حفظ الأمانات، ووجوب أدائها إلى أهلها .
تحريم قتل النفس، والجنايات عليها .
تحريم الفروج وما يجب فيها من التعفّف .
قبض اليد عن الأموال المحرّمة ، ويدخل فيها: تحريم السرقة، وقطع الطريق، وأكل الرّشاء، وأكل ما لا يستحقّه شرعاً (١).
وجوب التورّع في المطاعم والمشارب ، واجتناب ما لا يحلّ منها.
ترك الملابس والزّيّ والأواني المحرّمة والمكروهة .
تحريم الملاعب والملاهي المخالفة للشريعة .
الاقتصاد في النفقة، وتحريم أكل المال بالباطل .
ترك الغلّ والحسد .
تحريم أعراض الناس، وما يلزم من ترك الوقوع فيها .
إخلاص العمل لله ، وترك الرّياء .
السرور بالحسنة، والاغتمام بالسيئة .
معالجة كلّ ذنبٍ بالتّوبة النصوح .
القرابين وجملتها: الهدي، والأضحية، والعقيقة (٢).
طاعة أولي الأمر .
التمسك بما عليه الجماعة .
الحكم بين الناس بالعدل .
الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر .
стр. 212
التعاون على البر والتقوى .
الحياء .
برّ الوالدين .
صلة الأرحام .
حسن الخلق .
الإحسان إلى المماليك .
حقّ السّادة على المماليك .
القيام بحقوق الأولاد والأهلين .
مقاربة أهل الدين، وموادتهم، وإفشاء السلام ، والمصافحة لهم.
ردّ السلام .
عيادة المريض (١).
الصلاة على من مات من أهل القبلة .
تشميت العاطس .
مباعدة الكفار والمفسدين، والغلظة عليهم .
إكرام الجار .
إكرام الضيف .
الستر على أصحاب الذّنوب .
الصبر على المصائب وعما تنزع النفس إليه من لذَّة وشهوةٍ .
الزّهد، وقصر الأمل .
стр. 213
الغيرة، وترك المذاء .
الإعراض عن الغلوّ .
الجود والسّخاء .
رحمة الصغير، وتوقير الكبير .
إصلاح ذات البين .
أن يحبّ المرء لأخيه المسلم ما يحبّ لنفسه ، ويكره له ما يكره لنفسه، ويدخل فيه إماطة الأذى عن الطريق، المشار إليه في الحديث (١).
* المسلك الخامس: صفات المؤمنين
المؤمنون لهم صفات كريمة وأعمال عظيمة، وصفهم الله بها، وأثنى عليهم، ومن هذه الصفات على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
أولاً: قال الله : ﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (٢).
وقد ظهر في هذه الآيات صفات عظيمة من صفات المؤمنين وهي:
طاعة الله ورسوله ﷺ .
خوف الله ورهبته وخشيته .
زيادة الإيمان عند سماع القرآن، لتدبرهم له.
стр. 214
التوكل والاعتماد على الله مع العمل بالأسباب.
إقام الصلاة: من فرائض ونوافل بأعمالها الظاهرة والباطنة.
الإنفاق الواجب: كالزكوات، والكفّارات، والنفقة على من تجب نفقته، والصّدقة في طريق الخير.
ثانياً: قول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
ففي هذه الآية صفات عظيمة اتصف بها المؤمنون وهي:
موالاة المؤمنين، ومحبّتهم في الله تعالى، ونصرتهم.
الأمر بالمعروف، وهو اسم جامعٌ لكلّ ما عُرف حسنه: من العقائد الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة.
النهي عن المنكر، وهو كلّ ما خالف المعروف، وناقضه: من العقائد الباطلة، والأعمال الخبيثة، والأخلاق الرذيلة.
إقام الصلاة بأعمالها الظاهرة والباطنة، من فرضٍ ونفل.
إعطاء الزكاة لأهلها بأصنافهم الثمانية.
طاعة الله ورسوله ﷺ ، وملازمة ذلك في جميع الأحوال.
ثالثاً: قال الله : ﴿إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ
стр. 215
الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ الله وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
فظهر في هاتين الآيتين صفات عظيمة من صفات أهل الإيمان، وهي على النحو الآتي:
القتال في سبيل الله، وبذل الجهد والطاقة في ذلك.
التوبة من جميع الذنوب وملازمتها في جميع الأوقات.
العبودية لله بالقيام بجميع الواجبات، والمستحبّات، والابتعاد عن جميع المحرّمات والمكروهات في كل وقت، فبذلك يكون العبد من العابدين.
الحمد لله في السّراء والضرّاء، والثناء عليه بنعمه، والاعتراف بالنعم الظاهرة والباطنة.
السياحة في السفر بطلب العلم، والحجّ والعمرة، والجهاد، وصلة الأقارب ونحو ذلك، كصيام النفل المشروع.
الإكثار من الصلاة المشتملة على الركوع والسجود.
الأمر بالمعروف، ويدخل فيه جميع الواجبات والمستحبّات.
النهي عن المنكر: ويدخل فيه كل ما نهى عنه الله ورسوله ﷺ .
تعلم حدود ما أنزل الله على رسوله، وما يدخل في الأوامر والنواهي والأحكام، وما لا يدخل، الملازمون لذلك فعلاً وتركاً.
стр. 216
رابعاً: قال الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١) , وهذه الصفات في هذه الآيات على النحو الآتي:
الخشوع في الصلاة، وحضور القلب بين يدي الله فيها.
الإعراض عن اللغو الذي لا خير فيه؛ فإن من أعرض عن ذلك كان إعراضه عن المحرّم من بابِ أولى.
تأدية زكاة الأموال وتزكية النفوس من أدناس الأخلاق، وذلك بتركها.
حفظ الفروج عن الزنا، وتجنّب ما يكون وسيلة إلى ذلك: كالنظر، والخلوة، واللّمس.
حفظ الأمانات سواء كانت من حقوق الله أو حقوق العباد، والآية عامة.
حفظ العهود والمواثيق بين العبد وبين الله وبين الإنسان وبين العباد.
المحافظة على الصلاة بأركانها وشروطها وواجباتها ومستحبّاتها.
وغير ذلك من صفات المؤمنين في كتاب الله ، وأسأل الله أن يوفقني وجميع المسلمين للاتّصاف بهذه الصفات الكريمة.
стр. 217
المطلب الثاني: ظلمات النفاق
* المسلك الأول: مفهوم النفاق
أولاً: مفهوم النفاق لغةً وشرعاً:
النفاق: لغةً: النفق سرب في الأرض، مشتق إلى موضع آخر، وفي التهذيب: له مخلص إلى مكان آخر، والنفقة والنافقاء، جحر الضبّ واليربوع، وقيل: النفقة والنافقاء موضع يرققه اليربوع من جحره، فإذا أُتيَ من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فخرج، ونفِق اليربوع ونَفق ((بالفتح)) وانتفق، ونفق: خرج منه. ونفق اليربوع تنفيقاً، ونافق، أي دخل في نافقائه، ومنه اشتقاق المنافق في الدين، والنِّفاق بالكسر، فعل النافق، والنفاق الدخول في الإسلام من وجه والخروج عنه من وجه آخر (١).
وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لتتبعُنَّ سنن الذين من قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضبٍّ لاتَّبعتموهم))، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: ((فمَنْ؟)) (٢).
والنفاق: شرعاً: كما قال ابن كثير ﵀: ((النفاق: هو إظهار الخير، وإسرار الشرّ، وهو أنواع: اعتقاديٌّ، وهو الذي يخلّد صاحبه في النار، وعمليٌّ وهو أكبر من الذنوب، قال ابن جريج: المنافق يخالف قوله فعله، وسرّه علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه)) (٣).
стр. 218
والنفاق نوعان: أكبر يُخرج من الملّة، وأصغر لا يُخرج من الملّة (١).
ثانياً: مفهوم الزنديق:
الزنديق: الزنديق بالكسر من الثنوية، أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة، وبالرّبوبية، أو من يُبطن الكفر ويُظهر الإيمان (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((الزنديق في عُرْف الفقهاء، هو المنافق الذي كان على عهد النبي ﷺ ، وهو أن يُظهر الإسلام، ويُبطن غيره، سواء أبطن ديناً من الأديان، كدين اليهود والنصارى أو غيرهم، أو كان معطِّلاً جاحداً للصانع، والمعاد، والأعمال الصالحة.
ومن الناس من يقول: الزنديق هو الجاحد المعطِّل، وهذا يُسمَّى في اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة، ونقلة مقالات الناس، ولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه هو الأوّل؛ لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر، وغير الكافر، والمرتدّ وغير المرتدّ، ومن أظهر ذلك أو أسرَّه.
وهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفّار، والمرتدّين، وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة؛ فإن الله أخبر بزيادة الكفر، كما أخبر بزيادة الإيمان بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (٣) , وتارك الصلاة وغيرها من الأركان، أو مرتكبي الكبائر، كما أخبر بزيادة عذاب بعض
стр. 219
الكفّار على بعض في الآخرة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ (١).
فهذا أصل ينبغي معرفته؛ فإنه مهمٌّ في هذا الباب؛ فإن كثيراً ممن تكلّم في ((مسائل الإيمان والكفر)) لتكفير أهل الأهواء لم يلحظوا هذا الباب، ولم يُميِّزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة، والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، ومن تدبَّر هذا علم أن كثيراً من أهل الأهواء والبدع قد يكون: مؤمناً مخطئاً، جاهلاً ضالاً عن بعض ما جاء به الرسول ﷺ .
وقد يكون منافقاً زنديقاً يظهر خلاف ما يبطن)) (٢).
* المسلك الثاني: أنواع النفاق
النفاق: نفاقان: نفاق دون نفاق، أو نفاق مُخْرِجٌ من الملّة، ونفاق لا يُخرج من الملّة (٣).
أولاً: النفاق الأكبر:
وهو أن يُظهر الإنسان الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، ويُبطن ما يُناقض ذلك كلّه أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، ونزل القرآن بذمِّ أهله وتكفيرهم، وأخبر أنهم في الدرك الأسفل من النار (٤).
стр. 220
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعض صور النفاق الأكبر فقال: ((فمن النفاق ما هو أكبر يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله بن أُبيٍّ وغيره، بأن يُظهر: تكذيب الرسول ﷺ -، أو جحود بعض ما جاء به، أو بُغضه، أو عدم اعتقاد وجوب طاعته، أو المسرّة بانخفاض دينه، أو المساءَة بظهور دينه، ونحو ذلك مما لا يكون صاحبه إلا عدواً لله ورسوله، وهذا القدر كان موجوداً في زمن رسول الله ﷺ ، ومازال بعده، بل هو بعده أكثر منه على عهده ﷺ ... )) (١).
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: (( ... فأما النفاق الاعتقاديّ فهو ستة أنواع: تكذيب الرسول ﷺ ، أو تكذيب بعض ما جاء به الرسول ﷺ -، أو بغض الرسول ﷺ -، أو بغض ما جاء به الرسول ﷺ ، أو المسرّة بانخفاض دين الرسول ﷺ ، أو الكراهية بانتصار دين الرسول ﷺ ، فهذه الأنواع الستة صاحبها من أهل الدّرك الأسفل من النار)) (٢).
فيتحصل مما ذكره هذان الإمامان أنواعٌ أو صفاتٌ للنفاق الأكبر، وهي على النحو الآتي:
تكذيب الرسول ﷺ .
تكذيب بعض ما جاء به الرسول ﷺ .
بغض الرسول ﷺ .
بغض بعض ما جاء به الرسول ﷺ -.
стр. 221
المسرَّة بانخفاض دين الرسول ﷺ -.
الكراهية لانتصار دين الرسول ﷺ -.
عدم اعتقاد وجوب تصديقه ﷺ فيما أخبر به .
عدم اعتقاد وجوب طاعته ﷺ فيما أمر به .
وغير ذلك مما دلّ القرآن الكريم أو السنة المطهَّرة على أنه من النفاق الأكبر المخرج من ملّة الإسلام (١).
ثانياً: النفاق الأصغر:
وهو النفاق العملي: وهو أن يظهر الإنسان علانيةً صالحةً، ويُبطن ما يُخالف ذلك وأصول هذا النفاق ترجع إلى حديث عبد الله بن عمر، وعائشة ﵃، وهي خمسة أنواع:
أن يحدّث بحديث لمن يصُدّقه به، وهو كاذبٌ له.
إذا وعد أخلف، وهو على نوعين:
النوع الأول: أن يعِدَ ومن نيّته أن لا يفي بوعده، وهذا أَشرُّ الخلف، ولو قال: أفعل كذا إن شاء الله تعالى، ومن نيّته أن لا يفعل كان كذباً وخُلْفاً. قاله: الأوزاعي.
النوع الثاني: أن يعِدَ ومن نيته أن يفي، ثم يبدو له، فيخلف من غير عذر له في الخلف.
إذا خاصم فجر، ويعني بالفجور أن يخرج عن الحق عمداً حتى
стр. 222
يصير الحق باطلاً، والباطل حقاً، وهذا مما يدعو إلى الكذب.
إذا عاهد غدر ولم يفِ بالعهد، والغدر حرام في كل عهدٍ بين المسلمين وغيرهم، ولو كان المعاهَد كافراً.
الخيانة في الأمانة، فإذا اؤتمن المسلم أمانة، فالواجب عليه أن يؤدّيها.
وحاصل الأمر أن النفاق الأصغر كُلّه يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية، واختلاف القلب واللسان، واختلاف الدخول والخروج؛ ولهذا قالت طائفة من السلف: خشوع النفاق: أن ترى الجسد خاشعاً، والقلب ليس بخاشع (١).
وهذا النفاق لا يُخرج من الملّة، فهو ((نفاق دون نفاق))؛ لحديث عبدالله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أربعٌ من كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر)) (٢)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمن خان)) (٣).
ثالثاً: الفروق بين النفاق الأكبر والنفاق الأصغر:
النفاق الأكبر يُخرج من الملّة ، والأصغر لا يُخرج من الملّة (٤).
стр. 223
النفاق الأكبر يُحبط جميع الأعمال .
النفاق الأكبر اختلاف السرّ والعلانية في الاعتقاد ، والأصغر اختلاف السرّ والعلانية في الأعمال دون الاعتقاد (١).
النفاق الأكبر يُخلّد صاحبه في النار إذا مات عليه، والأصغر لا يُخلده.
النفاق الأكبر لا يصدر من مؤمن ، أما النفاق الأصغر فقد يصدر من المؤمن.
النفاق الأكبر في الغالب لا يتوب صاحبه (٢)، وإذا تاب فقد اختلف في توبته في الظاهر عند الحاكم؛ لكون ذلك لا يُعلَم، إذْ هم دائماً يُظهرون الإسلام (٣).
* المسلك الثالث: صفات المنافقين
المنافقون لهم صفات كثيرة، بيّنها الله في كتابه الكريم، وبيّنها النبي ﷺ ، ولا شك أن ذكر الله لصفات المنافقين فيه فوائد عظيمة، منها:
نعمة الله على المؤمنين بإخبارهم عن أحوال المنافقين وصفاتهم حتى يبتعدوا عنها.
تهديد المؤمنين من سلوك مسالك المنافقين والتحذير من الاتصاف بصفاتهم.
حض المؤمنين على الصدق مع الله، وتصفية سرائرهم، وإسلام وجوههم لله.
وصفات المنافقين كثيرة، منها على سبيل المثال ما يأتي:
стр. 224
أولاً: قال الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِالله وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ الله وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١)، فظهر في هذه الآيات أن من صفات المنافقين هذه الخصال القبيحة الآتية:
يقولون آمَنَّا بِالله وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ .
يُخَادِعُونَ الله وَالَّذِينَ آمَنُوا.
فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ.
وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى كبرائهم ورؤسائهم قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ.
يشترون الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ.
ثانياً: قال الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ الله عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَالله لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ الله أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (٢)، فظهر من صفات المنافقين في هذه الآيات ما يأتي:
حُسن القول المُعجب الذي يكون له وقع في القلوب .
توسيط الله بجعله شاهداً على هذا القول ، وموثقاً له، وهذا من
стр. 225
أعظم الجناية على الله .
المهارة في الجدل، وقوة الإقناع ؛ لقمع كل معارضة تقف أمامه.
إذا اختفى عن الناس وذهب عنهم وانصرف ، اجتهد في عمل المعاصي التي هي فساد في الأرض.
إذا أُمر بتقوى الله تكبّر، وأخذته العزّة بالإثم ، فجمع بين العمل بالجرائم والتكبر.
ثالثاً: قال الله : ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لله جَمِيعًا﴾ (١) , فمن صفات المنافقين في هاتين الآيتين ما يأتي:
أنهم يوالون الكفار، ويحبّونهم وينصرونهم .
يعتزّون بالكفّار، ويستنصرون بهم .
رابعاً: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَ إِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَ لاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً * مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ (٢) , فظهر في هاتين الآيتين أن من صفات المنافقين ما يأتي:
يخادعون الله، وهو خادعهم.
إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى.
يراؤن الناس بأعمالهم .
стр. 226
لا يذكرون الله إلا قليلاً.
متردِّدون بين فريقٍ من المؤمنين وفريقٍ من الكافرين .
خامساً: قال الله تعالى في شأن المنافقين: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِالله وَبِرَسُولِهِ وَ لاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَ لاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (١) , فظهر في هاتين الآيتين صفات قبيحة من صفات المنافقين، هي على النحو الآتي:
وصفهم الله بالفسق فقال: ﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
كفروا بالله وبرسوله.
لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى.
لا ينفقون إلا وهم كارهون.
وفي هذه الصفات غاية الذمّ للمنافقين ولمن فعل فعلهم، فينبغي لكل أحد أن يبتعد عن الفسق، ويُؤمن بالله ورسوله ﷺ ، ويأتي الصلاة وهو نشيط البدن والقلب، ويُنفق وهو مُنشرح الصدر، ثابت القلب، يرجو ذخرها وثوابها من الله وحده، ولا يتشبّه بالمنافقين.
سادساً: قال الله : ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُون * وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ
стр. 227
طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ (١) , فالمنافقون يستهزئون بالله ورسوله، والمؤمنين، وقد فضحهم الله وبيّن صفاتهم للمؤمنين.
سابعاً: قال الله : ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ (٢) , فظهر في هاتين الآيتين بعض صفات المنافقين الآتية:
المنافقون بعضهم من بعض: يتولّى بعضهم بعضاً .
يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف .
يقبضون أيديهم عن الصدقة وطرق الإحسان ، فهم من أبخل الناس.
نسوا الله فلا يذكرونه إلا قليلاً، فنسيهم من رحمته، فلا يوفّقهم لخير.
إن المنافقين هم الفاسقون.
ثامناً: قال الله : ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ الله مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِالله وَرَسُولِهِ وَالله لاَ
стр. 228
يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١)، فالمنافقون ظهر لهم صفات في هاتين الآيتين، منها ما يأتي:
يلمزون المطوّعين في الصدقات: يلمزون المكثر في الصدقة فيقولون: قصد بنفقته الرياء، والسّمعة، ويلمزون المقلّ الفقير فيقولون: إن الله غنيٌّ عن صدقة هذا.
السخرية بالمؤمنين .
كفروا بالله ورسوله .
تاسعاً: قال الله : ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ الله قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون﴾ (٢) , فالمنافقون إذا أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض جازمين على ترك العمل بها، وينتظرون الفرصة في الاختفاء عن أعين المؤمنين، ثم انصرفوا مُتسلّلين، وانقلبوا مُعرضين، فجازاهم الله بعقوبةٍ من جنس عملهم، فكما انصرفوا عن العمل صرف الله قلوبهم، وصدّها عن الحق، وخذلها بأنهم قوم لا يفقهون فقهاً ينفعهم؛ فإنهم لو فقهوا، لكانوا إذا أُنزلت سورة آمنوا بها، وانقادوا لأمرها (٣) , كما قال : ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ (٤).
стр. 229
وقال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ الله عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (١).
عاشراً: قال النبي ﷺ : ((تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعاً، لا يذكر الله فيها إلا قليلاً)) (٢) , فظهر في هذا الحديث صفتان من صفات المنافقين، هما:
تأخير الصلاة عن وقتها .
ينقر الصلاة، ولا يذكر الله فيها إلا قليلاً .
الحادي عشر: قال الرسول ﷺ : ((إنَّ أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوها ولو حبواً ... )) (٣).
فظهر أن صفات المنافقين إجمالاً على النحو الآتي:
يدَّعون الإيمان، وهم كاذبون .
يخادعون الله والذين آمنوا، وما يخدعون إلا أنفسهم .
في قلوبهم مرض، فزادهم الله مرضاً .
يدَّعون الإصلاح، وهم المفسدون .
стр. 230
يرمون المؤمنين بالسَّفَه .
يستهزئون بالمؤمنين، ويسخرون منهم .
يشترون الضلالة بالهدى .
قولهم حسن، وهم ألدُّ الخصام .
يُشهدون الله على ما في قلوبهم، وهم كاذبون .
ماهرون في الجدل بالباطل .
إذا اختفوا عن الناس اجتهدوا في الباطل .
إذا قيل لهم اتّقوا الله أخذتهم العزة بالإثم .
يوالون الكفار، وينصرونهم، ويخدمونهم .
يعتزّون بالكفار، ويستنصرون بهم .
إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى .
يراؤن الناس بأعمالهم .
لا يذكرون الله إلا قليلاً .
متردِّدون بين الكفار والمؤمنين .
يكفرون بالله ورسوله ﷺ -.
المنافقون هم الفاسقون .
لا ينفقون إلا وهم كارهون .
المنافقون يتولّى بعضهم بعضاً .
يقبضون أيديهم فلا ينفقون في طرق الخير .
يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف .
نسوا الله فنسيهم .
стр. 231
يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصدقات .
يؤخّرون الصلاة عن وقتها .
ينقرون الصلاة، ولا يذكرون الله فيها إلا قليلاً .
أثقل الصلوات عليهم العشاء والفجر .
يتأخّرون عن صلاة الجماعة .
قلوبهم قاسية، وعقولهم قاصرة .
لم يرضوا بالإسلام ديناً .
يأخذون من الدين ما وافق رغباتهم .
يقولون ما لا يفعلون .
يُظهرون الشجاعة في السلم، وجبناء في الحرب .
لا يتحاكمون إلى الله ورسوله ﷺ -.
يجدون الحرج والضيق في أنفسهم من حكم الله ورسوله ﷺ -.
يُخذِّلون المؤمنين عن الجهاد .
ييأسون من رحمة الله، وينقطع أملهم في نصره .
يقصدون بجهادهم الدنيا، وإذا يئسوا من ذلك تثاقلوا .
يفجرون في المخاصمة .
يحاربون الإسلام وأهله عن طريق الخفية والتسمِّي به .
لا يهمّهم إلا مصالحهم الذاتية .
يطعنون في العلماء المخلصين بالكذب وتغيير الحقائق .
يُثيرون الشبهات حول الإسلام، ليصدّوا الناس عن الدخول فيه .
يُبغضون أنصار الدين .
стр. 232
يكذبون في الحديث .
يخونون الله ورسوله والمؤمنين .
يُخلفون الوعد .
لكل واحد منهم وجهان: وجه للمؤمنين، ووجه لأعداء الدين .
لا يعقلون ما ينفعهم، ولا يسمعون ما يُفيدهم ، ولا ينظرون إلى آيات الله التي تدلّ على قدرته.
تسبق يمين أحدهم كلامه لعلمه أن قلوب المؤمنين لا تطمئن إليه.
قلوبهم عن الخير لاهية، وأجسادهم إليه ساعية .
أخبث الناس قلوباً، وأحسنهم أجساماً .
يُسِرُّون سرائر النفاق، فأظهرها الله على وجوههم وألسنتهم .
ينقضون العهد من أجل الدنيا .
يسخرون بالقرآن الكريم .
فهذه صفات المنافقين، فاحذرها أيها المسلم قبل أن تنزل بك القاضية.
وهذه الصفات من باب الأمثلة (١) , وصفات المنافقين كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله ﵊، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
* المسلك الرابع: آثار النفاق وأضراره:
النفاق له آثار خطيرة، وأضرار مُهلكة، منها ما يأتي:
стр. 233
النفاق الأكبر يسبّب الخوف والرّعب في القلوب، قال الله :
﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ (١).
النفاق الأكبر يُوجب لعنة الله تعالى ، قال الله : ﴿وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ (٢).
وقال سبحانه: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا﴾ (٣).
النفاق الأكبر يُخرج صاحبه من الإسلام ؛ لأنه إسرار الكفر، وإظهار الخير، بل هو أشدُّ من الكفر الظاهر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (٤).
النفاق الأكبر لا يغفره الله إذا مات عليه صاحبه ؛ لأنه أشدُّ من الكفر الظاهر الذي قال الله تعالى في أصحابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرًا﴾ (٥).
стр. 234
النفاق الأكبر يوجب لصاحبه النار ، ويُحرِّم عليه الجنة، قال الله : ﴿إِنَّ الله جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (١).
النفاق الأكبر يُخلِّد صاحبه في النار ، فلا يخرج منها أبداً؛ لقول الله : ﴿وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (٢).
النفاق الأكبر يُسبّب نسيان الله لصاحبه ، قال الله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣).
النفاق الأكبر يُحبط جميع الأعمال ، قال الله : ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِالله وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (٤).
النفاق الأكبر يُطفئ الله نور أصحابه يوم القيامة ، قال الله : ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ (٥).
стр. 235
النفاق الأكبر يَحرِمُ العبد دعاء المؤمنين والصلاة عليه عند موته ، قال الله : ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١).
النفاق الأكبر يُسبّب عذاب الدنيا والآخرة , قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (٢).
النفاق الأكبر إذا أظهره صاحبه وأعلنه كان مرتدّاً عن الإسلام، فيكون حلال الدم والمال، وتُطبّق عليه أحكام المرتدّ، إلا أن قبول توبته عند الحاكم فيها خلاف في الظاهر؛ لأن المنافقين يُظهرون الإسلام دائماً (٣).
أما إذا أخفى المنافق نفاقه وكفره؛ فإنه معصوم الدم والمال بما أظهر من الإيمان، والله يتولى السّرائر (٤).
النفاق الأكبر إذا أظهر صاحبه كفره يُوجب العداوة بين صاحبه والمؤمنين ، فلا يُوالونه ولو كان أقرب قريب، وأما إذا لم يُظهر كفره فيُعامل بالظاهر، والله يتولَّى السّرائر.
النفاق الأصغر، وهو النفاق العملي، ينقص الإيمان ويضعفه، ويكون صاحبه على خطر من عذاب الله تعالى.
стр. 236
النفاق الأصغر صاحبه على خطر ؛ لئلا يجرّه إلى النفاق الأكبر.
ونعوذ بالله من غضبه، ومن جميع أنواع النفاق صغيره وكبيره، ونسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 237
المبحث السادس: نور السنة وظلمات البدعة
المطلب الأول: نور السنة
* المسلك الأول: مفهومها:
السنة لها أهل، ولهم عقيدة، واجتماع على الحق، فمن المناسب أن أذكر التعريف لهذه الكلمات الثلاث: ((عقيدة أهل السنة والجماعة)).
أولاً: مفهوم العقيدة لغةً واصطلاحاً:
العقيدة لغةً: كلمة ((عقيدة)) مأخوذة من العقد والربط، والشدّ بقوة، ومنه الإحكام والإبرام، والتماسك والمراصّة، يقال: عقد الحبل يعقده: شدّه، ويقال: عقد العهدَ والبيع: شدّه، وعقد الإزارَ: شدّه بإحكام، والعقد: ضدّ الحل (١).
مفهوم العقيدة اصطلاحاً: العقيدة تطلق على الإيمان الجازم، والحكم القاطع الذي لا يتطرّق إليه شكٌّ، وهي ما يُؤمن به الإنسانُ، ويعقد عليه قلبه وضميره، ويتخذه مذهباً وديناً يدين به؛ فإن كان هذا الإيمان الجازم، والحكم القاطع صحيحاً كانت العقيدة صحيحةً كاعتقاد أهل السنة والجماعة، وإن كان باطلاً كانت العقيدة باطلةً كاعتقاد فرق الضلالة (٢).
ثانياً: مفهوم أهل السنة:
السنة في اللغة: الطريقة والسيرة، حسنة كانت أم قبيحة (٣).
стр. 238
والسنة في اصطلاح علماء العقيدة الإسلامية: الهدي الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه: علماً واعتقاداً، وقولاً، وعملاً، وهي السنة التي يجب اتباعها ويُحمد أهلُها، ويُذمُّ من خَالَفها؛ ولهذا قيل: فلان من أهل السنة: أي من أهل الطريقة الصحيحة المستقيمة المحمودة (١).
قال الحافظ ابن رجب ﵀: ((والسنة هي الطريقة المسلوكة، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه ﷺ هو وخلفاؤه الراشدون: من الاعتقادات، والأعمال، والأقوال، وهذه هي السُّنة الكاملة)) (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((السنة هي ما قام الدليل الشرعي عليه؛ بأنه طاعة لله ورسوله، سواء فعله رسول الله ﷺ ، أو فُعِل في زمانه، أو لم يفعله ولم يفعل على زمانه، لعدم المقتضى حينئذٍ لفعله، أو وجود المانع منه)) (٣)، وبهذا المعنى تكون السنة: ((اتّباع آثار رسول الله ﷺ ، باطناً وظاهراً، واتّباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار)) (٤).
ثالثاً: مفهوم الجماعة:
الجماعة في اللغة: مأخوذة من مادة جمع، وهي تدور حول الجمع والإجماع والاجتماع، وهو ضدّ التفرق، قال ابن فارس ﵀: ((الجيم والميم والعين أصل واحد يدل على تضامّ الشيء، يقال: جمعت الشيء جمعاً)) (٥).
стр. 239
والجماعة في اصطلاح علماء العقيدة الإسلامية: هم سلف الأمة: من الصحابة، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الذين اجتمعوا على الحق الصريح من الكتاب والسنة (١).
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ((الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك))، قال نُعيم بن حمّاد: ((يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة، قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذٍ)) (٢).
* المسلك الثاني: أسماء أهل السُّنَّةِ وصِفَاتِهم:
١ - أهل السنة والجماعة: هم من كان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وهم المتمسكون بسنة النبي ﷺ وهم الصحابة، والتابعون، وأئمة الهدى المُتَّبِعون لَهُم، وهم الذين استقاموا على الاتِّباع وابتعدوا عن الابتداع في أي مكان وفي أي زمان، وهم باقون منصورون إلى يوم القيامة (٣)، وسُمُّوا بذلك لانتسابهم لسنة النبي ﷺ ، واجتماعهم على الأخذ بها: ظاهراً وباطناً، في القول، والعمل، والاعتقاد (٤). فعن عوف بن مالك
стр. 240
- ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : ((افترقت اليهودُ على إحدى وسبعين فرقةً، فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعين فرقة في النار، وواحدة في الجنة، والذي نفسُ محمدٍ بيده لَتَفْتَرِقَنَّ أمتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة، واحدةٌ في الجنة، واثنتان وسبعون في النار))، قيل: يا رسول الله، من هم؟ قال: ((الجماعة)) (١)، وفي رواية الترمذي عن عبد الله بن عمرو: قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ((ما أنا عليه وأصحابي)) (٢).
٢ - الفرقة الناجية: أي الناجية من النار؛ لأن النبي ﷺ استثناها عندما ذكر الفرق، وقال: ((كلها في النار إلا واحدة)) أي ليست في النار (٣).
٣ - الطائفة المنصورة: فعن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تزال طائفةٌ من أمتي قائمةٌ بأمر الله لا يضرُّهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس)) (٤)، وعن المغيرة بن شعبة ﵁ نحوه (٥)، وعن ثوبان ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : ((لا تزال
стр. 241
طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ لا يضرّهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)) (١)، وعن جابر بن عبد الله ﵄ نحوه (٢).
٤ - المعتصمون المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار؛ ولهذا قال فيهم النبي ﷺ : ((ما أنا عليه وأصحابي)) (٣)، أي هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي.
٥ - هم القدوة الصالحة الذين يهدون إلى الحق وبه يعملون ، قال أيوب السختياني ﵀: ((إن من سعادة الحدَث (٤)، والأعجمي أن يوفقهما الله لعالِمٍ من أهل السنة)) (٥)، وقال الفضيل بن عياض ﵀: ((إن لله عباداً يُحيي بِهمُ البلادَ، وهم أصحاب السنة، ومن كان يعقل ما يَدخُلُ جَوفَهُ من حلّه كان من حزب الله)) (٦).
стр. 242
٦ - أهل السنة خيار الناس ينهون عن البدع وأهلها ، قيل لأبي بكر بن عياش مَنِ السُّنّي؟ قال: ((الذي إذا ذُكِرَتِ الأهواء لم يتعصبْ إلى شيءٍ منها)) (١). وذكر ابن تيمية ﵀: أن أهل السنة هم خيار الأمة، ووسطها الذين على الصراط المستقيم: طريق الحق والاعتدال (٢).
٧ - أهل السنة هم الغرباء إذا فسد الناس: فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((بدأ الإسلام غريباً، وسيعود كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء)) (٣)، وفي رواية عند الإمام أحمد ﵀ عن عبد الله بن مسعود ﵁، قيل: ومن الغرباء؟ قال: ((النُّزَّاع (٤) من القبائل)) (٥)، وفي رواية عند الإمام أحمد ﵀ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، فقيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: ((أناس صالحون في أناس سوءٍ كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم)) (٦)، وفي رواية من طريق آخر: ((الذين يصلحون إذا فسد الناس)) (٧)، فأهل السنة الغرباء بين جموع أصحاب البدع والأهواء والفرق.
стр. 243
٨ - أهل السنة هم الذين يحملون العلم:
أهل السنة هم الذين يحملون العلم، وينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؛ ولهذا قال ابن سيرين ﵀: ((لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سمُّوا لنا رجالكم، فَيُنْظَرُ إلى أهل السنة فيُؤخَذ حديثُهم، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يُؤخَذ حديثهم)) (١).
٩ - أهل السنة هم الذين يحزنُ الناسُ لفراقهم:
قال أيوب السختياني ﵀: ((إني أُخْبَرُ بموت الرجل من أهل السنة فكأنما أفقد بعض أعضائي)) (٢)، وقال: ((إن الذين يتمنون موتَ أهل السُّنَّةِ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله مُتِمّ نوره ولو كره الكافرون)) (٣).
* المسلك الثالث: السنة نعمةٌ مطلقة:
النعمة نعمتان: نعمة مطلقة، ونعمة مقيدة:
أولاً: النعمة المطلقة: هي المتصلة بسعادة الأبد، وهي: نعمة الإسلام، والسنة؛ فإن سعادة الدنيا والآخرة، مبنية على أركان ثلاثة: الإسلام، والسنة، والعافية في الدنيا والآخرة. ونعمة الإسلام والسنة هي النعمة التي أمرنا الله أن نسأله في صلاتنا أن يهدينا صراط أهلها، ومن خصهم بها، وجعلهم أهل الرفيق الأعلى حيث يقول تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٤).
стр. 244
فهؤلاء الأصناف الأربعة هم أهل هذه النعمة المطلقة، وأصحابها المعنيون بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (١)، فكان الكمال في جانب الدين، والتمام في جانب النعمة، قال عمر بن عبد العزيز ﵀: ((إن للإيمان حدوداً، وفرائض، وسنناً، وشرائع، فمن استكملها فقد استكمل الإيمان)) (٢).
ودين الله هو شرعه المتضمِّن لأمره ونهيه، ومحابّه، والمقصود أن النعمة المطلقة هي التي اختُصَّت بالمؤمنين، وهي نعمة الإسلام والسنة، وهذه النعمة هي التي يُفرح بها في الحقيقة، والفرح بها مما يحبه الله ويرضاه، قال : ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٣)، وقد دارت أقوال السلف على أن فضل الله ورحمته: ((الإسلام والسنة، وعلى حسب حياة القلب يكون فرحه بهما، وكلما كان أرسخ فيهما كان قلبه أشدَّ فرحاً، حتى أن القلب ليرقص فرحاً إذا باشر روح السنة أحزن ما يكون الناس وهو ممتلىء أمناً أخوف ما يكون الناس)) (٤).
ثانياً: النعمة المقيدة: كنعمة الصحة، والغنى، وعافية الجسد، وبسط الجاه، وكثرة الولد، والزوجة الحسنة، وأمثال هذا، فهذه النعمة مشتركة بين البر والفاجر، والمؤمن والكافر؛ وإذا قيل: لله على الكافر نعمة بهذا
стр. 245
الاعتبار فهو حق، والنعمة المقيدة تكون استدراجاً للكافر والفاجر، ومآلها إلى العذاب والشقاء لمن لم يُرزق النعمة المطلقة (١).
* المسلك الرابع: منزلة السنة:
السنة: حصن الله الحصين الذي من دخله كان من الآمنين، وبابه الأعظم الذي من دخله كان إليه من الواصلين، وهي تقوم بأهلها وإن قعدت بهم أعمالهم، ويسعى نورها بين أيديهم إذا طفئت لأهل البدع والنفاق أنوارهم، وأهل السنة هم المبيَّضة وجوههم إذا اسودَّت وجوه أهل البدعة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (٢)، قال ابن عباس ﵄: ((تبيَضُّ وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسودُّ وجوه أهل البدعة والتفرُّق)) (٣).
والسنة هي الحياة والنور اللذان بهما سعادة العبد وهداه وفوزه، قال الله جل وعلا: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٤)، والله الموفق (٥).
* المسلك الخامس: منزلة صاحب السنة وصاحب البدعة:
أولاً: منزلة صاحب السنة:
стр. 246
صاحب السنة حيُّ القلب، مستنير القلب، وقد ذكر الله الحياة والنور في كتابه في غير موضع، وجعلهما صفة أهل الإيمان؛ فإن القلب الحي المستنير: هو الذي عقل عن الله، وأذعن، وفهم عنه، وانقاد لتوحيده، ومتابعة ما بعث به رسول الله ﷺ .
وقد كان النبي ﷺ يسأل الله تعالى أن يجعل له نوراً: في قلبه، وسمعه، وبصره، ولسانه، ومن فوقه، ومن تحته، وعن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه ومن أمامه، وأن يجعل له نوراً، وأن يجعل ذاته نوراً، وفي بشره، ولحمه، وعظمه، ولحمه، ودمه، فطلب ﷺ النور لذاته، ولأبعاضه، ولحواسه الظاهرة والباطنة، ولجهاته الست، والمؤمن مدخله نور، ومخرجه نور، وقوله نور، وعمله نور، وهذا النور بحسب قوته وضعفه يظهر لصاحبه يوم القيامة، فيسعى بين يديه، و [عن] يمينه، فمن الناس من يكون نوره: كالشمس، وآخر كالنجم، وآخر كالنخلة الطويلة، وآخر كالرجل القائم، وآخر دون ذلك، حتى أن منهم من يُعطى نوراً على رأس إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ أخرى، كما كان نور إيمانه ومتابعته في الدنيا كذلك، فهو هذا بعينه يظهر هناك للحسّ، والعيان (١).
ثانياً: علامات أهل السنة كثيرة، يدركها العقلاء من البشر، ومن أهمّ تلك العلامات:
الاعتصام بالكتاب والسنة، والعضّ على ذلك بالنواجذ.
التحاكم إلى الكتاب والسنة في الأصول والفروع.
стр. 247
حبهم لأهل السنة والمتمسّكين بها، وبُغضهم لأهل البدع.
لا يستوحشون من قلّة السالكين؛ لأن الحق ضالة المؤمن، يأخذ به ولو خالفه الناس.
الصدق في الأقوال والأفعال، بالتطبيق الصحيح لهدي الكتاب والسنة.
التأسّي برسول الله ﷺ الذي كان خلقه القرآن (١).
ثالثًا: منزلة صاحب البدعة:
صاحب البدعة ميت القلب، مظلمه، وقد جعل الله الموت والظلمة صفة من خرج عن الإيمان، والقلب الميت المظلم الذي لم يعقل عن الله، ولا انقاد لما بُعث به رسول الله ﷺ ؛ ولهذا وصف الله هذا الضرب من الناس بأنهم أموات غير أحياء، وبأنهم في الظلمات لا يخرجون منها؛ ولهذا كانت الظلمة مستولية عليهم في جميع حياتهم، فقلوبهم مظلمة ترى الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، وأعمالهم مظلمة، وأقوالهم مظلمة، وأحوالهم كلها مظلمة، وقبورهم ممتلئة عليهم ظلمة، وإذا قسمت الأنوار يوم القيامة دون الجسر للعبور عليه بقوا في الظلمات، ومدخلهم في النار مظلم، وهذه الظلمة، التي خلق فيها الخلق أولاً، فمن أراد الله به السعادة أخرجه منها إلى النور، ومن أراد به الشقاوة تركه فيها (٢).
стр. 248
المطلب الثاني: ظلمات البدعة
* المسلك الأول: مفهومها:
البدعة: لغة: الحدث في الدين بعد الإكمال، أو ما استحدث بعد النبي ﷺ من الأهواء والأعمال (١)، ويقال: ((ابتدعتُ الشيء، قولاً أو فعلاً إذا ابتدأته عن غير مثال سابق)) (٢)، وأصل مادة ((بدع)) للاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (٣)، أي: مخترعهما من غير مثال سابق متقدم (٤).
والبدعة في الاصطلاح الشرعي لها عدة تعريفات عند العلماء ويكمِّل بعضها بعضاً، منها:
١ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ((البدعة في الدين: هي ما لم يشرعْه الله ورسوله ﷺ : وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب، ولا استحباب)) (٥).
((والبدعة نوعان: نوع في الأقوال والاعتقادات، ونوع في الأفعال والعبادات، وهذا الثاني يتضمَّن الأوّل، كما أن الأوّل يدعو إلى الثاني)) (٦). ((وكان الذي بنى عليه أحمد وغيره مذاهبهم: أن الأعمال
стр. 249
عبادات وعادات))، فالأصل في العبادات أنه لا يُشرع منها إلا ما شرعه الله، والأصل في العادات أنه لا يحظر منها إلا ما حظر الله)) (١).
وقال أيضاً: ((والبدعة ما خالف الكتاب والسنة، أو إجماع سلف الأمة: من الاعتقادات، والعبادات: كأقوال الخوارج، والروافض، والقدرية، والجهمية، وكالذين يتعبّدون بالرقص والغناء في المساجد، والذين يتعبّدون بحلق اللحى، وأكل الحشيشة، وأنواع ذلك من البدع التي يتعبّد بها طوائف من المخالفين للكتاب والسنة، والله أعلم)) (٢).
٢ - قال الشاطبي رحمه الله تعالى: ((البدعة: طريقة في الدين مخترعة، تضاهي (٣) الشرعيَّة، يُقصدُ بالسلوك عليها المبالغة في التعبّد لله سبحانه)).
وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصُّها بالعبادات، وأما على رأي من أدخل الأعمال العاديّة في معنى البدعة، فيقول ((البدعة: طريقة في الدِّين مخترعةٌ، تضاهي الشّرعيّة، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية)) (٤).
ثم قرّر رحمه الله تعالى على تعريفه الثاني أن العادات من حيث هي عادية لا بدعة فيها، ومن حيث يتعبّد بها، أو تُوضع وضع التّعبُّد تدخلها البدعة، فحصل بذلك أنه جمع بين التعريفين، ومثل للأمور
стр. 250
العادية التي لابدّ فيها من التعبُّد: بالبيع، والشراء، والنكاح، والطلاق، والإيجارات، والجنايات ... لأنها مقيّدة بأمور وشروط وضوابط شرعية لا خيرة للمكلَّف فيها (١).
٣ - وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى (٢): ((والمراد بالبدعة ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدلُّ عليه، فأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعة شرعاً، وإن كان بدعةً لغةً، فكل من أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدِّين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة.
أما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر ﵁ لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك قال: ((نعمة البدعة هذه)) (٣) ... ومراده ﵁ أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصول من الشريعة يرجع إليها.
فمنها: أن النبي ﷺ كان يحث على قيام رمضان، ويرغِّب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحداناً، وهو ﷺ صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة، ثم امتنع من ذلك مُعلِّلاً، بأنه خشي