رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» (١)، ومعنى: «كاسيات عاريات» هو: أن تكتسي المرأة ما لا يسترها فهي كاسية، وهي في الحقيقة عارية، مثل من تلبس الثوب الرقيق الذي يشفّ بشرتها، أو الثوب الضيق الذي يبدي تقاطيع جسمها، أو الثوب القصير الذي لا يستر بعض أعضائها. فالمتعين على نساء المسلمين: التزام الهدي الذي كان عليه أمهات المؤمنين ونساء الصحابة ﵅ ومن اتبعهن بإحسان من نساء هذه الأمة، والحرص على التستر والاحتشام، فذلك أبعد عن أسباب الفتنة، وصيانة للنفس عما تثيره دواعي الهوى الموقع في الفواحش. كما يجب على نساء المسلمين الحذر من الوقوع فيما حرمه اللَّه ورسوله من الألبسة التي فيها تشبه بالكافرات والعاهرات؛ طاعة للَّه ورسوله، ورجاء لثواب اللَّه، وخوفاً من عقابه.
كما يجب على كل مسلم أن يتقي اللَّه فيمن تحت ولايته من النساء، فلا يتركهن يلبسن ما حرمه اللَّه ورسوله من الألبسة الخالعة، والكاشفة والفاتنة، وليعلم أنه راع ومسؤول عن رعيته يوم القيامة.
نسأل اللَّه أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يهدينا جميعا سواء السبيل، إنه سميع قريب مجيب، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد
стр. 492
وعلى آله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... عضو ... الرئيس
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبد الله بن غديان ... عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
٧ - المحرم وسفر المرأة بلا محرم
السؤال الثالث من الفتوى رقم (١٨١٧٣)
س٣: لي ابن أخ عمره خمس سنوات، وابن أخت أربع سنوات، فهل يعدان محرمين لي، وهل صحيح أن المحرم يجب أن يكون حقيقة محرماً عندما يصبح يفرق بين الأشياء والألوان والحلوى وغيرها، أم حتى البلوغ؟
ج٣: يشترط في المحرم الذي يكون مع المرأة أن يكون بالغا عاقلاً؛ لأن الصغير وغير العاقل لا يحصل بهما المقصود في المحرمية من حماية المرأة والقيام بشأنها.
وباللَّه التوفيق، وصلى اللَّه على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبد الله بن غديان ... عبد العزيز آل الشيخ ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
السؤال الفتوى الثاني من الفتوى رقم (١٧٤٥٥)
س٢: أنا أسكن في كفر الزيات والكلية التابعة لها في طنطا والمسافة بينهما ١٣ كم، فما حكم السفر إلى الكلية بدون محرم، مع العلم بأني
стр. 493
أتلقى العلم الشرعي على يد أخت؟
ج٢: المسافة المذكورة ليست مسافة سفر يحتاج إلى محرم، ولكن لا يجوز لك أن تركبي وحدك مع رجل ليس من محارمك؛ لأن هذه خلوة محرمة، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يخلون رجل بامرأة؛ فإن الشيطان ثالثهما» (١).
وباللَّه التوفيق، وصلى اللَّه على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... عضو ... عضو ... الرئيس
بكر أبو زيد ... عبد العزيز آل الشيخ ... صالح الفوزان ... عبد الله بن غديان ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الفتوى رقم (١١٧٥٠)
س: يتقدم أولياء أمور الطالبات اللاتي يدرسن بالدمام التي تبعد عن مدينة الخفجي بحوالي ٣٠٠ كيلو متر، وذلك لعمل توكيل للسفر بهن إلى الجامعة بالدمام والعودة بهن إلى الخفجي بصفة جماعية، وذلك لشخص مع زوجته أو ابنته أو أخته أو أحد محارمه، وينص على ذلك في الوكالة، مثلا: «وكلت فلاناً وابنته فلانة .. إلخ للسفر بابنتي إلى الدمام والعودة بها مع زميلاتها .. » فما رأي سماحتكم إذا كان السفر بالمرأة أو الطالبات بهذه الصفة الجماعية ووجود أحد محارم قائد السيارة معه، كذلك التوكيل على
стр. 494
استلام خادمة من المطار والسفر بها إلى مكفولها؟ أفيدونا جزاكم اللَّه خيراً.
ج: السفر المذكور لا يجوز؛ لأنه بدون محرم، كما أن التوكيل لا يصح ولا يفيد شيئا في ذلك ولا يحل سفر المرأة بدون محرم.
وباللَّه التوفيق، وصلى اللَّه على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
٨ - السفر بالطائرة بدون محرم
السؤال الثالث من الفتوى رقم (٩٩٥٠)
س٣: هل يجوز للمرأة أن تسافر لوحدها في الطائرة بدون محرم؟
ج٣: لا تسافر المرأة إلا مع محرم لها أو زوج، سواء طالت المسافة أو قصرت.
وباللَّه التوفيق، وصلى اللَّه على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
السؤال الأول من الفتوى رقم (٩٣٥٥)
س١: هل يجوز سفر الزوجة بمفردها بالطائرة لمدة ثلاث ساعات بدون محرم؟ مع
стр. 495
العلم بأن الزوج يعمل ببلد لا يوجد به طبيبات من النساء للولادة، والغرض الرئيسي من السفر هو الوضع على يد طبيبات من النساء في بلد أهل الزوجة؟
ج١: في مثل هذه الحالة يسافر معها زوجها أو أحد محارمها.
وباللَّه التوفيق، وصلى اللَّه على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الفتوى رقم (١٧٧٠٢)
س: أرجو أن تبينوا لي حكم سفر امرأتي بالطائرة من الظهران إلى الطائف وهي برفقة أختها المتزوجة من أخي، ومعهم أخي وأبناؤنا الصغار، مع العلم أنه ليس باستطاعتي السفر معها لإيصالها والعودة، حيث إن مادياتي لا تسمح لي بذلك، وسوف يكون في استقبالهم في الطائف والدهم ووالدتهم -مدة السفر ساعتان-.
ج: لا يجوز سفر المرأة في الطائرة ولا في غيرها إلا مع محرم؛ لقوله ﷺ : «لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم» (١) متفق على صحته وزوج أختها لا يعتبر محرماً لها، وكذلك أختها ليست محرماً لها.
وباللَّه التوفيق، وصلى اللَّه على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... عضو ... عضو ... الرئيس
بكر أبو زيد ... عبد العزيز آل الشيخ ... صالح الفوزان ... عبد الله بن غديان ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 496
الفتوى رقم (٢٦٤٢)
الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على السؤال المقدم من عميد شؤون الطلاب بجامعة الرياض عن طريق الدكتور محيي الدين خليل، رئيس قسم الثقافة الإسلامية، إلى سماحة الرئيس العام، والمحال إلى اللجنة برقم (٢٥٥٤\ ٢ \ د) وتاريخ
٧\ ٨ \ ٩٩ هـ، ونصه:
إن طالبات الجامعة من خارج مدينة الرياض يقمن بوحدة أم المؤمنين السكنية، وتسافر الطالبات إلى بلادهن في الإجازات الرسمية أو في نهاية الأسبوع، وغالبيتهن يتوجهن إلى جدة أو الظهران بالطائرة، وتشترط العمادة أن يرافق كل طالبة محرم، ولكن هذا لا يتيسر لجميعهن وفي كل الأحوال، وقد تكون الطالبة راغبة في السفر تحت ظروف اضطرارية، ويشكو البعض من هذا الإجراء، ويرون أن الشرع في مثل حالتنا هذه يبيح السفر بدون محرم، إذ أنه لا يتجاوز ساعات محدودة، مستندين إلى: «لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعداً إلا ومعها أبوها أو أخوها أو زوجها أو ابنها أو ذو حرمة منها» (١)، وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تسافر امرأة مسيرة يوم وليلة
стр. 497
إلا ومعها محرم» (١)، وعن أبي هريرة أيضاً أنه ﷺ قال: «لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو حرمة منها» (٢).
لذا نأمل إفادتنا عما إذا كان يجوز شرعاً السماح للطالبة بالسفر إلى جدة أو الظهران بالطائرة بدون محرم.
وأجابت بما يلي:
إن الشريعة الإسلامية مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد، ومن مقاصدها الضرورية المحافظة على الأنساب والأعراض، وقد ثبت في الكتاب والسنة ما يدل دلالة واضحة على سد الذرائع التي تفضي إلى اختلاط الأنساب، وانتهاك الأعراض: كتحريم خلوة المرأة بأجنبي، وتحريم إبدائها زينتها لغير زوجها ومحارمها، ومن في حكمهم ممن ذكرهم اللَّه تعالى في سوره النور: كالأمر بغض البصر، وتحريم النظرة الخائنة، ومن الذرائع القريبة التي قد تفضي إلى الفاحشة، واختلاط الأنساب، وهتك الأعراض - سفر المرأة دون من فيه صيانة لها في اعتبار الشرع: من زوجها، أو أحد محارمها، فكان حراماً؛ لما ثبت عن ابن عمر ﵄، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: «لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم» (٣) رواه
стр. 498
أحمد، والبخاري، ومسلم؛ ولما ثبت عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: «لا تسافر المرأة بريداً إلا ومعها محرم يحرم عليها» (١) رواه أبو داود، والحاكم؛ ولما ثبت عن ابن عباس ﵄، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول وهو يخطب: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم». فقام رجل فقال: يا رسول اللَّه: إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا. قال: «انطلق فحج مع امرأتك» (٢) رواه أحمد، والبخاري، ومسلم.
وورد في بعض الروايات التقييد بيوم، وفي بعضها التقييد بليلة، وفي بعضها التقييد بثلاثة أميالٍ، وفي بعضها بيومين، والتحديد بذلك ليس بمراد، وإنما هو تعبير عن أمر واقع، فلا يعمل بمفهومه، ثم هو مفهوم عدد معارض بمنطوق حديث ابن عباس ﵄ وما في معناه، فلا يعتبر، وإنما يعتبر ما ثبت من الإطلاق في حديث ابن عباس ﵄، وهو واضح في أن المرأة منهية عن كل ما يسمى سفرا إلا ومعها زوجها أو ذو محرم لها، سواء كان قليلاً أم
стр. 499
كثيراً، وسواء كانت شابة أم عجوزا، وسواء كان السفر براً أم بحراً أم جواً، ومن خالف في ذلك فخص النهي بالشابة أو قيده، بما ذكر من التحديد في بعض الأحاديث أو بما إذا كانت الطريق غير مأمونة أو اكتفى بالرفقة الثقاة المأمونة، فقوله مردود بعموم حديث ابن عباس ﵄، فإنه منطوق فيقدم على مفهوم العدد في الأحاديث الأخرى.
وعلى هذا يكون سفر النساء بالطائرات بلا زوج أو محرم منهيا عنه، سواء كن طالبات أم غير طالبات؛ لكونه سفراً فيصدق عليه عموم النهي في الحديث.
وباللَّه التوفيق، وصلى اللَّه على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١).
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 500
٩ - في صفة العباءة الشرعية للمرأة
فتوى رقم (٢١٣٥٢) وتاريخ ٩/ ٣/ ١٤٢١هـ
الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .. وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من المستفتي/ ..... والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (٩٣٤)، وتاريخ ١٢/ ٢/ ١٤٢١هـ، وقد سأل المستفتي سؤالاً هذا نصه: «فقد فقد انتشر في الآونة الأخيرة عباءة مفصلة على الجسم وضيقة، وتتكون من طبقتين خفيفتين من قماش الكريب، ولها كم واسع، وبها فصوص وتطريز، وهي توضع على الكتف. فما حكم الشرع في مثل هذه العباءة؟ أفتونا مأجورين، ونرغب -حفظكم الله- بمخاطبة وزارة التجارة لمنع هذه العباءة وأمثالها.
وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بأن العباءة الشرعية للمرأة وهي «الجلباب»: هي ما تحقق فيها قصد الشارع من كمال الستر والبعد عن الفتنة، وبناء على ذلك فلا بد لعباءة المرأة أن تتوفر فيها الأوصاف الآتية:
أولاً: أن تكون سميكة لا تظهر ما تحتها، ولا يكون لها خاصية الالتصاق.
ثانياً: أن تكون ساترة لجميع الجسم، واسعة لا تبدي تقاطيعه.
ثالثاً: أن تكون مفتوحة من الأمام فقط، وتكون فتحة الأكمام ضيقة.
رابعاً: ألاّ يكون فيها زينة تلفت إليها الأنظار، وعليه فلا بد أن
стр. 501
تخلو من الرسوم والزخارف والكتابات والعلامات.
خامساً: ألاّ تكون مُشابهة للباس الكافرات أو الرجال.
سادساً: أن توضع العباءة على هامة الرأس ابتداءً.
وعلى ما تقدم فإن العباءة المذكورة في السؤال ليست عباءة شرعية للمرأة فلا يجوز لبسها لعدم توافر الشروط الواجبة فيها ولا لبس غيرها من العباءات التي لم تتوافر فيها الشروط الواجبة، ولا يجوز كذلك استيرادها ولا تصنيعها ولا بيعها وترويجها بين المسلمين؛ لأن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان والله جل وعلا يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١)، واللجنة إذ تبين ذلك فإنها توصي نساء المؤمنين بتقوى الله تعالى والتزام الستر الكامل للجسم بالجلباب والخمار عن الرجال الأجانب طاعة للَّه تعالى ولرسوله ﷺ ، وبعداً عن أسباب الفتنة والافتتان. وباللَّه التوفيق.
وصلى اللَّه على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... عضو ... الرئيس
عبد الله بن عبد الرحمن الغديان ... بكر بن عبد الله أبو زيد ... صالح بن فوزان الفوزان ... عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ (٢)
стр. 502
ثالثاً: فتاوى الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀
١ - مشروعية الحجاب
الحمد للَّه رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فقد اطلعت على ما كتبه المدعو: أحمد بهاء الدين في بعض الصحف وما يدعيه من تحليل لما حرمه اللَّه, وخاصة ما نشره في زاوية (يوميات) في جريدة الأهرام في الأعداد (٣٦٩٩٢)، و (٣٦٩٩٣)، و (٣٦٩٩٤)، و (٣٦٩٩٦) من تحامله على الحجاب والنقاب, والدعوة إلى السفور, واعتبار الحجاب بدعة من البدع, واعتباره أنه من الزي, والزي مسألة تتعلق بالحرية الشخصية, وأن النساء كن يلبسن النقاب كتقليد متوارث, وأن الإسلام لم يأمر به ولم يشر إليه, وأن النساء كن يجالسن النبي ﷺ سافرات, ويعملن في التجارة والرعي والحرب سافرات, وأن العهد ظل كذلك طيلة عهد الخلفاء الراشدين, والدولة الأموية والعباسية, وأنه عندما اعتنق الأتراك الإسلام دخلوا بعاداتهم غير الإسلامية الموروثة عن قبائلهم مثل: البرقع، واليشمك, وفرضوها على العرب المسلمين فرضاً. إلى آخر ما كتبه لإباحة السفور وإنكار الحجاب وغير ذلك من الأباطيل والافتراءات وتحريف الأدلة وصرفها عن مدلولها الحقيقي.
стр. 503
ومن المعلوم أن الدعوة إلى سفور المرأة عن وجهها دعوة باطلة ومنكرة شرعاً وعقلاً ومناهضة للدين الإسلامي ومعادية له.
والمسلم مدعو إلى كل ما من شأنه أن يزيد في حسناته، ويقلل من سيئاته، سراً وجهراً في كل أقواله وأفعاله، وأن يبتعد عن وسائل الفتنة، ومزاولة أسبابها وغاياتها.
والعلماء مدعوون إلى نشر الخير وتعليمه بكل مسمياته, سواء في ذلك العبادات، والمعاملات، والآداب الشرعية فردية كانت أو جماعية.
ودعاة السفور المروِّجون له يدعون إلى ذلك إما عن جهل وغفلة وعدم معرفة لعواقبه الوخيمة, وإما عن خبث نية وسوء طوية لا يعبأون بالأخلاق الفاضلة ولا يقيمون لها وزناً, وقد يكون عن عداوة وبغضاء كما يفعل العملاء والأجراء من الخونة والأعداء فهم يعملون لهذه المفسدة العظيمة والجائحة الخطيرة: ليلاً ونهاراً, سراً وجهاراً, جماعة وأفراداً, إنهم يدعون إلى تحرير المرأة من: الفضيلة، والشرف، والحياء، والعفة إلى الدناءة والخسة والرذيلة وعدم الحياء.
والواجب الابتعاد عن مواقف الشر ومصائد الشيطان عملاً وقولاً باللسان والجنان.
وعلى المسلم الذي يوجه الناس أن يدعوهم إلى طريق الهدى
стр. 504
والرشاد ويقربهم من مواقف العصمة ويبعدهم عن الفتنة ومواقف التهم؛ ليكون بذلك عالماً ربانياً، فقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال لكميل بن زياد في وصيته له: «يا كميل: الناس ثلاثة: عالم رباني, ومتعلم على سبيل النجاة, وهمج رعاع لا خير فيهم أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح مرسلة لا يهتدون بنور العلم ولا يلجأون إلى ركن وثيق» (١).
والدعوة إلى السفور ورفض الحجاب دعوة لا تعود على المسلمين ذكورهم وإناثهم بخير في دينهم ولا دنياهم, بل تعود عليهم بالشر والفجور وكل ما يكرهه اللَّه ويأباه، فالحكمة والخير للمسلمين جميعاً في الحجاب لا السفور في حال من الأحوال، وبما أن أصل الحجاب عبادة لأمر الإسلام ونهيه عن ضده في كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ كما سنبينه فيما بعد إن شاء اللَّه، فهو أيضاً وقاية لأنه يساعد على غض البصر الذي أمر اللَّه بغضه ويساعد على قطع أطماع الفسقة الذين في قلوبهم مرض, ويبعد المرأة عن مخالطة الرجال ومداخلتهم كما أنه يساعد على ستر العورات التي تثير في النفوس كوامن الشهوات.
والتبرج ليس تحرراً من الحجاب فقط، بل هو والعياذ باللَّه تحرر
стр. 505
من الالتزام بشرع اللَّه وخروج على تعاليمه ودعوة للرذيلة, والحكمة الأساسية في حجاب المرأة هي درءُ الفتنة, فإن مباشرة أسباب الفتنة ودواعيها وكل وسيلة توقع فيها من المحرمات الشرعية ومعلوم أن تغطية المرأة لوجهها ومفاتنها أمر واجب دل على وجوبه الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح.
فمن أدلة الحجاب وتحريم السفور من الكتاب قوله : ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١).
فجاء في هذه الآية الكريمة ما يدل على وجوب الحجاب وتحريم السفور في موضعين منها:
الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، وهذا يدل على النهي عن جميع الإبداء لشيء من الزينة إلا ما استثنى
стр. 506
وهو ملابسها الظاهرة وما خرج بدون قصد ويدل على ذلك التأكيد منه بتكريره النهي عن إبداء الزينة في نفس الآية.
والثاني: قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، فهو صريح في إدناء الخمار من الرأس إلى الصدر؛ لأن الوجه من الرأس الذي يجب تخميره عقلاً وشرعاً وعرفاً، ولا يوجد أي دليل يدل على إخراج الوجه من مسمى الرأس في لغة العرب, كما لم يأت نص على إخراجه أو استثنائه بمنطوق القرآن والسنة ولا بمفهومهما واستثناء بعضهم له وزعمهم بأنه غير مقصود في عموم التخمير مردود بالمفهوم الشرعي واللغوي ومدفوع بأقوال بقية علماء السلف والخلف, كما هو مردود بقاعدتين أوضحهما علماء الأصول ومصطلح الحديث إحداهما: أن حجة الإثبات مقدمة على حجة النفي. والثانية: أنه إذا تعارض مبيح وحاظر قدم الحاظر على المبيح.
ولما كان اللَّه يعلم ما في المرأة من وسائل الفتنة المتعددة للرجل أمرها بستر هذه الوسائل حتى لا تكون سبباً للفتنة فيطمع بها الذي في قلبه مرض.
والزينة المنهي عن إبدائها: اسم جامع لكل ما يحبه الرجل من المرأة ويدعوه للنظر إليها سواء في ذلك الزينة الأصلية أو المكتسبة التي هي كل شيء تحدثه في بدنها تجملاً وتزيناً.
стр. 507
وأما الزينة الأصلية: فإنها هي الثابتة كالوجه والشعر وما كان من مواضع الزينة كاليدين، والرجلين، والنحر، وما إلى ذلك، وإذا كان الوجه أصل الزينة وهو بلا نزاع القاعدة الأساسية للفتنة بالمرأة, بل هو المورد والمصدر لشهوة الرجال فإن تحريم إبدائه آكد من تحريم كل زينة تحدثها المرأة في بدنها.
قال القرطبي في تفسيره: الزينة على قسمين خلقية ومكتسبة:
فالخلقية: وجهها فإنه أصل الزينة وجمال الخلقة، ومعنى الحيوانية لما فيه من المنافع وطرق العلوم.
وأما الزينة المكتسبة: فهي ما تحاول المرأة في تحسين خلقتها به كالثياب والحلي والكحل والخضاب. اهـ.
وقال البيضاوي في تفسيره: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ كالحلي والثياب والأصباغ فضلاً عن مواضعها لمن لا يحل أن تبدى له. اهـ.
فإذا كان الوجه هو أصل الزينة بلا نزاع في النقل والعقل، فإن اللَّه جلت قدرته حرم على المرأة إبداء شيء من زينتها، وهذا عموم لا مخصص له من الكتاب والسنة ولا يجوز تخصيصه بقول فلان أو فلان، فأي قول من أقوال الناس يخصص هذا العموم فهو مرفوض؛ لأن عموم القرآن الكريم والسنة المطهرة لا يجوز تخصيصه بأقوال البشر, ولا يجوز تخصيصه عن طريق الاحتمالات الظنية, أو الاجتهادات الفردية, فلا يخصص عموم القرآن إلا
стр. 508
بالقرآن الكريم، أو بما ثبت من السنة المطهرة أو بإجماع سلف الأمة, ولذلك نقول: كيف يسوغ تحريم الفرع وهو الزينة المكتسبة وإباحة الأصل وهو الوجه الذي هو الزينة الأساسية.
والمراد بقوله جل وعلا: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ كما قال بذلك ابن مسعود ﵁ , وجمع من علماء السلف من المفسرين وغيرهم- «ما لا يمكن إخفاءه» كالرداء والثوب وما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها, وما يبدو من أسافل الثياب، وما قد يظهر من غير قصد كما تقدمت الإشارة لذلك, فالمرأة منهية من أن تبدي شيئاً من زينتها ومأمورة بأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة.
وحينما نهى المرأة عن إبداء شيء من زينتها إلا ما ظهر منها- علمها كيف تحيط مواضع الزينة بلف الخمار الذي تضعه على رأسها فقال: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ﴾ يعني من الرأس وأعالي الوجه ﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ يعني الصدور حتى تكون بذلك قد حفظت الرأس وما حوى والصدر من تحته وما بين ذلك من الرقبة وما حولها لتضمن المرأة بذلك ستر الزينة الأصلية والفرعية.
وفي قوله تعالى أيضاً في آخر هذه الآية: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ الدلالة على تحريمه سبحانه على المرأة ما يدعو إلى الفتنة حتى بالحركة والصوت، وهذا غاية في توجيه المرأة المسلمة, وحث من اللَّه لها على حفظ كرامتها ودفع
стр. 509
الشر عنها.
ويشهد أيضاً لتحريم خروج الزينة الأصلية أو المكتسبة فعل رسول اللَّه ﷺ بزوجته صفية, وفعل أمهات المؤمنين, وفعل النساء المؤمنات في عهد رسول اللَّه ﷺ بعد نزول هذه الآية وآية الأحزاب من الستر الكامل بالخمر والجلابيب, وكانت النساء قبل ذلك يسفرن عن وجوههن وأيديهن حتى نزلت آيات الحجاب، وبذلك يعلم أن ما ورد في بعض الأحاديث من سفور بعض النساء كان قبل نزول آيات الحجاب فلا يجوز أن يستدل به على إباحة ما حرم اللَّه لأن الحجة في الناسخ لا في المنسوخ كما هو معلوم عند أهل العلم والإيمان.
ومن آيات الحجاب الآية السابقة من سورة النور, ومنها قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١).
قال العلماء: الجلابيب جمع جلباب وهو كل ثوب تشتمل به المرأة فوق الدرع والخمار لستر مواضع الزينة من ثابث ومكتسب. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ يدل على تخصيص الوجه; لأن الوجه عنوان المعرفة , فهو نص على وجوب ستر الوجه,
стр. 510
وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ هذا نص على أن في معرفة محاسن المرأة إيذاء لها ولغيرها بالفتنة والشر, فلذلك حرم اللَّه تعالى عليها أن تخرج من بدنها ما تعرف به محاسنها أيا كانت, ولو لم يكن من الأدلة الشرعية على منع كشف الوجه إلا هذا النص منه لكان كافياً في وجوب الحجاب وستر مفاتن المرأة, ومن جملتها وجهها, وهو أعظمها; لأن الوجه هو الذي تعرف به وهو الذي يجلب الفتنة.
قالت أم سلمة: «لما نزلت هذه الآية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها»، قال ابن عباس: أمر اللَّه نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة، وقال محمد بن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن قول اللَّه : ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾، فغطّى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى. وأقوال المفسرين في الموضوع كثيرة لا يتسع المقام لذكرها.
ومن آيات الحجاب أيضاً قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (١)، فهذه الآية نص واضح في وجوب تحجب النساء عن الرجال وتسترهن منهم, وقد أوضح اللَّه سبحانه في هذه الآية الحكمة في ذلك، وهي
стр. 511
أن التحجب أطهر لقلوب الرجال والنساء وأبعد عن الفاحشة وأسبابها.
وهذه الآية عامة لأزواج النبي ﷺ وغيرهن من المؤمنات، قال القرطبي ﵀: «ويدخل في هذه الآية جميع النساء بالمعنى, وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة بدنها وصوتها فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة كالشهادة عليها أو داء يكون ببدنها إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وجوب الحجاب» , وقول القرطبي ﵀: إن صوت المرأة عورة; يعني إذا كان ذلك مع الخضوع, أما صوتها العادي فليس بعورة؛ لقول اللَّه سبحانه: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (١)، فنهاهن سبحانه عن الخضوع في القول لئلا يطمع فيهن أصحاب القلوب المريضة بالشهوة, وأذن لهن سبحانه في القول المعروف, وكان النساء في عهد النبي ﷺ يكلمنه ويسألنه ﵊ ولم ينكر ذلك عليهن, وهكذا كان النساء في عهد أصحاب النبي ﷺ يكلمن الصحابة ويستفتينهم فلم ينكروا ذلك عليهن, وهذا أمر معروف ولا شبهة فيه.
وأما الأدلة من السنة فمنها:
ما ثبت في الصحيحين «أن النبي ﷺ لما أمر بخروج النساء إلى
стр. 512
مصلى العيد قلن: يا رسول اللَّه، إحدانا لا يكون لها جلباب! فقال: «لتلبسها أختها من جلبابها» متفق عليه (١) , فدل على أن المعتاد عند نساء الصحابة ألا تخرج المرأة إلا بجلباب, وفي الأمر بلبس الجلباب دليل على أنه لا بد من التستر والحجاب، وكذا ما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول اللَّه ﷺ يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات بمروطهن ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس» (٢).
وقد أجمع علماء السلف على وجوب ستر المرأة المسلمة لوجهها وأنه عورة يجب عليها ستره إلا من ذي محرم. قال ابن قدامة في المغني: «والمرأة إحرامها في وجهها, فإن احتاجت سدلت على وجهها» , وجملته أن المرأة يحرم عليها تغطية وجهها في إحرامها كما يحرم على الرجل تغطية رأسه, إلا ما روي عن أسماء أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة, وقد روى البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: «لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين» (٣). فأما إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريباً منها؛ فإنها تسدل الثوب فوق رأسها على وجهها, لما روي عن عائشة ﵂ قالت: «كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول اللَّه ﷺ فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا
стр. 513
جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفنا» (١).
وإنما منعت المرأة المحرمة من البرقع والنقاب ونحوهما مما يصنع لستر الوجه خاصة ولم تمنع من الحجاب مطلقاً, قال أحمد: «إنما لها أن تسدل على وجهها فوق وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل». اهـ.
وقال ابن رشد في البداية: «وأجمعوا على أن إحرام المرأة في وجهها وأن لها أن تغطي, رأسها وتستر شعرها وأن لها أن تسدل ثوبها على وجهها من فوق رأسها سدلاً خفيفاً تستتر به عن نظر الرجال إليها ... ».
إلى غير ذلك من كلام العلماء. فيؤخذ من هذا ونحوه أن علماء الإسلام قد أجمعوا على كشف المرأة وجهها في الإحرام, وأجمعوا على أنه يجب عليها ستره بحضور الرجال, فحيث كان كشف الوجه في الإحرام واجباً فستره في غيره أوجب.
وكانت أسماء ﵂ تستر وجهها مطلقاً, وانتقاب المرأة في الإحرام, لا يجوز لنهيه ﷺ عن ذلك في الحديث المتقدم وهو من أعظم الأدلة على أن المرأة كانت تستر وجهها في الأحوال العادية، ومعنى «لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين» أي لا تلبس ما فصل وقطع وخيط لأجل الوجه كالنقاب ولأجل اليدين كالقفازين, لا أن
стр. 514
المراد أنها لا تغطي وجهها وكفيها كما توهمه البعض؛ فإنه يجب سترهما لكن بغير النقاب والقفازين. هذا ما فسره به الفقهاء والعلماء، ومنهم العلامة الصنعاني ﵀، وبهذا يعلم وجوب تحجب المرأة وسترها لوجهها وأنه يحرم عليها إخراج شيء من بدنها وما عليها من أنواع الزينة مطلقاً إلا ما ظهر من ذلك كله في حالة الاضطرار، أو عن غير قصد كما سلف بيان ذلك, وهذا التحريم جاء لدرء الفتنة. ومن قال بسواه أو دعا إليه فقد غلط وخالف الأدلة الشرعية ولا يجوز لأحد اتباع الهوى أو العادات المخالفة لشرع اللَّه ؛ لأن الإسلام هو دين الحق والهدى والعدالة في كل شيء , وفيه الدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال والنهي عما يخالفها من مساوئ الأخلاق وسيء الأعمال. واللَّه المسؤول أن يوفقنا وجميع المسلمين لما يرضيه وأن يعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه جواد كريم، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه (١).
٢ - أهمية الغطاء في وجه المرأة
من عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز إلى حضرة الأخ المكرم ... وفقه اللَّه لكل خير، آمين.
стр. 515
سلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته , وبعد:
فكتابكم المؤرخ بدون وصل وصلكم اللَّه بهداه وهذا نصه: «أرجو من فضيلتكم إجابتي عن أهمية الغطاء على وجه المرأة وهل هو واجب أوجبه الدين الإسلامي, وإذا كان كذلك فما هو الدليل على ذلك, إنني أسمع الكثير وأعتقد أن الغطاء عم استعماله في الجزيرة على عهد الأتراك ومنذ ذلك الوقت سار التشديد على استعماله حتى أصبح يراه الجميع أنه فرض على كل امرأة, كما قرأت أنه في عهد النبي ﷺ وعهد الصحابة الراشدين كانت المرأة تشارك الرجل في الكثير من الأعمال كما تساعده في الحروب, فهل هذه الأشياء حقيقة أم أن فهمي غلط لا أساس له إنني أنتظر الإجابة من فضيلتكم لفهم الحقيقة وحذف ما هو مشوه؟ انتهى.
الجواب: الحجاب كان أول الإسلام غير مفروض على المرأة وكانت تبدي وجهها وكفيها عند الرجال, ثم شرع اللَّه سبحانه الحجاب للمرأة وأوجب ذلك عليها صيانة لها وحماية لها من نظر الرجال الأجانب إليها وحسماً لمادة الفتنة بها، وذلك بعد نزول آية الحجاب وهي قوله تعالى في الآية من سورة الأحزاب: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (١) الآية , والآية المذكورة وإن كانت نزلت في زوجات النبي ﷺ , فالمراد منها: هن وغيرهن من النساء لعموم العلة
стр. 516
المذكورة والمعنى في ذلك.
وقال في السورة نفسها: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١)، الآية؛ فإن هذه الآية تعمهن وغيرهن بالإجماع, ومثل قوله في سورة الأحزاب أيضاً ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢) الآية. وأنزل اللَّه في ذلك أيضاً آيتين أخريين في سورة النور، وهما قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ (٣) الآية، والبعولة هم: الأزواج, والزينة هي: المحاسن والمفاتن والوجه أعظمها، وقوله سبحانه: ﴿إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ المراد به: الملابس في أصح قولي العلماء, كما قاله الصحابي الجليل عبد اللَّه بن مسعود ﵁ لقوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ
стр. 517
يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١)،
ووجه الدلالة من هذه الآية على وجوب تحجب النساء - وهو ستر الوجه وجميع البدن عن الرجال غير المحارم - أن اللَّه سبحانه رفع الجناح عن القواعد اللاتي لا يرجون نكاحاً وهن العجائز إذا كن غير متبرجات بزينة, فعلم بذلك أن الشابات يجب عليهن الحجاب وعليهن جناح في تركه، وهكذا العجائز المتبرجات بالزينة عليهن أن يتحجبن لأنهن فتنة, ثم إنه سبحانه أخبر في آخر الآية أن استعفاف القواعد غير المتبرجات خير لهن وما ذاك إلا لكونه أبعد لهن من الفتنة , وقد ثبت عن عائشة وأختها أسماء ﵄ ما يدل على وجوب ستر المرأة وجهها عن غير المحارم ولو كانت في حال الإحرام كما ثبت عن عائشة ﵂ في الصحيحين ما يدل على أن كشف الوجه للمرأة كان في أول الإسلام ثم نسخ بآية الحجاب.
وبذلك تعلم أن حجاب المرأة أمر قديم من عهد النبي ﷺ قد فرضه اللَّه سبحانه, وليس من عمل الأتراك, أما مشاركة النساء للرجال في كثير من الأعمال على عهد النبي ﷺ كعلاج الجرحى وسقيهم في حال الجهاد, ونحو ذلك فهو صحيح مع التحجب والعفة والبعد عن أسباب الريبة, كما قالت أم سليم ﵂: «كنا نغزو مع النبي ﷺ فنسقي الجرحى ونحمل الماء ونداوي
стр. 518
المرضى» (١)، هكذا كان عملهن، لا عمل نساء اليوم في كثير من الأقطار التي يدعي أهلها الإسلام اللاتي اختلطن بالرجال في مجالات الأعمال وهن متبرجات مبتذلات، فآل الأمر إلى تفشي الرذيلة, وتفكك الأسر , وفساد المجتمع.
ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم, ونسأل اللَّه أن يهدي الجميع صراطه المستقيم, وأن يوفقنا وإياك وسائر إخواننا للعلم النافع والعمل به, إنه خير مسؤول.
والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته (٢).
٣ - لا يجوز لبس الثياب التي تصف البشرة
سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز سلمه اللَّه.
السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته، وبعد:
أنا امرأة متزوجة أقوم أحياناً في منزلي بلبس الملابس الخفيفة التي تصف البشرة أو القصيرة التي تظهر إذا جلست ما فوق الركبة، وذلك لتسهيل الحركة عند تأدية أعمال المنزل ولتخفيف شدة الحر وكذلك لأتزين أمام زوجي، غير أن زوجي نصحني بعدم لبس تلك الملابس بسبب وجود أطفالنا الذين تتراوح أعمارهم من ٣ إلى ٩ سنوات وخشية ألا تزول المشاهد التي يرونها الآن عن ذاكرتهم إذا كبروا، لكنني لم أقبل نصيحته على أساس أن
стр. 519
أطفالنا ما زالوا صغاراً وكذلك لا يخشى عليهم الفتنة.
وحيث إن هذا الأمر قد شغل تفكيري ورغبة في أن أرضي ربي ولا أسخطه كتبت إليكم راجية تبيين الحكم الشرعي في ذلك والتوجيه بما ترون. والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته (١).
ج: وعليكم السلام ورحمة اللَّه وبركاته، وبعد:
لا يجوز لك لبس الثياب الرقيقة التي تصف العورة، ولو لم يكن عندك أحد، وهكذا اللباس القصير الذي فوق الركبة، وقد صح عن النبي ﷺ أنه نهى عن ذلك وقال: «اللَّه أحق أن يستحيا منه من الناس» (٢).
وفق اللَّه الجميع, والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
مفتي عام المملكة العربية السعودية (٣)
стр. 520
المبحث الثامن: الاختلاط
المطلب الأول: تعريف الاختلاط: لغة واصطلاحاً
أولاً: الاختلاط لغة: يقال: خَلَطَ الشيء بالشيء يَخْلِطُه خَلْطاً، وخَلَّطَه فاخْتَلَطَ: مَزَجَه، واخْتَلَطا وخالطَ الشيءَ مُخالَطة وخِلاطاً: مازَجَه.
والخِلاط: اخْتِلاطُ الإِبِل، والناسِ، والمَواشي، ويقال: ... أَخْلاطٌ من الناس، وخَلِيطٌ، وخُلَيْطى، وخُلَّيْطى: أَي أَوْباشٌ مُجْتَمِعُون مُخْتَلِطُون.
وخلَط القومَ خَلْطاً، وخالَطَهم: داخَلَهم.
والخَلِطُ: المختلط بالناس المُتَحَبِّبُ، يكون للذي يَتَمَلَّقُهم، ويتحَبَّبُ إِليهم، ويكون للذي يُلْقي نساءَه ومتاعَه بين الناس (١).
وقال العلامة الفيُّومي ﵀: «خلطت الشيء بغيره خَلْطًا من باب ضرب: ضممته إليه فَاخْتَلَطَ هو، وقد يمكن التمييز بعد ذلك كما في خلط الحيوانات، وقد لا يمكن كَخَلْطِ المائعات فيكون مزجاً ... وقد توسع فيه حتى قيل: رجل خَلِيطٌ إذا اخْتَلَطَ بالناس كثيراً، والجمع: الخُلَطَاءُ» (٢).
стр. 521
وقال ابن فارس ﵀: «(خلط): الخاء، واللام، والطاء أصل واحد ... تقول: خلطت الشيء بغيره فاختلط» (١).
ويقال: خلط الشيء بالشيء: ضمه إليه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
والخليط: المجاور، والشريك، ومنه قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٣)(٤).
فالاختلاط في اللغة: يطلق على الامتزاج، والاجتماع، والمداخلة بالأبدان، والانضمام والضم، والمجاورة، والاشتراك من الشريك، واللَّه تعالى أعلم.
ثانياً: تعريف الاختلاط المحرم في الاصطلاح:
١ - هو اجتماع الرجل بالمرأة التي ليست بمحرم له اجتماعاً يؤدي إلى ريبة (٥).
стр. 522
٢ - وقيل: هو اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم في مكان واحد يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم: بالنظر، أو الإشارة، أو الكلام، أو البدن من غير حائل، أو مانع يدفع الريبة والفساد (١).
٣ - وقيل: الاختلاط هو اجتماع الرجال بالنساء الأجنبيات في مكان واحد، بحكم العمل، أو البيع، أو الشراء، أو النزهة، أو السفر، أو نحو ذلك (٢).
٤ - وقيل: «هو اختلاط جنسي الذكور والإناث اختلاطاً منظماً، ومقنّناً في مجال العلم، أو العمل، أو نحوهما، بمختلف الوجوه، كالاختلاط في الدراسة الجامعية، أو في ميدان العمل بالدوائر الرسمية، والمحلات التجارية، والشركات، والمعامل وغير ذلك» (٣).
٥ - وقيل: هو: «اجتماع الرجال بالنساء في التعليم، والعمل، والمؤتمرات، والندوات، والاجتماعات العامة، والخاصة، وغيرها» (٤).
стр. 523
٦ - وقيل: «هو اختلاط جنسي الذكور والإناث بمختلف الوجوه، كالاختلاط في الدراسة الجامعية، أو في ميدان العمل بالدوائر الرسمية، والمحلات التجارية، والشركات، والمعامل، وغير ذلك» (١).
٧ - وقيل: الاختلاط: هو اجتماع الرجل بالمرأة التي ليست بمحرم اجتماعاً يؤدي إلى ريبة، والأمر بالقرار في البيت وتحريم الخلوة يعتبران نهياً عنه» (٢).
٨ - وقيل: الاختلاط المحرم: هو اجتماع النساء بالرجال الأجانب اجتماعاً خاصاً أو عاماً يحدث بسببه الافتتان» (٣).
٩ - والتعريف الاصطلاحي المختار للاختلاط المحرم هو: انضمام واجتماع ومداخلة الرجال بالنساء غير المحارم في مكان واحد يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم: بالنظر، أو الإشارة، أو الكلام، أو البدن، من غير حائل أو مانع يدفع الريبة والفساد. واللَّه تعالى أعلم.
ويؤخذ من هذا التعريف الاصطلاحي للاختلاط المحرم: أنه كل اجتماع بين الرجال الأجانب والنساء غير المحارم، يحصل به انضمام، أو اجتماع، أو مداخلة بالنظر، أو الإشارة، أو الابتسامة
стр. 524
والضحك، أو الكلام المحرم، أو ملامسة الأبدان بالاحتكاك أو المصافحة، أو غير ذلك، مثل ما يحصل: في الدراسة الجماعية في الجامعات المختلطة، أو المدارس المختلطة بين الجنسين، وكذا ما يحصل في ميدان العمل بالدوائر الرسمية، أو البيع أو الشراء، أو النزهة أو السفر، أو العمل بالشركات أو المحلات التجارية، أو المستشفيات: والاختلاط بين الأطباء والطبيبات، وبالممرضين والممرضات، ومن ذلك كل طبيب عنده ممرضة، أو طبيبة عندها ممرض، يخلو بها في بعض الأوقات، أو السكرتيرة للطبيب، والسكرتير للطبيبة، أو الاختلاط في المؤتمرات، أو الندوات، أو المحاضرات، أو الاجتماعات، أو الأكل الجماعي في المطاعم، سواء كانت عامة أو خاصة، أو خدمة النساء للرجال الأجانب، وتقديم الأطعمة أو المشروبات مباشرة بدون حجاب، ولا حائل، كما يحصل في الطائرات وغيرها.
فهذا هو الاختلاط المحرم الذي لا شك في تحريمه، نسأل اللَّه السلامة والعافية.
стр. 525
المطلب الثاني: أنواع الاختلاط وأقسامه، وبداياته
أولاً: أنواع الاختلاط المحرم، وصوره على النحو الآتي:
١ - اختلاط الأولاد: الذكور والإناث - ولو كانوا إخوة- في المضاجع بعد التمييز، فقد أمر النبي ﷺ بالتفريق بينهم في المضاجع، فعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِى الْمَضَاجِعِ» (١).
٢ - اتخاذ الخدم الرجال ، واختلاطهم بالنساء، وحصول الخلوة بهن، رُوِي في بعض الآثار أن فاطمة ﵍ لما ناوَلَت أحَدَ ابنَيْها بلالًا أو أنسًا قال: «رأيت كفًا» يعني أنه لم يَرَ وجهًا (٢)، وقد كان أنس ﵁ خادمًا خاصّاً للنبي ﷺ ، وكان يعيش عنده كأحد أهله.
٣ - اتخاذ الخادمات اللائي يبقين بدون محارم، وقد تحصل بهن الخلوة.
٤ - السماح للخطيبين بالمصاحبة والمخالطة التي تجر إلى الخلوة، ثم
стр. 526
إلى ما لا تحمد عقباه، فيقع العبث بأعراض الناس بحجة التعارف ومدارسة بعضهم بعضًا.
٥ - استقبال المرأة أقارب زوجها الأجانب، وأصدقاءه- في حال غيابه ومجالستهم.
٦ - الاختلاط في دور التعليم كالمدارس ، والجامعات، والمعاهد، والدروس الخصوصية.
٧ - الاختلاط في الوظائف ، والأندية، والمواصلات، والأسواق، والمستشفيات، والزيارات بين الجيران، والأعراس، والحفلات.
٨ - الخلوة في أي مكان ولو بصفة مؤقتة كالمصاعد، والمكاتب، والعيادات، وغيرها (١).
ثانياً: أقسام الاختلاط: المباح، والمحرم: له ثلاث حالات:
قال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀: «اختلاط الرجال بالنساء له ثلاث حالات:
الأولى: اختلاط النساء بمحارمهن من الرجال ، وهذا لا إشكال في جوازه.
الثانية: اختلاط النساء بالأجانب لغرض الفساد ، وهذا لا إشكال في تحريمه.
стр. 527
الثالثة: اختلاط النساء بالأجانب في: دور العلم، والحوانيت، والمكاتب، والمستشفيات، والحفلات، ونحو ذلك، فهذا في الحقيقة قد يظن السائل في بادئ الأمر أنه لا يؤدي إلى افتتان كل واحد من النوعين بالآخر؛ ولكشف حقيقة هذا القسم فإنَّا نجيب عنه من طريق: مجمل، ومفصل:
أما المجمل: فهو أن اللَّه تعالى جبل الرجال على القوة والميل إلى النساء، وجبل النساء على الميل إلى الرجال مع وجود ضعف ولين، فإذا حصل الاختلاط نشأ على ذلك آثار تؤدي إلى حصول الغرض السيئ؛ لأن النفوس أمارة بالسوء، والهوى يعمي ويصم، والشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر.
وأما المفصَّل: فالشريعة مبنية على المقاصد ووسائلها، ووسائل المقصود الموصلة إليه لها حكمه، فالنساء مواضع قضاء وطر الرجال، وقد سدَّ الشارع الأبواب المفضية إلى تعلق كل فرد من أفراد النوعين بالآخر، وينجلي ذلك بما نسوقه لك من الأدلة من الكتاب والسنة.
أما الأدلة من الكتاب فستة: ... ». ثم ذكرها ﵀ (١)، ثم قال: «وأما
стр. 528
الأدلة من السنة، فإننا نكتفي بعشرة أدلة»، ثم ساقها ﵀ (١)(٢).
ثالثاً: بدايات الاختلاط في أماكن العمل والتعليم في بلاد المسلمين:
لم يكن اختلاط الرجال بالنساء في أماكن العمل والتعليم معروفاً في مجتمعات المسلمين، ولم يعرف قبل تمكن الاحتلال الفرنسي والإنجليزي من أرض الإسلام، وقد ذكر صاحب كتاب تاريخ التعليم في العراق ١٩٢١ م- ١٩٣٢ أن أعيان البصرة كتبوا لرئيس مجلس الوزراء في العراق كتاباً يتضمن استنكاراً لما قام به مدير المعارف في وقته من زيارة مدرسة للبنات، واعتبروا ذلك تغريباً وسبيلاً للسفور (٣).
وقد دخل الاختلاط في أماكن التعليم بلاد الإسلام في أول الأمر عن طريق المدارس الأجنبية التي أنشأها المحتل الأجنبي (٤)، حيث إن أول مدرسة للبنات فتحها المنصرون في الدولة العثمانية في بيروت عام ١٨٣٠ م، تبع ذلك افتتاح مدارس كثيرة للبنات في مصر والسودان وسوريا والعراق وفلسطين والهند والأفغان، التي بدأت في أول أمرها للبنات، ثم تحولت مختلطة بين الجنسين (٥).
стр. 529
وظهر التيار التغريبي في مصر - أنموذجاً- وجرى على يديه الاختلاط في أماكن العمل والتعليم عن طريق ثلاثة مسارات:
المسار الأول: عن طريق المستغربين [ كأحمد لطفي السيد الهالك سنة ١٣٨٢هـ]، وهو أول من أدخل الفتيات المصريات في الجامعات مختلطات بالطلاب سافرات الوجوه، لأوَّل مرة في تاريخ مصر، يناصره في ذلك طه حسين الهالك سنة ١٣٩٣هـ] (١)، الذين أمسكوا بأزمة الجامعة المصرية، فأدخلوا البنات فيها بشكل تدريجي حتى صارت مختلطة بين الطالبات والطلاب، ولما ثار عليهم علماء الأزهر، قال طه حسين قولته الماكرة: «لاأعلم نصاً في كتاب اللَّه أو سنة نبيه يمنع اختلاط الشبان بالشابات لطلب العلم»!!! (٢).
ولما وقعت بعض جرائم الزنا إبان افتتاح الجامعة المصرية قال بكل صراحة: «لا بد من ضحايا» لكنه لم يذكر هذه الضحايا في سبيل ماذا؟!! (٣).
المسار الثاني: كتابات بعض المنتسبين للعلم الذين دعوا إلى الاختلاط بين الرجال والنساء، فكانوا سنداً للمستغربين، وعوناً لهم، كرفاعة الطهطاوي في كتابه «تلخيص الإبريز في تاريخ باريز»، وخير
стр. 530
الدين التونسي في كتابه «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» (١)، ومحمد عبده الذي كتب بعض فصول كتاب «تحرير المرأة» لقاسم أمين (٢)، وعبد العزيز جاويش الذي أنشأ مجلة «الهداية»، وهي تستهدف تقريب الدين من الثقافة الغربية الحديثة، وقد نشرت مقالاً لعبد القادر المغربي عن حجاب المرأة دعا فيه إلى السفور والاختلاط، واستشهد فيه - على زعمه - بأحاديث وآثار شرعية!! (٣).
المسار الثالث: نشطت الصحافة في نشر الأفكار المنحرفة المتعلقة بعمل المرأة وتعليمها واختلاطها بالرجال، مستهدفة ذلك الحاجز القوي الذي أقامه الإسلام على أساس المحافظة على العِرض والشرف والخلق، حين دعا إلى حماية كرامة المرأة بالفصل بينها وبين الرجل في المجتمعات ودوائر الأعمال، وفي لقاء البيوت والأسر (٤).
وهكذا انتشر وباء الاختلاط في مجتمعات المسلمين بعد تآزر قوى الظلام (المستغربون، أدعياء العلم، أقلام الصحافة المسمومة) وحسبنا اللَّه ونعم الوكيل (٥).