مقرون بتوحيد الربوبية، وأن اللَّه الخالق الرازق المدبر، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام، ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ (١).
القاعدة الثانية: أنهم يقولون: ما دعوناهم إلا لطلب القربة والشفاعة، ومع ذلك حكم اللَّه بكفرهم ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (٢). ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ (٣).
القاعدة الثالثة: أن النبي ﷺ ظهر على أناس متفرقين في عباداتهم: فمنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد الشمس والقمر، وقاتلهم رسول اللَّه ﷺ ، ولم يفرق بينهم، فدل ذلك على أن عبادة غير اللَّه باطلة مهما تنوعت واختلفت.
стр. 37
القاعدة الرابعة: أن الشيخ حكم على مشركي زمانه أنهم أشد وأغلظ شركاً من الأولين؛ لأن الأولين يُشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركو زمانه شركهم في الرخاء والشدة ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (١).
وهذا من المواقف الحكيمة والاستنباطات السديدة (٢).
(ب) بيَّن للناس وأرشدهم إلى ما به الفلاح والنجاح ، وجعل ذلك في أربع مسائل تسهل على كل مسلم فيحفظها، ويفهم معانيها، وفهمها من مقتضى الإسلام، وهي كالآتي:
المسألة الأولى: العلم ، ثم بيَّن المراد به بأنه معرفة اللَّه، ومعرفة النبي ﷺ ، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.
المسألة الثانية: العمل بالعلم .
المسألة الثالثة: الدعوة إليه .
المسألة الرابعة: الصبر على الأذى فيه ، وساق على ذلك أدلة من الكتاب الكريم (٣).
стр. 38
(ج) أرشد الناس، وبيّن لهم أنه يجب على كل مسلم ومسلمة أن يتعلم ثلاث مسائل، ويعمل بهن:
المسألة الأولى: أن اللَّه خلق العباد ورزقهم ، ولم يتركهم هملاً؛ بل أرسل إليهم رسولاً، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار.
المسألة الثانية: أن اللَّه لا يرضى أن يُشرك معه أحد في عبادته ، لا ملكٌ مقربٌ، ولا نبي مرسل.
المسألة الثالثة: أن من أطاع الرسول ﷺ ووحد اللَّه لا تجوز له موالاة من حادّ اللَّه ورسوله ولو كان أقرب قريب.
وذكر لكل مسألة دليلاً صريحاً (١).
(د) بيّن الأصول الثلاثة التي يجب على كل مسلم معرفتها، وهي: معرفة اللَّه، والنبي ﷺ ودين الإسلام، بالأدلة من الكتاب والسنة، لكل جزئية من هذه الأصول.
وقد جعل الأصل الثالث - وهو معرفة الدين - ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وبيّن أركان كل مرتبة من هذه
стр. 39
المراتب ومعاني ذلك كله، واستدل بالأدلة من الكتاب والسنة (١).
ثم صاغ هذه الأصول الثلاثة عن طريق السؤال والجواب، لتلقين عامة الناس لكي يرسخ الإيمان الكامل والعقيدة الصحيحة في قلوبهم (٢).
(هـ) لم يغفل الشيخ الفروع والاعتناء بالفقه ، بل قد أدى له جملة من الاهتمام، وقد ألزم نفسه ﵀ أن يسير في دعوته على هدي الكتاب والسنة، واعتنى بالقواعد الجامعة للأحكام، فوضع أربع قواعد تدور عليها جميع الأحكام، فقال ﵁:
((هذه أربع قواعد من الدين التي تدور عليها الأحكام، وهي من أعظم ما أنعم اللَّه - تعالى - به على محمد ﷺ وأمته، حيث جعل دينهم ديناً كاملاً وافياً، أكمل وأكثر علماً من جميع الأديان، ومع ذلك جمعه لهم في ألفاظ قليلة، وهذا مما ينبغي التفطن له قبل معرفة القواعد الأربع ... )) (٣).
واستدل على أن اللَّه جمع ذلك للنبي ﷺ بقوله ﷺ : ((وأعطيت
стр. 40
جوامع الكلم)) (١)، وهو أن اللَّه جمع له المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة.
ثم ذكر القواعد التي تدور عليها جميع أحكام الدين:
القاعدة الأولى: تحريم القول على اللَّه بلا علم، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢).
القاعدة الثانية: أن كل شيء سكت عنه الشرع فهو عفو، لا يحل لأحد أن يحرمه أو يوجبه أو يستحبه أو يكرهه، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٣).
وقال ﷺ : ((وسكت عن أشياء رحمةً بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها)) (٤).
القاعدة الثالثة: أن ترك الدليل الواضح والاستدلال بلفظ متشابه
стр. 41
هو طريق أهل الزيغ، كالرافضة والخوارج، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ (١).
والواجب على المسلم اتباع المُحكم، وإن عرف معنى المتشابه وجده لا يخالف المحكم بل يوافقه، وإلا فالواجب عليه اتباع الراسخين في قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾.
القاعدة الرابعة: أن النبي ﷺ ذكر أن الحلال بيّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات (٢)، فمن لم يفطن لهذه القاعدة، وأراد أن يتكلم على مسألة مشتبهة بكلام فاصل فقد ضلّ وأضلّ.
فهذه ثلاث قواعد ذكرها اللَّه في كتابه، والرابعة ذكرها النبي ﷺ ، وهذه الكلمات مع اختصارهن يدور عليها الدين، سواء كان المتكلم يتكلم في علم التفسير، أو في علم الأصول، أو في علم أعمال القلوب الذي يُسمّى علم السلوك، أو في علم الحديث، أو في علم الحلال والحرام والأحكام، الذي يسمى علم الفقه، أو في علم الوعد والوعيد، أو في غير ذلك من أنواع علوم الدين (٣).
стр. 42
ومما سبق يتضح للقارئ أن أهم الأصول التي أحياها الشيخ ودعا إليها واهتم بنشرها أكثر من غيرها كالآتي:
(أ) الرجوع بالإسلام وأهله إلى ما كان عليه الصدر الأول؛ لأنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وهو التزام الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
(ب) تخليص التوحيد مما شابه من الشرك، والوثنية (١).
(ج) إنكار التوسل الممنوع شرعاً، بالأنبياء والأولياء والصالحين، وتبيين التوسل المطلوب والمسنون، وهو التوسل بأسماء اللَّه الحسنى وصفاته العليا، وبالأعمال الصالحة التي قام بها الداعي نفسه، وبطلب الدعاء من المسلم الصالح الحي القادر الحاضر.
(د) طرح البدع والخرافات والشعوذة وغيرها من المنكرات (٢).
стр. 43
وبهذا كله أسس الشيخ مجتمعاً موحداً مخلصاً قوياً في إيمانه وعقيدته (١)، وما ذلك إلا بفضل اللَّه وحده ثم بحكمة هذا الشيخ الجليل التي نفع اللَّه بها العباد في هذه الجزيرة وغيرها.
٦ - كتابته الرسائل بأساليب الحكمة والبيان:
لم يغفل الشيخ تبليغ التوحيد بالقلم والرسائل، بل اعتنى بذلك كثيراً، فقد قضى السنتين الأوليين من إقامته في الدرعية في مكاتبة العلماء والرؤساء والبلدان والقبائل المختلفة، بالإضافة إلى العناية بالتربية والتعليم والتوجيه وغرس الفضائل التي سبق بيانها.
وبدأ بأهل نجد، وكاتب أمراءها وعلماءها، فكاتب علماء الرياض وأميرها دهام بن دواس، وكاتب علماء الخرج وأمراءها وعلماء بلاد الجنوب، والقصيم، وحائل، والوشم، وسدير، والأحساء، وعلماء الحرمين الشريفين، وغير ذلك.
ولم يغفل البلدان الخارجية، فقد كتب لعلماء الشام، ومصر، والعراق، والهند، واليمن، وغير ذلك من البلدان، ولم يزل يكاتب الناس ويُقيم عليهم الحجج، ويذكرهم ما وقع فيه أكثر الخلق من
стр. 44
الشرك والبدع (١).
واصل الشيخ ليله ونهاره في نشر الدعوة، والوعظ والتدريس، وكتابة الرسائل العلمية المدعومة بالأدلة من الكتاب والسنة، وبالحجة والبرهان، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، ولم يبدأ أحداً بالعدوان، ورعاً منه، وأملاً في أن يهدي اللَّه الضالين، إلى أن حكموا عليه وعلى أتباعه بالكفر، وأباحوا دماءهم وأموالهم، ولم يثبتوا دعواهم بحجة من كتاب ولا سنة، مع رفضهم لعقيدة التوحيد، وعدم قبولها، ونصرهم الشرك وأهله (٢).
٧ - آخر مواقف الحكمة: الجهاد بالسيف والسنان:
بعد أن بدأ أعداء التوحيد بتكفير الشيخ وإهدار دمه ومن تبعه، وبعد أن بيّن لهم الشيخ نواقض الإسلام بأدلتها من الكتاب والسنة (٣)، فأعرضوا عن ذلك كله وكذبوا به، ورفضوا التوحيد، وحينئذ يكون آخر الطب الكي، فأمر الشيخ بالجهاد لمن عادى أهل التوحيد وسبه وسب أهله، ولم ينْقَدْ لشرع اللَّه، ولم تنفع فيه الآيات البينات.
стр. 45
واستمرت الحروب سنين عديدة، وكان النصر - بإذن اللَّه - حليف الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود، فكانت القرى والعشائر تسقط واحدة تلو الأخرى بيده، فنشر اللَّه الدعوة وأظهرها ونصرها، وقمع الباطل، وأذل أهله الذين عارضوا التوحيد.
ثم توفي الشيخ ﵀ يوم الاثنين آخر شهر شوال، سنة ١٢٠٦هـ، وله من العمر نحو ٩٢ سنة، فرحمه اللَّه رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء (١)، فقد أنقذ اللَّه بمواقفه الحكيمة هذه الجزيرة وما جاورها من الشرك، وبدد الظلام، وأنار البلاد بنور التوحيد الخالص.
وهكذا ينبغي لكل داعية يرجو اللَّه واليوم الآخر أن يكون حكيماً في مواقفه، ناصراً لدين اللَّه، صابراً محتسباً مخلصاً، وبذلك يربح ويفوز في الدنيا والآخرة، واللَّه المستعان.
وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.