← Акыда

Акыда · id 96539

نور السنة وظلمات البدعة في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (89 стр.). Показаны 71–89 · переход к 76.

стр. 71

الناس منه والأنعام والدوابّ، وإنبات الثمار والأشجار، وشجرة الزيتون مباركة، واللبن مبارك، والخيل مباركة، والغنم مباركة، والنخيل مباركة (١). والتبرّك المشروع يكون بأمور، منها ما يأتي: ١ - التبرّك بذكر الله، وتلاوة القرآن الكريم ، ويكون ذلك على الوجه المشروع، وهو طلب البركة من الله بذكر القلب، واللسان، والعمل بالقرآن والسنة على الوجه المشروع؛ لأن من بركات ذلك اطمئنان القلب، وقوة القلب على الطاعة، والشفاء من الآفات، والسعادة في الدنيا والآخرة، ومغفرة الذنوب، ونزول السكينة، وأن القرآن يكون شفيعاً لأصحابه يوم القيامة، ولا يُتبرّك بالمصحف كوضعه في البيت أو في السيارة وإنما التبرّك يكون بالتلاوة، والعمل به (٢). ٢ - التبرّك المشروع بذات النبي ﷺ في حياته؛ لأن النبي ﷺ مبارك في ذاته، وما اتصل بذاته؛ ولهذا تبرك الصحابة ﵃ بذاته ﷺ ، ومن ذلك، ما ثبت عن أبي جحيفة ﵁ قال: ((خرج رسول الله ﷺ بالهاجرة إلى البطحاء، فتوضأ ثم صلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب رائحة من المسك)) (٣).

стр. 72

وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى مِنىً، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: ((خذ))، وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس))، وفي رواية: ((ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر)) (١)، فقال: ((احلق)) فحلقه، فأعطاه أبا طلحة فقال: ((اقسمه بين الناس)) (٢). وكان الصحابة يتبركون بثياب النبي ﷺ ومواضع أصابعه، وبماء وضوئه، وبفضل شربه، وهو كثير (٣)، ويتبركون بالأشياء المنفصلة منه: كالشعر، والأشياء التي استعملها وبقيت بعده: كالثياب، والآنية، والنعل، وغير ذلك مما اتصل بجسده ﷺ (٤). ولا يقاس عليه غيره ﷺ ؛ فإنه لم يؤثر عنه ﷺ أنه أمر بالتبرك بغيره من الصحابة ﵃ أو غيرهم، ولم ينقل أن الصحابة ﵃ فعلوا ذلك مع غيره لافي حياته ولا بعد مماته، ولم يفعلوه مع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ولا مع الخلفاء الراشدين المهديين، ولا مع العشرة المشهود لهم بالجنة، قال الإمام الشاطبي ﵀: ((الصحابة ﵃ بعد موته ﵊، لم يقع من أحد منهم شيء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه، إذ لم يترك النبي ﷺ بعده في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق ﵁،

стр. 73

فهو كان خليفته، ولم يفعل به شيء من ذلك، ولا عمر ﵁، وهو كان أفضل الأمة بعده، ثم كذلك عثمان، ثم علي، ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحد منهم من طريقٍ صحيح معروف أن متبرّكاً تبرّك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها)) (١)، ولا شكَّ أنَّ الانتفاع بعلم العلماء، والاستماع إلى وعظهم، ودعائهم، والحصول على فضل مجالس الذكر معهم فيها من الخير والبركة والنفع الشيء العظيم، ولكن لا يُتبرّك بذواتهم، وإنما يُعمل بعلمهم الصحيح، ويُقتدى بأهل السنة منهم (٢). ٣ - التبرّك بشرب ماء زمزم ؛ لأنه أفضل مياه الأرض، ويُشبع من شربه، ويكفيه عن الطعام، ويُستشفى بشربه مع النية الصالحة من الأسقام؛ لأنه لما شرب له؛ قال النبي ﷺ في ماء زمزم: ((إنها مباركة، إنها طعام طعم [وشفاء سقيم])) (٣)، وعن جابر ﵁ يرفعه: ((ماء زمزم لما شرب له)) (٤)، ويذكر أن النبي ﷺ ((كان يحمل ماء زمزم في الأداوي والقرب، فكان يصبّ على المرضى ويسقيهم)) (٥).

стр. 74

٤ - التبرّك بماء المطر ، لا شك أن المطر مبارك لما جعل الله فيه من البركة: من شرب الناس منه، والأنعام، والدوابّ، وإنبات الأشجار، والثمار، وأحيى به الله كل شيء، وقد ثبت عن النبي ﷺ من حديث أنس ﵁، قال: أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر. قال: فحسر (١) رسول الله ﷺ ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟ قال: ((لأنه حديثُ عهدٍ بربه)) (٢)، قال الإمام النووي ﵀: ((ومعنى حديث عهد بربه: أي بتكوين ربه إياه، ومعناه أن المطر رحمة، وهي قريبة العهد بخلق الله تعالى لها، فيُتبرّك بها)) (٣). والتبرّك الممنوع منه ما يأتي: ١ - التبرّك بالنبي ﷺ بعد وفاته ممنوع إلا في أمرين: الأمر الأول: الإيمان به، وطاعته واتباعه ، فمن فعل ذلك حصل له الخير الكثير، والأجر العظيم، والسعادة في الدنيا والآخرة. الأمر الثاني: التبرك بما بقي من أشياء منفصلة عنه ﷺ : كثيابه، أو شعره، أو آنيته ، وقد تقدّم بيان ذلك. وما عدا ذلك من التبرك فلا يُشرع، فلا يُتبرّك بقبره، ولا تشد الرحال لزيارة قبره، وإنما تُشدّ الرحال لزيارة أحد المساجد الثلاثة: المسجد الحرام،

стр. 75

والمسجد الأقصى، والمسجد النبوي، وإنما تُستحب الزيارة لقبره لمن كان في المدينة، أو زار المسجد ثم زار قبره، وصفة الزيارة: إذا دخل المسجد صلى تحية المسجد، ثم يذهب إلى القبر ويقف بأدبٍ مستقبلاً الحجرة، فيقول بأدب وخفض صوت: ((السلام عليك يا رسول الله))، وكان ابن عمر ﵄ لا يزيد على ذلك، وإن زاد ((السلام عليك يارسول الله، يا خيرة الله من خلقه، أشهد أنك رسول الله حقاً، وأنك قد بلَّغت الرسالة، وأدّيت الأمانة، وجاهدت في الله حق جهاده، ونصحت الأمة))، فلا بأس بذلك لأن ذلك من صفاته (١)، ولا يدعو عند القبر؛ لظنه أن الدعاء عنده مُستجاب، ولا يطلب منه الشفاعة، ولا يتمسح بالقبر، ولا يقبّله، ولا شيء من جدرانه، ولا يتبرّك بالمواضع التي جلس فيها أو صلى فيها، ولا بالطرق التي سار عليها، ولا بالمكان الذي أنزل عليه فيه الوحي، ولا بمكان ولادته، ولا بليلة مولده، ولا بالليلة التي أُسري به فيها، ولا بذكرى الهجرة، ولا غير ذلك مما لم يشرعه الله، ولا رسوله ﷺ (٢). ٢ - من التبرك الممنوع: التبرك بالصالحين ، فلا يُتبرّك بذواتهم، ولا آثارهم، ولا مواضع عباداتهم، ولا مكان إقامتهم، ولا بقبورهم، ولا تُشدّ الرحال إلى زيارتها، ولا يُصلّى عندها، ولا تُطلب الحوائج عند قبورهم، ولا يُتمسح بها، ولا يُعكف عندها، ولا يُتبرّك بمواليدهم، وغير ذلك ومن فعل شيئاً من ذلك تقرباً إليهم فقد أشرك بالله شركاً أكبر، إذا اعتقد أنهم يضرون

стр. 76

أو ينفعون، أو يعطون أو يمنعون، أما من فعل ذلك يرجو البركة من الله بالتبرك بهم فقد ابتدع بدعة نكراء، وعمل عملاً قبيحاً (١). ٣ - من التبرك الممنوع: التبرك بالجبال والمواضع ؛ لأن ذلك يخالف ما كان عليه النبي ﷺ ، والتبرك بذلك يسبب تعظيم هذه الجبال والمواضع، ولا يجوز القياس على تقبيل الحجر الأسود، أو الطواف بالبيت؛ فإن ذلك عبادة لله توقيفية، ولا يمسح غير الحجر الأسود والركن اليماني من الكعبة؛ لأن النبي ﷺ لم يستلم من الأركان إلا الركنين اليمانيين باتفاق العلماء (٢)، قال الإمام ابن القيم ﵀: ((ليس عل وجه الأرض موضع يشرع تقبيله واستلامه وتحط الأوزار فيه غير الحجر الأسود والركن اليماني)) (٣). وقال ﵀ عند كلامه على خصائص مكة: ((ليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعي إليها، والطواف بالبيت الذي فيها غيرها)) (٤). وقال شيخ الإسلام في حكم الطواف بغير الكعبة: ((وأما الطواف بذلك فهو من أعظم البدع المحرمة، ومن اتخذه ديناً يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل)) (٥).

стр. 77

ولا يجوز التمسّح، ولا تقبيل مقام إبراهيم، ولا الحجر، ولا شيئاً من جدران المسجد، ولا يُتبرّك بجبل حراء، ويُسمَّى جبل النور، ولا تشرع زيارته، ولا الصعود إليه، ولا قصده للصلاة، ولا يُتبرّك بجبل ثور، ولا تُشرع زيارته، ولا جبل عرفات، ولا جبل أبي قبيس، ولا جبل ثبير، ولا يُتبرّك بالدور: كدار الأرقم ولا غيرها، ولا تشرع زيارة جبل الطور، ولا تُشدّ الرحال إليه، ولا يُتبرّك بالأشجار والأحجار ونحوها (١). وأسباب التبرك الممنوع: الجهل بالدين، والغلو في الصالحين ، والتشبه بالكفار، وتعظيم الآثار المكانية (٢). وآثار التبرك الممنوع كثيرة منها: الشرك الأكبر ، وهو أعظم الآثار، وأشدها خطراً، إذا كان التبرّك في حد ذاته شركاً، وإذا كان التبرّك يؤدّي إلى الشرك فيكون من وسائل الشرك الأكبر. ومن آثار التبرّك الممنوع الابتداع في الدين ، واقتراف المعاصي، والوقوع في أنواع الكذب، وتحريف النصوص، وتحميلها ما لا تحمل، وإضاعة السنن، والتغرير بالجهال، وإضاعة الأجيال، كل هذه الأمور من آثار التبرك المحرم المذموم. أما وسائل مقاومة التبرك الممنوع ، فمنها: نشر العلم، والدعوة إلى منهج الحق، وإزالة وسائل الغلو ومظاهر التبرك، وتحطيم كل وسيلة من هذه الوسائل (٣).

стр. 78

قال العلامة السعدي ﵀ في تعليقه على كتاب التوحيد: باب من تبرك بشجرة أو حجرة أو نحوهما: ((أي فإن ذلك من الشرك، ومن أعمال المشركين؛ فإن العلماء اتفقوا على أنه لا يشرع التبرك بشيء من الأشجار، والأحجار، والبقع، والمشاهد وغيرها؛ فإن هذا التبرك غلوٌّ فيها، وذلك يتدرّج به إلى دعائها وعبادتها وهذا هو الشرك الأكبر كما تقدم انطباق الحديث عليه، وهذا عام في كل شيء حتى مقام إبراهيم، وحجرة النبي ﷺ ، وصخرة بيت المقدس، وغيرها من البقع الفاضلة. وأما استلام الحجر الأسود وتقبيله، واستلام الركن اليماني من الكعبة المشرّفة، فهذا عبودية لله، وتعظيم لله، وخضوع لعظمته، فهو روح التّعبُّد. فهذا تعظيم للخالق وتَعبُّدٌ له، وذلك تعظيم للمخلوق، وتألُّه له. والفرق بين الأمرين كالفرق بين الدعاء لله الذي هو إخلاصٌ وتوحيدٌ، والدعاء للمخلوق الذي هو شرك وتنديد)) (١). سادساً: بدع منكرة مختلفة، كثيرة جداً: منها على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي: ١ - الجهر بالنيّة: كأن يقول المسلم: نويت أن أصلي لله كذا وكذا، أو نويت أن أصوم هذا اليوم فرضاً، أو نفلاً لله تعالى، أو يقول نويت أن أتوضأ، أو نويت أن أغتسل، أو نحو ذلك، وهذا التلفّظ بالنيّة بدعة؛ لأن ذلك ليس من هدي النبي ﷺ ؛ ولأن الله يقول: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ الله

стр. 79

بِدِينِكُمْ وَالله يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١)، والنية محلّها القلب، فهي عمل قلبي لا عمل لساني، قال الحافظ ابن رجب ﵀: ((النية هي: قصد القلب ولا يجب التلفظ بما في القلب في شيء من العبادات)) (٢). ٢ - الذكر الجماعي بعد الصلوات ؛ والمشروع أن يقول كل واحد الذكر الوارد منفرداً، كما كان النبي ﷺ يذكر الله أدبار الصلوات، وكما عمله الصحابة ﵃؛ لأنهم المطبّقون لسنته ﵊، فلا شك أن الذكر الجماعي بدعة مخالفة لهدي النبي ﷺ . ٣ - طلب قراءة الفاتحة على أرواح الأموات ، أو تقرأ على الأموات، أو قراءتها بعد الدعاء للأموات، أو عند خطبة النكاح، كل ذلك من البدع المنكرة التي لم ترد عن رسول الله ﷺ ، ولم يفعلها الصحابة ﵃، وهم أعلم الناس بأحوال النبي ﷺ ، فعُلم بذلك أن هذا الفعل بدعة مُحدثة مُنكرة. ٤ - إقامة المآتم على الأموات ، وصناعة الأطعمة، واستئجار المقرئين لقراءة القرآن، يزعمون أن ذلك من باب العزاء، وأنه ينفع الميت، وكل ذلك من البدع، والأغلال التي ما أنزل الله بها من سلطان. ٥ - الأذكار الصوفية بأنواعها التي تخالف هدي محمد ﷺ ، سواء كانت المخالفة في الصيغة، أو الهيئة، أو الوقت، لقوله ﵊: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (٣).

стр. 80

٦ - البناء على القبور: واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها ، ودفن الأموات فيها، والصلاة إلى القبور، وزيارتها لأجل التبرّك بها، والتوسّل بأصحابها، أو غيرهم من الموتى، والتبرك بالصلاة عند قبورهم، أو الدعاء عندها، وزيارة النساء للقبور، واتّخاذ السّرُج عليها، كلّ ذلك من البدع المنكرة القبيحة (١). المطلب التاسع: توبة المبتدع لاشك أن البدعة أخطر من المعاصي؛ فإن المعاصي إذا اجتمعت على الإنسان، وأصرّ عليها أهلكته، والبدعة أشدّ إهلاكاً من المعاصي، كما قال سفيان الثوري ﵀: ((البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ فإن المعصية يُتاب منها، والبدعة لا يُتاب منها)) (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((ومعنى قولهم: إن البدعة لا يتاب منها: أن المبتدع الذي يتخذ ديناً لم يشرعه الله ولا رسوله قد زُيِّن له سوء عمله فرآه حسناً، فهو لا يتوب ما دام يراه حسناً؛ لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيئ ليتوب منه، وبأنه ترك حسناً مأموراً به أمر إيجاب، أو استحباب؛ ليتوب ويفعله، فما دام يرى فعله حسناً، وهو سيئ في نفس الأمر؛ فإنه لا يتوب)) (٣)، ثم قال: ((ولكن التوبة ممكنة وواقعة بأن يهديه الله، ويرشده حتى يتبيّن له الحقّ، كما هدى من هدى من الكفار والمنافقين، وطوائف أهل البدع والضلال)) (٤)، وقال ﵀: ((ومن

стр. 81

قال: إنه لا يقبل توبة مبتدع مطلقاً فقد غلط غلطاً منكراً)) (١)، فقد فسّر شيخ الإسلام حديث حجب التوبة عن صاحب البدعة بكلامه هذا تفسيراً واضحاً ولله الحمد، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله حجب التوبة عن صاحب كل بدعة)) (٢)، وقد وضح المعنى لهذا الحديث في كلام ابن تيمية ﵀ آنفاً، ولا شك أن النصوص يُفسّر بعضها بعضاً، والله بيّن لعباده أنه يقبل توبة التائبين إذا أقلعوا عن جرائمهم، وندموا وعزموا على أن لا يعودوا، وردّوا الحقوق إلى أهلها إن وجدت، فقال سبحانه بعد أن ذكر المشركين، والقتلة، والزناة، وتوعّدهم بالإهانة: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (٣). وقال : ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٤). وقال : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله

стр. 82

غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (١). وهذه التوبة تعمُّ من تاب من الملحدين، والكافرين، والمشركين، والمبتدعين، وغيرهم ممن تاب من أهل المعاصي، إذا اكتملت شروط التوبة، ولله الحمد. المطلب العاشر: آثار البدع وأضرارها البدع لها آثار خطيرة، وعواقب وخيمة، وأضرار مهلكة، منها ما يأتي: ١ - البدع بريد الكفر ، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبراً بشبرٍ، وذراعاً بذراعٍ)) فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: ((ومن الناس إلا أولئك)) (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لتتبعُنَّ سنن من كان قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراعٍ، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ تبعتموهم)) قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن؟)) (٣). ٢ - القول على الله بغير علم ؛ لأن الناظر في سير المبتدعة يجدهم أكثر الناس كذباً على الله ورسوله ﷺ ، وقد حذر الله تعالى عن التّقوُّل عليه

стр. 83

فقال : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ (١). وحذّر النبي ﷺ عن الكذب عليه، وتوعّد من فعل ذلك بالعذاب الشديد، فقال ﷺ : ((من تعمَّد علي كذباً فليتبوَّأْ مقعده من النار)) (٢). ٣ - بُغض المبتدعة للسنة وأهلها ، وهذا مما يدل على خطورة البدع، قال الإمام إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني ﵀: ((وعلامات أهل البدع ظاهرة على أهلها بادية، وأظهر آياتهم وعلاماتهم: شدّة معاداتهم لحَمَلَةِ أخبار النبي ﷺ ، واحتقارهم لهم)) (٣). ٤ - رد عمل المبتدع؛ لقول النبي ﷺ -: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ))،وفي رواية للمسلم: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ)) (٤). ٥ - سوء عاقبة المبتدع ؛ لأن الشيطان يريد أن يظفر بالإنسان في عقبة من عدة عقبات: العقبة الأولى: الشرك بالله تعالى، فإن نجا العبد من هذه العقبة طلبه الشيطان على عقبة البدعة، وهذا يؤكّد أن البدع أخطر من المعاصي (٥)؛ ولهذا قال سفيان الثوري ﵀: ((البدعة أحبّ إلى إبليس

стр. 84

من المعصية؛ فإن المعصية يُتاب منها، والبدعة لا يُتاب منها)) (١)، وهذا في الغالب، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. ٦ - انعكاس فهم المبتدع، فيرى الحسنة سيئة، والسيئة حسنة ، والسنة بدعة، والبدعة سنة، فعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: ((والله لتفشُوَنَّ البدع، حتى إذا تُرِكَ منها شيء قالوا: تُرِكت السنة)) (٢). ٧ - عدم قبول شهادة المبتدع وروايته ، فقد أجمع أهل العلم من المحدِّثين والفقهاء وأصحاب الأصول على أن المبتدع الذي يكفر ببدعته لا تقبل روايته، وأما الذي لا يكفر ببدعته فاختلفوا في قبول روايته، ورجح الإمام النووي ﵀ أن روايته تقبل إذا لم يكن داعية إلى بدعته، ولا تقبل إذا كان داعية (٣). ٨ - المبتدعة أكثر من يقع في الفتن ، وقد حذّر الله من الفتن فقال: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤)، وقال : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥)، فهل هناك فتنة أخطر من مخالفة سنة رسول الله ﷺ ، وعصيان أمره؟.

стр. 85

وقد حثَّ النبي ﷺ على الأعمال الصالحة قبل وقوع الفتن فقال: ((بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً، ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا)) (١). ٩ - المبتدع استدرك على الشريعة ؛ لأنه ببدعته نصب نفسه مشرّعاً مكمِّلاً للدين، والله قد أكمل الدين، وأتمَّ النعمة، قال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (٢)، وبيَّن في القرآن الكريم كل شيء، قال : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٣). ١٠ - المبتدع يلتبس عليه الحقّ بالباطل ؛ لأن العلم نور يهدي الله به من يشاء من عباده، والمبتدع حُرِمَ التقوى التي يُوفَّقُ صاحبها لإصابة الحق، قال الله تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٤). ١١ - المبتدع يحمل إثمه، وإثم من تبعه ، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من دعا إلى هدىً كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم

стр. 86

مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)) (١). ١٢ - البدعة تُدخِل صاحبها في اللعنة ، ففي الحديث الذي رواه أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال فيمن أحدث في المدينة: ((من أحدث فيها حدثاً، أو آوى محدِثاً، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً)) (٢)، قال الإمام الشاطبي ﵀: ((وهذا الحديث في سياق العموم، فيشمل كل حدث أُحدث فيها مما يُنافي الشرع، والبدع من أقبح الحدث)) (٣). ١٣ - المبتدع يحال بينه وبين الشرب من حوض النبي ﷺ ، يوم القيامة ، فعن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((أنا فرطكم على الحوض، من وَرَد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، وليردنَّ عليَّ أقوامٌ أعرفهم ويعرفوني، ثم يُحال بيني وبينهم)) (٤)، وفي لفظ فأقول: ((إنهم مني)) فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: ((سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي)) (٥)، وعن شقيق عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ : ((يا ربّ أصحابي أصحابي،

стр. 87

فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)) (١). وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((إني على الحوض حتى أنظر من يرد عليَّ منكم، وسيؤخذ ناسٌ من دوني فأقول: يا ربِّ مني ومن أمتي فيقال: هل شَعَرْت ما عملوا بعدك، والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم))، فكان ابن أبي مليكة يقول: ((اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا، أو أن نُفتن في ديننا)) (٢). ١٤ - المبتدع مُعْرِضٌ عن ذكر الله ؛ لأن الله شرع لنا أذكاراً ودعوات في كتابه، وعلى لسان رسوله محمد ﷺ ، فمنها ما هو مقيّد: كأذكار أدبار الصلوات، وأذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم والاستيقاظ منه، ومنها ما هو مُطلق لم يحدَّد بزمان ولا مكان، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا الله ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (٣)، فالمبتدعة معرضون عن هذه الأذكار: إما بانشغالهم ببدعهم وافتتانهم بها، وإما باستبدال الأذكار المشروعة بأذكار بدعية، استغنوا بها عما شرع الله ورسوله ﷺ ، فأعرضوا بها عن ذكر الله تعالى (٤).

стр. 88

١٥ - المبتدعة يكتمون الحقّ، ويُخفونه على أتباعهم ، وقد توعّد الله هؤلاء وأمثالهم باللعنة، قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ الَّلاعِنُونَ﴾ (١). ١٦ - عمل المبتدع يُنَفِّر عن الإسلام ، فإذا عمل بخرافات بدعته سَبَّبَ ذلك سخرية أعداء الإسلام بالدين الإسلامي، وهو من هذه البدع بريء (٢). ١٧ - المبتدع يفرّق الأمة؛ فإنه ببدعته يفرّق هو وأتباعه المسلمين ، فيوجد بسبب ذلك أحزاباً وشيعاً متفرّقة، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ (٣). ١٨ - المبتدع المجاهر ببدعته تجوز غيبته ؛ لتحذير الأمة من بدعته، ولاشك أن من أظهر بدعته فهو أشدّ خطراً ممن أظهر فسقه، والغيبة محرّمة بالكتاب والسنة، ولكن تُباح بغرض شرعي لستة أسباب (٤): التظلّم، والاستعانة على تغيير المنكر، والاستفتاء، وتحذير المسلمين من

стр. 89

الشرّ، وإذا جاهر بفسقه، وبدعته، والتعريف (١)، وقد جمع بعضهم هذه الأمور الستة في قوله: القدحُ ليس بغيبةٍ في ستةٍ ... متظلِّمٍ ومعرِّفٍ ومحذِّرٍ ومجاهر فسقاً ومستفتٍ ومن ... طلب الإعانة في إزالة منكر (٢) ١٩ - المبتدع متبع لهواه معاند للشرع، ومشاقّ له (٣). ٢٠ - المبتدع قد نزَّل نفسه منزلة المضاهي للشارع ؛ لأن الله وضع الشرائع، وألزم المكلفين بالجري على سننها (٤). والله أسأل لي ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.