← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 96551

مختصر تلخيص الذهبي لمستدرك الحاكم

ابن الملقن

Полный текст (3 627 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مختصرُ استدرَاك الحافِظ الذّهبي على مُستدرَك أبي عبد اللهِ الحَاكم للعَلاّمة سِرَاج الدّين عُمَر بن علي بن أحمَد المعروف بابن المُلَقن توفي عَام ٨٠٤ هـ تحقيق وَدراسة عَبد الله بن حمد اللحَيدَان، سَعد بن عَبد الله بن عَبد العَزيز آل حميَّد دَارُ العَاصِمَة الرياض

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حُقوق النشر محفوظَة النشرة الأولى ١٤١٥ هـ دَارُ العَاصِمَة المملكة العربية السعودية الرياض ص - ص ب ٤٢٥٠٧ - الرَمز البريدي ١١٥٥١ هَاتف ٤٩١٥١٥٤ - ٤٩٣٣٣١٨ - فاكس ٤٩١٥١٥٤

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقَدّمَة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، وسلم تسليماً. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣). أما بعد: فإن من تأمل دين الإِسلام في تقريراته وتشريعاته، يعلم أن هذا الدين لم يدع أمراً فيه صلاح للأمة، إلا وأمرها به، ولا شيئاً فيه ضرر لها، إلا وحذّرها

стр. 4

منه، "وثبت أن النبي ﷺ لم يمت حتى أتي ببيان جميع ما يحتاج إليه في أمر الدين والدنيا، وهذا لا مخالف عليه من أهل السنة" (١). يدل على ذلك حديث أبي ذر ﵁ قال: تركنا رسول الله ﷺ ، وما طائر يقلب جناحيه في الهواء، إلا وهو يذكرنا منه علماً، قال: فقال ﷺ : "مابقي شيء يقرّب من الجنة، ويباعد من النار، إلا وقد بين لكم" (٢). ومن هنا نعلم أن هذا الدين قد نظم حياة الأمة في جميع العصور، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهو دين شامل لجميع نواحي الحياة، في السياسة، والاقتصاد، والتعليم ... ، وغير ذلك من مستلزمات الحياة، لا يمكن أن يقال: إن هناك ما لا دخل للدين فيه، ولا يسوغ بحال تجزئة الدين بأخذ بعضه، ونبذ بعضه الآخر: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٣). لكن كيف للأمة بعد رسول الله ﷺ معرفة ما أُمرت به من أوامر، وما نهيت عنه من نواهي؟. لا شك بأن كتاب الله جل وعلا فيه الهدى والنور، بيد أنه أجمل أموراً لابدّ من تفصيلها وتوضيحها، وسكت عن أشياء لابد من بيانها والحديث عنها، لا عن قصور في هذا الكتاب، لكن لتتمّ البلوى والامتحان، ويتمحّص الناس، ويظهر مدلول قوله تعالى:

стр. 5

﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (١). ولو أن أحداً من الناس رام الاقتصار على ما نص عليه كتاب الله تعالى من أحكام، لكان للصواب مجانباً، وعن الحق متباعداً، فمن أين له معرفة عدد الصلوات التي افترضها الله في كتابه؟ وعدد ركعات كل صلاة منها؟ ومن أين له معرفة أنصبة الزكاة، وأحكام الحج والصيام، وغير ذلك من الأحكام؟ وقد أدرك رسول الهدى -صلوات الله وسلامه عليه- خطورة هذه المقالة، فقال: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه". وفي رواية: "ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكيء على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرّمناه، وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرّم الله" (٢). وعن شبيب بن أبي فضالة المكّي أن عمران بن حصين ﵁ ذكروا عنده الشفاعة، فقال رجل من القوم: يا أبا النّجيد، إنكم لتحدّثوننا بأحاديث لم نجد لها أصلاً في القرآن؟ فغضب عمران، وقال للرجل: قرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: فهل وجدت صلاة العشاء أربعاً، ووجدت

стр. 6

المغرب ثلاثاً، والغداة ركعتين، والظهر أربعاً، والعصر أربعاً؟ قال: لا، قال: فعمّن أخذتم هذا الشأن؟ ألستم عنا أخذتموه، وأخذنا عن نبي الله ﷺ ؟ ووجدتم فِى كل أربعين درهماً درهماً، وفي كل كذا شاة، وفي كل كذا بعير كذا؟ أوجدتم في القرآن هذا؟ قال: لا، قال: فعمّن أخذتم هذا؟ أخذناه عن النبي ﷺ ، وأخذتموه عنا. قال: وجدتم في القرآن: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (الحج: ٢٩) أوجدتم: فطوفوا سبعاً، واركعوا ركعتين من خلف المقام؟ أوجدتم هذا في القرآن؟ فعمّن أخذتموه؟ ألستم أخذتموه عنا، وأخذناه عن رسول الله ﷺ ؟ قالوا: بلى. قال: أوجدتم في القرآن: "لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام؟ (١) أوجدتم هذا في القرآن؟ قالوا: لا، قال عمران: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا جلب ولا جنب ولا شغار في الِإسلام". قال: سمعتم الله تعالى قال في كتابه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧)

стр. 7

قال عمران: فقد أخذنا عن نبي الله ﷺ أشياء ليس لكم بها علم (١). هذا مع أن من وفّقه الله، وألهمه رشده لا يشك في أن كتاب الله اشتمل على كثير من الآيات الدّالة على وجوب الأخذ بالسنة، بل جعل ذلك من مستلزمات الِإيمان، فقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢). أما الآيات الدالة على وجوب الأخذ بالسنة، فكثيرة، منها قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٣)، ومنها قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤)، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٥)، وغير ذلك من الآيات كثير. وكان الصحابة ﵃ على غاية من الحرص في نشر المفهوم الصحيح لآيات القرآن .. فعن علقمة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمّصات، والمتفلّجات للحسن، المغيرات خلق الله. قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته، فقالت: ما حديث بلغني عنك؛ أنك لعنت الواشمات والمستوشمات، والمتنمّصات، والمتفلّجات للحسن،

стр. 8

المغيرات خلق الله. فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله، فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف، فما وجدته، فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه: قال الله : ﴿وَمَاءَاتَكُمُ الرَّسُوُل فَخُذُوه وَمَا نَهَاكم عَنه فانتَهُوا﴾ ... الحديث (١). ولست أريد الاستطراد في ذكر الأدلة على وجوب الأخذ بالسنة، فقد كفانا مؤنة ذلك فحول العلماء، كالشافعي ﵀ في كتابه الرسالة (٢) وغيره. ويكفي في ذلك إجماع أهل السنة من السلف، فمن بعدهم، إلى عصرنا هذا، علي وجوب الأخذ بالسنة كمصدر ثان للتشريع الإِسلامي، وأنها هي المبينة للقرآن كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣). ونظراً لاستقرار هذا المفهوم لدى سلف الأمة، فقد صرفوا جُلّ اهتمامهم للعناية بالسنة، حفظاً وتدويناً، ونشراً لها، انطلاقاً من قوله ﷺ : "بلّغوا عني ولو آية" (٤)، وقوله: "نضّر الله امرءاً سمع منا شيئاً، فبلّغه كما سمعه، فرُبّ مُبَلّغ أوعى من سامع" (٥). بدأ ذلك منذ وقت مبكّر، في عهده ﷺ . فقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ يكتب كل شيء سمعه من

стр. 9

رسول الله ﷺ يريد حفظه، فنهته قريش، وقالوا: تكتب كل شيء ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضى؟ قال: فأمسكت عن الكتاب، حتى ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فأومأ بإصبعه إلى فيه، وقال: "اكتب، فوالذي نفسي بيده، ما يخرج منه إلا حق" (١). وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثاً عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب، ولا أكتب (٢). وكان التثّبت في تلقي الأحاديث معمولًا به لدى صحابته ﷺ . ففي حديث أبي موسى الأشعري أنه جاء إلى عمر بن الخطاب، فقال: السلام عليكم، هذا عبد الله بن قيس، فلم يأذن له، فقال: السلام عليكم، هذا أبو موسى، السلام عليكم، هذا الأشعري، ثم انصرف، فقال: ردوا علي، ردوا علي، فجاء، فقال: يا أبا موسى، ما ردك؟ كنا في شغل، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك، وإلا فارجع"، قال: لتأتيني على هذا ببينة، وإلا فعلت، وفعلت، فذهب أبو موسى. قال عمر إن وجد بينة تجدوه عند المنبر عشية، وإن لم يجد بينة، فلم تجدوه، فلما أن جاء بالعشيّ، وجدوه، قال: يا أبا موسى، ما تقول؟ أقد وجدت؟ قال: نعم، أبيّ بن كعب، قال: عَدْلٌ، قال: يا أبا الطفيل، ما يقول هذا؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك يا ابن الخطاب، فلا تكونن عذاباً على أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: سبحان الله! إنما سمعت شيئاً، فأحببت أن أتثبت (٣).

стр. 10

ثم لم تزل العناية بجمع السنة وحفظها موضع اهتمام الصحابة ﵃، إلى أن بلغ الأمر ببعضهم إلى أن يرحل من المدينة إلى مصر في طلب حديث واحد. قال عطاء بن أبي رباح: خرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر وهو بمصر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله ﷺ ، لم يبق أحد سمعه من رسول الله ﷺ غيره، وغير عقبة. فلما قدم أتى منزل مسلمة بن مخلَّد الأنصاري، وهو أمير مصر، فأخبر به، فعجّل، فخرج إليه، فعانقه، ثم قال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ ، لم يبق أحد سمعه من رسول الله ﷺ غيري، وغير عقبة، فابعث من يدلّني على منزله، قال: فبعث معه من يدلّه على منزل عقبة، فأخبر عقبة به، فعجّل، فخرج إليه، فعانقه، وقال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ ، لم يبق أحد سمعه غيري، وغيرك، في ستر المؤمن، قال عقبة: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ستر مؤمناً في الدنيا على خزية ستره الله يوم القيامة"، فقال له أبو أيوب: صدقت، ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته، فركبها راجعاً إلى المدينة، فما أدركته جائزة مسلمة بن مخلد، إلا بعريش مصر (١). وزاد من حرص الصحابة ﵃ ظهور تلك الفرق في عصرهم، وقد اتّخذت سنة الرسول ﷺ مطيّة لتحقيق أهدافها، ومآربها، فتأصل لديهم مبدأ التثبّت في تلقّي السنة. قال مجاهد: جاء بُشَيْر العدوي إلى ابن عباس، فجعل يحدث، ويقول:

стр. 11

قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ ، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه، ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس، ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدّثك عن رسول الله ﷺ ، ولا تسمع؟! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله ﷺ ، ابْتَدَرَتْه أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب، والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف (١). ثم تأثر بهذا المبدأ التابعون، ونشأ علم الجرح والتعديل، وهكذا لم يزل السلف من الصحابة فمن بعدهم يولون السنة هذا الاهتمام، فحفظ الله بهم الدين، وميّزوا بين الغث والسمين، فانطلق جهابذة العلماء، ونقّاد الحديث إلى تبيين صحيح الأحاديث من سقيمها، ونقد أسانيدها ومتونها، وهم جمع لا يحصون كثرة، ومن أشهرهم أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبو الحسن مسلم بن الحجاج النيسابوري -رحمهما الله-، فسارعا إلى تدوين بعض ما صح لديهما من الأحاديث، ولم يستوعبا جميع الصحيح. قال البخاري ﵀: "لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحاً، وما تركت من الصحيح أكثر"، وفي رواية: "ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحيح حتى لا يطول" (٢). وسأل أبو بكر ابن أخت أبي النّضْر الِإمام مسلماً عن حديث أبي هريرة: "وإذا قرأ (يعني الِإمام) فأنصتوا"، فقال: هو عندي صحيح، فقال: لِمَ لَمْ تضعه ههنا؟ (يعني في الصحيح)، قال: "ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه" (٣).

стр. 12

ثم بعد أن ألّف هذان الجهبذان صحيحيهما بدأ التفكير يراود غيرهما من العلماء في محاولة التأليف في الصحيح كما فعل الشيخان. فألّف ابن خزيمة، وابن حبان، وابن السكن، وغيرهم في الصحيح، لكن لم يبلغ شيء من هذه الكتب رتبة الصحيحين، ولا يقاربهما، فإن الأمة تلقّت أحاديث هذين الكتابين بالقبول، وقد عرض البخاري كتابه الصحيح على أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن الديني، وغيرهم، فاستحسنوه، وشهدوا له بالصحة، إلا في أربعة أحاديث، قال العقيلي: والقول فيها قول البخاري، وهي صحيحة (١). وبعد أن حظي هذان الكتابان بهذه المكانة في نفوس المسلمين، صرف العلماء جهودهم لخدمتهما، فألّفت المستخرجات عليهما، وترجم لرجالهما، وعملت لهما الشروح ... ، إلى غير ذلك من تنوع الجهود. ونظراً لاختلاف الاجتهاد، فقد وجّه بعض العلماء شيئاً من الانتقاد للصحيحين، فألّف الدارقطني كتابه "التتبع"؛ لنقد ما تجلّت له علته من أحاديث هذين الكتابين. وقد استغل بعض المبتدعة شهرة الصحيحين، ومكانتهما في نفوس السلمين للطعن في السنة، بدعوى حصر ما صح منها في عدد لا يتجاوز عشرة آلاف حديث، وهي التي أخرجت في الصحيحين، وما عدا ذلك في سائر المصنفات فسقيمة غير صحيحة. وكان هذا هو السبب الباعث للحاكم ﵀ في تأليف كتابه "المستدرك" فإنه استشعر ما تنطوي عليه هذه المقالة من القدح في سنة المصطفى ﷺ ، فبادر إلى إخراج أحاديث استدركها على

стр. 13

الشيخين رأى أنهما لم يخرجاها، مع أنها على شرطهما أو تقاربه، فقال في المقدمة: "ثم قيّض الله لكل عصر جماعة من علماء الدين، وأئمة المسلمين، يزكّون رواة الأخبار، ونقلة الآثار؛ ليذبّوا به الكذب عن وحي الملك الجبار، فمن هؤلاء الأئمة: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري ﵄، صنّفا في صحيح الأخبار كتابين مهذّبين انتشر ذكرهما في الأقطار، ولم يحكما، ولا واحد منهما: أنه لم يصح من الحديث غير ما أخرجه. وقد نبغ في عصرنا هذا جماعة من المبتدعة، يشمّتون برواة الآثار؛ بأن جميع ما يصح عندكم من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث، وهذه الأسانيد المجموعة المشتملة على ألف جزء، أو أقل، أو أكثر منه، كلها سقيمة غير صحيحة. وقد سألني جماعة من أعيان أهل العلم بهذه المدينة [يعني نيسابور]، وغيرها: أن أجمع كتاباً يشتمل على الأحاديث المرويّة بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل، ومسلم بن الحجاج بمثلها ... ، وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات قد احتج بمثلها الشيخان ﵄، أو أحدهما، وهذا شرط الصحيح عند كافة فقهاء الِإسلام ... " (١). وقد نسب الحاكم إلى التساهل في الحكم على أحاديث بالصحة على شرط الشيخين أوأحدهما، أو بالصحة فقط وليست كذلك. واختلفت الآراء في تقييمه، وتعددت المؤلفات حوله، فأول من ألّف: ابن عبد الهادي، واسم كتابه: "الكلام على أحاديث كثيرة فيها ضعف من المستدرك للحاكم"، ثم الذهبي، وكتابه هو التلخيص، ثم تلاه ابن الملقن

стр. 14

فاختصر التلخيص للذهبي، ثم العراقي، واسم كتابه: "المستخرج على مستدرك الحاكم"، وسبط ابن العجمي، واسم كتابه: "تلخيص المستدرك"، وللحافظ ابن حجر تعليق على المستدرك بدأ به ولم يتمه، ثم الحافظ السيوطي، واسم كتابه: "توضيح المدرك في تصحيح المستدرك" (١). وهذا الكتاب الذي نقدمه بين يدي القراء عبارة عن أطروحة قدمت لكلية أصول الدين بجامعة الِإمام محمد بن سعود الِإسلامية بالرياض لنيل درجة الماجستير، وهو مكون من قسمين: القسم الأول يبدأ من أول الكتاب حتى نهاية الحديث رقم (٤٨٣) بالإِضافة لدراسة عن الحاكم وكتابه المستدرك، وابن الملقن ومختصره. والقسم الثاني يبدأ من الحديث رقم (٤٨٤)، وينتهي بنهاية الكتاب بالحديث رقم (١١٨٢)، بالإِضافة لدراسة عن الحافظ الذهبي وكتابه التلخيص، وترجمة موجزة للحاكم وكتابه المستدرك، وعن ابن الملقن ومختصره وفيها إضافات على ما ذكر في القسم الأول. وقد قمنا بحذف المقدمتين وما تضمنتاه من الدراسة خشية من كبر حجم الكتاب، والاكتفاء من ذلك بتراجم موجزة؛ لأن كلاً من الحاكم والذهبي وابن الملقن قد قدمت عنهم دراسات مسبقة، ومنها أطروحة الدكتور الشيخ محمود ميرة عن الحاكم وكتابه المستدرك. فنسأل الله تعالى أن ينفع القارىء بهذا الجهد المتواضع، وأن يغفر لنا الزلّة فيما أخطانا فيه مما تجشمناه، وهو حسبنا ونعم الوكيل. المحققان عبد الله بن حمد اللحيدان سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حميد

стр. 15

التعريف بالحاكم وبكتابه المستدرك (أ) الحاكم: هو محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم، أبو عبد الله بن البيع الضّبّي، الطّهماني، النيسابوري، الشافعي. ولد يوم الاثنين ثالث شهر ربيع سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة بنيسابور. وطلب العلم في صغره بعناية والده وخاله، وأوّل سماعه كان في سنة ثلاثين وثلاثمائة، واستملى على ابن حبان في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. ورحل في طلب العلم وهو ابن عشرين سنة، وسمع من نحو ألفي شيخ، وعدد من روى عنهم في المستدرك فقط واحد وتسعون وأربعمائة شيخ (١). ومن أبرز شيوخه: أبو بكر الصبغي، وابن حبان، والدارقطني، وأبو أحمد الحاكم، وأبو علي الحسين بن علي الحافظ النيسابوري، ومحمد بن يعقوب الأصم، وابن الأخرم محمد بن يعقوب الشيباني، وغيرهم. وحدث عنه الدارقطني وهو من شيوخه، وأبو الفتح ابن أبي الفوارس، وأبو ذر الهروي، وأبو يعلى الخليلي صاحب الإِرشاد، وأبو بكر البيهقي، وأبو القاسم القشيري، وغيرهم. وقد شرع الحاكم في التأليف سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وله من العمر

стр. 16

نحو من ست عشرة سنة، فكثُرت مصنفاته حتى بلغت قريباً من ألف جزء، منها: ١ - المستدرك على الصحيحين. ٢ - تاريخ نيسابور. ٣ - معرفة علوم الحديث. ٤ - المدخل إلى الصحيح. وغيرها من الكتب. وكان الحاكم ﵀ من أجلّة العلماء، وحفّاظ الحديث، أثنى عليه جمع من العلماء. قال الخليل بن عبد الله الحافظ -بعد أن ذكر الحاكم-: ناظر الدارقطني، فرضيه، وهو ثقة واسع العلم، قال: ثم كنت أسأله، فقال لي: إذا ذاكرت في باب لابد من المطالعة لكبر سنّي، فرأيته في كل ما ألقي إليه بحراً (١). وقال عبد الغافر بن إسماعيل: أبو عبد الله الحاكم هو إمام أهل الحديث في عصره، العارف به حق معرفته ... ، ولقد سمعت مشايخنا يذكرون أيامه، ويحكون أن مقدمي عصره مثل الصعلوكي، والِإمام ابن فورك، وسائر الأئمة يقدمونه على أنفسهم، ويراعون حق فضله، ويعرفون له الحرمة الأكيدة، ثم أطنب في تعظيمه، وقال: هذه جمل يسيرة، وهو غيض من فيض سيره وأحواله، ومن تأمل كلامه في تصانيفه، وتصرفه في أماليه، ونظره في طرق الحديث، أذعن بفضله، واعترف له بالمزيّة على من تقدمه، وإتعابه من بعده، وتعجيزه اللاحقين عن بلوغ شأوه، عاش حميداً، ولم يخلف في وقته مثله (٢).

стр. 17

وقال أبو عبد الرحمن السلمي: سألت الدارقطني: أيهما أفضل، ابن مندة، أو ابن البيع؟ فقال: ابن البيع أتقن حفظاً (١). وقال الخطيب البغدادي: كان من أهل الفضل والعلم، والمعرفة والحفظ، وله في علوم الحديث مصنفات عدة، وكان ثقة (٢). وقال الذهبي: الإِمام الحافظ الناقد العلاّمة، شيخ المحدّثين، صاحب التصانيف (٣). قلت: وقد اتهم الحاكم بالرفض والغلو في التشيع، وليس الأمر كذلك؛ وإنما فيه تشيع قليل لا يصل به إلى درجة الغلو والرفض، وقد أطال ابن السبكي الكلام في رد هذه التهمة عن الحاكم، وفي الآخر قال: "أوقع الله في نفسي أن الرجل كان عنده ميل إلى علي ﵁، يزيد على الميل الذي يطلب شرعاً، ولا أقول أنه ينتهي به إلى أن يضع من أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، ولا أنه يفضل علياً على الشيخين، بل أستبعد أن يفضله على عثمان ﵄" (٤). وردّ الذهبي على من وصف الحاكم بالرفض بقوله: "ليس رافضياً، بل يتشيّع"، وقال أيضاً في وصف الحاكم: "صنّف، وخرّج، وجرّح وعدّل، وصحّح وعلّل، وكان من بحور العلم، على تشيع قليل فيه" (٥). توفي الحاكم ﵀ في صفر سنة خمس وأربعمائة، وذلك أنه دخل الحمام، فاغتسل، وخرج، وقال: آه، وقبضت روحه وهو متّزر، لم يلبس

стр. 18

قميصه بعد، ودفن بعد العصر، يوم الأربعاء، وصلى عليه القاضي أبو بكر الحيري (١). ... (ب) المستدرك: تقدم أن الحاكم ألّف كتابه المستدرك بناءً على سؤال جماعة من أعيان أهل العلم أن يجمع لهم كتاباً يشتمل على أحاديث مروية بأسانيد يحتج البخاري ومسلم بمثلها؛ ردّاً على من ظهر في عصره من المبتدعة الذين يشمّتون برواة الآثار، ويزعمون أن ما صح من الأحاديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث، وهي التي حواها الصحيحان. وقد رتب الحاكم كتابه هذا على أبواب الدين، فهو من الجوامع، وأورد فيه أحاديث رأى أنها صحيحة على شرط الشيخين، أو أحدهما، أو صحيحة فقط، لا على شرط أحد منهما، ولم يخرجها أحد من الشيخين في صحيحهما، وقد يورد الحديث ويذكر بعض علله، ثم يتبعه بشواهد يصحح الحديث بمجموعها (٢)، وقد يورده لاستغرابه له، وينص على أن أحد رواته ليس من شرط كتابه (٣).

стр. 19

وقد اختلف العلماء في مقصود الحاكم بشرط الشيخين أو أحدهما، وقد تبنّى الذهبي الرأي القائل: إن شرط الشيخين أو أحدهما: كون سلسلة رجال الإِسناد من الصحابي إلى طبقة شيوخ الشيخين هم ممن أخرج لهم في الصحيحين، أو أحدهما على حسب تصحيح الحاكم للحديث. ومما لا شك فيه أن الحاكم توسع في الشرط، وتساهل في حكمه على أحاديث بالصحة مع أن في أسانيدها من رماه هو بالكذب (١). وبناء على هذا التساهل نيل من الحاكم، ومن كتابه، فقال أبو سعد الماليني: "طالعت كتاب المستدرك على الشيخين الذي صنفه الحاكم من أوله إلى آخره، فلم أر فيه حديثاً على شرطهما"، فتعقبه الذهبي بقوله: "هذه مكابرة وغلوّ، وليست رتبة أبي سعد أن يحكم بهذا، بل في المستدرك شيء كثير على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب، بل أقل، فإن في كثير من ذلك أحاديث، في الظاهر على شرط أحدهما، أو كليهما، وفي الباطن لها علل خفيّة مؤثّرة، وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيّد، وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب، وفي غضون ذلك أحاديث نحو المائة يشهد القلب ببطلانها" (٢). وقال الذهبي في موضع آخر: "ليته لم يصنف المستدرك، فإنه غضّ من فضائله بسوء تصرّفه" (٣). قلت: وقد اعتذر بعضهم عن الحاكم بعدة أعذار، منها كبر سنه عند تأليف الكتاب، ومنها قول الحافظ ابن حجر (٤): "إنما وقع للحاكم التساهل

стр. 20

لأنه سوّد الكتاب لينقّحه، فأعجلته المنية، قال: وقد وجدت في قريب نصف الجزء الثاني من تجزئة ستة من المستدرك: إلى هنا انتهى إملاء الحاكم، ثم قال: وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ عنه إلا بطريق الِإجازة، فمن أكبر أصحابه، وأكثر الناس له ملازمة: البيهقي، وهو إذا ساق عنه في غير المملى شيئاً لا يذكره إلا بالِإجازة، قال: والتساهل في القدر المملى قليل جداً بالنسبة إلى ما بعده". اهـ (١). قلت: وقد جمع الذهبي الأحاديث الموضوعة في المستدرك في جزء اسمه: "المستدرك على المستدرك"، وهي تقارب مائة حديث (٢). ...

стр. 21

التعريف بابن الملقن هو سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري، الوادي آشي، الأندلسي، ثم المصري، الشافعي، المعروف بابن النحوي؛ لأن أباه كان عالماً به، ويعرف أيضاً بابن الملقن؛ لأن أباه توفي وله من العمر سنة، وأوصى به إلى الشيخ عيسى المغربي، وكان يلقّن القرآن في الجامع الطولوني، فتزوج بأمه، فعرف به، وكان يغضب إذا قيل: ابن الملقن، بحيث لم يكتبها بخطه. ولد ابن الملقن بالقاهرة يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، كتب ذلك بخطه (١)، ونشأ في كفالة زوج أمه، ووصيه، فحفظ القرآن والعمدة، وأخذ عن شيوخ كثر، منهم تقي الدين السبكي، ومغلطاي، وابن سيد الناس، والعز ابن جماعة، والقطب الحلبي، وقرأ على العلائي في كتابه جامع التحصيل، ورحل عدة رحلات، منها رحلته إلى الحج، ورحلته إلى دمشق، ورحلته إلى بيت المقدس وهي التي كتب فيها مؤلفه موضوع هذا البحث كما صرح بذلك في خاتمته، "وتفقه، واشتغل في فنون، فبرع، ودرّس، وأفتى، وصنف، وجمع" (٢)، وأخذ عنه جم غفير، منهم الحافظ ابن حجر، وابن ناصر الدين الدمشقي، وسبط ابن العجمي، وأبو زرعة أحمد ابن الحافظ العراقي، وغيرهم.

стр. 22

وفي سنة ثمانين وسبعمائة طلب ابن الملقن لقضاء القضاة، فامتحن بسبب ذلك (١). وله مصنفات عدة، في الحديث، والفقه، وغيرها، قريباً من ثلاثمائة مصنف، منها شرح البخاري في عشرين مجلداً، والبدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير في ست مجلدات، والمقنع في علوم الحديث، وتحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج، واختصار تلخيص الذهبي لمستدرك الحاكم، وهو هذا الكتاب موضع البحث، وسيأتي الكلام عنه. وقد أثنى على ابن الملقن جمع من العلماء، منهم العلائي بقوله: "الشيخ الفقيه الِإمام العالم المحدث الحافظ المتقن، شرف الفقهاء والمحدثين، فخر الفضلاء" (٢). ومنهم الحافظ العراقي بقوله: "الشيخ الإِمام الحافظ" (٣)، وعظمه أبو البقاء السبكي، ووصفه ابن فهد بقوله: "الِإمام العلامة الحافظ، شيخ الإِسلام، وعلم الأئمة الأعلام، عمدة المحدثين، وقدوة المصنفين" (٤). توفي ابن الملقن ﵀ ليلة الجمعة سادس عشر ربيع الأول، سنة أربع وثمانمائة (٥). ...

стр. 23

التعريف بالحافظ الذهبي هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي، التميمي، مولاهم، التركماني الأصل، الفارقي، ثم الدمشقي الشافعي. ولد في ثالث ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وستمائة. ونشأ في بيئة وعصر كان لهما أثر كبير في تكوين شخصيته العلمية. أما بيئته، فإنه شب وترعرع في أحضان أسرة لها حظ من العلم، واهتمام بتحصيله. وأما عصره فإنه شهد نشاطاً علمياً واهتماماً بعلوم الشرع. وكان ﵀ شغوفاً بطلب العلم وتحصيله، فرحل إلى كثير من البلدان منها رحلته إلى البلاد المصرية وسماعه من كثير من علمائها، منهم: ابن دقيق العيد، والأبرقوهي، وأبو محمد الدمياطي، وأبو العباس ابن الظاهري. ورحل كذلك إلى بعلبك وحلب ونابلس والاسكندرية وحج عام ٦٩٨ هـ وسمع بمكة من التوزري وغيره، حتى بلغ عدد شيوخه ما يقرب من ألف شيخ وثلاثمائة شيخة، لكنه لم يتأثر بأحد منهم مثلما تأثر بشيخ الِإسلام ابن تيمية وأبي الحجاج المزّي وعلم الدين البرزالي ﵏، فإنه رافقهم وتأثر بهم وبمعتقدهم، وكانوا جميعاً على عقيدة السلف.

стр. 24

يقول ﵀ عن شيخه المزّي: "شيخنا الِإمام العالم الحبر الحافظ الأوحد محدث الشام" (١) ويقول أيضاً: "كان خاتمة الحفاظ وناقد الأسانيد والألفاظ وهو صاحب معضلاتنا، وموضح مشكلاتنا ... ، وكان مأمون الصحبة، حسن المذاكرة، خَيِّر الطويَّة، محباً للآثار، معظماً لطريق السلف، جيد المعتقد" (٢). ويقول عن شيخه البرزالي: "وسمعت الكثير بقراءة الِإمام العالم الحافظ مفيد الآفاق، مؤرخ العصر علم الدين أبي محمد القاسم بن محمد بن يوسف ابن الحافظ زكي الدين البرزالي" (٣)، وقال أيضاً: "هو الذي حبب إلي طلب الحديث، فإنه رأى خطي، فقال خطك يشبه خط المحدثين، فآثر قوله فيّ، وسمعت منه، وتخرجت به في أشياء" (٤). وكان الذهبي على غاية من الِإعجاب بالمعجم الذي جمعه البرزالي لشيوخه وقد نظم فيه شعراً يقول فيه: إن رُمْت تفتيش الخزائن كلها ... وظهور أجزاء بدت وعوالي ونعوت أشياخ الوجود وما رووا ... طالع أو اسمع معجم البرزالي (٥) وأما شيخه شيخ الِإسلام ابن تيمية، فقد اشتهر الذهبي بصحبته والتأثر به، وتُكُلِّم فيه لأجل ذلك كما سيأتي، وكان معجباً به وبعلمه، وباقي صفاته وقد أكثر من مدحه في مواضع عدة من كتبه وأودعه في تذكرة الحفاظ (٦). وفيه

стр. 25

يقول: ""الشيخ الِإمام العلامة الحافظ الناقد الفقيه المجتهد المفسِّر البارع، شيخ الِإسلام، علم الزهاد، نادرة العصر ... ، عنى بالحديث، ونسخ الأجزاء، ودار على الشيوخ، وخرّج وانتقى، وبرع في الرجال وعلل الحديث وفقهه وفي علوم الِإسلام وعلم الكلام وغير ذلك. وكان من بحور العلم، ومن الأذكياء المعدودين، والزهاد الأفراد، والشجعان الكبار والكرماء الأجواد، أثنى عليه الموافق والمخالف وسارت بتصانيفه الركبان لعلها ثلاثمائة مجلد". وقد تتلمذ على الذهبي جم غفير، من أهمهم صلاح الدين الصفدي، والكتبي والحسيني وابن كثير، وتاج الدين السبكي. وجميعهم قد أثنوا عليه كما سيأتي، إلا أن ابن السبكي أكثر من الوقيعة في شيخه في مواضع من كتبه، دفعه إلى ذلك سخطه على شيخه لمتابعته ابن تيمية، وعقيدته التي تخالف ما هو عليه. يقول ابن السبكي: "واعلم أن هذه الرّفقة، أعني المزّي، والذهبي، والبرزالي، وكثيراً من أتباعهم، قد أضَرّ بهم أبو العباس ابن تيمية إضراراً بيّناً، وحمّلهم من عظائم الأمور أمراً ليس هيّناً، وجرّهم إلى ما كان التباعد عنه أولى بهم، وأوقفهم في دكادك من نار، المرجوّ من الله أن يتجاوزها لهم، ولأصحابهم" (١). وقد اعترف ابن السبكي بفضل الذهبي عليه كما سيأتي في ذكر ثنائه عليه، ويقول في موضع آخر، "وكنت أنا كثير الملازمة للذهبي، أمضي إليه في كل يوم مرتين، بكرة والعصر، وأما المزّي، فما كنت أمضي إليه غير مرتين في الأسبوع، وكان سبب ذلك: أن الذهبي كان كثير الملاطفة لي، والمحبّة في، بحيث يعرف من عرف حالي معه أنه لم يكن يحب أحداً كمحبّته فيّ، وكنت أنا

стр. 26

شاباً، فيقع ذلك مني موقعاً عظيماً، وأما المزي، فكان رجلاً عبوساً مهيباً" (١). أقول: ولم يرع السبكي لشيخه حرمة هذه المودّة، بل أكثر من الوقيعة فيه بعبارات كان ينبغي له الورع من إطلاقها على شيخه. ولست هنا في مقام عرض أقواله، والرد عليها، فالأمر يطول، وقد كفيت مؤنة ذلك، وسأذكر بعضاً من كلامه، وأحيل على المواضع الأخرى، وأذكر بعضاً من كلام العلماء في الرد عليه، وأحيل على الباقي. يقول السبكي في ترجمة شيخه: "وكان شيخنا -والحق أحق ما قيل، والصدق أولى ما آثره ذو السبيل- شديد الميل إلى آراء الحنابلة، كثير الإِزراء بأهل السنة، الذين إذا حضروا كان أبو الحسن الأشعري فيهم مقدّم القافلة، فلذلك لا ينصفهم في التراجم، ولا يصفهم بخير، إلا وقد رغم منه أنف الراغم، صنّف التاريخ الكبير، وما أحسنه لولا تعصّب فيه، وأكمله لولا نقص فيه، وأي نقص يعتريه" (٢). ويقول أيضاً: "فعند ذلك تقضي العجب من هذا الذهبي! وتعلم إلى ماذا يشير المسكين، فَوَيْحه، ثم ويحه" (٣)، بل وصل الحال بالسبكي إلى أن قال مرة: "وإذا وصل إلى هذا الحد والعياذ بالله، فهو مطبوع على قلبه" (٤)، إلى عبارات له أخر في شتات من كتبه (٥).

стр. 27

وقد رد عليه بعض العلماء، منهم العز الكناني، فقال: "هو رجل قليل الأدب، عديم الِإنصاف، جاهل بأهل السنة ورتبهم، يدل على ذلك كلامه" (١). وقال الشوكاني: "قد أكثر التشنيع عليه تلميذه السبكي، وذكر في مواضع من طبقاته للشافعية، ولم يأت بطائل، بل غاية ما قاله: أنه كان إذا ترجم الظاهرية والحنابلة أطال في تقريظهم، وإذا ترجم غيرهم من شافعي، أو حنفي لم يستوف ما يستحقه. قال الشوكاني: وعندي أن هذا كما قال الأول: وتلك شكاة ظاهر عنك عارها فإن الرجل مليء حباً للحديث، وغلب عليه، فصار الناس عنده هم أهله، وأكثر محققيهم وأكابرهم هم من كان يطيل الثناء عليه، إلا من غلب عليه التقليد، وقطع عمره في اشتغال بما لا يفيد. ومن جملة ما قاله السبكي في صاحب الترجمة: أنه كان إذا أخذ القلم غضب حتى لا يدري ما يقول، وهذا باطل؛ فمصنفاته تشهد بخلاف هذه المقالة، وغالبها الِإنصاف، والذب عن الأفاضل، وإذا جرى قلمه بالوقيعة في أحد، فإن لم يكن من معاصريه، فهو إنما روى ذلك عن غيره، وإن كان من معاصريه، فالغالب أنه لا يفعل ذلك إلا مع من يستحقه، وإن وقع ما يخالف ذلك نادراً، فهذا شأن البشر، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا المعصوم، والأهوية تختلف، والمقاصد تتباين، وربك يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون " (٢).

стр. 28

ثناء العلماء عليه: إن شخصية الذهبي العلمية فرضت محبته وتقديره على كل منتسب للعلم وأهله، حتى وإن لم يكن على وفاق معه في المعتقد، ولذا نجد من يطريه بألفاظ من المديح يخشى عليه من مجاوزة الحدّ فيها، ومع ذلك يحمل راية الحطّ عليه؛ لأجل اعتقاده، كتلميذه تاج الدين السبكي كما سيأتي. والعمدة في ذلك على جمهور العلماء، فإن ثناءهم على الذهبي لا يكاد يحصر، ويكفيه فخراً أن الحافظ ابن حجر قال: "شربت ماء زمزم لأصل إلى مرتبة الذهبي في الحفظ" (١). وقد أثنى عليه جملة من العلماء، منهم تلاميذه: ابن شاكر الكتبي، والصفدي، والحسيني، والتاج السبكي وابن كثير، وابن الموصلي الطرابلسي، والبدر النابلسي، ومنهم الأسنوي، وابن الجزري، وابن ناصر الدين، وابن قاضي شهبة، وابن تغري بردي، والسيوطي، وابن طولون، والشوكاني. أما الكتبي، والصفدي فعبارتهم واحدة، والظاهر أن أحدهما أخذ من الآخر، وكلام الصفدي أتم، حيث يقول: "الشيخ الإِمام العلّامة الحافظ شمس الدين أبو عبد الله الذهبي، حافظ لا يجارى، ولافظ لا يُبارى، أتقن الحديث ورجاله، ونظر علله وأحواله، وعرف تراجم الناس، وأزال الإِبهام في تواريخهم والِإلباس، ذهن يتوقَّد ذكاؤه، ويصحّ إلى الذهب نسبته وانتماؤه، جمع الكثير، ونفع الجمّ الغفير، وأكثر من التصنيف، ووفّر مؤنة التطويل في التأليف ... ، اجتمعت به، وأخذت عنه، وقرأت عليه كثيراً من تصانيفه في ولم أجد عنده جمود المحدّثين، ولا كودنة النقلة، بل هو فقيه النظر، له دربة بأقوال الناس، ومذاهب الأئمة من السلف وأرباب القالات، وأعجبني منه

стр. 29

ما يعانيه في تصانيفه من أنه لا يتعدى حديثاً يورده حتى يبين ما فيه من ضعف متن، أو إظلام إسناد، أو طعن في رواته، وهذا لم أر غيره يراعي هذه الفائدة فيما يورده" (١). وأما الحسيني، فقال: "شيخنا الحافظ الِإمام العلاّمة، مؤرّخ الشام"، ومحدّثه، ومفيده ... ، خرّج لجماعة من شيوخه، وجرّح وعدّل، وفرّع وأصّل، وصحّح وعلّل، واستدرك وأفاد، وانتقى، واختصر كثيراً من تواليف المتقدمين والمتأخرين، وصنّف الكتب المفيدة السائرة في الآفاق" (٢). وأما تاج الدين السبكي، فقال: "أما أستاذنا أبو عبد الله، فبصر لا نظير له، وكنز هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، إمام الوجود حفظاً، وذهب العصر معنى ولفظاً، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كل سبيل، كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد، فنظرها، ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها ... ، وهو الذي خرّجنا في هذه الصناعة، وأدخلنا في عداد الجماعة ... " إلى أن قال: "ومما زال يخدم هذا الفن إلى أن رسخت فيه قدمه، وتعب الليل والنهار، وما تعب لسانه وقلمه، وضُربت باسمه الأمثال، وسار اسمه مسير الشمس، إلا أنه لا يتقلّص إذا نزل المطر، ولا يدبر إذا أقبلت الليال" (٣). وأما ابن كثير فقال: "الشيخ الحافظ الكبير، مؤرخ الِإسلام، وشيخ المحدثين، وقد ختم به شيوخ الحديث وحفاظه ﵀" (٤). وأما أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الكريم ابن الموصلي الطرابلسي،

стр. 30

الشافعي، فإنه قدم دمشق متوجهاً إلى الحج سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، فلما التقى بالذهبي قال: ما زلت بالسمع أهواكم، وما ذكرت ... أخباركم قط إلا مِلْتُ من طرب وليس من عجب أن ملت نحوكم ... فالناس بالطبع قد مالوا إلى الذهب (١) وأما البدر النابلسي، فقال في مشيخته: "كان علامة زمانه في الرجال وأحوالهم، حديد الفهم، ثاقب الذهن، وشهرته تغني عن الإِطناب فيه" (٢). وقال الأسنوي: "حافظ زمانه ... ، صنّف التصانيف الكثيرة المشهورة النافعة" (٣). وقال ابن الجزري: "الحافظ، أستاذ ثقة كبير ... ، كتب كثيراً، وألّف وجمع وأحسن في تأليف طبقات القراء" (٤). وقال ابن ناصر الدين: "الشيخ الإِمام، الحافظ الهمام، مفيد الشام، ومؤرخ الإِسلام، ناقد المحدّثين، وإمام العدّلين والمجرّحين ... ، كان آية في نقد الرجال، عمدة في الجرح والتعديل، عالماً بالتفريع والتأصيل، إماماً في القراءات، فقيهاً في النظريات، له دربة بمذاهب الأئمة وأرباب المقالات، قائماً بين الخلف بنشر السنة ومذهب السلف ... ، له المؤلفات المفيدة، والمختصرات الحسنة، والمصنفات المديدة" (٥). وقال ابن قاضي شهبة: "الإِمام العلامة الحافظ المقرىء، مؤرخ

стр. 31

الإِسلام ... ، قرأ القراءات وأتقنها، وشارك في بقية العلوم، وأقبل على صناعة الحديث فأتقنها، وتخرج به حفاظ العصر، وصنف التصانيف الكثيرة المشهورة، مع الدين المتين، والورع والزهد" (١). وقال ابن تغري بردي: "الشيخ الإِمام، الحافظ المؤرخ، صاحب التصانيف المفيدة ... ، أحد الحفاظ المشهورة ... ، سمع الكثير، ورحل البلاد، وكتب وألّف، وصنّف وأرّخ، وصحّح، وبرع في الحديث وعلومه، وحصّل الأصول، وانتقى" (٢). وقال السيوطي: "الِإمام الحافظ، محدث العصر، وخاتمة الحفاظ، ومؤرخ الِإسلام، وفرد الدهر، والقائم بأعباء هذه الصناعة ... ، رحل، وعني بهذا الشأن، وتعب فيه، وخدمه إلى أن رسخت فيه قدمه، وتلا بالسبع، وأذعن له الناس ... ، والذي أقوله: إن المحدّثين عيال الآن في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المزي، والذهبي، والعراقي، وابن حجر" (٣). وقال ابن طولون: "الِإمام العلامة، شيخ المحدّثين، وقدوة الحفاظ، ومؤرخ الشام ومفيده ... ، جرّح، وعلل، وعدّل، واستدرك، وأفاد، وانتقى، واختصر كثيراً من تواريخ المتقدمين والمتأخرين، وكتب علماً كثيراً، وصنف الكتب المفيدة ... ، ومصنفاته، ومختصراته، وتخاريجه تقارب المائة، وقد سار بجملة منها الركبان في أقطار البلدان، وكان أحد الأذكياء المعروفين، والحفاظ المبرزين" (٤). وقال الشوكاني: "الحافظ الكبير المؤرخ، صاحب التصانيف السائرة في

стр. 32

الأقطار ... ، وجميع مصنفاته مقبولة، مرغوب فيها، رحل الناس لأجلها، وأخذوها عنه، وتداولوها، وقرأوها، وكتبوها في حياته، وطارت في جميع بقاع الأرض، وله فيها تعبيرات رائقة، وألفاظ رشيقة غالباً، لم يسلك مسلكه فيها أهل عصره، ولا من قبلهم، ولا من بعدهم، وبالجملة فالناس في التاريخ من أهل عصره فمن بعدهم عيال عليه، ولم يجمع أحد في هذا الفن كجمعه، ولا حرره كتحريره" (١). وقد برع الذهبي في التأليف فأكثر منه جداً، وقد حصر الدكتور بشار عواد معروف ما استطاع من مؤلفاته فبلغت خمسة عشر ومائتي مؤلف (٢)، ومن أهم مؤلفاته: ١ - تاريخ الِإسلام، وهو أعظم كتبه وأحسنها، يقع في واحد وعشرين مجلداً، تناول فيه الحوادث والتراجم من السنة الأولى للهجرة حتى سنة (٧٠٠هـ)، ورتبه على الطبقات، والطبقة عنده مدتها عشر سنوات، فتألَّف كتابه من سبعين طبقة، ورتب فيه الحوادث على السنوات (٣). ٢ - سير أعلام النبلاء، وهو كتاب يشبه في مادته كتابه تاريخ الإِسلام، إلا أنه اقتصر فيه على النبلاء فقط، وهم المشاهير، وأما تاريخ الِإسلام فإنه جمع فيه النبلاء وغيرهم، ولذا يعتبر بعضهم هذا الكتاب مختصراً من تاريخ الِإسلام. ٣ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال، وهو من أحسن كتب الذهبي

стр. 33

وأجلِّها، وقد أورد فيه جميع من وقف عليه ممن تكلِّم فيه، بما فيهم الأئمة وخلق من الثقات، لا للقدح فيهم، وإنما للدفاع عنهم، ولذا فقد حوى كتابه هذا الوضاعين والمتروكين والضعفاء وخلقاً من الأئمة وثقات المحدثين. توفي الذهبي رحمه الله تعالى ليلة الاثنين ثالث ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، بالمدرسة المنسوبة لأم الصالح، في قاعة سكنه، بعد العشاء قبل نصف الليل، ودفن من الغد بمقبرة الباب الصغير من دمشق. وكان ﵀ قد أضرَّ قبل موته، في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة بماء نزل في عينيه، فكان يتأذى ويغضب إذا قيل له: لو قَدَحْتَ هذا لرجع إليك بصرك، ويقول: ليس هذا بماء، وأنا أعرف بنفسي؛ لأنني ما زال بصري ينقص قليلاً قليلاً، إلى أن تكامل عدمه. وكان في غاية من الحرص على طاعة الله، حتى وهو في لحظات النزع، فقد عاده تقي الدين السبكي قبل المغرب وهو في السياق، وقال له: كيف تجدك؟ قال: في السياق، ثم سأله. أدخل وقت المغرب؟ فقال له: ألم تصلّ العصر؟ قال: بلى، ولكن لم أصلّ المغرب إلى الآن، ثم سأل السبكي عن الجمع بين المغرب والعشاء تقديماً، فأفتاه بذلك، ففعله (١). وكان ﵀ يقول شعراً جيداً، فمن ذلك قوله: إذا قرأ الحديث عليّ شخص ... وأخلى موضعاً لوفاة مثلي فما جازى بإحسان؛ لأني ... أريد حياته ويريد قتلي وقال أيضاً: العلم قال الله قال رسوله ... إن صحّ والإِجماع فاجهد فيه وحذار من نصب الخلاف جهالة ... بين الرسول وبين رأي فقيه

стр. 34

وقال تلميذه الصفدي في رثائه: أشمس الدين غِبْتَ وكل شمس ... تغيب وزال عنا ظلّ فضلك وكم ورّخت أنت وفاة شخص ... وما ورّخت قط وفاة مثلك (١) ولتلميذه تاج الدين السبكي قصيدة طويلة جيّدة في رثائه (٢). رحم الله الذهبي رحمة واسعة، وأسكنه فسيع جنّاته (٣).

стр. 35

مختصرُ إستدرَاك الحافِظ الذّهبي على مُستدرَك أبي عبد اللهِ الحَاكم للعَلاّمة سِرَاج الدّين عُمَر بن علي بن أحمَد المعروف بابن المُلَقن توفي عَام ٨٠٤ هـ تحقيق وَدراسة عَبد الله بن حمد اللحَيدَان الجزء الأول دَارُ العَاصِمَة الرياض

стр. 36

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الشيخ الِإمام المتقن الحافظ وحيد دهره وفريد عصره سراج الدين أبو حفص عمر بن الشيخ نور الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الأنصاري الشافعي. عرف بابن الملقن، تغمده الله تعالى برحمته وأسكنه بحبوحة جنته: بعد حمد الله تعالى والثناء عليه بما يليق بجلاله وصلاته وسلامه على محمد نبيه وصحبه وآله. هذه المواضع التي استدركها، وأفادها الحافظ (المحرر) (١) شمس الدين (أبو عبد الله) (٢) محمد بن أحمد (بن عثمان) (٣) الذهبي. على (الحافظ) (٤) أبي عبد الله الحاكم. في تلخيصه مستدركه (رأيت) (٥) أن تكون مجموعة في هذه الكراريس لمن يكون عنده المستدرك، وبالله التوفيق. وحيث (أقول) (٦): قال: فهو للحاكم. وقلت: فهو للذهبي. وربما زدت من عندي زيادات مبينات على حسب ما تيسر.

стр. 37

[كتاب] (١) الِإيمان ١ - حديث أبي هريرة مرفوعاً: "من سره أن يجد حلاوة الِإيمان ليحب المرء لا يحبه إلا لله". فيه أبو بلج. قال: احتج به مسلم. قلت: لم (٢) يحتج به قد وثق. وقال البخاري: فيه نظر.

стр. 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 40

٢ - حديث أبي هريرة أيضاً (١) مرفوعاً: "تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنتين (٢) وسبعين فرقة. فيه محمد بن عمرو عن أبي سلمة. قال: احتج به مسلم. قلت: ما احتج به منفرداً، بل بانضمامه إلى غيره (٣).
следующие страницы →