لما فيها من المضرَّة من الدم المحتقن، فهي ضارة للدين، وللبدن؛ فلهذا حرمها ، ويستثنى من الميتة السمك، فإنه حلال سواء مات بتذكية أو غيرها، كما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ سُئل عن ماء البحر، فقال: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته)) (١).
ويُستثنى كذلك الجراد، فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أحل لكم ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال)) (٢).
قوله تعالى: ﴿وَالْدَّمُ﴾ يعني المسفوح، كقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾، فقد كان أهل الجاهلية إذا جاع أحدهم يفصد بعيره فيجمع
стр. 37
ما يخرج منه من الدم فيشربه، ولهذا حرم الله الدم المسفوح على هذه الأمة.
قال الأعشى:
وإياك والميتات لا تقربنَّها ... ولا تأخذنَّ عظماًً حديداً لتفصدا
وقوله: ﴿وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ﴾ يعني إنسيه ووحشيه، واللحم يعم جميع أجزائه حتى الشحم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ﴾ أي ما ذبح فذكر عليه اسم غير الله فهو حرام؛ لأنَّ الله تعالى أوجب أن تذبح مخلوقاته على اسمه العظيم، فمتى عدل بها عن ذلك، وذكر عليها اسم غيره من، صنم، أو طاغوت، أو وثن، أو غير ذلك من سائر المخلوقات، فإنها حرام بالإجماع، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾، وهي التي تموت بالخنق سواء كان ذلك بفعلها، كأن تدخل رأسها في حبل، أو بين عودين، أو بفعل آدمي أو غيره، وقوله تعالى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾، وهي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى تموت – كالضرب بالحجر والعصا – من غير تذكية.
وفي صحيح مسلم أن عدي بن حاتم ﵁ قال: قلت يا رسول الله، إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب، قال: ((إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله)) (١)، وهذا من بيان
стр. 38
السنة للقرآن، فما خزقه بالمعراض يكون حلالاً؛ لأنه من الطيبات، وما دخل في حكم هذه الآية – آية التحريم – وهو ما إذا أصابه بعرضه، فلا يؤكل لأنه وقيذ.
وكذلك كلب الصيد إذا أرسل على صيد فقتله بثقله ولم يجرحه، أو صدمه، فإن الراجح كما قال ذلك ابن كثير في تفسيره –: إنَّ الكلب إذا أرسل على الصيد ولم يجرحه أو صدمه فإن ذلك وقيذ وقال اختار هذا القول ورجحه كثير من الأئمة، وهو أشبه بالصواب.
ففي الصحيحين عن رافع بن خديج ﵁ أنه قال: قلت يا رسول الله، إنا لاقو العدو غداً، وليس معنا مُدىً، أفنذبح بالقصب؟ فقال: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى أهل الحبشة)) (١).
قوله تعالى: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ هي التي تتردى من علو إلى أسفل فتموت من غير فرق بين أن تتردى – تسقط – من جبل أو في بئر – أو غير ذلك، قوله تعالى: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ هي التي تنطحها – شاة أخرى أو بقر – فتموت من دون تذكية.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ أي ما افترسه ذو ناب، كالأسد، والنمر، والفهد، والذئب، والضبع، ونحوها.
стр. 39
والمراد هنا ما أكل منه السبع؛ لأن ما أكله السبع كله قد فني، وسواء سال الدم مما أكل السبع، ولو من مذبحها أو لا، فإنها لا تؤكل؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ هذا عائد على ما يمكن عوده عليه مما انعقد به سبب موته فأمكن تداركه، وفيه حياة مستقرة والمراد يعني: إلا ما ذكيتم من المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع.
وروي عن طاووس وغيره من التابعين ((أن المذكاة متى تحركت حركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح هي حلال، وهذا مذهب الجمهور)) (١).
ثانياً: الذكاة الشرعية: تعريفها، وشروطها:
قال الزجاج: ((أصل الذكاة في اللغة: تمام الشيء، فمنه ذكاء في السن وهو تمام السن، ومنه الذكاء في الفهم، وهو أن يكون فهماً تاماً.
وقد روي عن علي، وابن عباس، والحسن، وقتادة، أنهم قالوا: ما أدركت ذكاته بأن توجد له عين تطرف، أو ذنب يتحرك، فأكله حلال)) (٢).
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
((الذكاة:
١ - نحر الحيوان البري الحلال.
٢ - أو ذبحه.
стр. 40
٣ - أو جرحه في أي موضع من بدنه.
فالنحر للإبل، والذبح لما سواها، والجرح لكل ما لا يقدر عليه إلا به من إبل، وغيرها)).
* ((ما يجب قطعه في الذكاة:
١ - عن الإمام أحمد: روايتان:
إحداهما: أنه الحلقوم، والمريء - والعرقان اللذان بينهما - أي بين الحلقوم والمريء، والعرقان هما الودجان - فإن نقص من ذلك شيئاً لم يؤكل، هذا ظاهر كلام أحمد في رواية عبد الله.
الرواية الثانية: يجزئ قطع الحلقوم والمريء، وهو ظاهر كلامه في رواية حنبل، وبه قال الشافعي.
٢ - وقال أبو حنيفة يجزئ قطع الحلقوم والمريء, وأحد الودجين.
٣ - وقال مالك: يجزئ قطع الأوداج وإن لم يقطع الحلقوم.
قال ابن قدامة في المغني: إن الإمام مالك، قال: برواية أحمد الأولى، وهي: قطع: الحلقوم، والمريء، والودجين)) (١).
قلت: العلماء مجمعون على أن الأكمل في الذبح قطع الأربعة وهي:
١ - الحلقوم، وهو مجرى النفس.
٢ - المريء، وهو مجرى الطعام.
стр. 41
٣ - ٤ - الودجان وهما عرقان يقطعهما الذابح، بينهما الحلقوم، والمريء، فإذا نقص الذابح عن ذلك شيئاً دخل الخلاف.
((قال البخاري في صحيحه: ((باب النحر والذبح)).
قال ابن جريج عن عطاء: لا ذبح ولا نحر إلا في المذبح والمنحر قلت: أيجزئ ما يذبح أن أنحره؟ قال: نعم، ذكر الله ذبح البقرة، فإن ذبحت شيئاً ينحر جاز والنحر أحب إليّ، والذبح قطع الأوداج، قلت: فيخلف الأوداج حتى يقطع النخاع؟ قال: لا إخال.
وأخبرني نافع أن ابن عمر نهى عن النخع، يقول: يقطع ما دون العظم، ثم يدع حتى تموت (١).
قال الشافعي: النخع أن يذبح الشاة ثم يكسر قفاها من موضع الذبح .. أو تضرب ليعجل قطع حركتها، قال أبو عبيدة: وإنما نهى أن تكسر رقبة الذبيحة قبل أن تبرد، ويبين ذلك أن في الحديث: ((ولا تعجلوا الأنفس قبل أن تزهق)) (٢)، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس
﵄ أنه قال: الذكاة في الحلق واللبة (٣)، وهذا إسناد صحيح)) (٤).
* ذبيحة الأعراب
عن عائشة ﵄ أن قوماً قالوا للنبي ﷺ : ((إن قوماً يأتوننا بلحم لا
стр. 42
ندري أذكر اسم الله عليه أم لا، فقال: سموا أنتم وكلوه، قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر)) (١).
* ذبيحة المرأة والأَمَة
عن نافع بن كعب عن أبيه أن امرأة ذبحت شاة بحجر، فَسُئِل النبي ﷺ عن ذلك فأمر بأكلها (٢).
* آلة الذبح وذكاة غير المقدور عليه
عن رافع بن خديج قال: قلت يا رسول الله، إنا لاقوا العدو غداً وليست معنا مُدىً. فقال: ((أعجل - أو أرن - ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر. وسأحدثكم: أما السن فعظم, وأما الظفر فمدى الحبشة)) وأصبنا نهب إبل وغنم، فندّ منها بعير، فرماه رجل بسهم فحبسه فقال رسول الله ﷺ : ((إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش فإذا غلب منها شيء فافعلوا به هكذا)) (٣).
فالبعير إذا توحش، أو تردَّى في بئر، فهو بمنزلة الصيد ذكاته عقره.
* خلاصة شروط الذكاة
الشرط الأول: أن يكون المذكِّي ممن يمكن منه قصد التذكية، وهو المميز والعاقل .
стр. 43
الشرط الثاني: أن يكون مسلماً أو كتابياً .
الشرط الثالث: أن يقصد التذكية .
الشرط الرابع: أن لا يذبح لغير الله .
الشرط الخامس: أن لا يهلّ لغير الله بأن يذكر عليه اسم غير الله .
الشرط السادس: أن يسمّي الله عليها .
الشرط السابع: أن تكون الذكاة بمحدّد ينهر الدم غير سنٍّ وظفر.
الشرط الثامن: إنهار الدم في موضعه.
الشرط التاسع: أن يكون المذكَّى مأذوناً في ذكاته شرعاً (١).
стр. 44
الفصل الثاني
أولاً: تحريم أكل ما ذبح لغير الله، والاستقسام بالأزلام:
قال الله تعالى بعد ذكر المحرمات من الميتة والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، إلا ما ذكيتم.
قال هنا: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾.
قال مجاهد، وابن جريج: ((كانت النصب حجارة حول الكعبة، وهي ثلاثمائة وستون نصباً كانت العرب في جاهليتها يذبحون عندها، وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح، ويُشرِّحون اللحم ويضعونه على النصب، وكذا ذكره غير واحد.
فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرّم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب حتى لو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح عند النصب من الشرك الذي حرمه الله ورسوله.
وينبغي أن يُحمل هذا على هذا؛ لأنه قد تقدم تحريم ما أهل لغير الله به)) (١).
وقوله تعالى: ﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ﴾ أي حرَّم عليكم أيها المؤمنون أن تستقسموا بالأزلام، واحدها زلم، وقد تُفْتَح الزاي فيقال:
стр. 45
زَلم، وقد كانت العرب في الجاهلية يتعاطون ذلك، وهي عبارة عن قداح ثلاث على أحدها مكتوب افعل – وقيل مكتوب: أمرني ربي –، وعلى الآخر مكتوب لا تفعل – وقيل مكتوب: نهاني ربي – والثالث: ليس عليه شيء، فإذا أجالها فطلع سهم الأمر فعله، أو النهي تركه، وإن طلع الفارغ أعاد، والاستقسام مأخوذ من طلب القسم من هذه الأزلام.
وفي الصحيح أن النبي ﷺ لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمُحيت، ورأى إسماعيل، وإبراهيم ﵉ بأيديهما الأزلام، فقال: ((قاتلهم الله، والله إن استقسما بالأزلام قط)) (١)، وقد أمر الله المؤمنين إذا ترددوا في أمورهم أن يستخيروه بأن يعبدوه، ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه، كما روى الإمام أحمد، والبخاري، وأهل السنن عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول: إذا هَمّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: ((اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علاَّم الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر – ويسميه باسمه – خير لي في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال عاجل
стр. 46
أمري وآجله فاصرفني عنه واصرفه عني واقدر لي الخير حيث كان ثم رضّني به)) (١).
وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ أي يئسوا من مشابهة المسلمين؛ لما تميز به المسلمون من هذه الصفات المخالفة للشرك وأهله؛ ولهذا قال تعالى آمراً عباده المؤمنين أن يصبروا ويثبتوا في مخالفة الكفار، ولا يخافون أحداً إلا الله، فقال تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ أي لا تخافوهم في مخالفتكم إياهم، واخشوني أنصركم عليهم، وأبيدهم وأظفركم بهم، وأشف صدوركم منهم، وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة)) (٢).
ثانياً: إتمام الله النعمة وإكماله الدين لهذه الأمة .
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾.
قال ابن كثير: ((هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة؛ حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحلّه، ولا حرام إلا ما حرّمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء
стр. 47
أخبر به فهو الحق والصدق، ولا كذب فيه، ولا خُلْف)) (١).
وقد أخبر الله نبيه والمؤمنين أنه أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبداً، وقد أتمّه فلا ينقص أبداً، وقد رضيه فلا يسخطه أبداً.
فقد جعله الله كاملاً لظهوره على الأديان كلّها وغلبته لها؛ ولكمال أحكامه التي يحتاج المسلمون إليها من الحلال، والحرام ... قالوا: وقد نزل بعد ذلك قرآن كثير كآية الربا، وآية الكلالة، ونحوهما، والمراد باليوم هنا هو يوم الجمعة، وهو يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر، هكذا ثبت في الصحيح من حديث عمر بن الخطاب ﵁ (٢).
ثالثاً: رفع الإثم عمن اضطر إلى شيء من المحرمات وبيان الحكمة من ذلك:
قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣)، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿ ... فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٥)، فقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أي دعته
стр. 48
الضرورة ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ في مجاعة، والخمص الجوع، وهذا كلام يرجع إلى المحرمات المتقدمة من: الميتة، والدم وما ذكر معها، ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ .. غير مائل إلى ذلك، والإثم: الحرام أي حال كون المضطر في المخمصة غير مائل لإثم، وهو بمعنى غير باغ ولا عاد (١)، وقال ابن كثير: ((فمن احتاج إلى تناول شيء من هذه المحرمات التي ذكرها الله تعالى لضرورة ألجأته إلى ذلك فله تناوله ﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي والله غفور رحيم له؛ لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطر، وافتقاره إلى ذلك، فيتجاوز عنه ويغفر له، وفي المسند، وصحيح ابن حبان عن ابن عمر
﵄ مرفوعاً قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته)) (٢).
ولهذا قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجباً في بعض الأحيان، وهو ما إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها، وقد يكون مندوباً، وقد يكون مباحاً، بحسب الأحوال)) (٣).
ولا خلاف في أكل طعام الغير إذا وجده المضطر من غير قطع أو أذى، وهناك لا يحلّ له أكل الميتة ونحوها، ولكن الخلاف هل يضمن ما
стр. 49
أكل، والصحيح أنه لا يضمن)) (١). وقال ابن كثير أيضاً: ((﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾ أي في غير بغي ولا عدوان ... وغير مستحلّه، وليس له من ذلك إلا القدر الذي يبلغه الحلال، وله أن يحمل منه ما يبلّغه ذلك، فإذا بلّغه ألقاه وهو قوله ﴿وَلاَ عَادٍ﴾)).
قال القرطبي: ((وأما المخمصة فلا يخلو أن تكون دائمة أو لا، فإن كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشبع من الميتة، إلا أنه لا يحل له أكلها وهو يجد مال مسلم لا يخاف فيه قطعاً، كالتمر المعلق، وحريسة الجبل، ونحو ذلك مما لا قطع فيه ولا أذى)) (٢).
قال مجاهد: ((فمن اضطر غير باغ ولا عاد قاطعاً للسبيل، أو مفارقاً للأئمة، أو خارجاً في معصية الله، فله الرخصة، ومن خرج باغياً، أو عادياً، أو في معصية الله فلا رخصة له، وإن اضطر إليه ... وقال قتادة .. فمن اضطر غير باغ ولا عاد، قال: غير باغ في الميتة، أي في أكله أن يتعدى حلالاً إلى حرام وهو يجد عنه مندوحة ... ))، وحكى القرطبي عن مجاهد في قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾: ((أي أكره على ذلك بغير اختياره)) (٣).
قال ابن العربي: ((هذا الضرر الذي بيّناه يلحق إما بإكراه من ظالم، أو جوع في مخمصة، أو بفقر لا يجد فيه غيره، فإن التحريم يرتفع عن ذلك بحكم الاستثناء ويكون مباحاً، فأما الإكراه فيبيح ذلك كله إلى آخر
стр. 50
الإكراه)) (١)، وقد روى الإمام أحمد: ((أنهم قالوا: يا رسول الله، إنّا بأرضٍ تصيبنا بها المخمصة، فمتى تحلّ لنا بها الميتة؟ فقال: ((إذا لم تصطبحوا، ولم تغتبقوا، ولم تحتفئوا فشأنكم بها)) (٢).
والحكمة من إباحة هذه المحرمات عند الضرورة:
أن الله ﵎: رحيم بعباده، يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، وقد أباح لهم سبحانه هذه المحرمات عند الضرورة التي قد تهلك الإنسان، فهو سبحانه رحيم بهم, فمن احتاج تناول شيءٍ من هذه المحرمات التي ذكرها الله تعالى لضرورة ألجأته إلى ذلك، فله تناوله والله غفور رحيم له؛ لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطر وافتقاره إلى ذلك، فيتجاوز عنه ويغفر له.
وهو سبحانه يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته (٣)، والعبد الفقير إلى رحمة ربه إذا ألجأته هذه الضرورة فإنه يعمد إلى رخصة ربه، فيجتنب أكبر الضررين بارتكاب أخفّهما، فإن إثم قتل النفس أعظم من إثم أكل الميتة، بل قد أباحها الله سبحانه عند الضرورة.
قال سبحانه: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٤).
стр. 51
الباب الخامس
تفسير الآية الرابعة من سورة المائدة
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ الله عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ الله إِنَّ الله سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (١).
стр. 52
الفصل الأول
بيان شروط الصيد بالجوارح من الكلاب والطيور:
عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، إني أُرسل كلبي، وأُسمّي، قال: ((إذا أرسلت كلبك وسميت فأخذ، فقتل فكل، وإن أكل منه فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه))، قلت: إني أرسل كلبي فأجد معه كلباً آخر، لا أدري أيهما أخذ؟ قال: ((فلا تأكل فإنما سميت على كلبك، ولم تسمِّ على غيره)) (١).
وعن عدي بن حاتم أيضاً: قال: قلت: يا رسول الله إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب، قال: ((إذا رميت بالمعراض الصيد فخزق فكله، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ، فلا تأكله)) (٢).
قال القرطبي ﵀: ((أجمعت الأمة على أن الكلب:
١ - إذا لم يكن أسود.
٢ - وعلّمه مسلم، فينشلي إذا أشلي، ويجيب إذا دُعي، وينزجر بعد ظفره بالصيد إذا زجر.
٣ - وأن يكون لا يأكل من صيده الذي صاده.
стр. 53
٤ - وأثّر فيه بجرح، أو تنييب.
٥ - وصاد به مسلم.
٦ - وذكر اسم الله عند إرساله أن صيده صحيح يُؤكل بلا خلاف. فإن انخرم شرط من هذه الشروط دخل الخلاف.
فإن كان الذي يصاد به غير الكلب: كالفهد، وما أشبهه، وكالبازي، والصقر، ونحوهما من الطيور، فجمهور الأمة على أن ما صاد بعد التعليم فهو جارح كاسب (١)، قال ابن الجوزي ﵀: ((التسمية قيل إنها ترجع للإرسال، قاله ابن عباس والسدي.
ثم قال: ((وعندنا أن التسمية شرط في إباحة الصيد)) (٢).
قال زهير الشاويش في تعليقه على زاد المسير: ((قال ابن قدامة في المغني: ((إذا ترك التسمية عمداً أو سهواً لم يبح))، قلت: ودليلهم: الآية، وحديث عدي. القول الثاني: إن التسمية ترجع إلى الأكل فتكون التسمية مستحبة)) (٣).
وقال القرطبي أيضاً: ((فأما لو انبعث الجارح من تلقاء نفسه من غير إرسال ولا إغراء، فلا يجوز صيده، ولا يحلّ أكله عند الجمهور، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي؛ لأنه إنما صاده لنفسه من غير
стр. 54
إرسال، وأمسك عليها، ولا صنيع للصائد فيه فلا ينسب إرساله إليه؛ لأنه لا يصدق عليه قوله ﵊: ((إذا أرسلت كلبك المعلم ... )) (١).
قلت: والراجح قول الجمهور ومن تبعهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (٢)، وقول الرسول ﷺ لعدي: ((إذا أرسلت كلبك المعلَّم ... )) (٣).
стр. 55
الفصل الثاني
أولاً: بيان الخلاف في حلّ صيد بعض الجوارح:
قيل: إن السبع يسمى كلباً، فيدخل كل سبع يصاد به، وقيل: إن هذه الآية خاصة بالكلاب.
وقد حكى ابن المنذر عن ابن عمر أنه قال: ((ما يصاد بالبزاة وغيرها من الطير، فما أدركت ذكاته فهو حلال وإلا فلا تطعمه)).
وإن كان الكلب الأسود بهيماً فكره صيده الحسن، وقتادة، والنخعي، وقال أحمد: ما أعرف أحداً يرخص فيه إذا كان بهيماً .. واحتجوا بحديث ((الكلب الأسود شيطان)) (١).
أما عامة أهل العلم بالمدينة والكوفة، فيرون جواز صيد كل كلب معلَّم.
قال الشوكاني: ((والحق أنه يحلّ صيد كل ما يدخل تحت عموم الجوارح من غير فرق بين الكلب وغيره، وبين الأسود من الكلاب وغيره، وبين الطير وغيره)) (٢)، قلت: قال القاضي عياض، وأبو يعلى: ((ومنع أصحابنا الصيد بالكلب الأسود وإن كان معلَّماً؛ لأن النبي ﷺ أمر بقتله، والأمر بالقتل: يمنع ثبوت الصيد، ويبطل حكم الفعل، فيصير
стр. 56
وجوده كعدمه.
قلت: يقصد القاضي عياض وأصحابه بأمر ﷺ الرسول بقتل الكلب الأسود: حديث: ((عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان)) (١).
وحديث عبد الله بن مغفل عن النبي ﷺ قال: ((لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها كلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم)) (٢).
واستثنى الإمام أحمد الكلب الأسود كذلك؛ لأنه عنده مما يجب قتله، ولا يحل اقتناؤه؛ لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((يقطع الصلاة الحمار، والمرأة، والكلب الأسود))، فقلت: ما بال الكلب الأسود من الأحمر؟ قال: ((الكلب الأسود شيطان)) (٣).
أما ما عدا الكلب الأسود، فقد جاء الشرع باستثناء ثلاثة من الكلاب، ودليل ذلك ما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: ((من اقتنى كلباً ليس كلب صيد، ولا ماشية، ولا أرض؛ فإنه ينقص من أجره
стр. 57
قيراطان كل يوم)) (١).
قلت: أما ما ذكره ابن المنذر عن ابن عمر ﵁ من قوله: ما يصاد بالبزاة وغيرها فما أدركت ذكاته فهو حلال وإلا فلا تطعمه.
فقد روى الترمذي عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله ﷺ
عن الصيد بالبازي فقال: ((ما أمسك عليك فكل))، قال الترمذي: ((والعمل على هذا عند أهل العلم)) (٢)، قال ابن كثير: ((والمحكي عن الجمهور أن الصيد بالطيور كالصيد بالكلاب؛ لأنها تكلب الصيد بمخالبها كما تكلبه الكلاب، فلا فرق، وهو مذهب الأربعة وغيرهم واختاره ابن جرير)) (٣).
ثانياً: بيان اختلاف العلماء في اشتراط إمساك الجارح من الطيور والكلاب عن الأكل من الصيد:
اختلف العلماء رحمهم الله تعالى على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إن إمساك الصائد عن الأكل شرط في كل الجوارح ، فإن أكلت لم يؤكل. وقد روي عن ابن عباس، وعطاء ﵃.
القول الثاني: إنه ليس بشرط في الكل ، فيؤكل وإن أكلت، وروي عن
стр. 58
سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأبي هريرة، وسلمان الفارسي ﵃.
القول الثالث: إنه شرط في جوارح البهائم، وليس بشرط في جوارح الطير ، وبه قال الشعبي، والنخعي، والسدي.
قال ابن الجوزي: ((وهذا أصح؛ لأن جارح الطير يُعلّم على الأكل، فأبيح ما أكل منه، وسباع البهائم تعلم على ترك الأكل ... فعلى هذا إذا أكل الكلب، أو الفهد، أو أي جارح من جوارح البهائم المعلمة من الصيد لم يبح أكله)) (١)، قلت: وهذا هو الراجح إن شاء الله؛ لحديث عدي بن حاتم المتقدم، وفيه: (( .. وإن أكل منه فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه)) (٢)، يقصد بذلك الكلب المعلم إذا أكل من الصيد.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ قال سعيد: يعني الذبائح الحلال الطيبة لهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ أي أحل لكم الذبائح التي ذكر اسم الله عليها, والطيبات من الرزق، وأحلّ لكم ما صدتموه بالجوارح، وهي الكلاب، والفهود، والصقور، وأشباهها كما هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين.
(مكلّبين) أي وما علمتم من الجوارح في حال كونهن مكلبات للصيد: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله﴾ هو أنه إذا أرسله استرسل، وإذا
стр. 59
أشلاه استشلى، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه، ولا يمسكه لنفسه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ الله عَلَيْهِ﴾، فمتى كان الجارح معلماً، وأمسك على صاحبه، وكان قد ذكر اسم الله عليه وقت إرساله حلّ الصيد وإن قتله بإجماع (١).
﴿وَاتَّقُواْ الله إِنَّ الله سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي راقبوا الله في أعمالكم، فإنه سريع المجازاة للعباد (٢).
стр. 60
الباب السادس
تفسير الآية الخامسة من سورة المائدة
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١).
стр. 61
الفصل الأول
أولاً: بيان المقصود بالحل في طعام أهل الكتاب:
لمّا ذكر تعالى ما حرمه على عباده المؤمنين من الخبائث، وما أحلّ لهم من الطيبات، قال بعده: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾، ثم ذكر ذبائح أهل الكتابين، من اليهود والنصارى، فقال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾، ((قال ابن عباس وغيره: يعني ذبائحهم, وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن ذبائحهم حلال للمسلمين؛ لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، وإن اعتقدوا فيه ﵎ ما هو منزه عنه, تعالى وتقدس)) (١).
وثبت في الصحيح أن أهل خيبر أهدوا لرسول الله ﷺ شاة مصلية، وقد سمّوا ذراعها، وكان يعجبه الذراع فتناوله، فنهش منه نهشة فأخبره الذراع أنه مسموم فلفظه، وأثّر ذلك في ثنايا رسول الله ﷺ وفي أبهره، وأكل معه منها بِشر بن البراء بن معرور فمات، فقتل اليهودية التي سمّتها، وكان اسمها زينب (٢).
ووجه الدلالة منه أنه عزم على أكلها ومن معه، ولم يسألهم هل نزعوا
стр. 62
منها ما يعتقدون تحريمه من شحمها أم لا ... ولم يبح ذبائح من عدا اليهود والنصارى من أهل الشرك، ومن شابههم؛ لأنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم، بل ويأكلون الميتة، بخلاف أهل الكتابين، ومن غير أهل الكتاب من يعاملون بأخذ الجزية منهم تبعاً وإلحاقاً لأهل الكتاب، ومع ذلك فإنهم لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم (١).
وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ دل بمفهومه – مفهوم المخالفة – على أن طعام من عداهم من أهل الأديان لا يحل (٢).
قال الشوكاني ﵀: ((قال علي، وعائشة، وابن عمر: إذا سمعت الكتابي يسمي غير الله فلا تأكل، وهو قول: طاووس، والحسن، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٣)، ويدل عليه قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ﴾ (٤)، وقال مالك: إنه يكره ولا يحرم.
فهذا الخلاف إذا علمنا أن أهل الكتاب ذكروا على ذبائحهم اسم غير الله، وأما مع عدم العلم، فقد حكى الطبري، وابن كثير الإجماع على حلها لهذه الآية)) (٥).
стр. 63
قال ابن الجوزي: ((وقد زعم قوم أن هذه الآية اقتضت إباحة ذبائح أهل الكتاب مطلقاً وإن ذكروا غير اسم الله عليها, فكان هذا ناسخاً لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ ... ﴾ (١).
والصحيح أنها أطلقت إباحة ذبائحهم؛ لأن الأصل أنهم يذكرون الله فيحمل أمرهم على هذا، فإن تيقنا أنهم ذكروا غيره فلا نأكل، ولا وجه للنسخ، وإلى هذا الذي قلته ذهب: علي، وابن عمر، وعبادة، وأبو الدرداء، والحسن، وجماعة)) (٢).
قلت: وهذا القول: هو قول: علي، وعائشة، وغيرهما كما ذكره الشوكاني، وهو الراجح إن شاء الله؛ للأدلة المذكورة آنفاً في النهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه.
والمراد بطعام أهل الكتاب: ذبائحهم، هذا قول ابن عباس، وجماعة (٣).
قال الشوكاني نقلاً عن القرطبي: ((ولا خلاف بين العلماء أن ما لا يحتاج إلى ذكاة كالطعام يجوز أكله.
أما المجوس فذهب الجمهور إلى أنها لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم لأنهم ليسوا بأهل كتاب على المشهور عند أهل العلم، وخالف
стр. 64
في ذلك أبو ثور، وأنكر عليه الفقهاء ذلك حتى قال أحمد بن حنبل: أبو ثور كاسمه، يعني في هذه المسألة، وكأنه تمسك بما روي عن النبي ﷺ مرسلاً أنه قال في المجوس: ((سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب))، ولم يثبت بهذا اللفظ)) (١).
قال ابن الجوزي في هذه المسألة: ((فأما ذبائح المجوس فأجمعوا على تحريمها)) (٢)، قلت: وكأن ابن الجوزي لم يعتدّ بخلاف أبي ثور.
وقال القرطبي في هذه المسألة: ((وأما المجوس فالعلماء مجمعون – إلا من شذّ منهم – على أن ذبائحهم لا تؤكل، ولا يتزوج منهم؛ لأنهم ليسوا أهل كتاب على المشهور عند العلماء)).
وقال أيضاً: ((ولا بأس بالأكل، والشرب، والطبخ، في آنية الكفار كلهم ما لم تكن ذهباً، أو فضة، أو جلد خنزير، بعد أن تغسل وتغلى لأنهم لا يتوقون النجاسات)) (٣).
وفي صحيح مسلم عن أبي ثعلبة الخشني قال: ((أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إنا بأرض قوم من أهل الكتاب نأكل في آنيتهم، وأرض صيد أصيد بقوسي، وأصيد بكلبي المعلم، وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم، فأخبرني ما الذي يحل لنا من ذلك، قال: ((أما ما ذكرت أنكم
стр. 65
بأرض قوم من أهل الكتاب، وتأكلون في آنيتهم، فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها، أما ما ذكرت أنك بأرض صيد، فما صدت بقوسك فاذكر اسم الله وكل، وما صدت بكلبك المعلم فاذكر اسم الله وكل، وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكله)) (١).
قال تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ﴾، قال القرطبي: ((دليل على أنهم مخاطبون بتفاصيل شرعنا)) (٢).
وقال ابن كثير: ((أي ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم، كما أكلتم من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة، كما ألبس النبي ﷺ ثوبه عبد الله بن أُبي بن سلول حين مات ودفنه فيه، قالوا: لأنه كان قد كسا العباس حين قدم من المدينة ثوبه، فجازاه النبي ﷺ ذلك، فأما الحديث الذي فيه: ((لا تصحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي)) (٣)، فمحمول على الندب والاستحباب، والله أعلم (٤).
стр. 66
ثانياً: حكم نكاح الكتابيات .
قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (١).
قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي وأحل لكم نكاح الحرائر العفائف من النساء المؤمنات، وذكر هذا توطئة لما بعده، وهو قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي المحصنات العفيفات عن الزنا، كما قال تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ (٢).
وقد كان الناس لا ينكحون الكتابيات بعد أن نزلت الآية التي في سورة البقرة: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ (٣)، فجعلوا هذه الآية مخصصة للتي في سورة البقرة: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ... ﴾ إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها، وإلا فلا معارضة بينها وبينها؛ لأن أهل الكتاب قد انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ
стр. 67
الْبَيِّنَةُ﴾ (١)، قال ابن كثير أيضاً: ((قد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى، ولم يروا بذلك بأساً أخذاً بهذه الآية الكريمة)) (٢).
قال ابن الجوزي: ((وقد روي عن عثمان أنه تزوج نائلة بنت الفرافصة على نسائه وهي نصرانية.
وعن طلحة بن عبيد الله: أنه تزوج يهودية ... أما المجوس فالجمهور على أنهم ليسوا بأهل كتاب، وقد شذّ من قال: إنهم أهل كتاب)) (٣).
وقوله: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي مهورهن، أي كما هن محصنات عفائف فابذلوا لهن المهور عن طيب نفس.
وقوله ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾، فكما شرط الإحصان في النساء وهو العفة عن الزنا، كذلك شرطها في الرجال أن يكونوا محصنين عفيفين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾، وهم الزناة، ﴿وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ أي ذوي العشيقات الذين لا يفعلون إلا معهن؛ ولهذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إلى أنه لا يصحّ نكاح المرأة البغي حتى تتوب، وكذلك لا يصحّ عنده عقد الرجل الفاجر على عفيفة حتى يتوب؛ لهذه الآية؛ ولحديث: ((لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله)) (٤).
стр. 68
قال قتادة: ((أحلّ الله لنا محصنتين: محصنة مؤمنة، ومحصنة من أهل الكتاب، نساؤنا عليهم حرام، ونساؤهم لنا حلال)) (١).
стр. 69
الفصل الثاني
أولاً: حكم المرتد
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) أي ومن يرتد عن الدين، ويكفر بشرائع الإيمان فقد حبط عمله، وهو من الهالكين (٢)، وروى ليث عن مجاهد: ومن يكفر بالإيمان: قال الإيمان بالله تعالى.
قال الزجاج: ((معنى الآية: من أحل ما حرم الله، أو حرم ما أحل الله فهو كافر.
وقال أبو سليمان: من جحد ما أنزله الله من شرائع الإيمان، وعرفه من الحلال والحرام، فقد حبط عمله المتقدم.
وسمعت الحسن بن أبي بكر النيسابوري الفقيه يقول: إنما أباح الله الكتابيات؛ لأن بعض المسلمين قد يعجبه حسنهنّ، فحذّر ناكحهنّ من الميل إلى دينهنّ بقوله: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (٣).
ثانياً: حكم من حكم بغير ما أنزل الله .
قال الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٤)،
стр. 70
وقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢).
لما كان الموضوع الذي قبل هذا هو الكلام عن بعض أحكام المرتدّ، أحببت أن أتبعه بحكم من حكم بغير ما أنزل الله؛ لأن من حكم بغير ما أنزل الله قد يكون مرتدّاً، وقد يكون مسلماً عاصياً مرتكباً لكبيرة من كبائر الذنوب؛ فلهذا نجد أن أهل العلم قد قسموا الكلمات الآتية إلى قسمين، وهي كلمة: كافر، وفاسق، وظالم، ومنافق، ومشرك، فكفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسوق دون فسوق، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك.
فالأكبر يخرج من الملة؛ لمنافاته أصل الدين بالكلية.
والأصغر ينقص الإيمان، وينافي كماله، ولا يخرج صاحبه من الملة.
ولهذا فصّل العلماء القول فيمن حكم بغير ما أنزل الله، قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه عندما سئل عن حكم من حكم بغير ما أنزل الله.
قال: ((من حكم بغير ما أنزل الله فلا يخرج عن أربعة أنواع:
١ - من قال: أنا أحكم بهذا لأنه أفضل من الشريعة الإسلامية، فهو كافر كفراً أكبر.
стр. 71
٢ - ومن قال: أنا أحكم بهذا لأنه مثل الشريعة الإسلامية، فالحكم بهذا جائز، وبالشريعة جائز، فهو كافر كفراً أكبر.
٣ - ومن قال: أنا أحكم بهذا، والحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، لكن الحكم بغير ما أنزل الله جائز، فهو كافر كفراً أكبر.
٤ - ومن قال: أنا أحكم بهذا، وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يجوز، ويقول: الحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، ولا يجوز الحكم بغيرها، ولكنه متساهل، أو يفعل هذا لأمر صادر من حُكَّامه، فهو كافر كفراً أصغر لا يخرج من الملة، ويعتبر من أكبر الكبائر)) (١).
ولا منافاة بين تسمية العمل فسقاً، أو عامله فاسقاً، وبين تسميته مسلماً وجريان أحكام المسلمين عليه؛ لأنه ليس كل فسق يكون كفراً، ولا كل ما يسمى كفراً، وظلماً، يكون مخرجاً من الملة حتى ينظر إلى لوازمه وملزوماته، وذلك لأن كلاً من الكفر، والظلم، والفسوق، والنفاق جاءت في النصوص على قسمين:
أ - أكبر يخرج من الملة؛ لمنافاته أصل الدين بالكلية.
ب - وأصغر ينقص الإيمان وينافي كماله، ولا يخرج صاحبه منه، فكفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسوق دون فسوق، ونفاق دون نفاق.
стр. 72
والفاسق بالمعاصي التي لا توجب الكفر لا يخلد في النار، بل أمره مردود إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة من أول وهلة برحمته وفضله، وإن شاء عاقبه بقدر الذنب الذي مات مصراً عليه، ولا يخلده في النار، بل يخرجه برحمته، ثم بشفاعة الشافعين إن كان مات على الإيمان (١).
وقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن المعاصي صغرت أم كبرت لا تؤدي بذاتها إلى الحكم على المسلم بالكفر، إنما يكون الكفر بسبب استحلال المعصية بتحليل ما حرّم الله، أو تحريم ما أحلّ الله تعالى، وهذه مسألة لا يختلف فيها اثنان من العلماء (٢)، فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ (٣).
ولا أستطيع أن أكتب في هذا المبحث المحدود كل ما قال علماء أهل السنة والجماعة، وإنما ذكرت الخلاصة، ومن أراد التفصيل في حكم المرتد فعليه بالرجوع إلى كتابي ((قضية التكفير))، والله أسأل أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه ودعا بدعوته إلى يوم الدين.