله أحقُّ وأوثقُ)) (١).
وهذا يدلّ الداعية على أن من الحكمة عدم مواجهة الناس بالعتاب ستراً عليهم، ورفقاً بهم، وتلطُّفاً.
والداعية يستطيع أن يُوجِّه العتاب عن طريق مخاطبة الجمهور إذا كان المدعوّ المقصود بينهم ومن جملتهم، وهذا من أحكم الأساليب (٢).
الطريق السابع: إعطاء الوسائل صورة ما تصل إليه ، كقوله ﷺ : ((من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله)) (٣).
فقد صوَّر النبي ﷺ الدلالة على فعل الخير في صورة الفعل نفسه.
وكقوله ﷺ : ((من جهَّز غازياً فقد غزا)) (٤).
وقال ﷺ : ((إن من الكبائر أن يلعن الرجل والديه))، قيل: يا رسول الله: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: ((يسبُّ أبا الرجل فيسبُّ أباه،
стр. 77
ويسبُّ أمه فيسب أمَّه)) (١).
وهذا أصل في سدّ الذرائع، ويُؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرَّمٍ يحرم عليه ذلك الفعل، وإن لم يقصد إلى ما يحرم (٢)، كما قال تعالى: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٣).
فقد أعطى النبي ﷺ من يسبُّ أبا الغير وأمه صورة من يسب والديه؛ لأنه تسبَّب في سبِّهما.
الطريق الثامن: أن يجيب الداعية على السؤال الخاص بما يتناوله وغيره حتى يكون ما أجاب به قاعدة عامة للسائل وغيره، قال عمرو بن العاص: لما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي ﷺ فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: ((مالك يا عمرو؟)) قال: قلت: أردت أن أشترط، قال: ((تشترط بماذا؟))، قلت: أن يُغفَر لي، قال: ((أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة
تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله ... )) (٤).
فأجاب ﷺ بما يفيد عدم المؤاخذة عن كل من اعتنق الإسلام، وعن كل من هاجر، وعن كل من حج حجًّا مبروراً، وقد كان يكفيه في
стр. 78
الجواب أن يقول: غُفر لك، أو نحوها (١).
وقال ﷺ لمن سأله عن ماء البحر: ((هو الطّهور ماؤه، الحلّ ميتته)) (٢).
فأجاب ﷺ السائل عن الحكم الذي سأل عنه، وزاده حكماً لم يسأل عنه، وهو حلّ ميتة البحر، فعندما عرف ﷺ اشتباه الأمرِ على السائل في ماء البحر أشفق أن يشتبه عليه حكم ميتته، وقد يُبْتَلَى بها راكب البحر، فعقّب الجواب عن سؤاله ببيان حكم الميتة، وذلك من محاسن الفتوى أن يُجاء في الجواب بأكثر مما سُئِلَ عنه تتميماً للفائدة، وإفادة لعلم غير المسؤول عنه، ويتأكد عند ظهور الحاجة إلى حكمٍ كما هنا؛ لأن من توقف في طهورية ماء البحر فهو عن العلم بحل ميتته، مع تقدم تحريم الميتة أشد توقفاً (٣).
الطريق التاسع: ضرب الأمثال ، قال ﷺ : ((المؤمن للمؤمن كالبنيان
يشد بعضه بعضاً، وشبك بين أصابعه)) (٤).
وقد مثل النبي ﷺ المؤمنين في تبادل الرحمة والمودة والعطف بالجسد في روابطه العضوية، إذا مرض عضو مرضت باقي الأعضاء، فقال: ((مثل
стр. 79
المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) (١).
ومثّلهم النبي ﷺ في الحديث الذي قبل هذا في التعاون على البر والتقوى والتكاتف بالبنيان يشدّ بعضهم بعضاً كشدّ البنيان (٢).
ومن المعلوم يقيناً أن الداعية إذا سلك هذه المسالك اكتسب الحكمة بعون الله - تعالى - ووُفِّق لهدي النبي ﷺ في دعوته، وسُدِّد في قوله وفعله بتوفيق الله .
المطلب السادس: فقه أركان الدعوة إلى الله تعالى
لا يكون الداعية حكيماً في دعوته إلى الله - تعالى - إلا بفقه وإتقان ركائز الدعوة وأسسها التي تقوم عليها، حتى يسير في دعوته على بصيرة، ولاشك أن فهم هذه الأركان يدخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ الله وَمَا أَنَاْ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣).
فلابدّ من معرفة الداعية لما يدعو إليه، ومن هو الداعي، وما هي الصفات والآداب التي ينبغي أن تتوافر في الداعية؟ ومن هو المدعو، وما هي الوسائل والأساليب التي تستخدم في نشر الدعوة وتبليغها؟
стр. 80
هذه هي أركان الدعوة: الموضوع، والداعي، والأساليب، والوسائل.
الركن الأول: موضوع الدعوة ((ما يدعو إليه الداعية)):
موضوع الدعوة: هو دين الإسلام ((إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإِسْلاَمُ﴾ (١).
﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢).
وهذا ما فَصَّله حديث جبريل في ذكر أركان الإسلام: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً)). وأركان الإيمان: ((أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)). والإحسان: ((أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) (٣).
ولاشك أن الإسلام اختص بخصائص عظيمة منها:
١ - الإسلام من عند الله تعالى .
٢ - الإسلام شامل لجميع نظم الحياة وسلوك الإنسان ، ومن هذه النظم:
نظام الأخلاق، ونظام المجتمع، والإفتاء، والحسبة، والحكم، والاقتصاد، والجهاد، ونظام الجريمة والعقاب، وذلك كله قائم على الرحمة، والعدل، والإحسان.
٣ - الإسلام عام لجميع البشرية في كل زمان ومكان ، قال الله تعالى:
стр. 81
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (١).
٤ - الإسلام هو من حيث الجزاء: - الثواب والعقاب الذي يصيب مُتَّبِعَهُ أو مخالفه - ذو جزاء أُخرويّ بالإضافة إلى جزائه الدنيوي إلا ما خصّه الدليل.
٥ - والإسلام يحرص على إبلاغ الناس أعلى مستوى ممكن من الكمال الإنساني: وهذه مثالية الإسلام، ولكنه لا يغفل عن طبيعة الإنسان وواقعه، وهذه هي واقعيّة الإسلام.
٦ - الإسلام وسط: في عقائده، وعباداته، وأخلاقه، وأنظمته ، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٢).
كما يلزم الداعية فهم مقاصد الإسلام التي دلّت عليها الشريعة الإسلامية: وهي تحقيق مصالح العباد، ودرء المفاسد والأضرار عنهم في العاجل والآجل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((إن الشريعة الإسلامية
جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها)) (٣).
وبالجملة فإن الشريعة الإسلامية مدارها على ثلاث مصالح:
المصلحة الأولى: درء المفاسد عن ستة أشياء: الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والعرض، والمال.
стр. 82
المصلحة الثانية: جلب المصالح: فقد فتح القرآن الأبواب لجلب المصالح في جميع الميادين وسدّ كل ذريعة تؤدّي إلى الضرر.
المصلحة الثالثة: الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، فالقرآن حلّ جميع المشكلات العالمية التي عجز عنها البشر ولم يترك جانباً من الجوانب التي يحتاجها البشر في الدنيا والآخرة إلا وضع لها القواعد، وهدى إليها بأقوم الطّرق وأعدلها (١).
فالداعية الحكيم هو الذي يدعو إلى ما تقدم من أركان الإسلام، وأصول الإيمان، والإحسان، ويبيّن للناس جميع ما جاء في القرآن والسنة: من العقائد، والعبادات، والمعاملات، والأخلاق، بالتفصيل والشرح والتوضيح (٢).
الركن الثاني: الداعي:
لابُدَّ للداعية من معرفة هذا الأصل بشروطه، وما هي عدّة الداعية وسلاحه، وما هي وظيفته، وأخلاقه، وفهم ذلك من أهمّ المهمات
للداعية، وإليك التفصيل بإيجاز:
١ - وظيفة الداعية:
وظيفة الداعية إلى الله - تعالى - هي وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام، والرسل هم قدوة الدعاة إلى الله، وأعظمهم محمد ﷺ ، قال
стр. 83
تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٢).
وقال سبحانه: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ (٤).
والأمة شريكة لرسولها في وظيفة الدعوة إلى الله، فالآيات التي تأمره بالدعوة إلى الله يدخل فيها المسلمون جميعاً؛ لأن الأصل في خطاب الله تعالى لرسوله ﷺ دخول أمته فيه إلا ما استُثْني، وليس من هذا المستثنى أمر الله تعالى بالدعوة إليه، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله﴾ (٥).
وقد جعل الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أخصِّ أوصاف المؤمنين، كما قال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (٦)، وبهذا يتضح أن المكلَّف بالدعوة إلى الله هو كل مسلم ومسلمة على قدر الطاقة، وعلى قدر العلم، ولا يختصّ العلماء بأصل هذا الواجب؛ لأنه واجب على الجميع كلٌّ بحسبه، وإنما يختص أهل العلم بتبليغ تفاصيل الإسلام،
стр. 84
وأحكامه، ومعانيه الدقيقة، ومسائل الاجتهاد، نظراً لسعة علمهم، ومعرفتهم بالمسائل، والجزئيات، والأصول، والفروع.
ومما يزيد الأمر وضوحاً قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ الله وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١)، فبين سبحانه أن أتباع الرسول ﷺ هم الدعاة إلى الله، وهم أهل البصائر كما كان الرسول ﷺ يدعو إلى الله على بصيرةٍ، وعلمٍ، ويقين (٢).
والدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم ومسلمة كلٌ بحسبه، وهي تؤدَّى على صورتين:
الصورة الأولى: فردية ، يقوم بها المسلم على صفة فردية بحسب طاقته، وقدرته، وعلمه، كما قال النبي ﷺ : ((من رأى منكم منكراً فليغيِّرْه بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) (٣).
الصورة الثانية: بصفة جماعية ، فتكون فرقة متصدية لهذا الشأن، كما
قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤).
٢ - عدّة الداعية وسلاحه:
يحتاج الداعية إلى الله - تعالى - في أداء مهمته ووظيفته إلى عُدَّةٍ
стр. 85
وسلاحٍ قوي، منها:
السلاح الأول: الفهم الدقيق المبني على العلم قبل العمل، والقائم على تدبّر معاني وأحكام القرآن الكريم، وفهم السنة النبوية الشريفة، ويرتكز هذا الفهم على عدة أمور، من أهمها:
الأمر الأول: فهم الداعية العقيدة الإسلامية فهماً صحيحاً متقناً بالأدلة من الكتاب، والسنة، وإجماع علماء أهل السنة والجماعة.
الأمر الثاني: فهم الداعية غايته في الحياة ومركزه بين البشر.
الأمر الثالث: تعلقه بالآخرة ، وتجافيه عن دار الغرور.
السلاح الثاني: الإيمان العميق المثمر: لمحبة الله، وخوفه، ورجائه، واتباع رسوله ﷺ في كل أموره.
السلاح الثالث: اتصال الداعية بالله - تعالى - في جميع أموره ، وتعلقه به، وتوكله عليه، واستغاثته به، وإخلاصه له، والصدق معه في الأقوال والأفعال.
٣ - أخلاق الداعية وصفاته:
يحتاج الداعية إلى الأخلاق الحسنة والصفات الكريمة: وهي أخلاق الإسلام التي بيّنها الله في كتابه، وبيّنها رسوله ﷺ في سنته.
ومن أهمّ هذه الأخلاق والصفات التي ينبغي للداعية أن يلتزمها: الصدق، والإخلاص، والدعوة، إلى الله على بصيرة، والحلم، والرفق، واللين، والصبر، والرحمة، والعفو، والصفح، والتواضع، والوفاء، والإيثار، والشجاعة، والذكاء، والأمانة، والحياء المحمود، والكرم،
стр. 86
والتقوى، والإرادة القوية التي تشمل قوة العزيمة، والهمة العالية، والتفاؤل، والنظام والدقة والمحافظة على الوقت، والاعتزاز بالإسلام، والعمل بما يدعو إليه؛ ليكون قدوةً صالحةً، والزهد، والورع، والاستقامة، وإدراك الداعية لما حوله، والقصد والاعتدال، والشعور بمعيّة الله، والثقة بالله تعالى، والتدرج في الدعوة، والبدء بالأهمّ فالمهمّ كما فعل النبي ﷺ ، وأمر بذلك معاذ بن جبل عندما أرسله إلى اليمن.
كما ينبغي للداعية أن يبتعد عن كل ما يضادّ هذه الأخلاق من الأخلاق القبيحة.
ومن هذه الأمور المهمّة التي ينبغي للداعية أن يعتني بها، معرفة القواعد، والضوابط التي يجب مراعاتها والسير على ضوئها، حتى يكون الداعية مُسدَّداً في دعوته.
ومن ذلك: قول سفيان الثوري (١): ((لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن
المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: رفيق فيما يأمر به رفيق فيما ينهى عنه، عدل فيما يأمر به عدل فيما ينهى عنه، عالم بما يأمر به، عالم بما ينهى عنه)) (٢).
وقال الإمام محمد المقدسي: ((قال بعض السلف: ((لا يأمر بالمعروف إلا رفيق فيما يأمر به رفيق فيما ينهى عنه، حليم فيما يأمر به حليم فيما ينهى عنه، فقيه فيما يأمر به فقيه فيما ينهى عنه)) (٣).
стр. 87
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((فلابد من هذه الثلاثة: العلم، والرفق، والصبر. العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده، وإن كان كل من الثلاثة لابد أن يكون مستصحباً في هذه الأحوال)) (١).
وقال ابن القيم ﵀: ((فإنكار المنكر أربع درجات:
الأولى: أن يزول ويخلفه ضدّه.
الثانية: أن يقلّ وإن لم يزل بجملته.
الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله.
الرابعة: أن يخلفه ما هو شرّ منه.
فالدرجتان الأُولَيان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرَّمة)) (٢).
فإذا طبّق الداعية ما تقدم من الصفات والأخلاق والقواعد
والضوابط كان من أعظم الناس حكمة - بإذن الله تعالى-.
الركن الثالث: المدعو:
ينبغي للداعية أن يعلم أن الدعوة إلى الإسلام عامة لجميع البشر، بل للجن والإنس جميعاً، في كل زمانٍ ومكانٍ إلى قيام الساعة، وليست خاصة بجنسٍ دون جنسٍ، أو طبقةٍ دون طبقةٍ، أو فئةٍ دون فئةٍ، أو زمانٍ دون زمانٍ، أو مكانٍ دون مكان. ومن حقّ المدعو أن يُؤتى ويُدعى، ولا يجلس الداعي في بيته وينتظر مجيء الناس إليه، فقد كان النبي ﷺ يأتي
стр. 88
الناس ويدعوهم، ويخرج إلى القبائل في المواسم، ويذهب إلى مقابلة وملاقاة الوفود ومن يقدم.
ولا يجوز للداعية أن يستصغر شأن أي إنسان أو أن يستهين به؛ لأن من حق كل إنسان أن يُدعى.
وإذا كان من حق المدعو أن يُؤتى ويُدعى ولا يستهان به، ولا يستصغر من شأنه فعليه أن يستجيب.
وينبغي للداعية أن يعلم أن المدعوين أصناف وأقسام:
فمنهم الملحد، ومنهم المشرك الوثني، ومنهم اليهودي، ومنهم النصراني، ومنهم المنافق، ومنهم المسلم الذي يحتاج إلى التربية والتعليم، ومنهم المسلم العاصي، ثم هم أيضاً يختلفون في قدراتهم العقلية، والعلمية، والصحية، ومراكزهم الاجتماعية، فهذا مثقَّفٌ، وهذا أمّيٌ، وهذا رئيسٌ، وهذا مرؤوسٌ، وهذا غنيٌّ، وهذا فقيرٌ، وهذا صحيح،
وهذا مريض، وهذا عربي، وهذا أعجمي ... فينبغي للداعية أن يكون كالطبيب الحاذق الحكيم الذي يشخِّص المرض، ويعرف الداء ويحدّده، ثم يُعطي الدواء المناسب على حسب حال المريض ومرضه، مراعياً في ذلك قوة المريض وضعفه، وتحمّله للعلاج، وقد يحتاج المريض إلى عملية جراحية فيشقّ بطنه، أو يقطع شيئاً من أعضائه من أجل استئصال المرض طلباً لصحة المريض (١).
стр. 89
والداعية ينبغي له أن يبدأ مع المدعوِّين بخطوات مناسبة محسوسة (١)، منها ما يأتي:
١ - يبدأ بنفسه فيصلحها حتى يكون القدوة الصالحة.
٢ - ثم يمضي إلى تكوين بيته وإصلاح أسرته، ليُكوِّن البيت المسلم، واللبنة المؤمنة.
٣ - ثم يتوجّه إلى المجتمع، وينشر دعوة الخير فيه، ويحارب الرذائل والمنكرات بالحكمة، ويشجع الفضائل ومكارم الأخلاق.
٤ - ثم دعوة غير المسلمين إلى منهج الحق وإلى شريعة الإسلام ((حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ)) (٢).
الركن الرابع: أساليب الدعوة ووسائل تبليغها:
الداعية يحتاج إلى فهم أساليب الدعوة ووسائل تبليغها، حتى يكون على قدر من الكفاءة لتبليغ الدعوة إلى الله تعالى بإحكامٍ وإتقانٍ وبصيرةٍ، وذلك على النحو الآتي:
أولاً: أساليب الدعوة:
الأسلوب: الطريق والفن، يقال: هو على أسلوب من أساليب القوم: أي على طريق من طرقهم، ويقال: أخذنا في أساليب من القول: فنون متنوعة (٣).
стр. 90
وأساليب الدعوة: هي العلم الذي يتصل بكيفية مباشرة التبليغ، وإزالة العوائق عنه.
والمصادر الأساسية التي يستمد الداعية ويتعلم أساليب دعوته الحكيمة منها هي: كتاب الله - تعالى -، وسنة رسوله ﷺ ، وسيرة السلف الصالح: من الصحابة الكرام، والتابعين لهم بإحسان من أهل العلم والإيمان.
وتقوم أساليب الدعوة الحكيمة الناجحة المؤثرة على الأساليب الآتية:
١ - تشخيص وتحديد الداء في المدعوين، ومعرفة الدواء: فإن طبيب الأبدان الحاذق الحكيم يشخّص ويعرف الداء أولاً، ثم يصف العلاج حسب الداء. والداعية إلى الله - تعالى - هو طبيب الأرواح والقلوب،
فعليه أن يسلك هذا الأسلوب في معالجة الأرواح، والداء عند الناس قد يكون كفراً، وقد يكون معصية، فعلى الداعية أن يعطي الدواء على حسب الداء؛ فإنّ دواء الكفر الإيمان بالله، وبما جاء عنه وعن رسوله ﷺ ، ودواء المعاصي كبائرها وصغائرها التوبة إلى الله - تعالى -، والإقبال إليه، والإكثار من الطاعات المكفِّرة للسيئات، وهكذا لكل داءٍ دواء.
٢ - إزالة الشبهات التي تمنع المدعوين من رؤية الداء والإحساس به: ولاشك أن الشبهات: هي ما يثير الشك والارتياب في صدق الداعية وحقيقة ما يدعو إليه، فيمنع ذلك من رؤية الحق والاستجابة له، أو
стр. 91
تأخير هذه الاستجابة.
٣ - ترغيب المدعوين وتشويقهم: إلى استعمال الدواء، والاستجابة وقبول الحق، والثبات عليه، وترهيبهم من ترك الدواء بكل ما يخوف ويحذر من عدم الاستجابة، أو عدم الثبات على الحق بعد قبوله.
٤ - تعهد المستجيبين من المدعوين: بالتربية والتعليم، والتوجيه؛ لتحصل لهم المناعة ضد دائهم القديم، ومن أعظم وسائل التربية المؤثرة: الاتصال بكتاب الله - تعالى - تلاوةً، وتدبراً، وفهماً، والاتصال الدائم بالسنة النبوية، وسيرة السلف من الصحابة ﵃، فعلى الداعية أن يعين المستجيبين على هذه الأمور العظيمة.
٥ - تقوم جميع الأساليب: على أسلوب الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، ثم استخدام القوة للمعاندين الظالمين.
ثانياً: وسائل تبليغ الدعوة إلى الله تعالى:
الوسيلة في الأصل: ما يتوصل به إلى الشيء (١)، و وسائل الدعوة هي: ما يستعين به الداعية على تبليغ الدعوة من أشياء وأمور.
ولاشك أن وسائل الدعوة على نوعين:
النوع الأول: وسائل خارجية تتعلق باتخاذ الأسباب لتهيئة المجال المناسب، ومنها على سبيل المثال ما يأتي:
الوسيلة الأولى: الحذر المبني على التوكل على الله - تعالى - مع الأخذ
стр. 92
بالأسباب، ومعلوم أن الحذر أنواع من جهة ما يحذره الداعي المسلم، فهناك: حذره من الوقوع في المعاصي، والحذر من الأهل والولد، والحذر من اتباع الهوى، والحذر من المنافقين والكفار.
الوسيلة الثانية: الاستعانة بعد الله - تعالى - بالغير في تبليغ الدعوة ، فالداعية يحرص على إيصال الدعوة إلى الناس، فيستعين بكل وسيلة مشروعة لتحقيق ما يحرص عليه.
الوسيلة الثالثة: المحافظة على النظام المشروع: كحفظ الداعية تنظيم وقته وعدم إضاعته، وإذا كان الدعاة جماعة فعليهم أن يراعوا قواعد النظام التي أمر بها الإسلام، حتى تثمر جهودهم ولا تضيع؛ فإن القليل من العمل بنظامٍ والدوام عليه خير من الكثير مع الفوضى والانقطاع.
النوع الثاني: وسائل تبليغ الدعوة بصورة مباشرة .
وهذه الوسائل تكون: بالقول، وبالعمل، وبسيرة الداعية التي تجعله قدوة حسنة لغيره فتجذبهم إلى الإسلام، ومن هذه الوسائل ما يأتي:
الوسيلة الأولى: التبليغ بالقول:
وسيلة القول في مجال التبليغ أنواع متعددة، منها: الخطبة، والدرس، والمحاضرة، والندوة، والمناقشة، والجدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والكلمة الوعظية، والدعوة الفردية، والنصيحة الأخوية، والفتوى الشرعية، والكتابة: كالرسالة، والمقال، والكتاب، والكُتيِّب، والنشرة.
стр. 93
والداعية يستعين في تبليغ دعوته بجميع الوسائل المختلفة، المشروعة، المفيدة، وقد تكون بعض الوسائل نافعة في زمن دون زمن، وفي مجتمع دون آخر، والداعية الحكيم هو الذي يختار الوسائل المناسبة لكل عصر ومصر.
ووسيلة التبليغ بالقول تُبلَّغ عن طريق الوسائل الآتية:
١ - اللقاءات العامة: كإقامة المحاضرات، والندوات، والمناقشات، والدروس في المساجد، والجامعات، والمعاهد، والمدارس، والمؤتمرات، وفي المناسبات التي يحضرها الناس بصورة جماعية كبيرة.
٢ - اللقاءات الخاصة: كالدروس الخاصة بطلاب العلم، ولا يمنع حضور غيرهم.
٣ - الدعوة الفردية: بالنصيحة الأخوية، والهدية الرمزية.
٤ - الكتابة: الرسالة، والمقال، والكتاب، والكُتيِّب، والنشرة.
٥ - وسائل الإعلام الحديثة: المسموعة، والمرئية، والمقروءة، والشخصية.
٦ - الوسائل الشخصية كالمسجلات، وشرائط التسجيل، والهاتف ..
فينبغي للداعية الحكيم أن يغتنم استخدام هذه الوسائل ويشغلها بالحق؛ لأنه بذلك يخاطب ملايين البشر في مشارق الأرض ومغاربها، وعن طريقها تصل الدعوة إلى أقطار بعيدة، وتعمّ أماكن كثيرة.
وينبغي أن يكون قول الداعية واضحاً بيِّناً، خالياً من الألفاظ التي تحمل حقاً وباطلاً، وخطأً وصواباً، وأن يستعمل الألفاظ الشرعية المستعملة في القرآن والسنة وعند علماء المسلمين.
كما ينبغي للداعية أن يتأنّى في كلامه حتى يستوعب السامع كلامه
стр. 94
ويفهَمَه، وأن يبتعد عن التفاصح والتعاظل، والتكلف في النطق، ويبتعد عن روح الاستعلاء على المدعو واحتقاره وإظهار فضله عليه، وأن يتلطّف بالقول للمدعوين، ويكون موضع الثقة بين الناس (١).
الوسيلة الثانية: التبليغ بالعمل:
والتبليغ بالعمل هو كل فعل يؤدي إلى إزالة المنكر ونصرة الحق وإظهاره، والأصل في ذلك قول النبي ﷺ : ((من رأى منكم منكراً فليغيّرْه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) (٢)، والتبليغ بالعمل كما يكون بإزالة المنكر يكون بإقامة المعروف: كبناء المساجد، وبناء الجامعات، والمعاهد، والمدارس الإسلامية، وإقامة
المكتبات فيها وتزويدها بالكتب النافعة، وبناء المستشفيات الإسلامية، ودور الرعاية الاجتماعية، وطبع الكتب الإسلامية وتوزيعها، واختيار الرجل الصالح للعمل في هذه المجالات وفي المجالات المهمة، وهذا - كله - في الحقيقة دعوة صامتة إلى الله تعالى.
الوسيلة الثالثة: التبليغ بالسيرة الحسنة:
من وسائل التبليغ المهمّة في تبليغ الدعوة إلى الله، وجذب الناس إلى الإسلام التبليغ بالسيرة الطيّبة للداعي، وأفعاله الحميدة، وصفاته العالية، وأخلاقه الكريمة، والتزامه بالإسلام ظاهراً وباطناً، مما يجعله
стр. 95
قدوةً طيبةً، وأُسوةً حسنةً لغيره؛ لأن التأثير بالأفعال والسلوك أبلغ من التأثير بالكلام وحده.
وأصول السيرة الحسنة التي يكون بها الداعية قدوةً طيبةً لغيره ترجع إلى أصلين عظيمين: حسن الخلق، وموافقة العمل للقول.
- ف حسن الخلق كلمة يندرج تحتها كثير من الصفات: كالتواضع، والوفاء بالعهد، والأمانة، وقوة العزيمة، والشجاعة، والصبر، والشكر، والحلم، والرفق، والتقوى، والحياء، والعفو والصفح، والجود، والكرم، والصدق والعدل، وحفظ اللسان، والرحمة.
- و موافقة القول للعمل هي أن يكون فعل الداعية موافقاً للطريق المستقيم، وسيرته تطبيقاً عملياً لقوله، ولا يخالف ظاهره باطنه، فإن أمر بشيء التزمه، وإن نهى عن شيء كان أول تاركٍ له؛ ليفيد وعظه،
وينفع إرشاده ويُثمر، ويُقتدى به، فإن كان يأمر بالخير ولا يفعله، وينهى عن الشر وهو واقع فيه، فهو بحاله هذه عقبة في سبيل الدعوة إلى الله تعالى (١).
стр. 96
المبحث السادس: إنزال الناس منازلهم ومراتبهم
المطلب الأول: إنزال الناس منازلهم
الداعية الحكيم هو الذي يدرس الواقع، وأحوال الناس، ومعتقداتهم، ويُنزل الناس منازلهم، ثم يدعوهم على قدر عقولهم، وأفهامهم، وطبائعهم، وأخلاقهم، ومستواهم العلمي والاجتماعي، والوسائل التي يؤتون من جهتها؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب ﵁: ((حَدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يُكذَّب الله ورسوله)) (١).
وذُكِرَ عن عائشة ﵂ أنها قالت: ((أمرنا رسول الله ﷺ أن نُنْزِلَ الناس منازلهم)) (٢).
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ((ما أنت بمحدِّثٍ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة)) (٣).
وقد بيّن النبي ﷺ ذلك للدعاة إلى الله ، فقال لمعاذ بن جبل ﵁ حينما بعثه إلى اليمن - داعياً ومعلماً وقاضياً -: ((إنك تأتي قوماً أهل كتاب ... )) الحديث (٤).
فبين ﷺ لمعاذ عقيدة القوم الذين سوف يقدم عليهم حتى يعرف
стр. 97
حالهم، ويستعدّ لهم، ويقدّم لهم ما يناسبهم، وما يُصلح أحوالهم.
وقال النبي ﷺ لعائشة ﵂: ((يا عائشة، لولا قومك حديثٌ عهدهم بكفر لنقضت الكعبة وجعلت لها بابين: باب يدخل الناس، وباب يخرجون)) (١).
فترك ﷺ هذه المصلحة؛ لأمن الوقوع في المفاسد (٢).
فدراسة البيئة والمكان الذي تبلغ فيه الدعوة أمر مهمٌّ جداً؛ فإن الداعية يحتاج في دعوته إلى معرفة أحوال المدعوين: الاعتقادية، والنفسية، والاجتماعية، والاقتصادية، ومعرفة مراكز الضلال ومواطن الانحراف معرفة جيدة، ويحتاج إلى معرفة لغتهم، ولهجتهم، وعاداتهم، والإحاطة بمشكلاتهم ونزعاتهم الخلقية، وثقافتهم، ومستواهم الجدلي، والشُّبه التي انتشرت في مجتمعهم، ومذاهبهم (٣).
والدّاعية الحكيم يكون مدركاً لما حوله، مقدّراً للظروف التي يدعو فيها، مراعياً لحاجات الناس ومشاعرهم، وكل أحوالهم.
والداعية إلى الله - تعالى - لا ينجح في دعوته، ولا يكون موفقاً في
стр. 98
تبلغيه ولا مسدّداً في قوله وفعله حتى يعرف من يدعوهم، وهل هذا المجتمع من المسلمين العُصاة، أو من المسلمين الذين انتشرت فيهم البدع والخرافات؟ هل هذا المجتمع من أهل الكتاب؟ فإذا كانوا منهم، فهل هم من اليهود أم من النصارى؟ هل هذا المجتمع من الملحدين الطبيعيين والمادّيين والدهريّين؟ أم من الوثنيين المشركين؟.
فإذا عرف الداعية هذا كله، فكيف يدعو كل فئة من هذه الفئات بالحكمة؟ وماذا يقدّم معهم؟ وماذا يؤخّر؟ وما القضايا التي يعطيها أهمية وأولوية قبل غيرها؟ وما الأفكار الضرورية التي يطرحها ويبدأ بها؟
وهكذا، فالداعية الحكيم كالطبيب الحكيم الذي يُشخِّصُ المرض، ويعرف الداء ويُحدّده، ثم يعطي الدواء المناسب على حسب حال المريض ومرضه، مراعياً في ذلك: قوة المريض وضعفه، وتحمله للعلاج، وقد يحتاج المريض إلى عملية جراحية فيشق بطنه، أو يقطع شيئاً من أعضائه، من أجل استئصال المرض طلباً لصحة المريض، وهكذا فالداعية الحكيم يعرف أمراض المجتمع، ويُحدّد الدّاء، ويعرف الدّواء، وينظر ما هي الشبه والعوائق فيزيلها، ثم يقدم المادة المناسبة بدءاً بأمور العقيدة الإسلامية الصحيحة الصافية، مع تشويق المدعو إلى القبول والإجابة (١).
стр. 99
المطلب الثاني: مراتب الدعوة والمدعوين
قد دلّ كتاب الله على أنّ مراتب الدعوة - بحسب مراتب البشر - قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٢)، فاتضح بذلك أن مراتب الدعوة إلى الله أربع مراتب على النحو الآتي:
المرتبة الأولى: الحكمة.
المرتبة الثانية: الموعظة الحسنة.
المرتبة الثالثة: الجدال بالتي هي أحسن.
المرتبة الرابعة: استخدام القوة.
ولابد أن تكون مرتبة الحكمة ملازمة لجميع المراتب التي بعدها، فالموعظة لابد أن توضع في موضعها، والجدال في موضعه، واستخدام القوة في موضعه مع بيان الحق بدليله والإصابة في الأقوال والأفعال، وكل ذلك بإحكامٍ وإتقان.
وبهذا تكون مراتب المدعوين بحسب هذه المراتب على النحو الآتي:
١ - المستجيب الذّكي، القابل للحقّ ، الذي لا يعاند ولا يأباه، وهذا يُبين له الحق علماً وعملاً واعتقاداًَ، فيقبله ويعمل به.
стр. 100
٢ - القابل للحقّ المعترف به ؛ لكن عنده نوع غفلة وتأخر، وله أهواء وشهوات تصدّه عن اتّباع الحقّ، فهذا يُدعى بالموعظة الحسنة المشتملة على الترغيب في الحقّ والتّرهيب من الباطل.
٣ - المعاند الجاحد ، فهذا يُجادل بالتي هي أحسن (١).
٤ - فإن ظلم المعاند ولم يرجع إلى الحقّ انتُقِل معه إلى مرتبة استخدام القوة إن أمكن.
واستخدام القوة يكون بالكلام، وبالتأديب لمن له سلطة وقوّة، وبالجهاد في سبيل الله - تعالى - تحت لواء ولي أمر المسلمين بالشّروط التي دلّ عليها الكتاب والسنة (٢)، وهذا ما يقتضيه مفهوم الحكمة الصحيح؛ لأنها وضع الشيء في موضعه اللائق به بإحكام وإتقان وإصابة (٣).
ويزيد ذلك وضوحاً وبياناً ما كان عليه الرسول ﷺ وهو الذي أعطاه ربه من الحكمة ما لم يعطِ أحداً من العالمين، فقد كان يضع العلم والتّعليم والتّربية في مواضعها، والموعظة في موضعها، والمجادلة بالتي
стр. 101
هي أحسن في موضعها، والقوة والغلظة والسيف في مواضعها، وهذا من أحكم الحكم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١)، وهذا عين الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى (٢).
стр. 102
الفصل الثالث: الحِلْمُ
المبحث الأول: مفهوم الحلم.
المبحث الثاني: أهمية الحلم.
المبحث الثالث: صور من مواقف تطبيق الحلم في الدعوة.
المبحث الرابع: طرق تحصيل الحلم.
стр. 103
المبحث الأول: مفهوم الحِلْم
الحِلْم: بالكسر: العقل (١)، وحلم حلماً: تأنَّى وسكن عند الغضب أو مكروه مع قدرة، وقوة، وعقل (٢)، ومن أسماء الله - تعالى -: (الحليم)، وهو الذي لا يستخفّه شيء من عصيان العباد، ولا يستفزه الغضب عليهم، ولكنه جعل لكل شيء مقداراً فهو منتهٍ إليه (٣).
والحلم: ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب (٤).
والحلم: هو حالة متوسطة بين رذيلتين: الغضب، والبلادة، فإذا استجاب المرء لغضبه بلا تعقّل ولا تبصّر كان على رذيلة، وإن تبلّد، وضيّع حقه ورضي بالهضم والظلم كان على رذيلة، وإن تحلّى بالحلم مع القدرة وكان حلمه مع من يستحقه كان على فضيلة.
وهناك ارتباط بين الحلم وكظم الغيظ، وهو أن ابتداء التخلق بفضيلة الحلم يكون بالتحلم: وهو كظم الغيظ، وهذا يحتاج إلى مجاهدة شديدة، لما في كظم الغيظ من كتمان ومقاومة واحتمال، فإذا أصبح ذلك هيئة راسخة في النفس، وأصبح طبعاً من طبائعها كان ذلك هو الحلم، والله أعلم (٥).
стр. 104
وقد وصف الله نفسه بصفة الحلم في عدة مواضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ إِنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١).
ونلاحظ أن الآيات التي وصفت الله بصفة الحلم قد قرنت صفة الحلم - في أغلب هذه الآيات - بصفة المغفرة أو العفو، ويأتي هذا الاقتران في الغالب بعد إشارة سابقة إلى خطأ واقع، أو تفريط في أمر محمود، وهذا أمر يتفق مع الحلم؛ لأنه تأخير عقوبة، قال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ (٢).
ونجد أيضاً أن عدداً من الآيات التي وصفت الله بالحلم قد قرن فيها ذكر الحلم بالعلم، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الله لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (٣)، وهذا يفيد - والله أعلم بمراده - أن كمال الحلم يكون مع كمال العلم، وهذا من أعظم مقومات الداعية الناجح، ومن أعظم أركان الحكمة (٤).
стр. 105
المبحث الثاني: أهمية الحِلْم
الحلم من أعظم مقومات الداعية الناجح ، وهو أيضاً من دعائم الحكمة، فلا يكون الداعية ناجحاً حتى يكون: حكيماً، فالحكمة تقوم على ثلاثة أركان: العلم، والحلم، والأناة، وكل خلل في الداعية إلى الله فسببه الإخلال بالحكمة وأركانها، فأكمل الناس أوفرهم منها نصيباً، وأنقصهم وأبعدهم عن الكمال أقلّهم منها ميراثاً، ومعاول هدم الحكمة: الجهل، والطيش، والعجلة، فلا حكمة لجاهل، وطائش، ولا عجول (١).
ومما يُؤكِّد أن الحلم من أعظم مقومات الداعية ومن أركان الحكمة التي ينبغي للداعية أن يدعو بها إلى الله - تعالى - مدح النبي ﷺ للحلم، وتعظيمه لأمره، وأنه من الخصال التي يحبها الله ، قال النبي ﷺ للأشجِّ (٢): ((إن فيك خصلتين يحبِّهما الله: الحلم والأناة)) (٣).
وفي رواية قال الأشجّ: يا رسول الله، أنا تخلَّقت بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: ((بل الله جبلك عليهما))، قال: الحمد لله الذي جبلني على خُلُقيْن يحبهما الله ورسوله (٤).
стр. 106
وسبب قول النبي ﷺ ذلك للأشجّ ما جاء في حديث الوفد أنهم لما وصلوا المدينة بادروا إلى النبي ﷺ ، وأقام الأشجّ عند رحالهم، فجمعها، وعقل ناقته، ولبس أحسن ثيابه، ثم أقبل إلى النبي ﷺ فقرّبه النبي ﷺ وأجلسه إلى جانبه، ثم قال لهم النبي ﷺ : ((تبايعونِ على أنفسكم وقومكم؟)) فقال القوم: نعم، فقال الأشجّ: يا رسول الله، إنك لم تزاول الرجل على شيء أشدّ عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا، ونرسل من يدعوهم، فمن اتبَّعَنا كان منا، ومن أبى قاتلناه، قال: ((صدقت، إن فيك خصلتين ... )) الحديث.
ف الأناة: تربُّصُه حتى نظر في مصالحه، ولم يعجل، والحلم: هذا القول الذي قاله، الدال على صحّة عقله، وجودة نظره للعواقب (١).
ومما يُؤكِّد أن الحلم من أعظم أركان الحكمة ودعائمها العظام أنه خُلُق عظيم من أخلاق النبوة والرسالة، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم عظماء البشر، وقدوة أتباعهم من الدعاة إلى الله والصالحين في الأخلاق المحمودة كافة.
وقد واجه كل واحد منهم من قومه ما يثير الغضب، ويغضب منه عظماء الرجال، ولكن حلموا عليهم، ورفقوا بهم، ولانوا لهم حتى جاءهم نصر الله المؤزَّر، وعلى رأسهم إمامهم، وسيدهم، وخاتمهم محمد ﷺ ولم يكن غريباً أن يوجهه الله تعالى إلى قمة هذه السيادة حين يقول له: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ
المبحث الثالث: صور من مواقف تطبيق الحلم في الدعوة إلى الله
بَلَغَ النبي ﷺ في حلمه، وعفوه في دعوته إلى الله - تعالى - الغاية المثالية، والدلائل على ذلك كثيرة جداً، منها على سبيل المثال لا الحصر الصور الآتية:
الصورة الأولى: مع من قال هذه قسمة ما عُدِلَ فيها:
عن ابن مسعود ﵁ قال: لما كان يوم حنينٍ آثر النبيُّ ﷺ أُناساً في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أُناساً من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة، قال رجل: والله إن هذه القسمة ما عُدِلَ فيها، وما أُريدَ بها وجه الله، فقلت: والله لأُخبرنَّ النبي ﷺ ، فأتيته فأخبرته، فقال: ((فمن يعدلْ إذا لم يعدلِ الله ورسولُه؟! رحم الله موسى فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)) (١).
وهذا من أعظم مظاهر الحلم في الدعوة إلى الله - تعالى - وقد اقتضت حكمة النبي ﷺ أن يقسم الغنائم بين هؤلاء المؤلفة قلوبهم، ويوكِّل من قلبه ممتلئ بالإيمان إلى إيمانه (٢).
الصورة الثانية: مع من قال: كنا أحقَّ بهذا:
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال بعث علي بن أبي طالب ﵁ إلى رسول
стр. 109
الله من اليمن بذهيبة (١) في أديم مقروظ (٢) لم تُحصِّل من ترابها، قال: فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن بدر (٣)، وأقرع بن حابس، وزيد الخيل (٤)، والرابع إما علقمة (٥) وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحقَّ بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فقال: ((ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء؟)) قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كثّ اللحية، محلوق الرأس، مشمِّر الإزار، فقال: يا رسول الله! اتّقِ الله، قال: ((ويلك، أولست أحقَّ أهل الأرض أن يتقي الله؟))، قال: ثم ولَّى الرجل، قال خالد بن الوليد: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه؟ قال: ((لا، لعله أن يكون يصلي))، فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه! قال رسول الله ﷺ : ((إني لم أومر أن أنقِّب قلوب الناس، ولا أشقّ بطونهم))، قال: ثم نظر إليه وهو مُقفٍّ فقال: ((إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطباً لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)) (٦).
стр. 110
وهذا من ظواهر حلم النبي ﷺ ، فقد أخذ بالظاهر، ولم يؤمر أن ينقب قلوب الناس، ولا أن يشق بطونهم، والرجل قد استحق القتل واستوجبه؛ ولكن النبي ﷺ لم يقتله، لئلا يتحدّث الناس أنه يقتل أصحابه، ولاسيما من صلّى (١).
الصورة الثالثة: مع الطفيل
من مواقف الحلم ما فعله رسول الله ﷺ مع الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁، فقد أسلم الطفيل ﵁ قبل الهجرة في مكة، ثم رجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فبدأ بأهل بيته، فأسلم أبوه وزوجته، ثم دعا قومه إلى الله فأبت عليه وعصت، وأبطؤوا عليه، فجاء الطفيل إلى رسول الله ﷺ وذكر له أن دوساً هلكت وكفرت وعصت وأبت.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول الله ﷺ فقال: إن دوساً قد عصت وأبت، فادع الله عليهم، فاستقبل رسول الله القبلة ورفع يديه، فقال الناس: هلكوا. فقال: ((اللهم اهد دوساً، وائت بهم، اللهم اهد دوساً، وائت بهم)) (٢).
وهذا يدلّ على حلم النبي ﷺ وصبره، وتأنِّيه في الدعوة إلى الله ؛ فإنه ﷺ لم يعجل بالعقوبة، أو الدعاء على من ردّ الدعوة؛ ولكنه ﷺ دعا لهم