← Сияса и кади

Сияса и кади · id 96556

المال والحكم في الإسلام

عبد القادر عودة

Полный текст (107 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ادخار الكثير، وهذا المدخر يتشكل أشكالاً مختلفة بحسب ظروف كل شخص فيكون عقارًا أو منقولاً أو حيوانات أو معادن. فهل يمتلك البشر كل هذا الذي يحتاجونه أو يجتازونه أو يدخرونه؟ ما حدود ملكيتهم؟ وهل هي ملكية تامة أو هي مليكة ناقصة؟ وهل هي ملكية مطلقة أم هي مليكة مقيدة؟ المَالُ للهِ وَلِلْبَشَرِ حَقُّ الاِنْتِفَاعِ: ونستطيع في سهولة ويسر إذا رجعنا إلى ما لدينا من نصوص ورتبنا معلوماتنا ترتيبًا منطقيا أن نصل إلى نتيجة واحدة هي أن المال كله لله وأن البشر لا يملكون منه إلا حق الانتفاع به. فالله - جَلَّ شَأْنُهُ - هو الذي خلق وما بينهما وما فيهما من شيء ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ فالله - جَلَّ شَأْنُهُ - هو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من شيء ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢]. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [إبراهيم: ٣٢]. ومنطقنا البشري يقتضي أن يكون خالق الشيء هو مالكه، وبهذا المنطق نفسه جاءت نصوص القرآن، فهي قاطعة في أن الله له ملك السموات والأرض وما بينهما: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [المائدة: ١٧ و ١٨]، وأنه يملك كل شيء في السماوات وكل شيء في الأرض من صغير وكبير سواء كان له قيمة مالية أو لم يكن له قيمة مالية ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ

стр. 37

وَمَا فِيهِنَّ﴾ [المائدة: ١٢٠]، وأنه - جَلَّ شَأْنُهُ - يملك كل هذا وحدة دون أن يكون له في ملكه شريك من البشر أو غير البشر، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١]. ولكن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - استعمر البشر في الأرض: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]، وجعلهم خلائف فيها على ما سبق بيانه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩]،، وسخر لهم كل ما خلق في السموات والأرض وسلطهم عليه بقدر ما يستطيعون من استغلاله واستثماره: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]،. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]. ولم يسخر الله ملكه لفرد دون فرد، أو لفئة دون فئة، وإنما سخره للبشر جميعا وجعله مشاعا بين عباده الذين استخلفهم في الأرض ليعيشوا فيه وينتفعوا به، فما يعيش أحد منهم في ملكه، وما ينتفع إلا بملك الله، وليس أحد منهم احق بملك الله من غيره، وقدجعل الله منفعته لكل البشر: فهم فيه سواء. ولقد بين الله لعباده الذين استخلفهم في الأرض انهم حينما يستغلون ما خلق وشمتثمرونه ويحصلون على منافعه لا ياتون بشيء من عندهم، وانما هورزق من الله يسوقه إليهم، وفضل آخر يغمرهم به: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ

стр. 38

وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [سبأ: ٢٤]، ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣]. وإذا لم يكن ثمة من يرزق غير الله فعلى البشر أن يطلبوا الرزق من الله وحده، وأن يبتغوه عنده ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧]، فهو الرازق القوي على خلق الرزق وإيصاله للمرزوقين ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]. فملك الله مسخر لمنفعة البشر، ولهم جميعًا أن ينتفعوا به ويستغلوه ويستثمروه ويعملوا فيه، والله مؤتيهم ثمرات الملك وغلته وأجورهم رزقًا من عنده، وما لرزقه من نفاد، وما جعل الله هذا كله إلا نعمة منه على البشر، ما يعود عليه من نفع، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا. ولقد علمنا فيما سبق أن ما في أيدي البشر من ملك الله وثمراته إنما هو عارية ينتفع بها البشر، وأن القيام على العارية في فقه البشر نيابة وإن كانت نيابة العبد عن ربه والمملوك عن ماله، كذلك علمنا أن مركز المستخلفين في الأرض هو مركز الخليفة أو النائب، وأن الخلافة أو النيابة هي عن الله - جَلَّ شَأْنُهُ -، وهي قائمة في حدود ما سخر الله للبشر من مخلوقاته، وما سلطهم عليه من ملكه، وما خولهم في ذلك كله من الاستغلال والانتفاع. واذا كان الله - جَلَّ شَأْنُهُ - وهو مالك كل شيء قد سخر ما يملك لينتفع به عامة البشر الذين استخلفهم في الأرض، فإنه - جَلَّ شَأْنُهُ - هو الذي يمنح كل فرد منهم ما في يده من هذا

стр. 39

الملك الواسع ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. سواء كان ما في يد الفرد قليلاً لا يزيد على حاجته أو كثيرًا يكفي العشرات والمئات ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]. وما تغير هذه المنح أَيًّا كانت صفة الممنوحين، فما هم إلا بعض أفراد البشر المستخلفين في الأرض يقومون على ملك الله، وما هذا الملك إلا عارية في أيديهم، وما مركزهم من هذا الملك إلا مركز النائب أو الخليفة، وما لهم من سلطان على هذا الملك إلا ما خولهم الله من استغلاله والانتفاع به. ولقد فرض الله على البشر أن ينفقوا من ماله الذي استخلفهم فيه وجعلهم قوامًا عليه ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]. ولم يترك لهم الخيار في الإنفاق، وعجب ألا ينفقوا، وما ينفقون إلا مِمَّا رزقهم الله وآتاهم إياه ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٩]. وما أمر الله البشر أن ينفقوا إلا ذكرهم أنهم ينفقون من ماله الذي آتاهم، ورزقه الذي ساقه إليهم، والنصوص في ذلك كثيرة منها قوله ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً﴾ [إبراهيم: ٣١]. ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣].

стр. 40

وإذا كان المال مال الله وهو عارية في يد البشر الذين استخلفهم عليه فليس للبشر أن يتأخروا عن إنفاذ أمر الله في هذا المال فإذا أمرهم أن يؤتوا فئات من الناس شيئًا من هذا المال فعليهم أن يبادروا بذلك ما يؤتونهم إلا من مال الله ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]. وعلى كل فرد في يده شيء من المال - وكل مال هو مال الله - أن يطيع أمر الله فيه، سواء قَلَّ مَا فِي يَدِهِ أَوْ أَكْثَرَ ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]. ولا يظنن أحد أن ما في يده من مال الله هو رزق خصها الله به فيمنعه عن غيره، ويبخل به على من يستحقه، فإن الله يرزق الناس ويؤتيهم ملكه ليقوموا عليه في حدود أمره ونهيه، وإذا فضل الله بعض الناس على بعض في الرزق فلا يحسبن صاحب الرزق الكثير إذا أنفق أو أعطى غيره أنه ينفق أو يعطي من رزقه، وليعلم أنه ينفق من مال الله، وأنه لا يعطي شيئًا من عنده، وإنما هو وسيط أعطى غيره من مال الله كما أخذ لنفسه من مال الله ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١]. ولا يفوتنا أن نلاحظ أن بعض نصوص القرآن نسبت المال لأفراد البشر من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وقوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢].

стр. 41

وقوله: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦]. وقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]. وقوله: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩]. وإضافة المال للبشر في هذه النصوص وغيرها لا تفيد أن البشر ملكوا المال، وإنما تفيد أنهم ملكوا حق الانتفاع به، فالمال مال الله كما قدمنا، وهو مالك كل شيء، وإنما سخره للبشر لينتفعوا به، فإذا أضيف إليهم فالإضافة لا يقصد منها إلا ملك الانتفاع. والقاعدة أن الإضافة يكفي فيها أدنى الأسباب، ولقد أضاف القرآن مال السفهاء إلى أوليائهم، لا لأنهم ملكوا المال، ولكن لأنهم يملكون حق التصرف فيه بما لهم من حق الولاية، فقال - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥]. فإضافة مال الله للبشر لأن لهم حق الانتفاع به هو نوع إضافة مال السفهاء إلى أوليائهم، لأن لهم حق التصرف فيه. وبعد فإن النصوص لا يصح أن تفسر على ظاهرها ما دام هناك نصوص أخرى تناقضها .. والقاعدة أن نصوص القرآن لا يترك بعضها لبعض، وإنما تؤخذ جملة وتفسر مجتمعة، والتفسير الصحيح الذي يرفع التناقض يقتضي اعتبار نسبة المال للبشر نسبة مجازية، وأنه نسب إليهم لوجوده في أيديهم، ولما لهم من حق الانتفاع به في الحدود التي رسمها الله.

стр. 42

ونخلص من ذلك كله لأن ما في يد البشر من مال على اختلاف أنواعه وأشكاله ومقاديره وما ينتجه هذا المال من أموال إنما هي جميعًا مال الله لا مالهم وملكه لا ملكهم أقامهم عليه واستخلفهم فيه فما يملكون من هذا المال إلا حق الانتفاع به وما يستتبع حق الانتفاع بمال من استهلاكه والتصرف فيه. حُدُودُ حَقِّ البَشَرِ فِي الاِنْتِفَاعِ بِمَالِ اللهِ: للبشر حق الانتفاع بما في أيديهم من مال الله وهو الحق الوحيد الذي لهم على هذا المال .. والانتفاع بالمال قد يكون باستغلاله أو استثماره كما هو الحال في الأراضي الزراعية والمناجم والمحاجر، وقد يكون باستهلاك المال كما هو الحال في الطعام والشراب والثمار، وقد يكون بالتصرف في المال تصرفًا شرعيًا كالبيع والوصية والهبة. وللبشر أن ينتفعوا بمال الله على هذه الوجوه كلها، ولن يخرجهم عن كونهم منتفعين بالمال أن لهم حق استهلاك بعضه، ذلك أن لهم حق الانتفاع فإذا لم يكن الانتفاع ممكنًا إلا بالاستهلاك كان الاستهلاك هو عين الانتفاع، ولقد أباح الله - جَلَّ شَأْنُهُ - للبشر أن يستهلكوا من ماله كل ما يقتضي الانتفاع به أن يستهلك، فأباح لهم استهلاك الطعام والشراب والثمار واللباس والأثاث، كما أباح لهم استهلاك جميع الطيبات، وجميع ما تقتضي ظروف حياتهم استهلاكه، والنصوص في ذلك صريحة منها قوله - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٨٨].

стр. 43

﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦٠]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]. ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ١٤١]. ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨٠، ٨١]. ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤]. ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. وحق البشر في الانتفاع بمال الله ليس حقًا مطلقًا، وإنما هو حق مقيد بقيود، فليس لهم أن ينتفعوا بهذا المال كما يشاؤون، وإنما لهم أن ينتفعوا به فقط في حدود حاجتهم لهذا المال وبالقدر الذي يكف عنهم الحاجة ويدفعها، بشرط أن يكون ذلك كله في حدود الاعتدال دون سرف أو تقتير، فليس لهم أن يسرفوا في طعامهم وشرابهم ولباسهم وأمور معيشتهم، وما يجوز لهم أن يقتروا على أنفسهم، وعليهم أن يتوسطوا بين الأمرين وأن لا يتجاوزوا الاعتدال، فقد حرم الله عليهم السرف وبسط اليد في المال كما حرم عليهم التقتير وقبض اليد عن النفس بما هي محتاجة إليه. ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلاَ تَطْغَوْا فِيهِ﴾ [طه: ٨١]. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ

стр. 44

بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]. وإذا كان للفرد أن يأخذ من مال الله ما يكفي حاجته، فإن له أيضًا أن يأخذ من هذا المال ما يكفي حاجة أهله الذين تلزمه نفقتهم كالزوجة والأولاد والأبوين، وله أيضا أن يأخذ بعض مال الله لينفقه في حفظ بقية المال، وفي استغلاله وتثميره، وله أن يفعل ذلك كله في حدود الاعتدال دون سرف أو تقتير. مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى كَوْنِ المَالِ للهِ: يترتب على أن المال مال الله النتائج الآتية: ١ - لا يجوز لأحد كائنًا من كان أن يتملك المال تملكًا نهائيًا، ولا يجوز لأحد أن يكون له على المال إلا ملك المنفعة، لأن حقوق الله ثابتة له - جَلَّ شَأْنُهُ -، وليس لأحد من البشر أن يتصرف فيها أو يتنازل عنها حاكمًا كان أو محكومًا فردًا أو جماعة. ٢ - إن للجماعة بواسطة ممثليها من الحكام وأهل الشورى أن تنظم طريقة الانتفاع بالمال، إذ المال وإن كان لله إلا أنه جعله لمنفعة الجماعة، والقاعدة في الإسلام أن كل ما ينسب من الحقوق لله إنما هو لمنفعة الجماعة وهي التي تشرف عليه دون الأفراد.

стр. 45

٣ - إن للجماعة بواسطة ممثليها من الحكام وأهل الشورى أن ترفع يد مالك المنفعة من المال إذا اقتضت ذلك مصلحة عامة، بشرط أن تعوضه عن ملكية المنفعة تعويضًا مناسبًا، إذ الإسلام لا يجيز الغصب ولا يحل أخذ المال بغير طيب نفس صاحبه، كما لا يحل أخذه بالباطل وذلك قول الله تعالى ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. وقول الرسول ﷺ : «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ»، وقوله: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ». ٤ - أن الإسلام وإن كان يبيح حرية التملك إلى غير حد، إلا أنه يجيز للجماعة بواسطة ممثليها وباعتبارها القائمة على حقوق اللهو تنظيم الانتفاع بها أن تحدد ما يملكه الشخص من مال معين اذا اقتضت ذلك مصلحة عامة كتحديد الملكية الزراعية بقدر معين أو ملكية أراضي البناء. مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى حَقِّ البَشَرِ فِي الاِنْتِفَاعِ بِمَالِ اللهِ: ويترتب على أن للبشر الانتفاع بمال الله وتملك حق الانتفاع نتائج هي: ١ - إذا كانت الجماعة قائمة على حق الله وهو ملكية المال، فليس لها أن تمس ملكية الانتفاع ليس لها أن تحرم ملكية الانتفاع التي جعلها الله للأفراد.

стр. 46

٢ - أن ملكية المنفعة تتصل بالعين كما تتصل بالشخص فيجوز لمالك المنفعة أن ينقلها إلى غيره بالبيع والرهن والوصية وغيرها من التصرفات الشرعية، كما أنها تنتقل عن المالك بوفاته إلى ورثته. ٣ - أن ملكية المنفعة الدائمة في أصلها بالنسبة للأفراد أي أنها غير مقيدة بمدة معينة، فيصح أن يظل الشيء في حيازة شخص معين ينتفع به حتى يموت ثم يتوارثه عنه أولاده وأولادهم حتى ينقرضوا كما هو الحال في الوقف. ٤ - أن ملكية المنفعة إنما جعلت لينتفع بها الفرد بطريق مباشر، ولتنتفع بها الجماعة من طريق غير مباشر، فإذا عطل المنتفع المال فلم ينتفع به فقد عطل انتفاع الجماعة، وكان للجماعة أن ترفع يده عنه بشرط أن تعوضه عنه بما يقابل قيمته. حُقُوقُ الغَيْرِ فِي مَالِ اللهِ: وإذا كان لكل فرد حق الانتفاع بما في يده من مال الله في الحدود التي بناها، فإن للغير حقوقًا فرضها الله في هذا المال وأوجب على من في يده المال أن يقوم بها باعتباره مستخلفًا في مال الله، وهذه الحقوق هي: [١] الزَّ كَاةُ: وهي فريضة في مال الله، فعلى كل فرد في يده شيء من

стр. 47

مال الله أن يخرجها من هذا المال إذا بلغ قدرًا معينًا، ويؤديها إلى الحاكم ليردها على ذوي الحاجة طبقًا لنصوص القرآن. والزكاة كالصلاة من مباني الإسلام، يقول الرسول ﷺ «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ البَيْتِ» لمن استطاع إليه سبيلاً. وأكثر النصوص تجمع بين الصلاة والزكاة، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٨٣]. وقوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وكقول الرسول ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ». والزكاة فريضة في المال، ولذلك تجب على الرجال والنساء والصغار والكبار، لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. ومقدارها يختلف باختلاف المال، فقد تصل إلى عشر المال كما في المستنبت المقتات، وقد تصل إلى ٢.٥ % من المال كما في الحلي والنقود، وقد تكون أقل من ذلك كما في زكاة الأنعام. وتجب الزكاة في كل مال حال عليه الحول، أي مضى عليه عام في يد المستخلف عليه، لقول رسول الله ﷺ : «لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ».

стр. 48

[٢] الإِنْفَاقُ: وإنفاق المال يعتبر في الإسلام صفة من الصفات الدالة على الإسلام وعلى الإيمان وعلى طاعة الله والقيام بأمره، وحينما وصف الله المتقين وصفهم بأنهم: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، فسوى - جَلَّ شَأْنُهُ - بين الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة والإنفاق وجعلها جميعًا علامة على التقوى. ووصف الله المؤمنين بأنهم هم الذين يخشون ربهم فإذا ذكر وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا على إيمانهم، وأنهم يعملون ويحسنون عملهم ما استطاعوا ثم يتوكلون بعد ذلك على ربهم، وأنهم الذين يقيمون الصلاة وينفقون مِمَّا رزقهم الله، وأكد الله لنا أن هذه الأوصاف هي أوصاف المؤمن الحقيقي، فالإنفاق إذن صفة من صفات المؤمن، وعلامة على الإيمان الحق ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: ٢ - ٤]. بل إن الإنفاق يعتبر في الإسلام أصلاً من أصول البِرِّ أي الخير، فلا يتم الخير إلا بالإنفاق، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ

стр. 49

وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. ويلاحظ على نص الآية أولاً: جعل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر أصلاً من أصول البر أي الخير، وجعل الأعمال الصالحة المترتبة على الإيمان والتي هي نتيجة له أصلاً ثانيًا للبر أي الخير. فالخير هو ما يهدف إليه الإسلام، والأصول التي يقوم عليها هي الإيمان المجرد ثم إتيان ما يقتضيه الإيمان من الأعمال. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، فالغاية هي الدعوة إلى الخير والوسائل هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخل تحتها كل ما جاء به الإسلام، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨]، فغاية الأديان ليست إلا الخير، وما تدعو الناس إلا إلى الاستباق في عمل الخير، ووسائلها إلى ذلك هي الإيمان بالله، والعمل طبقًا لما أمر الله. ويلاحظ على نص الآية ثانيًا: أنه جعل الإنفاق على رأس الأعمال الصالحة التي تؤدي إلى الخير وهو غاية الإسلام

стр. 50

وهدفه، كذلك قدم النص الإنفاق على الصلاة والزكاة، ويكفي هذا دليلاً على مكانة الإنفاق في الإسلام، ودليلاً على أن الإسلام لا يتحقق في مسلم يمتنع عن الإنفاق. وقد بين لنا الله - جَلَّ شَأْنُهُ - أننا لن نصل إلى ما يهدف إليه الإسلام وهو الخير حتى ننفق من أحب أموالنا وأكرمها علينا، فقال - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، ومن أنفق مِمَّا يحب هان عليه ما دونه. ويتبين مِمَّا سبق غاية الإسلام هي الخير، وأن وسائله للخير هي الايمان والأعمال الصالحة، وأن الإنفاق هو أول الأعمال الصالحة، وأن الامتناع عن الإنفاق يحول دون الوصول إلى غاية الإسلام وهي الخير، وإذا كان الإنفاق وسيلة من وسائل الإسلام إلى الخير ونتيجة من نتائج الإيمان بالله، فإن المسلم الذي يمتنع عن الإنفاق يشهد على نفسه بأنه يعصي الله، وأنه يعطل الإسلام، وأنه لم يؤمن بالله حق الايمان. أنواع الإنفاق: والإنفاق نوعان: إنفاق الفريضة، وإنفاق التطوع، وإنفاق الفريضة نوعان: إنفاق في سبيل الله، وإنفاق على ذوي الحاجة. وإنفاق الفريضة هو ما يجب إنفاقه من المال، وما للحاكم أن يأخذه ليصرفه في مصارفه، رضي ذلك المستخلف على المال

стр. 51

أم كرهه، أما إنفاق التطوع فهو ما ترك للمستخلف أن ينفقه دون أن يجبره على إنفاقه أحد. الإنفاق في سبيل الله: والإنفاق في سبيل الله فريضة واجبة، ويشمل كل ما ينفق لإعلاء كلمة الإسلام، والدفاع عنه، ونشر الإسلام بين الناس وإقامة أحكامه، ومن واجب كل مستخلف على مال الله أن ينفق منه في هذه السبيل، ومن حق الحكومة الإسلامية أن تقتطع من الثروات والأموال التي في يد الأفراد ما تراه كافيًا لاعلاء كلمة الله، ويستوي أن يصرف في الإعداد للعدو أو دفعه أو رفع مستوى المسلمين عامة علميًا او اجتماعيًا أو رياضيًا أو نشر الإسلام وإقامة أحكامه بين الناس فكل ذلك إنما هو إنفاق في سبيل الله، إذ أن سبيل الله هي طاعته في كل ما أمر به من الجهاد وحكم ومساواة وعدل وغير ذلك. والإنفاق في سبيل الله جهاد، إذ كما يكون الجهاد بالنفس يكون بالمال ويكون بهما مَعًا، ولقد أمر الله المسلمين أن ينفروا خِفَافًا وَثِقَالاً وأن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيله، فقال - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١]، وجعل الله الجهاد بالمال والنفس علامة إيمان الشخص والدليل على صدق هذا الإيمان: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا

стр. 52

بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]. ولقد اشترى الله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، وجعل هذا البيع التجارة الرابحة المنجية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ [الصف: ١٠، ١١]. واعتبر الامتناع عن الإنفاق في سبيل الله إلقاء بالنفس في التهلكة ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. فإذا لم يبذل المسلمون في سبيل الله، وتأييد دينه وإعلاء كلمته كل ما يستطيعون من قوة ومال فقد أهلكوا أنفسهم، ومكنوا لأعدائهم من رقابهم، وروى عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال: هذه الآية نزلت فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه. قال بعضنا لبعض سِرًّا: إن أموالنا قد ضاعت، إن الله قد أعز الإسلام، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله الآية يرد علينا ما قلنا، فالتهلكة هي الإقامة على الأموال وإصلاحها والضن بها أن تنفق في سبيل الله. وإذا كان الله - جَلَّ شَأْنُهُ - قد فضل المجاهدين بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله على المجاهدين في سبيل الله بأموالهم فقط، فإنه وعد كلا الفريقين الحسنى ﴿لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ

стр. 53

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]. فعلى كل من كان في يده شيء من مال الله أن ينفق منه في سبيله ويجاهد به لإعلاء كلمة الله وحياطة الإسلام، ومن فاته الجهاد بنفسه فلا يفوته الجهاد بالمال، فإن من فاته الجهاد بالنفس والمال وهو قادر عليهما فقد فاتته رحمة الله وقدم نفسه لنار جهنم، ولقد كره البعض في عهد رسول رسول الله ﷺ أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله فوعدهم الله نار جهنم، ومنع رسوله أن يصلي على من مات منهم أو يقوم على قبره. ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ، فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ، وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨١ - ٨٤]. ولقد أعد الله للذين يكنزون المال في سبيل الله عذابًا أليمًا فقال - جَلَّ شَأْنُهُ - " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم"وتلك هي التهلكة التي يلقي الناس بأنفسهم إليها حين يبخلون ولا ينفقون في سبيل الله. وكل مسلم مطالب بالإنفاق ما دام يجد ما ينفقه في سبيل الله، فإذا لم يجد فما عليه من حرج، ويكفيه النصح لله

стр. 54

ولرسوله ولجماعة المسلمين، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ولا يؤاخذ الله محسنًا أحسن عمله أو قوله بقدر ما يستطيع ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١]. الإنفاق على ذوي الحاجة: يدخل الإنفاق على ذوي الحاجة في الجماعة الإسلامية تحت الإنفاق في سبيل الله، لأن سبيل الله هي طاعته، فكل إنفاق يطاع فيه الله هوإنفاق في سبيل الله، ولكنا أفردنا للإنفاق على ذوي الحاجة مكانًا خاصًا وعنوانًا مستقلاً لأن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - خصه بنصوص خاصة من ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (١) [البقرة: ١٧٧]. وقول: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦]. وقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ

стр. 55

السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]. وقوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ [المدثر: ٤٢ - ٤٤]، وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]، وقوله: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥]. ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]. وقوله: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩]. والإنفاق على ذوي الحاجة فريضة افترضها الله في المال فليس لمستخلف على مال الله أن يمنعها، وللحكومات الحق في أن تأخذ من أموال الأغنياء ما يكفي حاجة الفقراء فإن لم تفعل فقد عصت أمر الله وحرمت ذوي الحاجة حقوقهم التي فرضها لهم الله. ولا يشترط أن يكون الفقراء وذوو الحاجة معدمين لا يملكون شيئًا أصلاً حتى يستحقوا الإنفاق عليهم، وإنما الشرط أن لا يكون لديهم ما يكفي حاجتهم، فكل من كان إيراده لا يكفي حاجته فهو من ذوي الحاجة وعلى الحكومة الإسلامية أن تأخذ من فضول أموال الأغنياء ما يرد حاجة ذوي الحاجة. والإنفاق على ذوي الحاجة يعبر عنه بالصدقة كما يعبر عن الزكاة بالصدقة، وذوو الحاجة الذين يجب لهم الإنفاق هم تقريبًا الذين فرضت لهم الزكاة في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ

стр. 56

وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]. وقد دعا هذا الى اشتباه الأمر على البعض، فظن أن ليس في المال لذوي الحاجة سوى الزكاة، وهذا خطأ لا شك فيه، لأن الزكاة ليست هي كل ما في المال من حق، وإنما هي الحق الأول لذي الحاجة، فإن كفتهم فبها، وإلا فقد وجب الإنفاق فريضة من الله حتى تكف الحاجة عن ذوي الحاجة. وليس أدل على صحة ما نقول من أن القرآن فَرَّقَ بين الإنفاق والزكاة في نص واحد واعتبر كليهما من الأعمال التي يقتضيها الإيمان ويقوم من أجلها الإسلام، وذلك قوله تعالى ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. فجاء النص صريحًا في وجوب الإنفاق وفي وجوب الزكاة. والفصل بين الإنفاق والزكاة بالصلاة دليل على الاختلاف بين الإنفاق والزكاة، والنص على كل من الإنفاق والزكاة على حدة في آية واحدة قاطع بأن كليهما يختلف عن الآخر وأنهما فريضتان مختلفتان، ومن ادعى أن الزكاة نسخت الإنفاق كفريضة فإنه يدعي ما لا حجة له عليه، فالزكاة فرضت في مكة والآية التي سبق ذكرها مدنية، فكيف تنسخ الفريضة السابقة اللاحقة؟ بل كيف ينسخ بعض النص الواحد بعضه الآخر؟ ولقد جاءت السُنَّةُ بنفس ما جاء به القرآن من المخالفة

стр. 57

بين الإنفاق والزكاة وجعلها فريضتين مختلفتين، فيروى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلاً مِنْ تَمِيمٍ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ذُو مَالٍ كَثِيرٍ، وَذُو أَهْلٍ وَمَالٍ، وَحَاضِرَةٍ، فَأَخْبِرْنِي كَيْفَ أَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تُخْرِجُ الزَّكَاةَ، فَإِنَّهَا طُهْرَةٌ تُطَهِّرُكَ، وَتَصِلُ أَقْرِبَاءَكَ، وَتَعْرِفُ حَقَّ المِسْكِينِ، وَالجَارِ، وَالسَّائِلِ»، ففرق الرسول بين الزكاة وبين صلة الأقارب وإعطاء المساكين والجيران والسائلين حقوقهم التي أوجبها الله لهم بعد الزكاة. وروت فاطمة بنت قيس أن رسول الله ﷺ قال «إِنَّ فِي المَالِ لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ»، ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الخ الآيَةَ. فالإنفاق إذن فريضة غير فريضة الزكاة، وقد افترضه الله لسد ما لم تسده الزكاة من حاجات، ومن الممكن أن تسد فريضة الزكاة حاجة ذوي الحاجة كما حدث في عهود الإسلام الأولى، وقد تزيد عن حاجتهم كما حدث في عهد عمر بن العزيز فقد كانت الدولة لا تجد المحتاجين من تنفق عليهم بعض حصيلة الزكاة. فإذا لم تقم فريضة الزكاة بسد حاجة ذوي الحاجة ففريضة الإنفاق تقوم بما لن تتسع له فريضة الزكاة. إنفاق التطوع: هذا النوع من الإنفاق يأتي بعد أداء إنفاق الفريضة بنوعيه، وهو متروك لاختيار المنفق إن شاء أنفق وإن شاء امتنع، ولذلك سميناه إنفاق التطوع ويسمى صدقة التطوع،

стр. 58

فإن أنفق فله أجر الإنفاق وإن لم ينفق لم يأثم. ولقد حض الإسلام الإنفاق وحببه إلى الناس وأعد لهم أفضل الجزاء ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]. وأعلمهم أن ما ينفقون من خير فإنما يعود عليهم ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. ودعاهم إلى أن ينفقوا من أموالهم في كل وقت من أوقات الليل والنهار وفي السر والعلانية وضمن لهم الأجر الجزيل والجزاء الأوفى ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]. وسنة الرسول ﷺ تنهج نهج القرآن في الحض على الإنفاق فَمِمَّا روي عنه قوله: «تَصَدَّقُوا وَلَوْ بِتَمْرَةٍ، فَإِنَّهَا تَسُدُّ مِنَ الجَائِعِ، وَتُطْفِئُ الخَطِيئَةَ، كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ»، وقوله: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا، فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ»، وقوله: «مَا مِنْ عَبْدٍ [مُسْلِمٍ] يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ - وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ - إِلاَّ كَانَ اللَّهُ [يَأْخُذُهَا] بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا لَهُ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ [فَلُوَّهُ أَوْ] فَصِيلَهُ حَتَّى تَبْلُغَ التَّمْرَةُ مِثْلَ أُحُدٍ» وقوله: «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ». حد الإنفاق: جعل الإسلام للإنفاق حدين: الحد العادي، وحد الضرورة سواء كان الإنفاق فريضة أو تطوعًا.

стр. 59

فأما الحد العادي للإنفاق فيمتد إلى كل ما يزيد عن حاجة المستخلف على المال فما زاد على حاجته فهو محل للإنفاق أَيًّا كان مقداره، والأصل في ذلك قول الله - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. والعفو هو الفضل أي ما عفت عنه الحاجة وما فضل بعد سدها. وروي في أسباب نزول الآية الأولى أن نفرًا من الصحابة سألوا رسول الله ﷺ عن حد الإنفاق فأجيبوا على لسان الوحي أن ينفقوا العفو أي ما زاد عن حاجتهم. ولقد حاول بعض المفسرين أن يفسر العفو بمعنى آخر، فقال: إن العفو نقيض الجهد فيكون معنى الآية أنهم ينفقون مِمَّا سهل عليهم وتيسر لهم مِمَّا يكون فاضلاً عن حاجتهم وهو تفسير متكلف يخالف ظاهر النص ويخالف ما ورد عن الرسول ﷺ من قوله: «يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ، وَلاَ تُلاَمُ عَلَى كَفَافٍ» والفضل ما زاد عن الحاجة، والكفاف ما كف عن الحاجة ويزيد عن قدرها. وقول الرسول: «طُوبَى لِمَنْ عَمِلَ بِعِلْمِهِ، وَأَنْفَقَ الفَضْلَ مِنْ مَالِهِ وَأَمْسَكَ الفَضْلَ مِنْ قَوْلِهِ»، وقوله: «الأَيْدِي ثَلاَثَةٌ، فَيَدُ اللَّهِ العُلْيَا، وَيَدُ الْمُعْطِي التِي تَلِيهَا، وَيَدُ السَّائِلِ السُّفْلَى، فَأَعْطِ الْفَضْلَ، وَلاَ تَعْجَزْ عَنْ نَفْسِكَ» فهذا رسول الله ﷺ يفسر العفو بأنه الفضل وما زاد عن الحاجة، ويدعو إلى إنفاقه جميعًا ويحذر من إمساكه، ويقول في صراحة أنه ملام على الاحتفاظ بما يكفي الحاجة، وإنما الملام على ما زاد عن ذلك.

стр. 60

ولقد حدد بعضهم حاجة المستخلف على المال بالحاجة اليومية، وحددها البعض بالحاجة الشهرية وحددها آخرون بحاجة السَّنَةِ، وحجتهم أن النبي ﷺ ادَّخَرَ لأهله قوت سَنَةٍ. وإذا كان كل ما زاد عن حاجة المستخلف على المال محلاً للإنفاق فينبغي أن تعلم أن إنفاق هذا الزائد لا يجب إلا إذا استوجب الإنفاق حاجة الغير إليه، فإذا لم يكن بالغير حاجة إلى الفضل كان لمن في يده المال أن ينفق منه طَوْعًا ما شاء ولو أتى على كل الفضل، أما إذا كان بالغير حاجة إلى الفضل فليس لمن في يده المال أن يأخذ من الفضل شيئًا وإلا كان آخذًا غير حقه، وهذا ما فهمه أبوسعيد الخدري صاحب رسول الله حين سمعه يقول: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ زَادَ لَهُ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «فَذَكَرَ - أي الرسول - مِنْ أَصْنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنْ لاَ حَقَّ لأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ». وللحكومة الإسلامية بعد أن تأخذ من فضول أموال الأغنياء فتردها على الفقراء ولو لم يكونوا بحاجة إليها إذا اقتضت مصلحة عامة تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. وهذا هو ما رآه عمر ﵁ قبيل وفاته، فقد أثر عنه قال: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لأَخَذْتُ فُضُولَ أَمْوَالِ الأَغْنِيَاءِ، فَقَسَمْتُهَا عَلَى الفُقَرَاءِ».، وكان عمر يرى هذا

стр. 61

بالرغم من أنه فرض لكل شخص في بيت المال حتى الأطفال، فلم تكن حاجة الغير إلى فضول أموال الأغنياء هي التي تدعو عمر إلى القول برد هذه الفضول للفقراء، وإنما رأى عمر أن ثروات الأغنياء تضخمت وخشي عليهم الترف والبطر، وخشي على الفقراء الحسد والفتنة، فود لو حسم الأمر كله برد فضول أموال الأغنياء على الفقراء، ولو طال عمره وفعل هذا لتغير تاريخ الإسلام. وحاجة الغير لفضول الأموال لا تتحدد فقط بما يكفي حاجة الأفراد متفرقين، وإنما تتحدد أيضًا بما يكف حاجتهم مجتمعين، أو بتعبير آخر تتحدد الحاجة إلى فضول الأموال بما يسد حاجة الجماعة بعد حاجة الأفراد، وحاجات الجماعة لا تنتهي ولا حد لإشباعها، فكلما تقدمت الجماعة وقويت زادت حاجتها إلى التقدم والقوة لتحتفظ بمكانتها بين الجماعات، وكلما أقامت الجماعة أمر الله تجددت حاجتها إلى إقامة أمر الله لمواجهة المستحدث من الفساد والعصيان. وإذن ففضول الأموال رهن بما يسد حاجة الأفراد وحاجة الجماعة فليس لمن في يدهم هذه الفضول أن ينفقوا منها شيئًا على أنفسهم وإلا كانوا آخذين غير حقهم وليس لهم أن ينفقوا منها تطوعًا إلا بعد أن يأخذ الأفراد والجماعة ما يجب لهم فيها، ولو أن إنفاق التطوع يعود على الغير بالنفع ذلك أن صدقة التطوع تترك لمشيئة المتطوع، يوزعها كيف يشاء، أما إنفاق الفريضة فيجب أن يصيب من لهم الحق في المال دون غيرهم.

стр. 62

أما حد الضرورة في الإنفاق فانه يمتد من الفضول إلى نفس الجزء المخصص لسد حاجة المستخلف على المال، فيصبح للغير من الأفراد للجماعة الحق في أخذ ما تدعو الضرورة لأخذه من هذا الجزء قل المأخوذ أو كثر لسد بعض حاجة الآخرين ولتوفير المال الضروري لصيانة أمن الدولة الخارجي والداخلي. ولا ينتقل حد الإنفاق إلى الجزء المخصص لسد حاجة المستخلف على المال إلا لضرورات تقتضي هذا الانتقال. ونستطيع أن نضرب على هذه الضرورات أمثلة حدثت في مطلع العهد الإسلامي. وأول هذه الأمثلة كان في عهد الرسول ﷺ ، فقد أمر المسلمين بالهجرة من مكة إلى المدينة فهجروا مكة متسللين تاركين أموالهم نَهْبًا لمشركي قريش ودخلوا المدينة وأكثرهم لا يملك قوت يومه، وما ترك المهاجرون كل أموالهم إلا استجابة لأمر الله، وجهادًا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]. فلما وصل الرسول ﷺ المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار، وأنزل المهاجرين على الأنصار يشاركونهم في كل ما يملكون، ويقاسمونهم القليل والكثير، ولم تكن أموال الأنصار التي تتسع لهم وللمهاجرين ولكنهم رحبوا بالمهاجرين وآثروهم على أنفسهم وهم في أشد الحاجة إلى ما يؤثرون به غيرهم، وما فعلوا

стр. 63

ذلك إلا استجابة للهِ وجهادًا في سبيله فاستحقوا بذلك قول الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. هذا هو المثل الأول يبين لنا أن مصلحة الإسلام اقتضت أن يضحي المهاجرون بكل أموالهم فضحوا بها طيبة نفوسهم، وأن المصلحة اقتضت أن يضحي الأنصار بالكثير مِمَّا هم في أشد الحاجة إليه فنزلوا على أمر الله وآثروا المهاجرين على أنفسهم. أما المثل الثاني فكان في عهد عمر ﵁ حين حدثت المجاعة في سنة ثماني عشرة من الهجرة، واشتد الجوع حتى جعلت الوحش تأوي إلى الأنس وحتى جعل الرجل يذبح الشاه فيعافها من قبحها، فآلى عمر على نفسه أن لا يذوق سمنًا ولا لبنًا ولا لحمًا حتى يحيى الناس، وكان يقول: «لَوْ لَمْ أَجِدْ لِلنَّاسِ مَا يَسَعُهُمْ إِلاَّ أَنْ أُدْخِلَ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ عِدَّتَهُمْ فَيُقَاسِمُونَهُ أَنْصَافَ بُطُونِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِحَيًا لَفَعَلْتُ؛ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْلِكُوا عَلَى أَنْصَافِ بُطُونِهِمْ». وما قال ذلك إلا بعد أن كتب إلى أمراء الأمصار يستمدهم، فكان أول من قدم إليه أبو عبيدة بن الجراح في أربعة آلاف راحلة من طعام، وبعث عمروبن العاص الطعام في السفن وعلى الإبل، فبعث عشرين سفينة وألف بعير محملة بالدقيق، كما بعث خمسة آلاف كساء، وبعث معاوية ثلاثة آلاف بعير محملة كما بعث ثلاثة

стр. 64

آلاف عباءة، وبعث سعد بن أبي وقاص ألف بعير محملة بالدقيق، وكل ذلك وزع على المحتاجين والفقراء ولكنه لم يكد يسد حاجتهم فرأى عمر أن يدخل على كل أهل بيت عدتهم من المحتاجين ليقاسموهم طعامهم ويعيش الجميع على أنصاف بطونهم. وقد استلهم عمر في هذا الاتجاه روح الإسلام وتأسى بما فعله رسول الله ﷺ من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وأنزل المهاجرين على الأنصار حتى يسر الله للمهاجرين وأذهب عنهم الفاقة. أما المثل الثالث فبطله أبو عبيدة بن الجراح ﵁ كان هو وثلاثمائة من صحابة الرسول في سفر ففنيت أزواد بعضهم فأمرهم أبو عبيدة فجمعوا أزوادهم في مزودين وجعل يقوتهم إياها على السواء. وهكذا يحمل الإسلام الناس في الأزمات والمجاعات وعند الضرورات أن يسع بعضهم بعضًا فيما هم في حاجة إليه وفيما يقيم أودهم ويحفظ حياتهم، وفي هذا روي عن الرسول ﷺ قوله: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ (إلى الطعام) بِثَالِثٍ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ أَوْ سَادِسٍ». والأصل في ذلك كله أن المال مال الله، وأن الإسلام فرض على المسلمين أن يتعاونوا على البر والتقوى: ﴿وَتَعَاوَنُوا

стр. 65

عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، كما أن الإسلام يقيم المجتمع الإسلامي على أساس التضامن الاجتماعي، فيجعل في أموال الأغنياء حَقًّا للفقراء: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩]. ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦]. حتى ليبرأ الله من كل جماعة أصبح فيهم فرد جائعًا، وذلك قول رسول الله: «أَيُّمَا أَهْلُ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمُ امْرُؤٌ جَائِعًا، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ». ويجعل الإسلام المسلمين بمثابة البنيان يشد بعضه بعضًا، ويقيم بعضه البعض الآخر، بل يجعل المسلمين جميعًا جسدًا واحدًا إذا أصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» ويقول: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى» .. ويوجب الإسلام على كل مسلم أن يرحم أخاه المسلم، وأن لا يظلمه ولا يسلمه وذلك قول الرسول ﷺ : «مَنْ لاَ يَرْحَمِ النَّاسَ، لاَ يَرْحَمْهُ اللهُ»، وقوله: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ»، فمن كان له فضل مال ورأى أخاه جائعًا فلم يغثه فما رحمه بلا شك، ومن تركه يجوع ويعرى وهو قادر على إطعامه وكسوته فقد أسلمه لا جدال في ذلك.

стр. 66

بحث محدود: هذه هي خلاصة نظرية الإسلام في ملكية المال، وتلك هي الأصول التي تقوم عليها، وما نريد أن نتعرض لما لا محل له في هذا الكتاب، وما تعرضنا لنظرية المال إلا بقدر ما نستبين حق الحكومات على ما في يد الأفراد من مال وحق الأفراد في هذا المال، ونرجو أن يوفقنا الله لوضع كتاب خاص نبسط فيه النظرية وتطبيقاتها وما يتصل بها من نظريات اقتصادية إسلامية، وما يمكن أن يترتب على هذه النظريات في المجتمع الإسلامي.

стр. 67

للهِ الحُكْمُ وَالأَمْرُ: • لمن الحكم؟ • الحكم من طبيعة الإسلام. • الإسلام عقيدة ونظام. • الإسلام دين ودولة.

стр. 68

لِمَنْ الحُكْمُ ؟: هذا سؤال لا تصعب الإجابة عليه بعد أن علمنا أن الله هو خالق الكون ومالكه، وأنه استعمر البشر واستخلفهم في الأرض، وأمرهم أن يتبعوا هداه، وأن لا يستجيبوا لغيره، فكل ذي منطق سليم لا يستطيع أن يقول بعد أن علم هذا إلا أن الحكم لله، وأنه - جَلَّ شَأْنُهُ - هو الحاكم في هذا الكون ما دام هو خالقه ومالكه، وأن على البشر أن يتحاكموا إلى ما أنزل ويحكموا به، لأنهم من وجه قد استخلفوا في الأرض استخلافًا مقيدًا باتباع هدى الله، ولأنهم من وجه آخر خلفاء لله في الأرض، وليس للخليفة أن يخرج على أمر من استخلفه. وقد جاءت نصوص القرآن مؤيدة لهذا المنطق البشري السليم، فهي تلزم البشر باتباع ما جاء من عند الله، وَتُحَرِّمُ عليهم تحريمًا قاطعًا اتباع ما يخالفه: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦]. ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣]. وقد علمنا الله أن الحق شيء واحد لا يتعدد، وأنه ليس في الدنيا إلا حق أو باطل، وليس بعد الحق إلا الضلال

стр. 69

﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢]. كما علمنا أنه أرسل رسوله محمدًا ﷺ بالحق ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩]. وأن الكتاب الذي أنزل عليه جاء بالحق: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣]. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [النساء: ١٠٥]. وإذا كان الله قد أرسل رسوله بالهدى ودين الحق: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣]. فإن الذين يستجيبون للرسول ولما جاء به إنما يستجيبون للحق ويتبعون الهدى. أما الذين لا يستجيبون للرسول ولما جاء به من الحق فقد علمنا الله أنهم لا يستجيبون للضلال ويتبعون أهواءهم، وأن أعظم الناس ضلالاً هو من اتبع هواه ولم يهتد بهدى الله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]. وقد جعل الله ما أنزله على رسوله شريعة لنا، وأوجب علينا أن نتبعها ونلتزم حدودها، ونهانا عن اتباع تشريعات الناس وقوانينهم فما هي أهواؤهم وضلالاتهم يصوغونها تشريعات وقوانين يضلون بها البشر ويصرفونهم عن شريعة الله، وهم مهما تعلموا وعلموا لا يعلمون شيئًا في جنب علم الله الذي أحاط بكل شيء علمًا، والذي يعلم ما فيه هداية

стр. 70

البشر وخيرهم: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨]. والشريعة التي أنزلها الله على رسوله وألزمنا اتباعها والعمل بها ليست إلا كتاب الله الذي يقرأه المسلمون ويستمعون إليه في كل صباح ومساء ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥]. وهذا الكتاب هو القرآن الكريم: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣]. ولقد كان في النصوص السابقة ما يكفي للقطع بأن الحكم في البلاد الإسلامية يجب أن يكون طبقًا للشريعة الإسلامية، لأن اتباع ما أنزل الله يقتضي أن يكون الحكم بما أنزل الله، وأن يكون الحكام قائمين على أمر الله فيما يتصل بذواتهم وفيما هو في أيديهم فما يستطيعون أن يتبعوه عند الاختلاف، وإذا استطاعوا أن يتبعوا أمر الله فيما هو للأفراد فكيف يستطيعون أن يتبعوه فيما هو للحكام إذا لم يكن الحكام مقيدين باتباع ما أنزل الله؟ وكان يكفي أن نعلم أن الله أوجب علينا عند التنازع والاختلاف أن نتحاكم إلى ما أنزل الله ونحكم في المتنازع عليه والمختلف فيه بحكم الله ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ

стр. 71

إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، كان يكفي أن نعلم هذا لنقطع بأن الحكم لله، وأن الحكام والمحكومين في كل بلد إسلامي يجب أن يتقيدوا في كل تصرفاتهم واتجاهاتهم باتباع ما أنزل الله، وأن يجعلوا دستورهم الأعلى كتاب الله. ولكن الله - جَلَّ شَأْنُهُ -، وهو أعلم بالإنسان، وبأنه أكثر شيء جدلاً جاءنا بنصوص لا سبيل فيها إلى جدال أو استنتاج، تقضي أن الحكم لله في الدنيا وفي الآخرة ﴿وَهُوَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]. وتبين لنا أن الله لم يرسل الرسل إلا مبشرين ومنذرين، ولم ينزل الكتب إلا ليتخذها الناس دستورًا في حياتهم الدنيا، يحكمونها ويحكمون بمقتضاها في كل شؤونهم ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]. ومن هذه النصوص القاطعة نعرف أن الله أنزل القرآن على نبيه محمد ﷺ ليكون دستور البشرية وقانونها الأعلى، وليقضي الرسول بين الناس على مقتضى أحكامه كما علمه الله ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]. ونعرف أن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - نفى الإيمان عن العباد وأقسم بنفسه على ذلك حتى يحكموا الرسول فيما يشجر بينهم

стр. 72

ليحكم فيه بحكم الله، ولم يكتف الله تعالى في إثبات الإيمان لهم بهذا التحكيم المجرد بل اشترط لاعتبارهم مؤمنين أن ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق من قضاء الرسول وحكمه، وأن يسلموا تسليمًا وينقادوا انقيادًا لما حكم به، ولن يحكم إلا بما أنزل الله وبما أراه إياه ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. ومن هذه النصوص القاطعة نعرف أن الله أمر أن يتحاكم الناس إلى ما أنزله على رسوله ويحكموا به وأنه تعالى حذر من اتباع الأهواء والحكم بها، وأمر أن يكون الحكم كله مطابقًا لما أوحي به، كما حذر الحاكم من أن يترك بعض ما أنزل الله أو أن يفتن عنه ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]. ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]. ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٧]. ومن هذه النصوص نعرف أن الله جعل الحكم بما أنزله أحسن حكم وأفضله، وأنه نسب الحكم بما أنزل إلى نفسه فجعله حكم الله وأنه جعل الحكم بما عداه حكمًا جاهليًا يقوم على الباطل، وأنه وصف من يبتغي غير حكم الله بأنه يبغي حكم الجاهلية القائم على الأهواء والضلال ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].

стр. 73

ومن هذه النصوص القاطعة نعرف أن الله حَرَّمَ الحكم بغير ما أنزل، كما حَرَّمَ عليهم الكفر والظلم والفسوق والعصيان، وجعل من لم يحكم بما أنزل الله كافرًا وظالمًا وفاسقًا، فقال - جَلَّ شَأْنُهُ - ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]. ولقد عبر القرآن عن الكفر بلفظ الظلم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. كذلك عبر القرآن عن الكفر والظلم بالفسق من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩]، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]، وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]. وقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩]. وقوله: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥]. وإذا كان الظلم والفسق بمعنى الكفر فيكون فسق من لم يحكم بما أنزل الله وظلمه هو الكفر، ويكون من لم يحكم بما أنزل الله كافرًا في كل الأحوال بنص القرآن. ولكن بعض المفسرين يفسرون الظلم بالإنحراف عن الحق، ويفسرون الفسق بالعصيان، ويجمعون بين الآيات

стр. 74

الثلاث في التفسير، فيرون أن من يستحدث من المسلمين أحكامًا غير ما أنزل الله ويترك بالحكم بها كل أو بعض ما أنزل الله من غير تأويل يعتقد صحته، فإنه يصدق عليه ما قاله الله، كل بحسب حاله، فمن أعرض عما أنزل الله لأنه يفضل عليه غيره من أوضاع البشر فهو كافر قطعًا، ومن لم يحكم به لعلة أخرى غير الجحود والنكران فهو ظالم إن كان في حكمه مُضَيِّعًا لحق أو تاركًا لعدل أو مساواة، وإلا فهو فاسق. الحُكْمُ مِنْ طَبِيعَةِ الإِسْلاَمِ: هذه بعض نصوص القرآن التي تعرضت للحكم، وليس بعد ما ذكرنا حُجَّةً لمحتج ولا سبيل لجدال، فليعرف المسلمون أحكام دينهم ونصوص شريعتهم، ثم ليأخذوا عن بَيِّنَةٍ وليدعوا عَنْ بَيِّنَةٍ، أما أن ينطلقوا وراء تلاميذ المبشرين وأذناب المستعمرين ويدعون مثلهم أن الإسلام لا علاقة له بالحكم، ولم ترد فيه نصوص عن الحكم فذلك هو الجهل المطبق والجدل المنكر، وأي جهل أشد من جهل رجل يدعي لنفسه صفة لا يعرف ماهيتها، فيدعي لنفسه الإسلام وهو يجهل حقيقة الإسلام، وأي جدل أنكر من جدال جاهل يحتج على الناس بجهله، ويريد منهم أن ينكروا ما علموه لأنه يجهل أو لا يريد أن يتعلمه. إن الإسلام يلزم الناس باتباع ما أنزل الله ويوجب عليهم أن يتحاكموا إلى ما جاء من عند الله ويحكموا به وحده

стр. 75

دون غيره، وليس لذلك معنى إلا أن الحكم هو الأصل الجامع في الإسلام، والدعامة الأولى التي يقوم عليها الإسلام. إن كل من له إلمام بالإسلام يعلم حق العلم أن الحكم في الإسلام تقضي به طبيعة الإسلام أكثر مِمَّا تقضي به نصوص القرآن، ففي طبيعة الإسلام أن يسيطر على الأفراد والجماعات ويوجههم ويحكم تصرفاتهم، وفي طبيعة الإسلام، أن يعلو ولا يعلى عليه، وأن يفرض حكمه على الدول، وأن يبسط سلطانه على العالم كله. إن الإسلام ليس عقيدة فقط، ولكنه عقيدة ونظام، وليس دينًا فحسب ولكنه دين ودولة، ومن المؤلم حقًا أن يجهل أكثر المسلمين ذلك لأنهم يجهلون كل شيء عن حقيقة الإسلام، ولا يعلمون عنه إلا عبادات يتلقونها عن طريق التقليد والمحاكاة. الإِسْلاَمُ عَقِيدَةٌ وَنِظَامٌ: والإسلام عقيدة ومبدأ ما في ذلك شك ولكنه ما كان عقيدة تعتقد ومبدأ يعتنق إلا بعد أن استوى نظامًا دقيقًا شاملاً ينظم كل شأن من شؤون النفس البشرية، وينظم كل ما تحيط به النفوس من المعاني وما تدركه من المحسوسات، سواء اتصلت بالأفراد أو الجماعات، وسواء اتصلت بدنيانا التي نعيش فيها أو بالحياة الأخرى التي نرجوها حياة طيبة. والإسلام كعقيدة هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه
следующие страницы →