← Акыда

Акыда · id 96546

عقيدة المسلم في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (978 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

متضمن لتفرُّده بكماله، وأنه لا نظير له. وكذلك قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ (١) متضمن لعظمته، وأنه جل عن أن يدرك بحيث يحاط به، وهذا مطّرد في كل ما وصف به نفسه من السلوب (٢). المبحث الرابع: دلالة الأسماء الحُسنى ثلاثة أنواع: أسماء الله كلها حُسنى، وكلها تدل على الكمال المطلق والحمد المطلق، وكلها مشتقة من أوصافها، فالوصف فيها لا ينافي العلمية، والعلمية لا تنافي الوصف، ودلالتها ثلاثة أنواع: دلالة مطابقة إذا فسرنا الاسم بجميع مدلوله. ودلالة تَضمُّن إذا فسرناه ببعض مدلوله. ودلالة التزام إذا استدللنا به على غيره من الأسماء التي يتوقف هذا الاسم عليها. فمثلاً ((الرحمن)) دلالته على الرحمة والذات دلالة مطابقة. وعلى أحدهما دلالة تضمن؛ لأنها داخلة في الضمن، ودلالته على الأسماء التي لا توجد الرحمة إلا بثبوتها كالحياة، والعلم، والإدارة، والقدرة، ونحوها دلالة التزام، وهذه الأخيرة تحتاج إلى قوة فكر وتأمل، ويتفاوت فيها أهل العلم، فالطريق إلى معرفتها أنك إذا فهمت اللفظ وما يدل عليه من المعنى وفهمته فهماً جيداً، فَفَكَّر فيما يتوقف عليه ولا يتم بدونه. وهذه القاعدة تنفعك في جميع النصوص الشرعية، فدلالاتها الثلاث كلها

стр. 212

حجة لأنها معصومة محكمة (١). المبحث الخامس: حقيقة الإلحاد في أسماء الله تعالى وحقيقة الإلحاد فيها هو الميل بها عن الاستقامة: إما بإثبات المشاركة فيها لأحدٍ من الخلق، كإلحاد المشركين الذين اشتقوا لآلهتهم من صفات الله ما لا يصلح إلا لله، كتسميتهم اللات من الإله، والعزى من العزيز، ومناة من المنَّان، وكل مشرك تعلق بمخلوق اشتق لمعبوده من خصائص الربوبية والإلهية ما برَّر له عبادته. وأعظم الخلق إلحاداً طائفة الاتحادية الذين من قولهم: إن الرب عين المربوب، فكل اسم ممدوح أو مذموم يطلق على الله عندهم، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. وإما أن يكون الإلحاد بنفي صفات الله وإثبات أسماء لا حقيقة لها، كما فعل الجهمية ومن تفرع عنهم، وإما بجحدها وإنكارها رأساً إنكاراً لوجود الله، كما فعل زنادقة الفلاسفة، فهؤلاء الملحدون قد انحرفوا عن الصراط المستقيم ويمموا طرق الجحيم (٢). قال ابن القيم رحمه الله تعالى: قال تعالى: ﴿وَلله الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٣)، والإلحاد في أسمائه هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها، وهو مأخوذ من الميل كما تدل عليه مادته (ل ح د)، فمنه اللحد وهو الشق في جانب القبر الذي قد مال عن الوسط، ومنه الْمُلحِد في الدين

стр. 213

المائل عن الحق إلى الباطل. قال ابن السِّكِّيت: الملحد المائل عن الحق المدخل فيه ما ليس منه. ومنه الملتحد وهو مفتعل من ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ (١) أي من تعدل إليه وتهرب إليه وتلتجئ إليه وتبتهل إليه فتميل إليه عن غيره. تقول العرب: التحد فلان إلى فلان إذا عدل إليه. إذا عُرِفَ هذا فالإلحاد في أسمائه تعالى أنواع: أحدها: أن تُسمَّى الأصنام بها كتسميتهم اللات من الإله، والعزى من العزيز. وتسميتهم الصنم إلهاً، وهذا إلحاد حقيقة؛ فإنهم عدلوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة. الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له أباً، وتسمية الفلاسفة له موجباً بذاته، أو علة فاعلة بالطبع ونحو ذلك. ثالثها: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص، كقول أخبث اليهود: إنه فقير. وقولهم: إنه استراح بعد أن خلق خلقه. وقولهم: ﴿يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾ (٢)، وأمثال ذلك مما هو إلحاد في أسمائه وصفاته. ورابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها، كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم: إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني فيطلقون عليه اسم السميع، والبصير، والحي، والرحيم، والمتكلم، والمريد، ويقولون: لا حياة له، ولا سمع له، ولا بصر له، ولا كلام، ولا إرادة

стр. 214

تقوم به وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلاً، وشرعاً، ولغة، وفطرة، وهو يقابل إلحاد المشركين؛ فإن أولئك أعطوا أسماءه وصفاته لآلهتهم وهؤلاء سلبوه صفات كماله وجحدوها وعطلوها، فكلاهما ملحد في أسمائه، ثم الجهمية وفروخهم متفاوتون في هذا الإلحاد، فمنهم الغالي والمتوسط والمنكوب. وكل من جحد شيئاً مما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله فقد ألحد في ذلك فليستقلّ أو ليستكثر. وخامسها: تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى الله عما يقول المشبهون علواً كبيراً. فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة، فإن أولئك نفوا صفة كماله وجحدوها، وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه فجمعهم الإلحاد وتفرقت بهم طرقه، وبرَّأ الله أتباع رسوله وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله فلم يصفوه إلا بما وصف به نفسه، ولم يجحدوا صفاته، ولم يشبهوها بصفات خلقه، ولم يعدلوا بها عما أنزلت عليه لفظاً ولا معنىً؛ بل أثبتوا له الأسماء والصفات ونفوا عنه مشابهة المخلوقات فكان إثباتهم بريئاً من التشبيه، وتنزيههم خالياً من التعطيل، لا كمن شبّه حتى كأنه يعبد صنماً، أو عطَّل حتى كأنه لا يعبد إلا عدماً. وأهل السنة وسط في النِّحل، كما أن أهل الإسلام وسط في الملل، توقد مصابيح معارفهم من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يُضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء. فنسأل الله تعالى أن يهدينا لنوره، ويُسَهِّل لنا السبيل إلى الوصول إلى

стр. 215

مرضاته ومتابعة رسوله، إنه قريب مجيب (١). المبحث السادس: إحصاء الأسماء الحُسنى أصلٌ للعلم إحصاء الأسماء الحُسنى والعلم بها أصلٌ للعلم بكل معلوم، فإن المعلومات سواه إما أن تكون خلقاً له تعالى أو أمراً. إما علم بما كوّنه أو علم بما شرعه، ومصدر الخلق والأمر عن أسمائه الحسنى، وهما مرتبطان بها ارتباط المقتضى بمقتضيه، فالأمر كله مصدره عن أسمائه الحسنى، وهذا كله حسن لا يخرج عن مصالح العباد، والرأفة، والرحمة بهم، والإحسان إليهم بتكميلهم بما أمرهم به ونهاهم عنه، فأمره كله مصلحة، وحكمة، ورحمة، ولُطف، وإحسان؛ إذ مصدره أسماؤه الحسنى، وفعله كله لا يخرج عن العدل، والحكمة، والمصلحة، والرحمة، إذ مصدره أسماؤه الحسنى فلا تفاوت في خلقه، ولا عبث، ولم يخلق خلقه باطلاً، ولا سُدىً، ولا عبثاً. وكما أن كل موجود سواه فبإيجاده، فوجود من سواه تابع لوجوده تبع المفعول المخلوق لخالقه، فكذلك العلم بها أصل للعلم بكل ما سواه

стр. 216

فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي للمخلوق أحصى جميع العلوم؛ إذ إحصاء أسمائه أصل لإحصاء كل معلوم؛ لأن المعلومات هي من مقتضاها ومرتبطة بها، وتأمل صدور الخلق والأمر عن علمه وحكمته تعالى؛ ولهذا لا تجد فيها خللاً ولا تفاوتاً؛ لأن الخلل الواقع فيما يأمر به العبد أو يفعله إما أن يكون لجهله به أو لعدم حكمته. وأما الرب تعالى فهو العليم الحكيم، فلا يلحق فعله ولا أمره خلل، ولا تفاوت، ولا تناقض (١). المبحث السابع: أسماء الله كلها حُسنى أسماء الله كلها حُسنى، ليس فيها اسم غير ذلك أصلاً، وقد تقدم أن من أسمائه ما يطلق عليه باعتبار الفعل نحو الخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، وهذا يدل على أن أفعاله كلها خيرات محض لا شر فيها، لأنه لو فعل الشر لاشتقّ له منه اسم، ولم تكن أسماؤه كلها حُسنى، وهذا باطل، فالشر ليس إليه، فكما لا يدخل في صفاته ولا يلحق ذاته، ولا يدخل في أفعاله، فالشر ليس إليه، لا يُضاف إليه فعلاً ولا وصفاً، وإنما يدخل في مفعولاته. وفرق بين الفعل والمفعول، فالشر قائم بمفعوله المباين له، لا بفعله الذي هو فعله، فتأملْ هذا فإنه خَفِيَ على كثير من المتكلمين وزلَّت فيه أقدامٌ، وضلَّت فيه أفهامٌ، وهدى الله أهل الحق لما اختلفوا فيه بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (٢).

стр. 217

المبحث الثامن: أسماء الله تعالى منها ما يطلق عليه مفرداً ومقترناً بغيره ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده بل مقروناً بمقابله إن أسماءه تعالى منها ما يطلق عليه مفرداً ومقترناً بغيره وهو غالب الأسماء. فالقدير، والسميع، والبصير، والعزيز، والحكيم، وهذا يسوغ أن يُدعَى به مفرداً ومقترناً بغيره، فتقول: يا عزيزُ يا حليمُ، يا غفورُ يا رحيمُ، وأن يفرد كل اسم وكذلك في الثناء عليه والخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد والجمع. ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده بل مقروناً بمقابله كالمانع، والضار، والمنتقم، فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله فإنه مقرون بالمُعطي، والنافع، والعفوّ، فهو المعطي المانع، الضارُّ النافعُ، المنتقمُ العفوّ، المعزّ المذلّ، لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله؛ لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية، وتدبير الخلق، والتصرف فيهم عطاءً، ومنعاً، ونفعاً، وضراً، وعفواً، وانتقاماً. وأما أن يثنى عليه بمجرد المنع، والانتقام، والإضرار، فلا يسوغ. فهذه الأسماء المزدوجة تُجرى الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعدّدت جارية مجرى الاسم الواحد؛ ولذلك لم تجئ مفردة ولم تطلق عليه إلا مقترنة، فاعلمه ((فلو قلت)) يا مُذلُ، يا ضارُّ، يا مانعُ، وأخبرت بذلك لم تكن مثنياً عليه ولا حامداً له حتى تذكر مقابلها (١).

стр. 218

المبحث التاسع: من أسماء الله الحُسنى ما يكون دالاً على عدة صفات قال الإمام ابن القيم ﵀: من أسمائه الحُسنى ما يكون دالاً على عدة صفات. ويكون ذلك الاسم متناولاً لجميعها تناول الاسم الدال على الصفة الواحدة لها ... كاسمه العظيم، والمجيد، والصمد، كما قال ابن عباس فيما رواه عنه ابن أبي حاتم في تفسيره: الصمد السيد الذي قد كَمُلَ في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع شرفه وسؤدده وهو الله سبحانه. وهذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفواً أحد، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار. هذا لفظه. وهذا مما خَفِيَ على كثير ممن تعاطَى الكلام في تفسير الأسماء الحسنى، ففسَّر الاسم بدون معناه، ونقصه من حيث لا يعلم، فمن لم يُحط بهذا علماً بخس الاسم الأعظم حقه وهضمه معناه فتدبره (١). المبحث العاشر: الأسماء الحُسنى التي ترجع إليها جميع الأسماء والصفات قال ابن القيم رحمه الله تعالى في تفسير سورة الفاتحة: اعلم أن هذه السورة اشتملت على أمهات المطالب العالية أتم اشتمال، وتضمنتها أكمل تضمن، فاشتملت على التعريف بالمعبود ﵎ بثلاثة أسماء مرجع الأسماء الحسنى، والصفات العليا إليها، ومدارها عليها

стр. 219

وهي: الله، والرَّب، والرَّحمنُ. وبُنيت السورة على الإلهية، والربوبية، والرحمة، فـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ مبني على الإلهية، و ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على الربوبية، وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم بصفة الرحمة. والحمد يتضمن الأمور الثلاثة: فهو المحمود في إلهيته، وربوبيته، ورحمته، والثناء والمجد كمالان لجده ... وتضمنت - يعني سورة الفاتحة - إثبات النبوات من جهات عديدة: ١ - كون الله ((رب العالمين)). فلا يليق به أن يترك عباده سُدى هَمَلاً لا يُعرِّفَهم ما ينفعهم في معاشهم، ومعادهم، وما يضرهم فيهما فهذا هَضْمٌ للربوبية، ونسبة الرب تعالى إلى ما لا يليق به، وما قدره حق قدره من نسبة إليه. ٢ - من اسم ((الله)) وهو المألوه المعبود ولا سبيل للعباد إلى معرفة عبادته إلا من طريق رسله عليهم الصلاة والسلام. ٣ - من اسمه ((الرحمن)) فإن رحمته تمنع إهمال عباده، وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية كمالهم. فمن أعْطى اسم ((الرحمن)) حقه عرف أنه متضمن لإرسال الرسل، وإنزال الكتب، أعظم من تضمنه إنزال الغيث، وإنبات الكلأ، وإخراج الحب، فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح، لكن المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظّ البهائم والدواب. وأدرك منه أُولُو الألباب أمراً وراء ذلك ... (١).

стр. 220

واشتملت سورة الفاتحة على أنواع التوحيد الثلاثة التي اتفقت عليها الرسل صلوات الله وسلامه عليهم. وهي: ١ - التوحيد العلمي - سُمِّي بذلك لتعلقه بالأخبار والمعرفة - ويسمى أيضاً بـ ((توحيد الأسماء والصفات)). ٢ - التوحيد القصدي الإرادي - سُمِّيَ بذلك لتعلقه بالقصد والإرادة - وهذا الثاني نوعان: توحيد في الربوبية، وتوحيد في الإلهية فهذه ثلاثة أنواع. فأما التوحيد العلمي [توحيد الأسماء والصفات] فمداره على إثبات صفات الكمال، وعلى نفي التشبيه، والمثال، والتنزيه عن العيوب والنقائص، وقد دل على هذا شيئان: أ – مجمل. ... ب - مفصل. أ - أما المجمل فإثبات الحمد لله سبحانه. ب - وأما المفصل فذكر صفة ((الإلهية، والربوبية، والرحمة، والملك)) وعلى هذه الأربعة مدار الأسماء والصفات. * فأما تضمن الحمد لذلك فإن الحمد يتضمن مدح المحمود بصفات كماله، ونعوت جلاله، مع محبته والرضا عنه، والخضوع له. فلا يكون حامداً من جحد صفات المحمود، ولا من أعرض عن محبته والخضوع له، وكلما كانت صفات المحمود أكثر كان حمده أكمل، وكلما

стр. 221

نقص من صفات كماله نقص من حمده بحسبها. ولهذا كان الحمد كله لله حمداً لا يحصيه سواه لكمال صفاته وكثرتها؛ ولأجل هذا لا يُحصي أحدٌ من خلقه ثناءً عليه لما له من صفات الكمال ونعوت الجلال التي لا يحصيها سواه. كما قال ﷺ : ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك)) (١) .. فهذه دلالة على توحيد الأسماء والصفات. * وأما دلالة الأسماء الخمسة عليها ((أي على الأسماء والصفات)) وهي: ((الله، والرب، والرحمن، والرحيم، والملك)) فمبني على أصلين: الأصل الأول: أسماء الرب ﵎ دالة على صفات كماله فهي مشتقة من الصفات. فهي أسماء وهي أوصاف، وبذلك كانت حُسنى؛ إذْ لو كانت ألفاظاً لا معاني فيها لم تكن حُسنى، ولا كانت دالةً على مدح ولا كمال، ولساغ وقوع أسماء الانتقام، والغضب في مقام الرحمة والإحسان، وبالعكس فيقال: اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر إنك أنت المنتقم. واللهم أعطني فإنك أنت الضار المانع، ونحو ذلك، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. ونفي معاني الأسماء الحُسنى من أعظم الإلحاد فيها قال تعالى: ﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٢)؛ ولأنها لو لم

стр. 222

تدل على معانٍ وأوصاف لم يجز أن يخبر عنها بمصادرها ويوصف بها. لكن الله أخبر عن نفسه بمصادرها وأثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله ﷺ . كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (١)، فعُلِم أن ((القوي)) من أسمائه ومعناه الموصوف بالقوة. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلله الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (٢)، فالعزيز من له العزة، فلولا ثبوت القوة والعزة لم يُسمَّ قوياً، ولا عزيزاً، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (٣) ... وأجمع المسلمون أنه لو حلف بحياة الله، أوسمعه، أو بصره، أو قوته أو عزته، أو عظمته انعقدت يمينه وكانت مكفرة؛ لأن هذه صفات كماله التي اشتقَّتْ منها أسماؤه. وأيضاً لو لم تكن أسماؤه مشتملة على معانٍ وصفات لم يسُغ أن يخبر عنه بأفعالها. فلا يقال: يسمع، ويرى، ويعلم، ويقدر، ويريد؛ فإن ثبوت أحكام الصفات فرع ثبوتها، فإذا انتفى أصل الصفة استحال ثبوت حكمها ... فنفي معاني أسمائه سبحانه من أعظم الإلحاد فيها، والإلحاد فيها أنواع هذا أحدها. الأصل الثاني: الاسم من أسمائه ﵎ كما يدلّ على الذات والصفة التي اشتقّ منها بالمطابقة؛ فإنّه يدلّ عليه دلالتين أُخرَيَيْن بالتضمن واللزوم. فيدل على الصفة بمفردها بالتضمن، وكذلك على الذات المجردة عن

стр. 223

الصفة، ويدل على الصفة الأُخرى باللزوم. فإن اسم ((السميع)) يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة. وعلى الذات وحدها وعلى السمع وحده بالتضمن، ويدل على اسم ((الحي)) وصفة الحياة بالالتزام. وكذلك سائر أسمائه وصفاته، ولكن يتفاوت الناس في معرفة اللزوم وعدمه .. * إذا تقرر هذان الأصلان فاسم ((الله)) دالٌّ على جميع الأسماء الحُسنى والصفات العُلا بالدلالات الثلاث ((المطابقة، والتضمن، واللزوم)). فإنه دال على إلهيته المتضمنة لثبوت صفات الإلهية له، مع نفي أضدادها عنه. وصفات الإلهية - يعني أن الله الإله الحق وحده لا شريك له - هي صفات الكمال المنزهة عن التشبيه والتمثيل، وعن العيوب والنقائص، ولهذا يضيف الله تعالى سائر الأسماء الحُسنى إلى هذا الاسم العظيم، كقوله تعالى: ﴿وَلله الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ويقال: ((الرحمن، والرحيم، والقدوس، والسلام، والعزيز، والحكيم)) من أسماء الله ولا يقال: الله من أسماء الرحمن، ولا من أسماء العزيز. ونحو ذلك. فعُلِمَ أن اسمه ((الله)) مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دالٌّ عليها بالإجمال، والأسماء الحُسنى تفصيل، وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها اسم ((الله))، واسم ((الله)) دالٌّ على كونه مألوهاً معبوداً، تألَّهَهُ الخلائق محبةً، وتعظيماً، خضوعاً وفزعاً إليه في الحوائج والنوائب، وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته، المتضمنين لكمال الملك والحمد. وإلهيته

стр. 224

وربوبيته، ورحمانيته، وملكه، مستلزم لجميع صفات كماله. إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحي، ولا سميع، ولا بصير، ولا قادر، ولا متكلم، ولا فعَّالٍ لما يريد، ولا حكيم في أفعاله. * وصفات الجلال والجمال: أخص باسم ((الله)). * وصفات الفعل، والقدرة، والتفرّد بالضرّ والنفع، والعطاء والمنع، ونفوذ المشيئة، وكمال القوة، وتدبير أمر الخليقة أخص باسم ((الربّ)). * وصفات الإحسان، والجود، والبّر، والحنّان، والمنّة، والرأفة، واللّطف، أخص باسم ((الرحمن)). وكرر إيذاناً بثبوت الوصف، وحصول أثره، وتعلقه بمتعلقاته. فالرحمن الذي الرحمة وصفه، والرحيم: الراحم لعباده؛ ولهذا يقول تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (١)،ولم يجئ رحمان بعباده ولا رحمان بالمؤمنين، مع ما في اسم ((الرحمن)) الذي هو على وزن فعلان من سعة هذا الوصف، وثبوت جميع معناه الموصوف به ... فبناء فعلان للسعة والشمول. ولهذا يقرن استواءه على العرش بهذا الاسم كثيراً كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢)؛لأن العرش محيط بالمخلوقات قد وسعها والرحمة محيطة بالخلق واسعة لهم كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٣)،وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 225

((لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده موضوع على العرش: ((إن رحمتي تغلب غضبي))،وفي لفظ: ((فهو عنده على العرش)) (١). فتأملْ اختصاص هذا الكتاب بذكر الرحمة، ووضعه عنده على العرش، وطابقْ بين ذلك وبين قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (٢) ينفتح لك باب عظيم من معرفة الرب ﵎ إن لم يغلقه عنك التعطيل والتجهيم. * وصفات العدل، والقبض والبسط، والخفض والرفع، والعطاء والمنع، والإعزاز والإذلال، والقهر والحكم، ونحوها أخص باسم ((المَلِك)) وخصّه بيوم الدين وهو الجزاء بالعدل؛ لتفرده بالحكم فيه وحده؛ ولأنه اليوم الحق، وما قبله كساعة؛ ولأنه الغاية وأيام الدنيا مراحل إليه. وفي ذكر هذه الأسماء بعد الحمد في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣)، وإيقاع الحمد على مضمونها ومقتضاها ما يدل على أنه محمود في إلهيته، محمود في ربوبيته،

стр. 226

محمود في رحمانيته، محمود في ملكه، وأنه إله محمود، ورب محمود، وملِك محمود. فله بذلك جميع أقسام الكمال: كمال من هذا الاسم بمفرده، وكمال من الآخر بمفرده، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَالله غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (١)، ﴿وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢)، ﴿وَالله قَدِيرٌ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣)، فالغنى صفة كمال والحمد صفة كمال، واقتران غناه بحمده كمال أيضاً، وعلمه كمال، وحكمته كمال، واقتران العلم بالحكمة كمال أيضاً. وقدرته كمال، ومغفرته كمال، واقتران القدرة بالمغفرة كمال، وكذلك العفو بعد القدرة: ﴿إِنَّ الله كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ (٤). فما كل من قدر عفا، ولا كل من عفا يعفو عن قدرة، ولا كل من علم يكون حليماً، ولا كل حليم عالم في قرن شيء إلى شيءٍ أزين من حلم إلى علم، ومن عفو إلى قدرة، ومن ملك إلى حمد، ومن عزة إلى رحمة: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٥). وفي هذا أظهر دلالة على أن أسماء الرب تعالى مشتقة من أوصاف ومعانٍ قامت به، وإن كل اسم يناسب ما ذكر معه واقترن به من فعله

стр. 227

وأمره، والله الموفق للصواب (١). إذا قال السائل: ((اللهم إني أسألك)) كأنه قال: أدعو الله الذي له الأسماء الحسنى والصفات العُلا بأسمائه وصفاته. فأتى بالميم المؤذنة بالجمع في آخر هذا الاسم، إيذاناً بسؤاله تعالى بأسمائه كلها كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ((ما أصاب عبداً همٌّ ولا حزنٌ، فقال: اللهمّ إني عبدك ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حُزني، وذهاب همّي وغمّي، إلا أذهب الله همّه وغمّه، وأبدله مكانه فرحاً)) قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلمهنّ؟ قال: ((بلى، ينبغي لمن سمعهنّ أن يتعلمهنّ)) (٢). فالداعي مندوب إلى أن يسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته كما في الاسم الأعظم: ((اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنّان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حيُّ يا قيوم)) (٣).

стр. 228

والدعاء ثلاثة أقسام: ١ - أن تسأل الله بأسمائه وصفاته. ٢ - أن تسأله بحاجتك وفقرك وذُلِّك فتقول: أنا العبد الفقير المسكين الذليل المستجير، ونحو ذلك. ٣ - أن تسأل حاجتك ولا تذكر واحداً من الأمرين، فالأول أكمل من الثاني، والثاني أكمل من الثالث، فإذا جمع الدعاء الأمور الثلاثة كان أكمل. وهذه عامة أدعية النبي ﷺ . فالدعاء الذي علّمه صدِّيق الأمة ﵁ ذكر الأقسام الثلاثة: ١ - فإنه قال في أوله: ((اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً)) (١)، وهذا حال السائل. ٢ - ثم قال: ((ولا يغفر الذنوب إلا أنت))، وهذا حال المسؤول. ٣ - ثم قال: ((فاغفر لي)) فذكر حاجته، وختم الدعاء باسمين من الأسماء الحُسنى تناسب المطلوب وتقتضيه، ثم قال ابن القيم ﵀: وهذا القول الذي اخترناه قد جاء عن غير واحد من السلف. قال الحسن البصري: ((اللهم)) مجمع الدعاء، وقال أبو رجاء العطاردي: إن الميم في قوله: ((اللهم)) فيها تسعة وتسعون اسماً من أسماء الله تعالى. وقال النضر بن شميل: من قال: ((اللهم)) فقد دعا الله بجميع أسمائه (٢).

стр. 229

المبحث الحادي عشر: أسماء الله وصفاته مختصة به، واتفاق الأسماء لا يوجب تماثل المسميات . قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: ((سمّى الله نفسه بأسماء، وسمّى صفاته بأسماء، فكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه، لا يشركه فيها غيره، وسمّى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، ولم يلزم من اتفاق الاسمين تماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص، لا اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلاً عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص. فقد سمَّى الله نفسه حيّا، فقال: ﴿الله لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١)، وسمَّى بعض عباده حيّاً، فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ (٢)، وليس هذا الحيّ مثل هذا الحيّ؛ لأن قوله ((الحيّ)) اسم الله مختص به، وقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ اسم للحي المخلوق مختص به، وإنما يتفقان إذا أُطلقا وجُرِّدا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمَّى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدراً مشتركاً بين المسميين، وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق. ولابدّ من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يُفهم منها ما دلّ عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دلّ عليه بالإضافة والاختصاص المانعة

стр. 230

من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه . وكذلك سمَّى الله نفسه عليماً حليماً، وسمّى بعض عباده عليماً، فقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ (١)، يعني إسحاق وسمّى آخر حليماً، فقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ (٢)، يعني إسماعيل، وليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم. وسمَّى نفسه سميعاً بصيراً، فقال: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ الله كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٣)، وسمّى بعض خلقه سميعاً بصيراً فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٤)، وليس السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير. وسمَّى نفسه بالرؤوف الرحيم، فقال: ﴿إِنَّ الله بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٥)، وسمّى بعض عباده بالرؤوف الرحيم، فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٦)، وليس الرؤوف كالرؤوف، ولا الرحيم كالرحيم.

стр. 231

وسمَّى نفسه بالملك، فقال: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ (١)، وسمّى بعض عباده بالملك، فقال: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (٢)، ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ (٣)، وليس الملك كالملك. وسمَّى نفسه بالمؤمن، فقال: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ (٤)، وسمى بعض عباده بالمؤمن، فقال: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ (٥)، وليس المؤمن كالمؤمن. وسمَّى نفسه بالعزيز، فقال: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ (٦)، وسمّى بعض عباده بالعزيز، فقال: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ (٧)،وليس العزيز كالعزيز. وسمَّى نفسه الجبار المتكبر، وسمى بعض خلقه بالجبار المتكبر، فقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (٨)، وليس الجبار كالجبار، ولا المتكبر كالمتكبر. ونظائر هذا متعددة. وكذلك سمَّى صفاته بأسماء، وسمّى صفات عباده بنظير ذلك، فقال:

стр. 232

﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾ (١)، وقال: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (٢)، وقال: ﴿إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٣)، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (٤). وسمَّى صفة المخلوق علماً وقوة، فقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (٥)، وقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٦)، وقال: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ (٧)، وقال: ﴿الله الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ (٨)، وقال: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ (٩)، وقال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ (١٠)، أي: بقوة، وقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ﴾ (١١) أي: ذا القوة، وليس العلم كالعلم، ولا القوة كالقوة. وكذلك وصف نفسه بالمشيئة، ووصف عبده بالمشيئة، فقال: ﴿لِمَن

стр. 233

شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاّ أَن يَشَاءَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). وقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاّ أَن يَشَاءَ الله إِنَّ الله كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٢). وكذلك وصف نفسه بالإرادة، ووصف عبده بالإرادة، فقال: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَالله يُرِيدُ الآخِرَةَ وَالله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣). ووصف نفسه بالمحبة، [ووصف عبده بالمحبة] فقال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٤)، وقال: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله﴾ (٥). ووصف نفسه بالرضا، ووصف عبده بالرضا، فقال: ﴿رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ (٦). ومعلوم أن مشيئة الله ليست مثل مشيئة العبد، ولا إرادته مثل إرادته، ولا محبته مثل محبته، ولا رضاه مثل رضاه. وكذلك وصف نفسه بأنه يمقت الكفار، ووصفهم بالمقت، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ الله أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ

стр. 234

إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ (١)، وليس المقت مثل المقت. وهكذا وصف نفسه بالمكر والكيد، كما وصف عبده بذلك، فقال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله﴾ (٢)،وقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ (٣)، وليس المكر كالمكر، ولا الكيد كالكيد. ووصف نفسه بالعمل، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ (٤)، ووصف عبده بالعمل، فقال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥)، وليس العمل كالعمل. ووصف نفسه بالمناداة والمناجاة، في قوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (٦)، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ (٧)، وقوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ (٨)، ووصف عبده بالمناداة والمناجاة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٩)، وقال: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ (١٠)،

стр. 235

وقال: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١)، وليس المناداة كالمناداة، ولا المناجاة كالمناجاة. ووصف نفسه بالتكليم في قوله: ﴿وَكَلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (٣)، وقوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ الله﴾ (٤)، ووصف عبده بالتكليم في مثل قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ﴾ (٥)، وليس التكليم كالتكليم. ووصف نفسه بالتنبئة، [ووصف بعض الخلق بالتنبئة]، فقال: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٦)، وليس الإنباء كالإنباء. ووصف نفسه بالتعليم، ووصف عبده بالتعليم، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (٧)، وقال: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله﴾ (٨)، وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً

стр. 236

مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (١)، وليس التعليم كالتعليم. وهكذا وصف نفسه بالغضب في قوله: ﴿وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ (٢)، ووصف عبده بالغضب في قوله: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ (٣)، وليس الغضب كالغضب. ووصف نفسه بأنه استوى على عرشه، فذكر في سبع آيات (٤) من كتابه أنه استوى على العرش، ووصف بعض خلقه بالاستواء على غيره، في مثل قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ (٥)، وقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ (٦)، وقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ (٧)، وليس الاستواء كالاستواء. ووصف نفسه ببسط اليدين، فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ

стр. 237

غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (١)، ووصف بعض خلقه ببسط اليد، في قوله: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (٢)، وليس اليد كاليد، ولا البسط كالبسط، وإذا كان المراد بالبسط الإعطاء والجود فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده كجودهم. ونظائر هذا كثيرة. فلابد من إثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي مماثلته لخلقه، فمن قال: ليس لله علم، ولا قوة، ولا رحمة، ولا كلام، ولا يحب، ولا يرضى، ولا نادى، ولا ناجى، ولا استوى -كان معطلاً، جاحداً، ممثلاً لله بالمعدومات والجمادات. ومن قال: [له] علم كعلمي، أو قوة كقوتي، أو حب كحبي، أو رضىً كرضاي، أو يدان كيديَّ، أو استواء كاستوائي - كان مشبِّها، ممثلاً لله بالحيوانات، بل لابد من إثباتٍ بلا تمثيل، وتنزيهٍ بلا تعطيل (٣). وقد بيَّن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ((أن الاسم والصفة من هذا النوع له ثلاثة اعتبارات: الاعتبار الأول: اعتبار من حيث هو مع قطع النظر عن تقييده بالرب ﵎ أو العبد. الاعتبار الثاني: اعتباره مضافاً إلى الرب مختصاً به.

стр. 238

الاعتبار الثالث: اعتباره مضافاً إلى العبد مقيداً به. فما لزم الاسم لذاته وحقيقته كان ثابتاً للرب والعبد، وللرب منه ما يليق بكماله، وللعبد منه ما يليق به. وهذا كاسم السميع الذي يلزم إدراك المسموعات، والبصير الذي يلزمه رؤية المبصرات، والعليم والقدير وسائر الأسماء؛ فإن شرط صحة إطلاقها حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها، فما لزم هذه الأسماء لذاتها فإثباته للرب تعالى لا محذور فيه بوجه؛ بل يثبت له على وجه لا يماثل فيه خلقه ولا يشابههم، فمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق ألحد في أسمائه، وجحد صفات كماله. ومن أثبته له على وجه يماثل فيه خلقه فقد شبَّهه بخلقه، ومن شبَّه الله بخلقه فقد كفر، ومن أثبته له على وجه لا يماثل فيه خلقه؛ بل كما يليق بجلاله وعظمته، فقد برئ من فرث التشبيه ودم التعطيل، وهذا طريق أهل السنة، وما لزم الصفة لإضافتها إلى العبد وجب نفيه عن الله، كما يلزم حياة العبد من النوم والسِّنة والحاجة إلى الغذاء ونحو ذلك. وكذلك ما يلزم إرادته من حركة نفسه في جلب ما ينتفع به ودفع ما يتضرر به. وكذلك ما يلزم علوّه من احتياجه إلى ما هو عالٍ عليه، وكونه محمولاً به، مفتقراً إليه، محاطاً به. كل هذا يجب نفيه عن القدوس السلام ﵎، وما لزم صفة من جهة اختصاصه تعالى بها، فإنه لا يثبت للمخلوق بوجهٍ، كعلمه الذي يلزمه القدم والوجوب والإحاطة بكل معلوم وقدرته وإرادته وسائر صفاته، فإن ما يختصَّ به منها لا يمكن إثباته للمخلوق، فإذا أحطتَ بهذه القاعدة خبراً، وعقلتَها كما ينبغي، خلصتَ من الآفتين اللتين هما أصل بلاء المتكلمين: آفة التعطيل، وآفة

стр. 239

التشبيه، فإنكَ إذا وفَّيْتَ هذا المقام حقه من التصور أثبتَّ لله الأسماء الحسنى، والصفات العُلا حقيقة، فخلصتَ من التعطيل، ونفيتَ عنها خصائص المخلوقين ومشابهتهم، فخلصتَ من التشبيه، فتدبّرْ هذا الموضع، واجعلْه جنَّتك التي ترجع إليها في هذا الباب والله الموفق للصواب (١). وقال ابن القيم ﵀ أيضاً: اختلف النظَّار في الأسماء التي تطلق على الله وعلى العباد كالحي، والسميع، والبصير، والعليم، والقدير، والملك ونحوها فقالت طائفة من المتكلمين: هي حقيقة في العبد مجاز في الرب، وهذا قول غلاة الجهمية، وهو أخبث الأقوال وأشدها فساداً. الثاني مقابله وهو أنها حقيقة في الرب مجاز في العبد، وهذا قول أبي العباس الناشى. الثالث أنها حقيقة فيهما، وهذا قول أهل السنة وهو الصواب. واختلاف الحقيقتين فيهما لا يخرجها عن كونها حقيقة فيهما. وللرب تعالى منها ما يليق بجلاله، وللعبد منها ما يليق به (٢).

стр. 240

المبحث الثاني عشر: أمور ينبغي أن تُعْلَم الأمر الأول: أن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته كالشيء، والموجود، والقائم بنفسه؛ فإنه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العلا. الثاني: أن الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه؛ بل يطلق عليه منها كمالها، وهذا كالمريد، والفاعل، والصانع؛ فإن هذه الألفاظ لا تدخل من أسمائه، ولهذا غلط من سماه بالصانع عند الإطلاق، بل هو الفعال لما يريد، فإن الإرادة والفعل والصنع منقسمة، ولهذا إنما أطلق على نفسه من ذلك أكمله فعلاً وخبراً. الثالث: أنه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيداً أن يشتق له منه اسم مطلق، كما غلط فيه بعض المتأخرين فجعل من أسمائه الحسنى المضل، الفاتن، الماكر، تعالى الله عن قوله؛ فإن هذه الأسماء لم يطلق عليه سبحانه منها إلا أفعال مخصوصة معينة، فلا يجوز أن يسمى بأسمائها المطلقة، والله أعلم. الرابع: أن أسماءه الحسنى هي أعلامٌ وأوصافٌ، والوصف بها لا يُنافي العلمية، بخلاف أوصاف العباد، فإنها تنافي علميتهم؛ لأن أوصافهم مشتركة، فنفتها العلمية المختصة بخلاف أوصافه تعالى. الخامس: أن أسماءه الحسنى لها اعتباران: اعتبار من حيث الذات، واعتبار من حيث الصفات، فهي بالاعتبار الأول مترادفة، وبالاعتبار الثاني متباينة. السادس: أن ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما

стр. 241

يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفياً كالقديم، والشيء، والموجود، والقائم بنفسه. فهذا فصل الخطاب في مسألة أسمائه هل هي توقيفية، أو يجوز أن يطلق عليه منها بعض ما لم يرد به السمع. السابع: أن الاسم إذا أطلق عليه جاز أن يشتق منه المصدر والفعل فيخبر به عنه فعلاً ومصدراً نحو السميع، البصير، القدير، يطلق عليه منه السمع والبصر والقدرة، ويخبر عنه بالأفعال من ذلك نحو ((قَدْ سَمِعَ الله))، ((فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ)) هذا إن كان الفعل متعدياً. فإن كان لازماً لم يخبر عنه به نحو الحي؛ بل يطلق عليه الاسم والمصدر دون الفعل، فلا يقال: حيي. الثامن: أن أفعال الرب ﵎ صادرة عن أسمائه وصفاته، وأسماء المخلوقين صادرة عن أفعالهم، فالرب ﵎ فعاله عن كماله. والمخلوق كماله عن فعاله، فاشتقت له الأسماء بعد أن كمل بالفعل. فالرب لم يزل كاملاً، فحصلت أفعاله عن كماله؛ لأنه كامل بذاته وصفاته، فأفعاله صادرة عن كماله كَمُلَ ففعل، والمخلوق فَعَل فكَمُلَ الكمال اللائق به (١). التاسع: أن الصفات ثلاثة أنواع: صفات كمال، وصفات نقص، وصفات لا تقتضي كمالاً ولا نقصاً، وإن كانت القسمة التقديرية تقتضي قسماً رابعاً، وهو: ما يكون كمالاً ونقصاً باعتبارين، والرب تعالى منزه عن الأقسام الثلاثة، وموصوف بالقسم الأول، وصفاته كلها صفات كمال محض، فهو موصوف من الصفات بأكملها وله من الكمال أكمله. وهكذا أسماؤه الدالة على صفاته هي أحسن الأسماء وأكملها، فليس في الأسماء أحسن منها، ولا يقوم غيرها مقامها ولا يؤدي معناها، وتفسير

стр. 242

الاسم منها بغيره ليس تفسيراً بمرادفٍ محضٍ؛ بل هو على سبيل التقريب والتفهيم. وإذا عرفتَ هذا فله من كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمَّه معنى، وأبعده وأنزهه عن شائبة عيب أو نقص، فله من صفة الإدراكات العليم الخبير دون العاقل الفقيه، والسميع البصير دون السامع والباصر والناظر. ومن صفات الإحسان البر، الرحيم، الودود، دون الشفوق ونحوه. وكذلك العلي العظيم دون الرفيع الشريف. وكذلك الكريم دون السخي، والخالق البارئ المصور دون الفاعل الصانع المشكل، والغفور العفوّ دون الصفوح الساتر. وكذلك سائر أسمائه تعالى يُجري على نفسه منها أكملها وأحسنها، وما لا يقوم غيره مقامه، فتأملْ ذلك، فأسماؤه أحسن الأسماء، كما أن صفاته أكمل الصفات، فلا تعدِلْ عما سمّى به نفسه إلى غيره، كما لا تتجاوزْ ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله إلى ما وصفه به المبطلون والمعطلون (١). المبحث الثالث عشر: مراتب إحصاء أسماء الله الحُسنى التي من أحصاها دخل الجنة هذا بيان مراتب إحصاء أسمائه التي من أحصاها دخل الجنة، وهذا هو قطب السعادة، ومدار النجاة والفلاح. المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها. المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولها. المرتبة الثالثة: دعاؤه بها كما قال تعالى: ﴿وَلله الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢)، وهو مرتبتان.

стр. 243

إحداهما: ثناء وعبادة. والثاني: دعاء طلب ومسألة، فلا يُثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وكذلك لا يُسئل إلا بها، فلا يقال: يا موجود، أو يا شيء، أو يا ذات اغفر لي وارحمني؛ بل يُسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضياً لذلك المطلوب، فيكون السائل متوسلاً إليه بذلك الاسم. ومن تأمل أدعية الرسل، ولا سيما خاتمهم وإمامهم، وجدها مطابقة لهذا، وهذه العبارة أولى من عبارة من قال: يتخلق بأسماء الله، فإنها ليست بعبارة سديدة، وهي منتزعة من قول الفلاسفة بالتشبه بالإله قدر الطاقة. وأحسن منها عبارة أبي الحكم بن برهان، وهي التعبد، وأحسن منها العبارة المطابقة للقرآن، وهي الدعاء المتضمن للتعبد والسؤال. فمراتبها أربعة أشدها إنكاراً عبارة الفلاسفة وهي التشبه. وأحسن منها عبارة من قال: التخلق. وأحسن منها عبارة من قال: التعبد. وأحسن من الجميع الدعاء، وهي لفظ القرآن (١). المبحث الرابع عشر: الأسماء الحسنى لا تُحدُّ بعدد الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر ولا تحد بعدد فإن لله تعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل كما في الحديث الصحيح: ((أسألك بكل اسم هو لك سمَّيتَ به نفسك، أو علّمتَه أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك)) (٢)، فجعل أسماءه ثلاثة أقسام: قسم سمَّى به نفسه

стр. 244

فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم، ولم ينزل به كتابه، وقسم أنزل به كتابه فتعرّف به إلى عباده، وقسم استأثر به في علم غيبه فلم يطَّلِع عليه أحد من خلقه، ولهذا قال: ((استأثرتَ به)) أي انفردت بعلمه، وليس المراد انفراده بالتسمِّي به؛ لأن هذا الانفراد ثابت في الأسماء التي أنزل بها كتابه. ومن هذا قول النبي ﷺ في حديث الشفاعة: ((فيفتح عليّ من محامده بما لا أحسنه الآن)) (١)، وتلك المحامد هي تفي بأسمائه وصفاته. ومنه قوله ﷺ : ((لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك)) (٢)، وأما قوله ﷺ : ((إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة)) (٣)، فالكلام جملة واحدة. وقوله: ((من أحصاها دخل الجنة)) صفة لا خبر مستقبل. والمعنى له أسماء متعددة من شأنها أن من أحصاها دخل الجنة. وهذا لا ينفي أن يكون له أسماء غيرها. وهذا كما تقول: لفلان مائة مملوك قد أعدهم للجهاد، فلا ينفي هذا أن يكون له مماليك سواهم معدون لغير الجهاد، وهذا لا خلاف بين العلماء فيه (٤).

стр. 245

المبحث الخامس عشر: شرح أسماء الله الحُسنى (١) ١ - الأوَّلُ ، ٢ - الآخِرُ ، ٣ - الظاهِرُ ، ٤ - الباطِنُ قال الله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (٢)، هذه

стр. 246

الأسماء الأربعة المباركة قد فسرها النبي ﷺ تفسيراً جامعاً واضحاً فقال يخاطب ربه: ((اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخرُ فليس بعدك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء)) (١) إلى آخر الحديث، ففسّر كل اسم بمعناه العظيم، ونفى عنه ما يُضاده ويُنافيه. فتدبّر هذه المعاني الجليلة الدّالة على تفرّد الرب العظيم بالكمال المطلق والإحاطة الزمانية في قوله: ((الأوّلُ والآخرُ))،والمكانية في ((الظاهر والباطن)). ((فالأول)) يدلّ على أنّ كل ما سواه حادث كائن بعد أنْ لم يكن، ويوجب للعبد أن يلحظ فضل ربه في كل نعمة دينية أو دنيوية، إذ السبب والمسبب منه تعالى. ((والآخر)) يدل على أنه هو الغاية، والصمد الذي تصمد إليه المخلوقات بتألُّهها، ورغبتها، ورهبتها، وجميع مطالبها. ((والظاهر)) يدل على عظمة صفاته، واضمحلال كل شيء عند عظمته من ذوات وصفات على علوّه. ((والباطن)) يدلّ على اطّلاعه على السرائر، والضمائر، والخبايا، والخفايا، ودقائق الأشياء، كما يدلّ على كمال قربه ودنوّه. ولا يتنافى الظاهر والباطن؛ لأن الله ليس كمثله شيء في كل النعوت (٢).

стр. 247

٥ - العَليُّ ، ٦ - الأعلى ، ٧ - المتعالِ قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ (٢)،وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (٣)،وذلك دالّ على أن جميع معاني العلوّ ثابتة لله من كل وجه. فله علوّ الذات؛ فإنه فوق المخلوقات، وعلى العرش استوى: أي علا، وارتفع. وله علوّ القدر: وهو علوّ صفاته وعظمتها، فلا يماثله صفة مخلوق، بل لا يقدر الخلائق كلهم أن يحيطوا ببعض معاني صفة واحدة من صفاته، قال تعالى: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (٤).وبذلك يُعلم أنه ليس كمثله شيء في كل نعوته. وله علوّ القهر؛ فإنه الواحد القهّار الذي قهر بعزّته وعلوه الخلق كلهم، فنواصيهم بيده، وما شاء كان لا يمانعه فيه ممانع، وما لم يشأ لم يكنْ، فلو اجتمع الخلق على إيجاد ما لم يشأهُ الله لم يقدروا، ولو اجتمعوا على منع ما حكمت به مشيئته لم يمنعوه، وذلك لكمال اقتداره، ونفوذ مشيئته، وشدة افتقار المخلوقات كلها إليه من كل وجه (٥).

стр. 248

٨ - العظيمُ قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (١). الله تعالى عظيم له كل وصف ومعنى يوجب التعظيم، فلا يقدر مخلوق أن يثني عليه كما ينبغي له، ولا يحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يُثني عليه عباده. واعلم أن معاني التعظيم الثابتة لله وحده نوعان: النوع الأول: أنه موصوفٌ بكل صفة كمال، وله من ذلك الكمال أكمله، وأعظمه، وأوسعه، فله العلم المحيط، والقدرة النافذة، والكبرياء والعظمة، ومن عظمته أن السموات والأرض في كفِّ الرحمن أصغر من الخردلة كما قال ذلك ابن عباس وغيره، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٤)، ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ (٥) الآية. وفي الصحيح عنه ﷺ : ((إنَّ الله يقول: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً

стр. 249

منهما عذبته)) (١) فلله تعالى الكبرياء والعظمة، الوصفان اللذان لا يُقدَّر قدرهما، ولا يُبلغ كنههما. النوع الثاني من معاني عظمته تعالى أنه لا يستحق أحد من الخلق أن يُعظّم كما يُعظّم الله، فيستحق ﷻ من عباده أن يعظِّموه بقلوبهم، وألسنتهم، وجوارحهم، وذلك ببذل الجهد في معرفته، ومحبته، والذُّلِّ له، والانكسار له، والخضوع لكبريائه، والخوف منه، وإعمال اللسان بالثناء عليه، وقيام الجوارح بشكره وعبوديته. ومن تعظيمه أن يُتقى حقَّ تقاته، فيُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكَر فلا يُكفَر. ومن تعظيمه تعظيم ما حرّمه وشرعه من زمان ومكان وأعمال ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ الله فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ (٣). ومن تعظيمه أن لا يُعترض على شيء مما خلقه أو شرعه (٤). ٩ - المجيدُ ((المجيد)) الذي له المجد العظيم، والمجد هو عظمة الصفات وسعتها،

стр. 250

فكل وصف من أوصافه عظيم شأنه: فهو العليم الكامل في علمه، الرّحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، القدير الذي لا يعجزه شيء، الحليم الكامل في حلمه، الحكيم الكامل في حكمته، إلى بقية أسمائه وصفاته (١) التي بلغت غاية المجد، فليس في شيء منها قصور أو نقصان (٢)، قال الله تعالى: ﴿رَحْمَتُ الله وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ (٣). ١٠ - الكبيرُ وهو الموصوف بصفات المجد، والكبرياء، والعظمة، والجلال، الذي هو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وأجل وأعلى. وله التعظيم والإجلال، في قلوب أوليائه وأصفيائه. قد ملئت قلوبهم من تعظيمه، وإجلاله، والخضوع له، والتذلل لكبريائه (٤)، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لله الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (٥). ١١ - السَّميعُ قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الله سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٦)، وكثيراً ما يقرن الله بين صفة السمع والبصر، فكل من السمع والبصر محيط بجميع متعلقاته
следующие страницы →