وحضر الخصمان بين يدي الرحمن، واستغاث بربه سيد الأنبياء، وضج الصحابة بصنوف الدعاء إلى رب الأرض والسماء، وكاشف البلاء، وقبل اشتباك المعركة والتحامها خرج من جيش المشركين عتبة بن ربيعة – يريد أن يظهر شجاعته – فبرز بين أخيه شيبة وابنه الوليد، فلما توسطوا بين الصفين دعوا إلى البراز، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار: عوف بن الحارث، ومعوذ بن الحارث – ابنا العفراء – وعبد اللَّه بن رواحة، فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار، فقالوا: ما لنا بكم من حاجة، ونادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقيل: قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي، فلما دنوا منهم، قالوا: من أنتم؟ فقال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال علي: علي. قالوا: أكفاء كرام، فبارز عبيدة – وكان أسن القوم – عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد بن عتبة.
فقتل علي الوليد فوراً، وقتل حمزة شيبة في الحال، واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهما أثبت صاحبه، فكرَّ حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فأكملا قتله، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابهما ﵃.
وكان ذلك – بإذن اللَّه تعالى – بداية النصر وتشجيع المسلمين، وخذلان ورعب في قلوب المشركين (١).
стр. 37
روى البخاري عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ((أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، وقال قيس بن عباد: وفيهم أنزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (١).
قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة (((٢).
فرضي اللَّه عن جميع الصحابة وأرضاهم، فإنهم كانوا لا تأخذهم في اللَّه لومة لائم، قال اللَّه : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ (٣).
المطلب الثالث: موقف علي ﵁ في يوم الأحزاب (يوم الخندق):
في سنة خمس من الهجرة كانت غزوة الخندق في شهر شوال.
وكان سبب هذه الغزوة أن جماعة من اليهود خرجوا حتى قدموا
стр. 38
على قريش بمكة، فدعوهم إلى حرب رسول اللَّه ﷺ ، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فتعاهدوا على حرب النبي ﷺ ، ثم خرج هؤلاء الجماعة من اليهود حتى جاءوا قبائل غطفان فدعوهم لذلك، فأجابوهم، ثم طافوا في قبائل العرب، فاستجاب لهم من استجاب، ونقضت بنو قريظة العهد امتثالاً لأمر حيي بن أخطب، عندما حرض كعب بن أسد القرظي على رسول اللَّه ﷺ ، ولما سمع رسول اللَّه ﷺ بهم، وبما أجمعوا عليه من الأمر ضرب الخندق على المدينة بمشورة سلمان الفارسي، فحفروا الخندق بينهم وبين العدو، وجعلوا جبل سلع من خلف ظهورهم، وقد صار المحاربون لرسول اللَّه ﷺ خمسة أصناف هم: المشركون من أهل مكة، والمشركون من قبائل العرب، واليهود من خارج المدينة، وبنو قريظة، والمنافقون، وكان من وافى الخندق من الكفار عشرة آلاف، والمسلمون مع النبي ﷺ ثلاثة آلاف، وقد حاصروا النبي ﷺ شهراً، ولم يكن بينهم قتال، لأجل ما حال اللَّه به من الخندق بينهم وبين المسلمين، إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد وُدٍّ العامري أقبلوا، فجالت بهم خيولهم، فنظروا إلى مكان ضيق من الخندق فاقتحموه، ثم جالت بهم خيولهم في السبخة بين الخندق وسلع، ودعوا إلى البراز (١).
стр. 39
وهذا هو موضع الشاهد لموقف علي بن أبي طالب ﵁:
قال عمرو بن عبد ودّ في هذا الموقف: من يُبارز؟ فقام علي بن أبي طالب، فقال: أنا لها يا رسول اللَّه! فقال: ((إنه عمرو، اجلس))، ثم نادى عمرو: ألا رجل يبرز؟ فجعل يؤنبهم، ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها؟ أفلا تبرزون إليَّ رجلاً؟ فقام علي، فقال: أنا يا رسول اللَّه! فقال: ((اجلس)) ثم نادى الثالثة ... فقام علي ﵁ فقال: يا رسول اللَّه، أنا، فقال: ((إنه عمرو))، فقال: وإن كان عمراً! فأذن له رسول اللَّه ﷺ ، فمشى إليه علي حتى أتى إليه، فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي. قال: ابن عبد مناف؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، وقال علي: يا عمرو، إنك كنت عاهدت اللَّه ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه، قال له: أجل، قال علي: فإني أدعوك إلى اللَّه وإلى رسوله وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لي بذلك، قال: فإني أدعوك إلى النزال، فقال له: لم يا ابن أخي؟ فواللَّه ما أحب أن أقتلك. قال له علي: ولكني واللَّه أحب أن أقتلك، فغضب عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على عليٍّ وسل سيفه كأنه شعلة نار، فاستقبله عليٌّ بالترس، فشق السيف الترس، فضربه عليُّ على حبل عاتقه، فسقط وثار الغبار، وسمع المسلمون التكبير، فعرفوا أن عليًّا
стр. 40
قتله.
وقال علي ﵁:
نصر الحجارة من سفاهة رأيه ... ونصرت رب محمد بصوابي
فصدرت حين تركته متجدلاً ... كالجذع بين دكادك وروابي
وبعد هذه المبارزة انهزم الباقون، وخرجت خيولهم حتى اقتحمت الخندق (١).
وهكذا ظهرت الشجاعة العظيمة الحكيمة، ومن عظم هذه الحكمة أن علي بن أبي طالب ﵁ دعا عمراً إلى اللَّه فأبى ذلك، فدعاه إلى النزال فنزل، فقتله ﵁ فكان ذلك من أسباب نصر المسلمين بإذن اللَّه تعالى (٢).
فظهرت حكمة علي ﵁ في هذا الموقف من عدة وجوه، منها:
(أ) استئذانه النبي ﷺ في المبارزة .
(ب) تذكيره لعمرو بن عبد ودّ ما عاهد عليه اللَّه من قبول ما يعرض عليه من الخصال من قريش.
(ج) وعند إقرار عمرو بما عاهد اتخذ عليٌّ ذلك مدخلاً ، فقال:
стр. 41
إني أدعوك إلى اللَّه وإلى رسوله وإلى الإسلام.
(د) وعندما امتنع من قبول هذه الدعوة دعاه إلى النزال ، فلم ينزل فاستفزه ليغضبه، فلما نزل قتله ﵁ فانهزم المشركون بفضل اللَّه، ثم بدخول الرعب في قلوبهم بهذا الموقف الحكيم.
المطلب الرابع: موقف علي ﵁ في غزوة خيبر:
في السنة الرابعة للَّهجرة سار رسول اللَّه ﷺ إلى خيبر، وكان إذا أتى قوماً بليل لم يقربهم حتى يُصبح، فلما أصبح صبح خيبر بكرة، فخرج أهلها بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا رسول اللَّه ﷺ قالوا: محمد واللَّه، محمد والخميس، فقال رسول اللَّه ﷺ : ((اللَّه أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)) (١).
وعندما رأى أهل خيبر الجيش رجعوا هاربين إلى حصونهم، وخرج ملكهم مَرْحَب يرفع سيفه مرة، ويضعه أخرى ويقول:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
فبرز له عامر بن الأكوع، فقال:
стр. 42
قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر
فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يضربه من أسفله، فرجع سيفه على نفسه فمات شهيداً (١).
ثم قال رسول اللَّه ﷺ يوم خيبر: ((لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتح اللَّه على يديه، يحب اللَّه ورسوله، ويحبه اللَّه ورسوله))، فبات الناس يدوكون (٢) ليلتهم: أيهم يُعطاها، فلما أصبح الناس غدوا إلى رسول اللَّه ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: ((أين علي بن أبي طالب؟)) قيل: هو يا رسول اللَّه يشتكي عينيه، قال: ((فأرسلوا إليه))، فأُتي به، فبصق رسول اللَّه ﷺ في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول اللَّه! أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: ((انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق اللَّه فيه، فواللَّه لأن يهدي اللَّه بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم)) (٣).
стр. 43
وبدأ علي ﵁ وأخذ الراية، وخرج مرحب فقال:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
فقال علي:
أنا الذي سمتني أمي حيدره (١) ... كليث غابات كريه المنظره
أوفيهم بالصاع كيل السندره (٢)
فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه (٣).
فرضي اللَّه عن علي وأرضاه، فقد قام بهذه البطولة النادرة بعد حصار النبي ﷺ لأهل خيبر قريباً من عشرين يوماً، ثم يسر اللَّه فتحها على يد علي ﵁ فخرج الناس من حصونهم يسعون في السكك، فقتل النبي ﷺ المقاتلة، وسبى الذرية، وكان في السبي صفية، ثم صارت إلى النبي ﷺ فأعتقها، وجعل عتقها صداقها،
стр. 44
فأصبحت أما للمؤمنين (١).
وعلي ﵁ له مواقف أخرى كثيرة، تظهر فيها الحكمة العظيمة، ولكن المقام لا يتسع إلا لما ذكر من المواقف السابقة، وهكذا يفعل من يرجو اللَّه واليوم الآخر، فإن الإنسان إذا كان همه للَّه، وقلبه معلق باللَّه، عمل كل ما يحب مولاه ﵎.
وقد ظهرت حكمة علي ﵁ في هذا الموقف من عدّة وجوه، منها:
(أ) قوله: ((أُقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟))؛ فإنه ﵁ استفسر من النبي ﷺ قبل القتال، إلى أي مدى يستمر القتال؟ وهذا من أعظم الحكمة؛ لأن الداعية لابد له من وضوح الهدف والغاية، وأن يكون على بصيرة من أمره.
(ب) وقوله: ((أنا الذي سمتني أمي حيدرة)) ، وهذا فيه تذكير لمرحب؛ لأنه قد رأى في المنام أن أسداً يقتله، فذكره علي ﵁ بذلك، ليخيفه ويضعف نفسه، حتى يستولي على قتله.
(ج) وقوله: ((أوفيهم بالصاع كيل السندرة)) هذا فيه إرهاب وإخبار
стр. 45
لمرحب أن علي بن أبي طالب يقتل الأعداء قتلاً واسعاً ذريعاً.
(د) ثم ختم هذه الحكم بقتل مرحب ، فهزم اللَّه به الأعداء، ونصر المسلمين عليهم نصراً مؤزراً، فله الحمد أولاً وآخراً.
المبحث الخامس: مواقف مصعب بن عمير ﵁ -:
بعد بيعة العقبة الأولى في سنة إحدى عشرة من البعثة أرسل رسول اللَّه ﷺ مع هؤلاء المبايعين أول داعية وأول سفير في يثرب، ليعلم المسلمين فيها شرائع الإسلام، ويفقههم في الدين، وليقوم بنشر الإسلام بين المشركين.
واختار رسول اللَّه ﷺ لهذا العمل العظيم مصعب بن عمير العبدري ﵁.
وعندما وصل مصعب إلى يثرب نزل على أسعد بن زرارة، ابن خالة سعد بن معاذ، وأخذ مصعب يؤدي مهمته في الدعوة إلى اللَّه تعالى.
ومن أروع ما يُروى من نجاحه وحكمته في الدعوة أن أسعد بن زرارة خرج يوماً إلى دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر، فدخل به حائط بني ظفر على بئر يقال لها: بئر مرق، فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، فسمع بهما أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، وهما يومئذ سيدا بني عبد الأشهل، وكانا مشركين، فقال سعد لأسيد: اذهب إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا،
стр. 46
ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي، ولولا ذلك لكفيتك هذا.
فأخذ أسيد حربته، وأقبل إليهما، فلما رآه أسعد قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق اللَّه فيه، فقال مصعب: إن يجلس أكلّمه.
وجاء أسيد فوقف عليهما مُتشتِّماً، فقال: ما جاء بكما إلينا، تُسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة. فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته كُفّ عنك ما تكره؟ فقال: أنصفت، ثم ركز حربته، وجلس إليهما.
فكلّمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا: واللَّه لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا هذا الدين؟ قالا له: تغتسل، وُتطهّر ثيابك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تُصلي، فقام واغتسل وطهّر ثوبيه، وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلاً إن يتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن، وهو سعد بن معاذ.
ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلاً قال: أحلف باللَّه لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين، فواللَّه ما رأيت بهما بأساً،
стр. 47
وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، واحتال أسيد على سعد من أجل أن يذهب إلى مصعب؛ لكي يحدث له ما حدث له، فقام سعد بن معاذ مغضباً وأخذ الحربة، فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيداً إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف متشتماً لهما، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة، واللَّه لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، أتغشانا في دارنا بما نكره؟ وقد قال أسعد بن زرارة لمصعب: جاءك واللَّه سيد مَنْ وراءه من قومه، إن يتبعك ما تخلّف عنك منهم اثنان.
قال مصعب لسعد: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمراً ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره، قال سعد: أنصفت. ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن. قالا: فعرفنا واللَّه في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم؛ لإشراقه وتسهله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين، فقام فاغتسل وطهر ثوبيه، وشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عائداً إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير، فلما رآه قومه مقبلاً قالوا: نحلف باللَّه لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأياً، وأيمننا نقيبة. قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى
стр. 48
تؤمنوا باللَّه ورسوله. قالوا: فواللَّه ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلماً أو مسلمة.
ورجع مصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية، وخطمة، ووائل، وواقف، وهم من الأوس بن حارثة، فإنهم أطاعوا أبا قيس الشاعر، وهو ابن السلت، واسمه صيفي، فوقف بهم عن الإسلام حتى كان بعد الخندق (١).
وهذه الاستجابة العظيمة بفضل اللَّه، ثم بفضل مصعب بن عمير ﵁، فقد ضُرِبَ به المثل في حكمته وحُسن دعوته وصبره وحلمه ورفقه وأناته عند سماع التهديد من قبل أسيد وسعد ﵃، فأثر هذا الموقف الحكيم عليهما وأسلما، وأسلم - بفضل اللَّه ثم بإسلامهما - هذا الجمع الغفير في يوم واحد، فرضي اللَّه عن مصعب، ورضي اللَّه عن صاحبه أسعد، فقد أنقذ اللَّه بهما مدينة كاملة، وللَّه الحمد والمنة.
المبحث السادس: موقف ضمام بن ثعلبة مع قبيلة بني سعد
بعث بنو سعد ضمام بن ثعلبة وافداً إلى رسول اللَّه ﷺ فقدم
стр. 49
المدينة، وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله، ثم دخل المسجد ورسول اللَّه ﷺ جالس في أصحابه، وكان ضمام جلداً، فأقبل حتى وقف على رسول اللَّه ﷺ في أصحابه، فقال: أيكم محمد؟ فقال الصحابة: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: ابن عبد المطلب، فقال النبي ﷺ : ((قد أجبتك))، فقال الرجل للنبي ﷺ : إني سائلك فمُشدد عليك في المسألة، فلا تجد عليّ في نفسك. فقال: ((سل عما بدا لك)). فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن اللَّه أرسلك؟ قال: ((صدق)). قال: فمن خلق السماء؟ قال: ((اللَّه)). قال: فمن خلق الأرض؟ قال: ((اللَّه)). قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: ((اللَّه)). قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال، آللَّه أرسلك؟ قال: ((نعم)). قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: ((صدق)). قال: فبالذي أرسلك، آللَّه أمرك بهذا؟ قال: ((نعم)). قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا. قال: ((صدق)). قال: فبالذي أرسلك آللَّه أمرك بهذا؟ قال: ((نعم)). قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا. قال: ((صدق)). قال: فبالذي أرسلك، آللَّه أمرك بهذا؟ قال: ((نعم)). قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلاً. قال: ((صدق)). قال فبالذي أرسلك، آللَّه أمرك بهذا؟ قال: ((نعم)). ثم
стр. 50
ولّى، وقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن، فقال: النبي ﷺ : ((لئن صدق ليدخلن الجنة)) (١).
فأتى ضمام بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى. فقالوا: مه ضمام! اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون. فقال: ويلكم، إنهما لا يضران ولا ينفعان، إن اللَّه قد بعث رسولاً، وأنزل عليه كتاباً استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به، وما نهاكم عنه.
قال الراوي: فواللَّه ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلماً، وما سُمِعَ بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة (٢).
وهذا يدل على حكمة ضمام بن ثعلبة، فإنه سأل النبي ﷺ أولاً عن صانع المخلوقات من هو؟ ثم أقسم عليه بأن يصدقه في كونه مرسلاً لخالق هذه المخلوقات، ثم لما وقف على رسالته وعلمها أقسم عليه بحق مرسله.
стр. 51
وهذا ترتيب يحتاج إلى حكمة عظيمة، وعقل رصين، وهو من حسن سؤال هذا الرجل وملاحة سياقه وترتيبه (١).
ولم يقتصر على هذا، بل جاء بأمر آخر يدل على حكمته وصدقه في قوله، فإنه عرض على قومه الإسلام، وبين لهم بطلان اللات والعزى، وأنهما لا يضران ولا ينفعان، وغرس الإيمان في قلوبهم بأن اللَّه هو الضار النافع، وأن ما سواه عاجزٌ عن ذلك، وحمل إليهم جميع ما سمع من رسول اللَّه ﷺ ، فأسلموا في لحظة واحدة قبل الليل.
وهذا يدل على حكمة ضمام في دعوته قومه إلى اللَّه - تعالى -، فقد استخدم معهم هذا الموقف الحكيم وهذا الأسلوب الناجح المسدد، وهذا فضل عظيم لضمام، ولمن وفقه اللَّه بالدعوة إلى اللَّه بالحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيراً كثيراً.
المبحث السابع: موقف سعد بن معاذ في حكمه في بني قريظة
كانت بنو قريظة أشد اليهود عداوة لرسول اللَّه ﷺ ، وقد نقضوا العهد مع رسول اللَّه ﷺ يوم الأحزاب، وتحزّبوا مع الأحزاب، ونالوا من رسول اللَّه ﷺ بالسبّ ونقض العهد.
وبعد أن هُزِمَ الأحزاب رجع رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة، قالت
стр. 52
عائشة ’: فلما رجع رسول اللَّه ﷺ من الخندق وضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل ﵇ – وهو ينفض رأسه من الغبار – فقال: قد وضعت السلاح؟ واللَّه ما وضعته، اخرج إليهم، فقال النبي ﷺ : فأين فأشار إلى بني قريظة (١).
فخرج إليهم رسول اللَّه ﷺ وحاصرهم خمساً وعشرين ليلة، وهم في حصونهم، ثم نزلوا على حكم رسول اللَّه ﷺ ، فقامت إليه الأوس، فقالوا: يا رسول اللَّه! قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت، وهم حلفاء إخواننا الخزرج، وهؤلاء موالينا فأحسن فيهم، فقال: ((ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟)) قالوا: بلى. قال: ((فذلك إلى سعد بن معاذ)). قالوا: قد رضينا. فأرسل إلى سعد بن معاذ (٢)، وكان في المدينة لم يخرج معهم لجرح كان قد أُصيب به يوم الخندق، رماه رجل من قريش في الأكحل، فضرب النبي ﷺ له خيمة في المسجد ليعوده من قريب)) (٣).
وقد قال سعد عندما أصيب بالجرح: ((اللَّهم إن كنت أبقيت من
стр. 53
حرب قريش شيئاً فأبقني لها؛ فإنه لا قوم أحبّ إليَّ من أن أجاهدهم فيك، آذوا نبيك وكذبوه وأخرجوه، اللَّهم إن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة)) (١).
ووصل من أرسل رسول اللَّه ﷺ إلى سعد، فأُركِبَ على حمار، وجاء إلى رسول اللَّه ﷺ وجعل بعض الأوس يقول لسعد، وهو في طريقه إلى رسول اللَّه: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك، فإن رسول اللَّه ﷺ إنما ولاّك ذلك لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في اللَّه لومة لائم. فلما انتهى سعد إلى رسول اللَّه ﷺ والمسلمين، قال رسول اللَّه ﷺ : ((قوموا إلى سيدكم)) فلما أنزلوه، قالوا: يا سعد، إن هؤلاء قد نزلوا على حكمك، فقال سعد: عليكم ذلك عهد اللَّه وميثاقه إن الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم. قال: وعلى من ههنا؟ في الناحية التي فيها رسول اللَّه ﷺ وهو معرض عن رسول اللَّه ﷺ إجلالاً له. فقال رسول اللَّه ﷺ : ((نعم)). قال سعد: فإني أحكم فيهم: أن تُقْتَل الرجال، وتُقسم الأموال، وتُسبى الذراري والنساء. فقال رسول اللَّه ﷺ : ((لقد حكمت فيهم بحكم اللَّه من فوق سبعة أرقعة)) (٢).
стр. 54
فلما حكم فيهم بذلك أمر رسول اللَّه ﷺ بقتل كل من جرت عليه الموسى منهم، ومن لم ينبت ألحق بالذرية (١)، فحفر لهم خنادق في سوق المدينة، وضربت أعناقهم، وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة (٢).
وقد سأل اللَّه سعد الشهادة إن كان اللَّه قد وضع الحرب بين النبي ﷺ وبين قريش، وانفجر جرحه ﵁ ومات شهيداً (٣).
اللَّه أكبر! ما أعظم هذا الرجل وما أحكمه! فقد رَغِبَ في الشهادة، ولكنه سأل اللَّه أن يبقيه إن كان اللَّه لم يضع الحرب بين رسول اللَّه ﷺ وبين قريش، وكذلك سأل اللَّه ألا يميته حتى يقرّ
стр. 55
عينه من بني قريظة، فاستجاب اللَّه له، وجعله الذي يحكم فيهم بحكمه، وعندما قال له بعض الأوس: أحسن في مواليك يا أبا عمرو، قال كلمته الحكيمة: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في اللَّه لومة لائم.
وصدق ﵁ فقد حكم فيهم بحكم اللَّه - تعالى - فقُتِلوا، وأمكن اللَّه المسلمين من أموالهم ونسائهم وذراريهم، فكان ذلك فتحاً ونصراً للمسلمين على أعداء اللَّه ورسوله، فرضي اللَّه عنه وأرضاه.
ومن فضل اللَّه عليه أن منّ عليه بالشهادة، وقال النبي ﷺ يوم موته: ((اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ)) (١).
وقد ظهرت حكمته ﵁ في هذا الموقف الحكيم في النقاط الآتية:
١ - رغبته في نصرة رسول اللَّه ﷺ وجهاد أعداء اللَّه تعالى.
٢ - ردّه الحكيم المسدد على قومه عندما راجعوه في بني قريظة.
٣ - أخذه عهد اللَّه وميثاقه على قومه أن يقبلوا حكمه، وهذا مما يضبطهم ويحل الأزمة.
٤ - إعراضه عن رسول اللَّه ﷺ عند أخذ العهد إجلالاً له وإكراماً.
٥ - حكمه بحكم اللَّه من فوق سبع سماوات، ولهذا أمر رسول
стр. 56
اللَّه ﷺ بإنفاذه - فرضي اللَّه عنه وأرضاه - فقد أعز اللَّه بحكمته الإسلام وأذل الكافرين.
المبحث الثامن: موقف الحسن بن علي ﵁ -:
الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ ابن بنت رسول اللَّه ﷺ ، وهو أحد علماء الصحابة وحلمائهم، وذوي رأيهم، وسيد المسلمين (١)، وهو حبيب رسول اللَّه ﷺ ، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: لحَسنٍ: ((اللَّهم إني أحبه فأحبه، وأحبب من يحبه)) (٢).
وقال أبو بكرة ﵁: رأيت رسول اللَّه ﷺ على المنبر - والحسن بن علي إلى جنبه - وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى، ويقول: ((إن ابني هذا سيد، ولعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)) (٣).
وقد تحقق ما قاله رسول اللَّه ﷺ ، فإنه عندما قُتِلَ علي بن أبي
стр. 57
طالب ﵁ وبايع الناس الحسن بن علي ﵁ وكانت كتائب الحسن كالجبال، كما ذكره البخاري في صحيحه (١)، فأراد الحسن أن يحقن دماء المسلمين، ويجمعهم على إمام واحد يلم شملهم، فتنازل لمعاوية بن أبي سفيان، خال المؤمنين، وكاتب وحي رب العالمين (٢) - رضي اللَّه عن جميع أصحاب رسول اللَّه ﷺ أجمعين - فكان هذا الموقف الذي وقفه الحسن من أعظم مواقف الحكمة، ومن أبرز الأدلة الواضحة على زهد الحسن في الدنيا الفانية، ورغبته في الآخرة الباقية، وحقنه دماء أمة محمد ﷺ ، فقد ترك الخلافة والملك، لا لقلَّةٍ ولا لذلةٍ، ولا لعلةٍ، بل لرغبته فيما عند اللَّه؛ لما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة (٣).
وسمى هذا العام الذي تنازل الحسن ﵁ فيه لمعاوية: عام الجماعة، لاجتماع الكلمة فيه على معاوية ﵁ (٤).
والمقصود أن موقف الحسن موقف حكيم عظيم سديد؛ لأنه حقن به دماء وأموال وأعراض أمة محمد ﷺ .
стр. 58
فرضي اللَّه عنه وأرضاه، وجزاه عن أمة محمد ﷺ خير الجزاء.
المبحث التاسع: مواقف جماعة من الصحابة
الصحابة ﵃ لهم مواقف كثيرة جداً لا يستطيع أحد أن يحصرها؛ لأنهم ﵃ باعوا أنفسهم، وأموالهم، وحياتهم للَّه، ابتغاء مرضاته، وخوفاً من عقابه، ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة.
ومن درس حياتهم، ونظر إلى تطبيقهم للإسلام قولاً، وعملاً، واعتقاداً ازداد إيمانه، وأحبهم؛ فيحصل له بذلك محبة اللَّه تعالى، ومن النماذج في ذلك:
١ - فهذا بلال بن رباح ﵁ - يعذبه أمية بن خلف على توحيده وإيمانه باللَّه - تعالى -. وقد عذبه أشد العذاب، ومن ذلك أن أمية كان يُخرج بلالاً إذا حميت الشمس في الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصّخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك البلاء: أَحدٌ أحدٌ، فمر به أبو بكر فاشتراه. وهذه الكلمة التي زعزعت كيان أمية بن خلف (١).
٢ - وهذا عمار بن ياسر، وأبوه ياسر، وأمه سُميّة ﵃ يُعذبون أشد
стр. 59
العذاب من أجل إيمانهم باللَّه - تعالى -، فلم يردهم ذلك العذاب عن دينهم؛ لأنهم صدقوا مع اللَّه فصدقهم اللَّه - تعالى - ولهذا قيل لهم: ((صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة)) (١) فرضي اللَّه عنهم وأرضاهم (٢).
٣ - وهذا صهيب الرومي ﵁ - أراد الهجرة فمنعه كفار قريش أن يُهاجر بماله، وإن أحب يتجرّد من ماله كله ويدفعه إليهم تركوه وما أراد، فأعطاهم ماله ونجى بدينه مهاجراً إلى اللَّه ورسوله وأنزل اللَّه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٣)، فتلقاه عمر بن الخطاب ﵁ وجماعة إلى طرف الحرة فقالوا له: ربح البيع. فقال: وأنتم فلا أخسر اللَّه تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أن اللَّه أنزل فيه هذه الآية (٤).
٤ - وهذا عبد اللَّه بن عبد الأسد: أبو سلمة، وزوجته أم سلمة ﵁ يصبران على البلاء العظيم ويقفان الموقف الحكيم الذي يدل على صدقهما مع اللَّه (٥).
стр. 60
كان أبو سلمة أول من هاجر من مكة إلى المدينة، قبل العقبة الثانية بسنة تقريباً.
بعد أن رجع أبو سلمة وزوجته أم سلمة من الهجرة إلى الحبشة آذته قريش، وعلم بإسلام من أسلم من الأنصار، فقرر الهجرة إلى المدينة – فراراً بدينه –، فحمل زوجته أم سلمة، وابنهما سلمة وقاد بهما راحلته وخرج متجهاً إلى المدينة، وقبل أن يخرج من مكة لحقه رجال من بني مخزوم فقالوا له: هذه نفسك غلبتنا عليها أرأيتك صاحبتك هذه عَلامَ نتركك تسير بها في البلاد؟ ونزعوا خطام البعير من يده، وأخذوا الراحلة وعليها أم سلمة وابنه سلمة، وغضب لذلك رجال من بني عبد الأسد وقالوا: واللَّه لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا. فتجاذب بنو مخزوم وبنو عبد الأسد الطفل حتى خُلِعَت يده، وأخذه بنو عبد الأسد وحبس بنو المغيرة أم سلمة عندهم، وانطلق أبو سلمة إلى المدينة هارباً بدينه. قالت أم سلمة: ففرَّقوا بيني وبين زوجي وبيني وبين ابني، فكنت أخرج كل غداة إلى الأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسي، وذلك سنة أو قريباً منها حتى مرّ بي رجل من بني عمي – أحد بني المغيرة – فرأى ما بي فرحمني فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة فرقتم بينها وبين زوجها، وبينها وبين ولدها؟ قالت فقالوا لي: الحقي
стр. 61
بزوجك إن شئت، قالت: وردّ بنو عبد الأسد عند ذلك ابني فارتحلت ببعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة وما معي أحد من خلق اللَّه ... )) (١).
اللَّه أكبر ما أعظم هذا الموقف! وما أحكمه! فقد ترك أبو سلمة زوجته وابنه، وماله، وهاجر بنفسه تاركاً نصفه وراءه من أجل دينه ويتجاذب بنو عبد الأسد وبنو المغيرة ابن أم سلمة، ويخلعوا يده وهي تنظر، وتحبس من أجل دينها، وتبكي كل يوم في الأبطح سنة أو قريباً منها، إنه موقف عظيم وبلاء كبير أسفر عن قوة الإيمان والصدق مع اللَّه، فنسأل اللَّه العافية في الدنيا والآخرة، ورضي اللَّه عن أبي سلمة وزوجته وأرضاهما، فقد جاهدا في اللَّه، وأُوذيا في اللَّه، وصبرا في اللَّه، واللَّه المستعان.
٥ – وعندما ينظر الإنسان في موقف عبد اللَّه بن حذافة بن قيس ﵁ عندما حاول ملك الروم أن يصدّه عن دينه – يرى الموقف الحكيم، والرجل العظيم!
وجَّه عمر بن الخطاب ﵁ جيشاً إلى الروم، فأسروا عبد اللَّه بن حذافة، فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا: إن هذا من أصحاب محمد. فقال: هل لك أن تتنصَّر وأُعطيك نصف ملكي؟ قال: لو أعطيتني
стр. 62
جميع ما تملك، وجميع ما تَملُك، وجميع ملك العرب، ما رجعت عن دين محمد ﷺ طرفة عين، قال: إذاً أقتلك. قال: أنت وذاك، فأُمِرَ به فصُلِبَ وقال للرماة: ارموه قريباً من بدنه، وهو يعرض عليه ويأبى ولم يجزع، فأنزله، وأمر بقدر فصبَّ فيه ماء وأُغلي عليه حتى احترقت، ودعا بأسيريْنِ من المسلمين، فأمر بأحدهما، فأُلقي فيها فإذا عظامه تلوح، وهو يعرض عليه النصرانية وهو يأبى، فأمر بإلقائه في القدر إن لم يتنصّر، فلما ذهبوا به بكى، فقيل للملك: إنه بكى، فظن أنه قد جزع، فقال: ردوه، فقال: ما أبكاك؟ قال: قلت هي نفس واحدة تُلقى الساعة فتذهب فكنت أشتهي أن يكون بعدد شعري أنفس تُلقى في النار في اللَّه. فتعجب الطاغية فقال له: هل لك أن تُقبّل رأسي وأًخلِّي عنك؟ فقال له عبد اللَّه: وعن جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم، فقبّل رأسه، فخلّى عنهم، وقدم بالأسارى على عمر، فأخبره خبره. فقال عمر: حقٌّ على كلِّ مسلم أن يُقبِّل رأس عبد اللَّه بن حذافة، وأنا أبدأُ. فقبَّل رأسه (١).
هذا موقف عظيم حكيم، فإن عبد اللَّه ﵁ ثبت على دينه، ولم يقبل سواه، ولو أُعطى ملك كسرى ومثله معه، وملك العرب جميعاً، ثم لصدقه مع اللَّه لم يجزع من الرّماة عندما رموه وهو مصلوب، ولم يجزع من القِدْرِ والماء المغليّ وقد رأى من يُلقى في
стр. 63
النار من الأسرى وعظامه تلوح، ومع ذلك تمنى أن يكون له عدد شعره من الأنفس تعذب في اللَّه ومن أجل اللَّه، وعندما رأى أن المصلحة عامة لجميع الأسرى قبَّل رأس الطاغية، لكي يخرج المسلمين من الأسر، وهذا من أعظم الحكم العظيمة. فرضي اللَّه عن عبد اللَّه بن حُذافة وأرضاه.
٦ - ومن هذه المواقف العظيمة التي تدل على قوة الإيمان والرغبة فيما عند اللَّه والدار الآخرة ، ما فعله الصحابي الجليل: خبيب بن عدي بن عامر ﵁ عندما أسرته كفار قريش وعذبته حتى قُتِلَ شهيداً ﵁.
قالت بعض بنات الحارث بن عامر: واللَّه ما رأيت أسيراً قطُّ خيراً من خبيب واللَّه لقد وجدته يوماً يأكل قِطفاً من عنبٍ في يده وإنه لمُوثَقٌ بالحديد وما بمكة من ثمرة. وكانت تقول: إنه لرزق رزقه اللَّه خبيباً. فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيبٌ: دعوني أصلي ركعتين فتركوه فركع ركعتين، فقال: واللَّه لولا أن تحسبوا أن ما بي جزعٌ لزدت. ثم قال: اللَّهم أحصهم عدداً, واقتلهم بَدَداً، ولا تبق منهم أحداً، ثم أنشأ يقول:
فلست أبالي حين أقتل مسلماً ... على أي جنب كان للَّه مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يُبارك على أوصال شلو ممزع
ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله، وكان خبيب هو
стр. 64
الذي سنَّ لكل مسلم قُتِلَ صبراً الصلاة (١).
٧ - وهذا سعد بن أبي وقاص ﵁ - تَعْرض أمه عليه أن يكفر بدين محمد ﷺ ، وحلفت أن لا تكلمه، ولا تأكل ولا تشرب حتى تموت فيعيّر بها، فيقال: يا قاتل أمه! وقالت له: زعمت أن اللَّه وصّاك بوالديك، وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا. قال سعد: لا تفعلي يا أمّه إني لا أدع ديني هذا لشيء. فبقيت ثلاثة أيام لا تأكل ولا تشرب، فلما رأى سعد بن أبي وقاص ذلك منها قال لها: يا أمَّهْ أتعلمين واللَّه لو كان لك مائة نفسٍ، فخرجت نفساً نفساً، ما تركت ديني إن شئتِ فكلي أو لا تأكلي. فلما رأت ذلك أكلت (٢). قال سعد ﵁: نزلت هذه الآية فيّ: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٣) وقد جعل اللَّه سعداً مستجاب الدعوة لدعوة النبي ﷺ : ((اللَّهم استجب لسعد إذا
стр. 65
دعاك)) (١). ولم يقتصر الأمر على الرجال، بل للنساء مواقف حكيمة.
٨ - ومن ذلك ما فعلته رملة بنت أبي سفيان أم حبيبة ، أم المؤمنين ﵂، وذلك أن أباها قدم من مكة إلى المدينة يريد أن يزيد في الهدنة بينه وبين الرسول ﷺ ، فلما دخل على بنته أم حبيبة ﵂ وذهب ليجلس على فراش رسول اللَّه ﷺ طوته دونه، فقال: يا بنية أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه؟ قالت: بل هو فراش رسول اللَّه ﷺ وأنت امرؤ نجس مشرك، فقال: واللَّه لقد أصابك يا بنية بعدي شر (٢).
قلت: واللَّه لم يصبها إلا قوة الإيمان ومحبة اللَّه ورسوله ﷺ ، فقدَّمت محبة اللَّه ورسوله على محبة والدها المشرك ولم ترضَ أن يجلس المشرك على فراش رسول اللَّه ﷺ فرضي اللَّه عن أم المؤمنين، فإنها لم تأخذها في اللَّه لومة لائم، وهذا من أعظم الحكم.
والصحابة ﵃ جميعاً - رجالاً ونساءً، كانت أعمالهم وحياتهم، ومماتهم للَّه لا يريدون ولا يرغبون إلا ما يرضيه
стр. 66
- تعالى -، حتى ولو كان ذلك ببذل أحبّ الأشياء إليهم.
٩ - ومما يدل على ذلك ما فعله أنس بن النضر الأنصاري عم أنس بن مالك ﵁ -.
عن أنس ﵁ قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يا رسول اللَّه غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين، واللَّه لئن أشهدني اللَّه قتال المشركين ليريَنّ اللَّه ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللَّهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين -، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركين -. ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال: أي سعد والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أحد. فقاتلهم حتى قتل. قال أنس: فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة: من بين ضربة بسيف وطعنة برمح، ورمية بسهم وقد مَثَّلوا به، فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه. ونزلت هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ (١). قال فكنا نقول: نزلت هذه الآية فيه وفي أصحابه (٢).
стр. 67
١٠ - كما يدل على رغبتهم فيما عند اللَّه ما فعل عُمير بن الحُمام في بدر حينما سمع رسول اللَّه يقول لأصحابه: ((قومُوا إلى جَنّةٍ عرضُهَا السّماوات والأرضُ)) فقال: يا رسول اللَّه جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: ((نعم)). قال: بخ بخ (١)، فقال ﷺ : ((ما يحملك على قولك بخ بخ؟))، قال: لا واللَّه يا رسول اللَّه إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: ((فإنك من أهلها)) فأخرج تمرات من قرنه (٢) فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل من تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل (٣).
وهذه النماذج تدل على صبر الصحابة وحكمتهم العظيمة، وصدقهم مع اللَّه ورغبتهم فيما عنده - سبحانه من الثواب وزهدهم في الدنيا.
والصحابة ﵃ لهم مواقف حكيمة كثيرة لا تُحصى، ولكن ما ذكرته هنا من مواقفهم ما هو إلا بعض الأمثلة اليسيرة من المواقف الحكيمة التي تدل على حكمتهم ويستفيد منها الدعاة إلى اللَّه - تعالى -.
وأسأل اللَّه أن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا. واللَّه المستعان.
стр. 68
وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.