صحيح (١)، وقوله ﷺ : ((بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة)) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٢).
وقال شَقِيقُ بن عبد الله العُقَيلي التابعي المتّفق على جلالته – ﵀: ((كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفرٌ غير الصلاة)) رواه الترمذي (٣)، وإسناده صحيح.
وهذه ردّةٌ فعلية، وهي ترك الصلاة عمدًا.
ومن ذلك: لو استهان بالمصحف الشريف، وقعد عليه مستهينًا به، أو لطَّخه بالنجاسة عمدًا، أو وطأه بقدمه يستهين به، فإنه يرتدّ بذلك عن الإسلام.
ومن الرِّدَّة الفعلية: كونه يطوف بالقبور يتقرَّب لأهلها بذلك، أو يصلّي لهم، أو للجنّ، وهذه رِدَّةٌ فعلية.
أما دعاؤه إيَّاهم والاستعانة بهم والنذر لهم: فردَّة قولية.
أما من طاف بالقبور يقصد بذلك عبادة الله، فهو بدعةٌ قادحةٌ في الدِّين، لا يكون رِدَّة، إنما يكون بدعة قادحة في الدين، إذا لم يقصد التقرّب إليه بذلك، وإنما فعل ذلك تقرّبًا إلى الله سبحانه جهلاً منه.
стр. 632
ومن الكفر الفعلي: كونه يذبح لغير الله ويتقرب لغيره سبحانه بالذبائح، يذبح البعير أو الشاة أو الدجاجة أو البقرة لأصحاب القبور تقربًا إليهم يعبُدُهم بها، أو للجِنِّ يعبدهم بها، أو للكواكب يتقرب إليها بذلك، وهذا ما أُهِلَّ به لغير الله، فيكون ميتةً، ويكون كفرًا أكبر – نسأل الله العافية -.
هذه كلُّها من أنواع الردة عن الإسلام والنواقض الفعلية.
٣ - الرّدّة بالاعتقاد:
ومن أنواع الرّدّة العقدية: التي يعتقدُها بقلبه وإن لم يتكلم، ولم يفعل – بل بقلبه يعتقد – إذا اعتقد بقلبه أنَّ الله جل وعلا فقيرٌ، أو أنه بخيل، أو أنه ظالم، ولو أنه ما تكلم، ولو لم يفعل شيئًا، هذا كفر بمجرد هذه العقيدة بإجماع المسلمين.
أو اعتقد بقلبه أنه لا يُوجد بعثٌ ولا نشور، وأن كلَّ ما جاء هذا ليس له حقيقة، أو اعتقد بقلبه أنه لا يوجد جَنَّة أو نار، ولا حياة أخرى، إذا اعتقد ذلك بقلبه، ولو لم يتكلم بشيء، هذا كفرٌ ورِدَّةٌ عن الإسلام – نعوذ بالله –، وتكون أعمالُهُ باطلة، ويكون مصيره إلى النار بسبب هذه العقيدة.
وهكذا لو اعتقد بقلبه – ولو لم يتكلم – أنَّ محمدًا ﷺ ليس بصادق، أو أنَّه ليس بخاتم الأنبياء، وأنَّ بعده أنبياء، أو اعتقد أنَّ مُسيلمة الكذَّاب نبيٌّ صادق، فإنه يكون كافرًا بهذه العقيدة.
أو اعتقد – بقلبه – أنَّ نوحًا، أو موسى، أو عيسى، أو غيرهم من الأنبياء ﵈ أنهم كاذبون، أو أحدًا منهم، فهذا رِدّةٌ عن الإسلام.
стр. 633
أو اعتقد أنه لا بأس أنْ يُدعى مع الله غيره، كالأنبياء أو غيرهم من الناس، أو الشمس والكواكب أو غيرها، إذا اعتقد بقلبه ذلك صار مُرتدًّا عن الإسلام؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)، وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ
نَسْتَعِينُ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (٤).
وقال: ﴿فَادْعُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٥).
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٦)، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فمن زَعَم أو اعتقد أنه يجوزُ أن يُعْبَدَ مع الله غيرُهُ من مَلَكٍ، أو نبيٍّ، أو شجرٍ، أو جِنٍّ، أو غير ذلك فهو كافر وإذا نطق وقال بلسانه ذلك صار كافرًا بالقول والعقيدة جميعًا، وإن فعل ذلك ودعا غير الله، واستغاث بغير الله، صار كافرًا بالقول والعمل والعقيدة جميعًا، نسأل الله العافية.
ومما يدخل في هذا ما يفعله عُبَّاد القبور اليوم في كثير من الأمصار من دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، وطلب المَدَدِ منهم، فيقول بعضهم:
стр. 634
يا سيدي المَدَدَ المَدَدَ، يا سيدي الغوثَ الغوثَ، أنا بجوارك، اشفِ مريضي، ورُدَّ غائبي وأصلح قلبي.
يخاطبون الأموات الذين يُسمّونهم الأولياء، ويسألونهم هذا السؤال، نَسُوا الله وأشركوا معه غيره – تعالى الله عن ذلك -.
فهذا كفرٌ قوليٌّ، وعقديٌّ، وفعليّ.
وبعضُهم ينادي من مكانٍ بعيد وفي أمصارٍ متباعدة: يا رسول الله انصرني ... ونحو هذا، وبعضهم يقول عند قبره: يا رسول الله اشفِ مريضي، يا رسول الله المدد المدد، انصرنا على أعدائنا، أنت تعلم ما نحن فيه، انصُرنا على أعدائنا.
والرسول ﷺ لا يعلم الغيب، لا يعلم الغيب إلا الله سبحانه، هذا من الشرك القولي العملي، وإذا اعتقد مع ذلك أن هذا جائز، وأنه لا بأس به، صار شركًا قوليًّا، وفعليًّا، وعقديًّا، نسأل الله العافية.
٤ - الرّدّة بالشك:
عَرَضْنَا للرِّدَّة التي تكون بالقول، والرّدّة في العمل، والرّدة في العقيدة، أما الرّدّة بالشكّ، فمثل الذي يقول: أنا لا أدري هل الله حقٌّ أم لا؟ ... أنا شاكٌّ، هذا كافرٌ كُفْرَ شكٍّ، أو قال: أنا لا أعلم هل البعث حقٌّ أم لا؟ أو قال: أنا لا أدري هل الجنة والنار حقٌّ أم لا؟ ... أنا لا أدري، أنا شاكٌّ؟.
فمثلُ هذا يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتِل كافرًا لشكِّه فيما هو معلومٌ من الدِّين بالضرورة، وبالنَّصِّ، والإجماع.
стр. 635
فالذي يشكّ في دينه ويقول: أنا لا أدري هل الله حقٌّ، أو هل الرسول حقٌّ، وهل هو صادق أم كاذب؟ أو قال: لا أدري هل هو خاتم النبيين، أو قال: لا أدري مسيلمة كاذب أم لا؟ أو قال: ما أدري هل الأسود العنسي – الذي ادَّعى النبوة في اليمن – كاذبٌ أم لا؟ هذه الشكوك كلُّها ردَّةٌ عن الإسلام يُستتاب صاحبها، ويُبيَّن له الحقّ، فإن تاب وإلا قُتِل.
ومثل لو قال: أشك في الصلاة هل هي واجبةٌ أم لا؟ والزكاة هل هي واجبةٌ أم لا؟ وصيام رمضان هل هو واجبٌ أم لا؟ أو شك في الحج مع الاستطاعة هل هو واجبٌ في العُمُرِ مَرَّةً أم لا؟ فهذه الشكوك كلها كفر أكبر، يُستتاب صاحبها، فإن تاب وآمن وإلا قُتِلَ لقول النبي ﷺ : ((من بدّل دينه فاقتلوه)) رواه البخاري في ((الصحيح)) (١).
فلا بُدَّ من الإيمان بأنَّ هذه الأمور - أعني الصلاة والزكاة والصيام والحج - كلها حقّ، وواجبة على المسلمين بشروطها الشرعية (٢).
أما الوسوسة العارضة والخطرات، فإنها لا تضرّ إذا دفعها المؤمن، ولم يسكن إليها، ولم تستقرّ في قلبه؛ لقوله ﷺ : ((إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به)) (٣).
وعليه أن يعمل الآتي:
стр. 636
١ - يستعيذ بالله من الشيطان.
٢ - ينتهي عما يدور في نفسه (١).
٣ - يقول آمنت بالله ورسله (٢).
القسم الثاني: قوادح دون الكفر:
تضعف الإيمان وتنقصه، وتجعل صاحبها معرضًا للنار وغضب الله، لكن لا يكون صاحبها كافرًا، مثل: أكل الربا، وارتكاب المحرَّمات: كالزنا، والبدع، إذا آمن بأن ذلك حرام، ولم يستحلَّه، أما إذا اعتقد أن ذلك حلالٌ صار كافرًا، وغير ذلك مثل الاحتفال بالمولد، وهو ما أحدثه الناس في القرن الرابع وما بعده من الاحتفال بمولد الرسول ﷺ ، فيكون ذلك إضعافًا للعقيدة، إلا إذا كان هناك في المولد استغاثة بالرسول ﷺ ، فإن هذه البدعة تكون من النوع الأول المُخرِج عن الإسلام.
ومن النوع الثاني كذلك التطيّر كما يفعل أهل الجاهلية، وقد ردَّ الله عليهم: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ الله بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ (٣). فالطيرة شرك دون كفر ... وكذلك الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، قال النبي ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ)) (٤)،
стр. 637
انتهى ملخصًا (١).
المطلب الخامس: آثار الكفر وأضراره
الكفر له آثار خطيرة، وأضرار جسيمة، منها ما يأتي:
أولاً: شرّ الدنيا والآخرة من أضرار الكفر وآثاره.
ثانياً: الكفر يُسبِّب لصاحبه الضّلال ، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله قَدْ ضَلُّواْ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ (٢).
ثالثاً: الكفر الأكبر لا يغفره الله لمن مات عليه ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرًا﴾ (٣).
رابعاً: الكفر أعظم أسباب الخزي والعار ، قال الله : ﴿وَأَنَّ الله مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ (٤).
خامساً: يوجب الله لصاحبه النار قال : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ (٥).
سادساً: يُحبط جميع الأعمال ، قال الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ
стр. 638
عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢)، وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَالله سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٣)، وقال : ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ﴾ (٤).
سابعاً: يوجب الخلود في النار ، قال الله : ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ الله أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (٥).
ثامناً: يسبب الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الله لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ (٦).
تاسعاً: أعظم أسباب غضب الله وأليم عقابه ، قال الله : ﴿وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٧).
стр. 639
عاشراً: الكفر يجعل صاحبه أضيق الناس صدرًا ، قال الله : ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ الله الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (١).
الحادي عشر: الكفر يطبع على القلب ، قال الله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (٢).
الثاني عشر: الكفر الأكبر يُبيح الدم والمال عن طريق الجهاد، أو عن طريق ولاة أمر المسلمين.
الثالث عشر: الكفر الأكبر يُوجب العداوة بين صاحبه وبين المؤمنين ، ولا يجوز للمؤمنين محبته، ومُوالاته، ولو كان أقرب قريب.
الرابع عشر: الكفر الأصغر يُنقص الإيمان ويُضعفه ، ويكون صاحبه على خطر عظيم من غضب الله تعا لى وعقابه إذا لم يتب، وهو جنس المعاصي (٣).
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين.
стр. 640
الرسالة العاشرة: نُورُ الإِيمان وظلمات النِّفَاق
التمهيد:
لاشك أن الله نصير المؤمنين، يتولاهم بعونه وتوفيقه، ويخرجهم من ظلمات الكفر، والنفاق، والضلال، والجهل، إلى نور العلم، والإِيمان، والهداية، قال : ﴿الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ (١). وبيّن الله أن الذين كفروا نصراؤهم الذين يتولونهم ((الطاغوت))، وهم الأنداد، والأوثان الذين يعبدونهم من دون الله، وكلُّ من عُبِدَ من دون الله وهو راضٍ، وهذه الطواغيت تُخرج من عَبَدَها من نور الإِيمان إلى ظلمات الجهل، والكفر، والنفاق، والغفلة، قال الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢).
وسأبين ذلك في المبحثين الآتيين:
المبحث الأول: نور الإِيمان
المطلب الأول: مفهوم الإِيمان
أولاً: مفهوم الإِيمان: لغةً واصطلاحاً:
الإِيمان لغةً: التصديق، قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا﴾ (٣) أي بمصدّق لنا.
стр. 641
وحقيقة الإِيمان: أنه مُركّب من قولٍ وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب، واللسان، والجوارح. فهذه أربعة أمور جامعة لأمور دين الإسلام:
الأول: قول القلب: وهو تصديقه، وإيقانه، واعتقاده.
الثاني: قول اللسان: وهو النطق بالشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والإقرار بلوازمها.
الثالث: عمل القلب: وهو النيّة، والإخلاص، والمحبّة، والانقياد، والإقبال على الله ، والتوكل عليه، ولوازم ذلك وتوابعه.
الرابع: عمل اللسان والجوارح: فعمل اللسان ما لا يؤدَّى إلا به: كتلاوة القرآن، وسائر الأذكار، والدعاء، والاستغفار، وغير ذلك. وعمل الجوارح ما لا يؤدَّى إلا بها، مثل: القيام، والركوع، والسجود، والمشي في مرضاة الله، كنقل الخطا إلى المساجد، وإلى الحج، والجهاد في سبيل الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك مما يشمله حديث شعب الإِيمان (١).
قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀: ((الإِيمان ... التصديق الجازم، والاعتراف التام بجميع ما أمر الله ورسوله بالإِيمان به،
стр. 642
والانقياد ظاهراً وباطناً، فهو تصديق القلب، واعتقاده المتضمن لأعمال القلوب، وأعمال البدن، وذلك شامل للقيام بالدين كله؛ ولهذا كان الأئمة والسلف يقولون: الإِيمان: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وهو: قول، وعمل، واعتقاد، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، فهو يشمل عقائد الإِيمان، وأخلاقه، وأعماله)) (١).
ثانياً: الفرق بين الإِيمان والإسلام:
في الشرع: أن الإِيمان على حالتين:
الحالة الأولى: أن يُطلق الإِيمان على الإفراد غير مقترن بذكر الإسلام، فحينئذٍ يراد به الدين كله، كقوله : ﴿الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ (٢)، وهذا المعنى هو الذي قصده السلف بقولهم ﵏: ((إن الإِيمان اعتقاد، وقول، وعمل، وإن الأعمال كلها داخلة في مُسمَّى الإِيمان)).
والحالة الثانية: أن يطلق الإِيمان مقروناً بالإسلام، وحينئذٍ يُفَسَّر الإِيمان بالاعتقادات الباطنة: كالإِيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، كقوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ (٣).
стр. 643
ويُفسَّر الإسلام بأعمال الجوارح الظاهرة: كالنطق بالشهادتين والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وغير ذلك من الأعمال (١) , كقوله : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢) الآية، فالإِيمان والإسلام إذا افترقا اجتمعا، وإن اجتمعا افترقا، وذلك كالفقير والمسكين، إذا أفرد أحدهما تناول الآخر، وإذا جمع بينهما كان لكل واحدٍ مسمى يخصه (٣).
المطلب الثاني: طرق تحصيل الإِيمان وزيادته
الإِيمان كمال العبد، وبه ترتفع درجاته في الدنيا والآخرة، وهو السبب والطريق لكل خيرٍ عاجلٍ وآجلٍ، ولا يحصل ولا يقوى، ولا يتمّ إلا بمعرفة ما منه يستمدّ؛ فإنه يحصل ويقوى ويزيد بأمور كثيرة، منها:
أولاً: معرفة أسماء الله الحسنى ، الواردة في الكتاب والسنة، والحرص على فهم معانيها، والتعبُّد لله بها، قال الله : ﴿وَلله الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٤) , وقال النبي ﷺ : ((إن لله تسعاً وتسعين اسماً مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة)) (٥)، أي من حفظها، وفهم معانيها، واعتقدها، وتعبَّد لله بها، دخل
стр. 644
الجنة، فَعُلِمَ أن ذلك أعظم ينبوع الإِيمان، ومادّة لحصوله، وقوته، وثباته؛ ومعرفة أسماء الله : هي أصل الإِيمان، وتتضمن أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهذه الأنواع هي روح الإِيمان، وأصله وغايته، فكلما ازداد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته ازداد إيمانه، وقوي يقينه، فينبغي للمؤمن أن يبذل مقدوره ومُستطاعه في معرفة الأسماء والصفات، بلا تمثيلٍ، ولا تعطيلٍ، ولا تكييفٍ، ولا تحريفٍ (١).
ثانياً: تدبّر القرآن على وجه العموم ، فإن المتدبِّر لا يزال يستفيد من علوم القرآن، ومعارفه ما يزداد به إيماناً، وكذلك إذا نظر إلى انتظامه وأحكامه، وأنه يُصدِّق بعضه بعضاً، ويوافق بعضه بعضاً، ليس فيه تناقض ولا اختلاف، إذا فعل ذلك تيقَّن أنه من عند الله، وهذا من أعظم مقويّات الإِيمان (٢).
ثالثاً: معرفة أحاديث النبي ﷺ -، وما تدعو إليه من علوم الإِيمان، وأعماله، كل ذلك من مُحصِّلات الإِيمان ومقويّاته، فكلّما ازداد العبد معرفة بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ازداد إيمانه ويقينه.
رابعاً: معرفة النبي ﷺ ومعرفة ما هو عليه من الأخلاق العالية ، والأوصاف الكاملة؛ فإن من عرفه حق المعرفة لم يَرْتَبْ في صدقه،
стр. 645
وصدق ما جاء به من الكتاب والدين الحق.
خامساً: التفكر في الكون: في خلق السموات والأرض وما فيهن من المخلوقات المتنوعة، والنظر في نفس الإنسان وما هو عليه من الصفات؛ فإن ذلك داعٍ قويٌّ للإيمان؛ لما في هذه الموجودات من عظمة الخلق الدالة على قدرة خالقها، وعظمته، وما فيها من الحسن والانتظام، والإحكام الذي يُحيِّر العقول، وكذلك النظر إلى فقر المخلوقات كلِّها، واضطرارها إلى ربها من كل الوجوه، وأنها لا تستغني عنه طرفة عين، وذلك يوجب للعبد كمال الخضوع، وكثرة الدعاء، والافتقار إلى الله، والتضرّع إليه في جلب ما يحتاجه من منافع دينه ودنياه، ودفع ما يضرّه في دينه ودنياه، ويوجب له قوة التوكل على ربه، وكمال الثقة بوعده، وشدّة الطّمع في برّه وإحسانه، وبهذا يتحقق الإِيمان ويقوى.
وكذلك التفكر في كثرة نعم الله العامّة والخاصّة التي لا يخلو منها مخلوق طرفة عين.
سادساً: الإِكثار من ذكر الله كل وقت ، ومن الدعاء الذي هو العبادة؛ فإن الذكر يغرس شجرة الإِيمان في القلب، ويُغذِّيها، ويقوّيها، وكلّما ازداد العبد ذكراً لله قوي إيمانه، ويكون الذكر على كلّ حال: باللسان، والقلب، والعمل، والحال؛ فنصيب العبد من الإيمان على قدر نصيبه من هذا الذكر.
سابعاً: معرفة محاسن الإسلام ؛ فإن الدين الإسلامي كله محاسن: عقائده أصحّ العقائد، وأصدقها، وأنفعها، وأخلاقه أجمل الأخلاق،
стр. 646
وأعماله وأحكامه أحسن الأحكام وأعدلها، وبهذا النظر يزيّن الله الإيمان في قلب العبد، ويحبّبه إليه، فيجد حلاوة الإيمان، فيتجمّل الباطن بأصول الإيمان، وحقائقه، ويتجمّل الظاهر بأعمال الإيمان.
ثامناً: الاجتهاد في الإِحسان في عبادة الله -، والإِحسان إلى خلقه؛ فيجتهد الإِنسان في عبادة الله كأنه يشاهده، فإن لم يقوَ على ذلك استحضر أن الله يشاهده ويراه، فيجتهد في إكمال العمل وإتقانه، وكذلك الإِحسان إلى الخلق: بالقول، والفعل، والمال، والجاه، وأنواع المنافع، فإذا أحسن عبادة الخالق، وأحسن إلى خلقه، وواظب على ذلك قوي إيمانه، ويقينه، ويصل ذلك إلى حقِّ اليقين، الذي هو أعلى مراتب اليقين، فيذوق حلاوة الطاعات، ويجد ثمرة المعاملات، وهذا هو الإيمان الكامل.
تاسعاً: الاتّصاف بصفات المؤمنين ؛ من الخشوع في الصلاة، وحضور القلب فيها، وأداء الزكاة، والإِعراض عن اللغو الذي هو كلُّ كلامٍ لا خير فيه، وكل فعلٍ لا خير فيه، بل يقول المسلم الخير، ويفعله، ويترك الشرّ: قولاً، وفعلاً، لاشكّ أن ذلك كله يزيد الإيمان، ويقوِّيه، وكذلك العِفَّة عن الفواحش، ورعاية الأمانات والعهود، وحفظها من علامات الإيمان.
عاشراً: الدعوة إلى الله وإلى دينه ، والتّواصي بالحقّ والتواصّي بالصّبر، والدعوة إلى أصل الدين، والتزام شرائعه بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبذلك يُكَمِّل العبد نفسه، ويكمِّل غيره.
الحادي عشر: الابتعاد عن شُعَبِ الكفر والنفاق، والفسوق والعصيان ؛ فإنه لابدّ في الإيمان من فعل جميع الأسباب المقويّة المنميّة له، ولابدّ مع
стр. 647
ذلك من دفع الموانع والعوائق، وهي الإقلاع عن المعاصي، والتوبة مما يقع منها، وحفظ الجوارح كلها عن المحرمات، ومقاومة فتن الشبهات القادحة في علوم الإيمان المضعفة له، والشهوات المضعفة لإرادات الإيمان.
الثاني عشر: التقرُّب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض ، وتقديم كل ما يحبّه الله على ما سواه عند غَلَبة الهوى.
الثالث عشر: الخلوة بالله وقت نزوله؛ لمناجاته، وتلاوة كلامه ، والوقوف بالقلب، والتأدّب بآداب العبودية بين يديه، ثم خَتْمُ ذلك بالاستغفار والتوبة.
الرابع عشر: مجالسة العلماء الصادقين المخلصين ؛ وانتقاء أطايب ثمرات كلامهم كما يُنتقى أطايب الثمر (١).
المطلب الثالث: ثمرات الإيمان وفوائده
الإيمان له فوائد وثمرات لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، فكم له من ذلك في القلب، والبدن، والراحة، والحياة الطيّبة، في الدنيا والآخرة، ومُجملها أن خيرات الدنيا والآخرة، ودفع الشرور كلّها من ثمرات الإيمان، ومن هذه الثمرات والفوائد ما يأتي:
أولاً: الاغتباط بولاية الله -، قال الله : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ
стр. 648
يَتَّقُونَ﴾ (١) , وقوله : ﴿الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ (٢) أي: يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات المعاصي إلى نور الطاعات، ومن ظلمات الغفلة إلى نور اليقظة والذكر.
ثانياً: الفوز برضا الله ، قال الله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ الله الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ (٣) , فنالوا رضوان الله ورحمته، والفوز بهذه المساكن الطيبة، بإيمانهم الذي كمَّلوا به أنفسهم، وكمَّلوا غيرهم بقيامهم بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحصلوا على أعظم الفوز والفلاح.
ثالثاً: الإيمان الكامل يمنع من دخول النار ، والإيمان الضعيف يمنع من الخلود فيها، فإنّ من آمن إيماناً أدّى به جميع الواجبات، وترك جميع المحرَّمات؛ فإنه لا يدخل النار، كما أنه لا يُخلّد في النار من كان في قلبه شيء من الإيمان.
стр. 649
رابعاً: إن الله يدافع عن الذين آمنوا جميع المكاره ، وينجيهم من الشدائد، قال الله : ﴿إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) أي: يدافع عنهم كل مكروه، وشرّ شياطين الإنس والجنّ، ويدافع عنهم الأعداء، ويدافع عنهم المكاره قبل نزولها، ويرفعها أو يخفّفها بعد نزولها، قال الله : ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لا إِلَهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
وقال : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).
وقال : ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٤).
وقال : ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّه مَخْرَجًا﴾ (٥) , أي من كل ما ضاق على الناس ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٦)، فالمؤمن المتقي يُيسِّر الله له أموره، ويُيسِّره لليُسرَى، ويجنِّبه العُسْرَى، ويُسهِّل عليه الصعاب، ويجعل له من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب، وشواهد هذا كثيرة من الكتاب والسنة.
стр. 650
خامساً: الإيمان يثمر الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة ، قال الله :
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (١)، وذلك أنه من خصائص الإيمان أنه يثمر طمأنينة القلب، وراحته، وقناعته بما رزقه الله، وعدم تعلقه بغيره، وهذه هي الحياة الطيّبة، فإن أصل الحياة الطيّبة: راحة القلب وطمأنينته، وعدم تشوّشه مما يتشوّش منه الفاقد للإيمان الصحيح (٢) , والحياة الطيّبة تشمل: الرِّزق الحلال الطيِّب، والقناعة، والسعادة، ولذَّة العبادة في الدنيا، والعمل بالطاعة والانشراح بها (٣).
قال الإمام ابن كثير: ((والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله)) (٤) , قال النبي ﷺ : ((قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافاً، وقنَّعه الله بما آتاه)) (٥) , وقال ﷺ : ((إن الله لا يظلم المؤمن حسنةً يُعطى بها في الدنيا، ويُجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعم بحسناتِ ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يُجزى بها)) (٦).
سادساً: إن جميع الأعمال والأقوال إنما تصح وتكمل بحسب ما يقوم
стр. 651
بقلب صاحبها؛ من الإيمان والإخلاص، قال الله : ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ (١) , أي لا يُجحد سعيه، ولا يضيع عمله، بل يُضاعف بحسب قوة إيمانه، وقال : ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ (٢) , والسعي للآخرة، هو العمل بكل ما يقرب إليها من الأعمال التي شرعها الله على لسان نبيه محمد ﷺ .
سابعاً: صاحب الإيمان يهديه الله إلى الصراط المستقيم ، ويهديه في الصراط المستقيم إلى علم الحقّ، والعمل به، وإلى تلقّي المحابّ والمسارّ بالشكر، وتلقّي المكاره والمصائب بالرّضا والصّبر، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ (٣) , قال الإمام ابن كثير ﵀: ((يُحتمل أن تكون الباء هنا سببية، فتقديره: أي بحسب إيمانهم في الدنيا، يهديهم الله يوم القيامة على الصراط المستقيم، حتى يجوزوه، ويخلصوا إلى الجنة، ويُحتمل أن تكون للاستعانة))، كما قال مجاهد: ((يهديهم ربهم بإيمانهم)) قال: ((يكون لهم نوراً يمشون به)) (٤) , وقيل: يُمثّل له عمله في صورة حسنة وريح طيبة، إذا قام من قبره يُعارض صاحبه، ويُبشّره بكل خير، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا
стр. 652
عملك، فيجعل له نوراً من بين يديه، حتى يُدخله الجنة (١).
ثامناً: الإيمان يثمر محبّة الله للعبد، ويجعل محبّته في قلوب المؤمنين ، ومن أحبّه الله، وأحبّه المؤمنون حصلت له السعادة، والفلاح، والفوائد الكثيرة من محبّة المؤمنين: من الثناء الحسن، والدعاء له حيّاً وميتاً، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (٢).
تاسعاً: حصول الإمامة في الدين ، وهذا من أجمل ثمرات الإيمان، أن يجعل الله للمؤمنين الذين كملوا إيمانهم بالعلم والعمل لسان صدق، ويجعلهم أئمةً يهدون بأمره، ويُقتدى بهم، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٣) , فبالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين؛ لأن رأس الإيمان وكماله: الصبر واليقين.
عاشراً: حصول رفع الدرجات ، قال الله : ﴿يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات﴾ (٤)، فهم أعلى الخلق درجة عند الله، وعند عباده في الدنيا والآخرة، وإنما نالوا هذه الرفعة بإيمانهم الصحيح، وعلمهم ويقينهم.
الحادي عشر: حصول البشارة بكرامة الله والأمن التام من جميع الوجوه، كما قال : ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥) ,فأطلقها ليعمَّ الخير العاجل والآجل،
стр. 653
وقيّدها في مثل قوله : ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ (١) ,فلهم البشارة المُطلقة والمُقيّدة، ولهم الأمن المطلق في الدنيا والآخرة في مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (٢)، ولهم الأمن المقيد في مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣) , فنفى عنهم الخوف لما يستقبلونه، والحزن مما مضى، وبذلك يتمُّ لهم الأمن، فالمؤمن له الأمن التام في الدنيا والآخرة، وله البشارة بكلّ خير (٤).
الثاني عشر: يحصل بالإيمان الثواب المضاعف ، وكمال النور الذي يمشي به العبد في حياته، ويمشي به يوم القيامة، ففي الدنيا: يسير بنور علمه وإيمانه، وإذا طفئت الأنوار يوم القيامة مشى بنوره على الصراط حتى يجوز به إلى دار الكرامة والنعيم، وكذلك رتَّب الله المغفرة على الإيمان، ومن غفر سيئاته سلم من العقاب، ونال أعظم الثواب، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٥).
الثالث عشر: حصول الفلاح والهدى للمؤمنين بسبب إيمانهم، قال الله
стр. 654
- بعد ذكره إيمان المؤمنين بما أنزل على محمد ﷺ ، وما أنزل على من قبله، والإيمان بالغيب، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) , فهذا هو الهدى التامّ، والفلاح الكامل، فلا سبيل إلى الهدى والفلاح إلا بالإيمان التامّ.
الرابع عشر: الانتفاع بالمواعظ من ثمرات الإيمان ، قال الله :
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) , وهذا؛ لأن الإيمان يحمل صاحبه على التزام الحق، واتباعه، علماً وعملاً، ومعه الآلة العظيمة، والاستعداد لتلقّي المواعظ النافعة، وليس عنده مانع يمنعه من قبول الحق، ولا من العمل به.
الخامس عشر: الإيمان يحمل صاحبه على الشكر في حالة السرَّاء ، والصبر في حالة الضرَّاء، وكسب الخير في كلّ أوقاته، قال الله : ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٣) , وقال : ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٤) , ولو لم يكن من ثمرات الإيمان إلا أنه يُسلِّي صاحبه عن المصائب والمكاره التي كلُّ أحدٍ عرضة لها في كل وقت، ومصاحبة الإيمان واليقين أعظم مسلٍّ عنها؛ قال النبي
стр. 655
- ﷺ : ((عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سرّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاءُ صبر، فكان خيراً له)) (١) , والشكر والصبر هما جماع كلّ خير، فالمؤمن مغتنم للخيرات في كل أوقاته، رابح في كل حالاته، ويجتمع له عند النّعم والسرّاء، نعمتان: نعمة حصول المحبوب، ونعمة التوفيق للشّكر الذي هو أعلى من ذلك، وبذلك تتمّ عليه النعمة، ويجتمع له عند حصول الضرّاء ثلاث نِعَمٍ: نعمة تكفير السيئات، ونعمة حصول مرتبة الصبر التي هي أعلى من ذلك، ونعمة سهولة الضراء عليه؛ لأنه متى عرف حصول الأجر، والثواب، والتمرّن على الصبر هانت عليه المصيبة (٢).
السادس عشر: الإيمان الصحيح يدفع الريبة والشك ، ويقاوم ويقطع جميع الشكوك التي تعرض لكثير من الناس فتضرّهم في دينهم، وليس لعلل الشكوك التي تُلْقيها شياطين الإنس والجنّ، والنّفوس الأمّارة بالسّوء دواء إلا تحقيق الإيمان، قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (٣).
وعلاج هذه الوساوس بأربعة أمور:
١ - الانتهاء عن هذه الوساوس الشيطانية.
٢ - الاستعاذة من شرّ من ألقاها، وهو الشيطان.
٣ - الاعتصام بعصمة الإيمان فيقول: ((آمنت بالله)).
стр. 656
٤ - الانتهاء عن التفكير فيها (١).
السابع عشر: الإيمان بالله ملجأ المؤمنين في كل ما يلمُّ بهم: من سرور، وحزن، وخوفٍ، وأمنٍ، وطاعة، ومعصية، وغير ذلك من الأمور التي لابدّ لكل أحد منها، فعند المحابّ والسّرور يلجؤون إلى الإيمان، فيحمدون الله، ويُثنون عليه، ويستعملون النعم فيما يحبّ، وعند المكاره والأحزان يلجؤون إلى الإيمان من جهات عديدة: يتسلَّون بإيمانهم وحلاوته، ويتسلَّون بما يترتّب على ذلك, من الثواب، ويقابلون الأحزان والقلق براحة القلب، والرجوع إلى الحياة الطيبة المقاومة للأحزان، ويلجؤون إلى الإيمان عند الخوف، فيطمئنّون إليه ويزيدهم إيماناً، وثباتاً، وقوة، وشجاعة، ويضمحلُّ الخوف الذي أصابهم، كما قال الله تعالى عن الصحابة ﵃: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ الله وَالله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (٢).
الثامن عشر: الإيمان الصحيح يمنع العبد من الوقوع في المُوبقات المُهلكة، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ... )) (٣) ,ومن وقع منه ذلك؛ فلضعف إيمانه، وذهاب نوره،
стр. 657
وزوال الحياء من الله، وهذا معروف مُشاهد، والإيمان الصحيح الصادق، يصحبه الحياء من الله، والحبّ له، والرّجاء القويّ لثوابه، والخوف من عقابه، ورغبته في اكتساب النور، وهذه الأمور تأمر صاحبها بكل خير، وتزجره عن كل شرّ.
التاسع عشر: خير الخليقة قسمان: هم أهل الإيمان ، فعن أبي موسى ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجَّة ريحها طيّب، وطعمها طيّب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها، وطعمها حلوٌ، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيّب وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح، وطعمها مرّ)) (١) , فالناس أربعة أقسام:
القسم الأول: خير في نفسه، متعدٍ خيره إلى غيره ، وهو خير الأقسام، فهذا المؤمن الذي قرأ القرآن،
وتعلّم علوم الدين، فهو نافع لنفسه، نافع لغيره، مبارك أينما كان.
القسم الثاني: طيّب في نفسه، صاحب خير ، وهو المؤمن الذي ليس عنده من العلم ما يعود به على غيره، فهذان القسمان هما خير الخليقة، والخير الذي فيهم عائد إلى ما معهم من الإيمان القاصر، والمتعدي نفعه إلى الغير بحسب أحوال المؤمنين.
القسم الثالث: من هو عادم للخير ، ولكنه لا يتعدَّى ضرره إلى غيره.
стр. 658
القسم الرابع: من هو صاحب شر على نفسه وعلى غيره ، فهذا شرّ الأقسام.
فعاد الخير كله إلى الإيمان وتوابعه، وعاد الشر إلى فقد الإيمان والاتّصاف بضدِّه (١).
العشرون: الإيمان يثمر الاستخلاف في الأرض ، قال الله : ﴿وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢).
الحادي والعشرون: الإيمان ينصر الله به العبد ، قال الله : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).
الثاني والعشرون: الإيمان يثمر للعبد العزّة ، قال الله : ﴿وَلله الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٤).
الثالث والعشرون: الإيمان يثمر عدم تسليط الأعداء على المؤمنين ، قال الله : ﴿وَلَن يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (٥).
الرابع والعشرون: الأمن التامّ والاهتداء ، قال الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ
стр. 659
وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (١).
الخامس والعشرون: حفظ سعي المؤمنين ؛ قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ (٢).
السادس والعشرون: زيادة الإيمان للمؤمنين ؛ قال الله : ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٣).
السابع والعشرون: نجاة المؤمنين ، قال الله في قصة يونس: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤).
الثامن والعشرون: الأجر العظيم لأهل الإيمان ، قال الله : ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ الله الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٥).
التاسع والعشرون: معيّة الله لأهل الإيمان ، وهي المعية الخاصة: معية التوفيق والإلهام والتسديد، قال الله : ﴿وَأَنَّ الله مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦).
الثلاثون: أهل الإيمان في أمنٍ منَ الخوف والحزن ، قال الله :
стр. 660
﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١).
الحادي والثلاثون: الأجر الكبير: قال الله : ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (٢).
الثاني والثلاثون: الأجر غير الممنون ، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (٣).
الثالث والثلاثون: القرآن إنما هو هُدىً ورحمةٌ للمؤمنين (٤) , وشفاءٌ ورحمة (٥)، وهو لهم هدى وشفاء (٦).
الرابع والثلاثون: أهل الإيمان: ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٧).
المطلب الرابع: شُعَب الإيمان
الإيمان له شُعَبٌ كثيرة، وهذا يدلّ على أن الإيمان إذا أُفرد شمل الدين كله، وقد بيّن النبي ﷺ شُعب الإيمان إجمالاً وتفصيلاً.
أمّا الإجمال، فقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان))، وفي رواية:
стр. 661
((الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستّون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)) (١).
وقد ذكر الإمام أبو بكر البيهقي سبعاً وسبعين شعبة من شعب الإيمان (٢)، وهذه الشعب باختصار على النحو الآتي:
١ - الإيمان بالله -.
٢ - الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام .
٣ - الإيمان بالملائكة .
٤ - الإيمان بالقرآن الكريم، وجميع الكتب المنزلة .
٥ - الإيمان بالقدر خيره وشره من الله .
٦ - الإيمان باليوم الآخر .
٧ - الإيمان بالبعث بعد الموت .
٨ - الإيمان بحشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم إلى الموقف.
٩ - الإيمان بأن دار المؤمنين الجنة، ودار الكافرين النار .
١٠ - الإيمان بوجوب محبة الله -.
١١ - الإيمان بوجوب الخوف من الله - (٣).
١٢ - الإيمان بوجوب الرجاء من الله -.
стр. 662
١٣ - الإيمان بوجوب التوكل على الله -.
١٤ - الإيمان بوجوب محبّة النبي ﷺ -.
١٥ - الإيمان بوجوب تعظيم النبي ﷺ -، وتبجيله، وتوقيره بدون غلوّ.
١٦ - حبّ المرء لدينه حتى يكون القذف في النار أحبّ إليه من الكفر .
١٧ - طلب العلم: وهو معرفة الله، ودينه، ونبيّه ﷺ بالأدلّة .
١٨ - نشر العلم، وتعليمه للناس .
١٩ - تعظيم القرآن الكريم: بتعلّمه، وتعليمه، وحفظ حدوده ، وأحكامه، وعلم حلاله، وحرامه، وتبجيل أهله، وحفظه (١).
٢٠ - الطهارة والمحافظة على الوضوء .
٢١ - المحافظة على الصلوات الخمس .
٢٢ - أداء الزكاة .
٢٣ - الصيام: الفرض والنفل .
٢٤ - الاعتكاف .
٢٥ - الحج (٢).
٢٦ - الجهاد في سبيل الله -.
٢٧ - المرابطة في سبيل الله -.
٢٨ - الثبات للعدو وترك الفرار من الزّحف .
٢٩ - أداء الخُمس من المغنم إلى الإمام، أو نائبه على الغانمين.
٣٠ - العتق بوجه التقرّب إلى الله -.
стр. 663
٣١ - الكفّارات الواجبة بالجنايات ، وهي في الكتاب والسنة أربع: كفّارة القتل، وكفّارة الظهار، وكفّارة اليمين، وكفّارة المسيس في صوم رمضان.
٣٢ - الإيفاء بالعقود .
٣٣ - تعديد نعم الله ، وما يجب من شكرها .
٣٤ - حفظ اللسان عمّا لا يُحتاج إليه .
٣٥ - حفظ الأمانات، ووجوب أدائها إلى أهلها .
٣٦ - تحريم قتل النفس، والجنايات عليها .
٣٧ - تحريم الفروج وما يجب فيها من التعفّف .
٣٨ - قبض اليد عن الأموال المحرّمة ، ويدخل فيها: تحريم السرقة، وقطع الطريق، وأكل الرّشاء، وأكل ما لا يستحقّه شرعاً (١).
٣٩ - وجوب التورّع في المطاعم والمشارب ، واجتناب ما لا يحلّ منها.
٤٠ - ترك الملابس والزّيّ والأواني المحرّمة والمكروهة .
٤١ - تحريم الملاعب والملاهي المخالفة للشريعة .
٤٢ - الاقتصاد في النفقة، وتحريم أكل المال بالباطل .
٤٣ - ترك الغلّ والحسد .
٤٤ - تحريم أعراض الناس، وما يلزم من ترك الوقوع فيها .
٤٥ - إخلاص العمل لله ، وترك الرّياء .
٤٦ - السرور بالحسنة، والاغتمام بالسيئة .
٤٧ - معالجة كلّ ذنبٍ بالتّوبة النصوح .
стр. 664
٤٨ - القرابين وجملتها: الهدي، والأضحية، والعقيقة (١).
٤٩ - طاعة أولي الأمر .
٥٠ - التمسك بما عليه الجماعة .
٥١ - الحكم بين الناس بالعدل .
٥٢ - الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر .
٥٣ - التعاون على البر والتقوى .
٥٤ - الحياء .
٥٥ - برّ الوالدين .
٥٦ - صلة الأرحام .
٥٧ - حسن الخلق .
٥٨ - الإحسان إلى المماليك .
٥٩ - حقّ السّادة على المماليك .
٦٠ - القيام بحقوق الأولاد والأهلين .
٦١ - مقاربة أهل الدين، وموادتهم، وإفشاء السلام ، والمصافحة لهم.
٦٢ - ردّ السلام .
٦٣ - عيادة المريض (٢).
٦٤ - الصلاة على من مات من أهل القبلة .
٦٥ - تشميت العاطس .
٦٦ - مباعدة الكفار والمفسدين، والغلظة عليهم .
стр. 665
٦٧ - إكرام الجار .
٦٨ - إكرام الضيف .
٦٩ - الستر على أصحاب الذّنوب .
٧٠ - الصبر على المصائب وعما تنزع النفس إليه من لذَّة وشهوةٍ .
٧١ - الزّهد، وقصر الأمل .
٧٢ - الغيرة، وترك المذاء .
٧٣ - الإعراض عن الغلوّ .
٧٤ - الجود والسّخاء .
٧٥ - رحمة الصغير، وتوقير الكبير .
٧٦ - إصلاح ذات البين .
٧٧ - أن يحبّ المرء لأخيه المسلم ما يحبّ لنفسه ، ويكره له ما يكره لنفسه، ويدخل فيه إماطة الأذى عن الطريق، المشار إليه في الحديث (١).
المطلب الخامس: صفات المؤمنين
المؤمنون لهم صفات كريمة وأعمال عظيمة، وصفهم الله بها، وأثنى عليهم، ومن هذه الصفات على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
أولاً: قال الله : ﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
стр. 666
يُنفِقُونَ﴾ (١).
وقد ظهر في هذه الآيات صفات عظيمة من صفات المؤمنين وهي:
١ - طاعة الله ورسوله ﷺ .
٢ - خوف الله ورهبته وخشيته .
٣ - زيادة الإيمان عند سماع القرآن، لتدبرهم له.
٤ - التوكل والاعتماد على الله مع العمل بالأسباب.
٥ - إقام الصلاة: من فرائض ونوافل بأعمالها الظاهرة والباطنة.
٦ - الإنفاق الواجب: كالزكوات، والكفّارات، والنفقة على من تجب نفقته، والصّدقة في طريق الخير.
ثانياً: قول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢).
ففي هذه الآية صفات عظيمة اتصف بها المؤمنون وهي:
١ - موالاة المؤمنين، ومحبّتهم في الله تعالى، ونصرتهم.
٢ - الأمر بالمعروف، وهو اسم جامعٌ لكلّ ما عُرف حسنه: من العقائد الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة.
٣ - النهي عن المنكر، وهو كلّ ما خالف المعروف، وناقضه: من العقائد الباطلة، والأعمال الخبيثة، والأخلاق الرذيلة.
стр. 667
٤ - إقام الصلاة بأعمالها الظاهرة والباطنة، من فرضٍ ونفل.
٥ - إعطاء الزكاة لأهلها بأصنافهم الثمانية.
٦ - طاعة الله ورسوله ﷺ ، وملازمة ذلك في جميع الأحوال.
ثالثاً: قال الله : ﴿إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ الله وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
فظهر في هاتين الآيتين صفات عظيمة من صفات أهل الإيمان، وهي على النحو الآتي:
١ - القتال في سبيل الله، وبذل الجهد والطاقة في ذلك.
٢ - التوبة من جميع الذنوب وملازمتها في جميع الأوقات.
٣ - العبودية لله بالقيام بجميع الواجبات، والمستحبّات، والابتعاد عن جميع المحرّمات والمكروهات في كل وقت، فبذلك يكون العبد من العابدين.
٤ - الحمد لله في السّراء والضرّاء، والثناء عليه بنعمه، والاعتراف بالنعم الظاهرة والباطنة.
٥ - السياحة في السفر بطلب العلم، والحجّ والعمرة، والجهاد، وصلة
стр. 668
الأقارب ونحو ذلك، كصيام النفل المشروع.
٦ - الإكثار من الصلاة المشتملة على الركوع والسجود.
٧ - الأمر بالمعروف، ويدخل فيه جميع الواجبات والمستحبّات.
٨ - النهي عن المنكر: ويدخل فيه كل ما نهى عنه الله ورسوله ﷺ .
٩ - تعلم حدود ما أنزل الله على رسوله، وما يدخل في الأوامر والنواهي والأحكام، وما لا يدخل، الملازمون لذلك فعلاً وتركاً.
رابعاً: قال الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١) , وهذه الصفات في هذه الآيات على النحو الآتي:
١ - الخشوع في الصلاة، وحضور القلب بين يدي الله فيها.
٢ - الإعراض عن اللغو الذي لا خير فيه؛ فإن من أعرض عن ذلك كان إعراضه عن المحرّم من بابِ أولى.
٣ - تأدية زكاة الأموال وتزكية النفوس من أدناس الأخلاق، وذلك بتركها.
٤ - حفظ الفروج عن الزنا، وتجنّب ما يكون وسيلة إلى ذلك: كالنظر،
стр. 669
والخلوة، واللّمس.
٥ - حفظ الأمانات سواء كانت من حقوق الله أو حقوق العباد، والآية عامة.
٦ - حفظ العهود والمواثيق بين العبد وبين الله وبين الإنسان وبين العباد.
٧ - المحافظة على الصلاة بأركانها وشروطها وواجباتها ومستحبّاتها.
وغير ذلك من صفات المؤمنين في كتاب الله ، وأسأل الله أن يوفقني وجميع المسلمين للاتّصاف بهذه الصفات الكريمة.
المبحث الثاني: ظلمات النفاق
المطلب الأول: مفهوم النفاق
أولاً: مفهوم النفاق لغةً وشرعاً:
النفاق: لغةً: النفق سرب في الأرض، مشتق إلى موضع آخر، وفي التهذيب: له مخلص إلى مكان آخر، والنفقة والنافقاء، جحر الضبّ واليربوع، وقيل: النفقة والنافقاء موضع يرققه اليربوع من جحره، فإذا أُتيَ من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فخرج، ونفِق اليربوع ونَفق ((بالفتح)) وانتفق، ونفق: خرج منه. ونفق اليربوع تنفيقاً، ونافق، أي دخل في نافقائه، ومنه اشتقاق المنافق في الدين، والنِّفاق بالكسر، فعل النافق، والنفاق الدخول في الإسلام من وجه والخروج عنه من وجه آخر (١).
وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لتتبعُنَّ سنن الذين من قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضبٍّ لاتَّبعتموهم))، قلنا: يا رسول الله، اليهود
стр. 670
والنصارى؟ قال: ((فمَنْ؟)) (١).
والنفاق: شرعاً: كما قال ابن كثير ﵀: ((النفاق: هو إظهار الخير، وإسرار الشرّ، وهو أنواع: اعتقاديٌّ، وهو الذي يخلّد صاحبه في النار، وعمليٌّ وهو أكبر من الذنوب، قال ابن جريج: المنافق يخالف قوله فعله، وسرّه علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه)) (٢).
والنفاق نوعان: أكبر يُخرج من الملّة، وأصغر لا يُخرج من الملّة (٣).
ثانياً: مفهوم الزنديق:
الزنديق: الزنديق بالكسر من الثنوية، أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة، وبالرّبوبية، أو من يُبطن الكفر ويُظهر الإيمان (٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((الزنديق في عُرْف الفقهاء، هو المنافق الذي كان على عهد النبي ﷺ ، وهو أن يُظهر الإسلام، ويُبطن غيره، سواء أبطن ديناً من الأديان، كدين اليهود والنصارى أو غيرهم، أو كان معطِّلاً جاحداً للصانع، والمعاد، والأعمال الصالحة.
ومن الناس من يقول: الزنديق هو الجاحد المعطِّل، وهذا يُسمَّى في اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة، ونقلة مقالات الناس، ولكن