مُقَدِّمَةٌ:
الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله الذي أرسله بالهُدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.
«وبعد» فإن المسلمين في كل أنحاء العالم قد جهلوا الإسلام وانحرفوا عن طريقه الواضح، حتى لم يعد في الدنيا كلها بلد يقام فيه الإسلام كما أنزله اللهُ، سواء في الحكم والسياسة، أو الاقتصاد والاجتماع، أو غير ذلك مِمَّا يمس مصالح الأفراد والجماعات، ويقوم عليه نظام الجماعة، ويدعو الى صلاحها وإسعادها.
стр. 7
ولقد ظل المسلمون ينحرفون عن الإسلام حتى هجروا أحكامه، ثم اتخذوا لأنفسهم أحكامًا تقوم على أهوائهم ومنافعهم، فأدى ذلك إلى التحلل والفساد، وملأ بلادهم بالشرور والآثام وعاد على جماعتهم بالبؤس والشقاء.
وفي ظلال هذه المحنة التي امتحن الله بها الإسلام نبت دُعَاةُ الإسلام الحقيقيون فدعوا الناس إلى الإسلام الصحيح، وربوا الشباب عليه وجعلوا كل مسلم داعية إلى الإسلام بعمله وقوله وسيرته، وصبروا على ما امتحنوا به حتى فتح الله عليهم فانتشر الوعي الإسلامي، وتيقظ المسلمون، وتحقق ذَوُو البصائر أن لا حياة للمسلمين بغير الإسلام، وأن صلاح حالهم وسعادة جماعاتهم لن تكون إلا إذا رجعوا للإسلام وأقاموا أمرهم عليه، وَحَكَّمُوهُ في كل شؤونهم.
والمسلمون اليوم أحوج ما يكونون إلى معرفة حقائق الإسلام وقد تكالب عليهم الاستعمار والشيوعية، وَزُيِّنَتْ لهم الديموقراطية والاشتراكية، ليعلموا أن لا عاصم لهم من الاستعمار والشيوعية إلا الإسلام، وأنه لا يحقق العدالة والمساواة والحرية في بلادهم إلا الإسلام.
وواجب على كل مسلم مستطيع أن يُبَيِّنَ للمسلمين ما خفي عليهم من أحكام الإسلام، وأن يعرضه عليهم في لغة سهلة يهضمونها، وفي أسلوب عصري يقبلون عليه.
وإني لأرجو أن أكون قد قدمت للمسلمين في هذا الكتاب
стр. 8
ما يجب أن يعلمه كل مسلم عن نظرية الإسلام في الحكم، وأسلوبه في الشورى، كما أرجو أن يعلم المسلمون بعد الاطلاع على هذا الكتاب أن أسلوب الإسلام هو خير ما عرفه العالم أن كل نظريات الشورى الوضعية ليست شيئًا يذكر بجانب نظرية الإسلام.
واللهَ اسألُ أن يُوَفِّقَنَا جميعًا إلى الخير، وأن يجمع كلمتنا على الإسلام.
عبد القادر عودة
стр. 9
الخَلْقُ وَالتَّسْخِيرُ:
هَذَا الكَوْنُ خَلَقَهُ اللهُ:
هذا الكون الذي نعيش فيه ونعمره، ونتسلط على ما فيه من حيوان ونبات وجماد، ونحاول أن نحصل على ما فيه من خيرات، ونستغل ما فيه من قوى هذا الكون ليس من صنع البشر ولا من عمل أيديهم، وما في استطاعتهم خلقه ولا خلق ما دونه، وما كانوا في يوم من الأيام أهلاً لذلك ولن يكونوا، فما هم بشر إلا خلقهم خالق كل مخلوق ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨]. وما في قدرة المخلوقات أن تخلق ولو تظاهرت على الخلق، ولو اجتمع كل البشر على أن يخلقوا أحقر الذباب وأضعفه لعجزوا، ولو سلبهم أضعف الذباب وأحقره شيئًا لما منعوه عنه ولا استنقذوه منه " ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ
стр. 10
شَيْئًا لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].
هذا الكون الذي نعيش فيه ونعمره خلقه اللهُ الذي خلق الناس من تراب ثم سَوَّاهُمْ بَشَرًا وَصَوَّرَهُمْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا فأحسن صُوَرَهُمْ، وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة لعلهم ينظرون ويتفكرون فيتذكروا نعمة الله عليهم، ويشكروه على ما خلقهم ورزقهم وأسبغ عليهم من فضله ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [فاطر: ١١].
﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٦ - ٨]، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]، ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].
هذا الكون الذي نعيش فيه خلقه الله - جَلَّ شَأْنُهُ - خالق كل شيء مِمَّا نعلم ومِمَّا لا نعلم، وَمِمَّا ندرك ومِمَّا لا ندرك، ومِمَّا نستطيع تصوره والاحاطة بكنهه " ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فهو الذي خلق السماوات والأرض وما فيها من مخلوقات، وما بينهما من أجرام لا يحيط بها العلم، ولا يدركها الوصف، ولا يحصيها العَدُّ، وهو القادر على أن يخلق غيرها إن شاء، إذ الخلق متعلق بمشيئته، وراجع لأمره ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [المائدة: ١٧]. ﴿لِلَّهِ مُلْكُ
стр. 11
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ﴾ [المائدة: ١٢٠].
وهو الذي خلق الأزواج كلها من النبات والحيوان والإنسان، ومِمَّا نُحِيطُ بعلمه ومِمَّا لا تعلم عنه شيئًا، ورتب على اتصالها اللقاح والأحبال فالإثمار والإنسان حفظًا للنوع واستبقاء للحياة ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦].
وهو الذي جعل الظلمات والنور، وخلق الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم وهو الذي ربط الظلمات بالليل والنور بالنهار، وجعل الشمس دليلاً على النهار، وجعل القمر والنجوم لنهتدي بها في ظلمات البر والبحر ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]. ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الأنبياء: ٣٣].
وهو الذي خلق الموت والحياة، وجعل بعد الموت البعث والنشور ليبلو الناس فيما آتاهم وليجزيهم بما كانوا يعملون ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: ٢].
هَذَا الكَوْنُ مُسَخَّرٌ لِلْبَشَرِ:
والله الذي خلق هذا الكون قد سخره لخدمة البشر وسلطهم عليه بما وهبهم من أبصار وأسماع وعقول تساعدهم على
стр. 12
استخدام ما في الكون من خيرات، واكتشاف ما فيه من قوى، واستغلال ذلك كله في سبيل نفعهم وإسعاد أنفسهم ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠].
فالله قد سخر للبشر - وهم يعيشون على وجه الأرض - كل ما في السماوات وما في الأرض، وكل ما في البر وما في البحر، فالسحاب مسخر لخدمتهم يحمل الماء المتجمع من البحار والأنهار ثم يرسله مَطَرًا يُحيي به الأرض بعد موتها وينبت فيها من كل الثمرات رزقًا للعباد، والبحار والأنهار مسخرة لخدمة البشر، منها يتكون السحاب، وعلى مائها يعيش الإنسان والنبات وكل الحيوان، وعليها تسير الفلك تحمل الناس إلى بلد لم يكونوا بالغيه بغيرها، وفي أعماقها تعيش مخلوقات أخرى يتخذ منها الناس طعامًا وحلية، والشمس والقمر مسخران لخدمة البشر، يمدان الكون بالضوء والحرارة، وهما ضرورتان من ضرورات الحياة وكل ما في الكون من صغير وكبير، ومعلول ومجهول، مسخر لخدمة البشر، لهم الحق في استطلاع أسراره والسيطرة عليه، واستغلال منافعه ما استطاعوا لذلك سبيلاً، فالكون مذلل لهم بإذن الله، وهم مسلطون عليه بأمر الله ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢، ١٣] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ
стр. 13
مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ، اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٢ - ٣٤].
البَشَرُ مُسَخَّرٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:
وإذا كان الله - جَلَّ شَأْنُهُ - قد سخر الكون للبشر، فإنه قد سخر بعض البشر لبعض ليستطيعوا أن يعيشوا في جماعة منظمة متعاونة، وليكونوا أقدر على استغلال الكون المسخر لهم والانتفاع بخيراته، والمساهمة في بناء حياة إنسانية مرضية. ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢].
وما سخر الله بعض البشر لبعض إلاَّ لِتَتِمَّ حِكْمَتُهُ فيهم وليبلوهم فيما آتاهم، فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها ومن كفر فعليه كفره، ومن آمن نفعه إيمانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلاَ يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتًا
стр. 14
وَلاَ يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَارًا﴾ [فاطر: ٣٩].
ولم يجعل الله تسخير بعض البشر لبعض قائمًا على التحكم، تعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا، وإنما ربط التسخير بطبائعهم وظروف إمكانهم، فجعلهم درجات بما اختلفوا من قوة وضعف، وعلم وجهل، وجد وخمول، وغير ذلك من وجوه الاختلاف المشتقة من طبائعهم ومعارفهم وظروفهم وبيئاتهم ولن يمنع ذلك من كان في درجة دنيا أن يرتفع بعمله وإيمانه إلى درجة أعلى من درجته، وأن يصل إلى القمة في عشيرته وأمته، فإن العبرة في الإسلام بالأعمال والإيمان، ولن يضيع الله عمل مؤمن: ﴿أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران: ١٩٥]. ما دام العامل قد أحسن عمله ووصل به إلى درجة الإحسان: ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف: ٣٠].
ولقد آلى الله على نفسه لَيُحْيِيَنَّ حياة طيبة كل من عمل عملاً صالحًا وهو مؤمن فقال - جَلَّ شَأْنُهُ -:" ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. ودعا اللهُ المؤمنين إلى العمل وحثهم عليه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]. ورتب على العمل درجاتهم فمن رفعه العمل فلا يحطه شيء، ومن حطه العمل فلا يرفعه شيء: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٢].
стр. 15
الاِسْتِخْلاَفُ فِي الأَرْضِ:
البَشَرُ مُسْتَخْلَفُونَ فِي الأَرْضِ:
ولقد خلق الله البشر في الأرض واستعمرهم فيها ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١].
فلا حرج أن نقول أن مكان البشر في الأرض هو مكان المستعمر فيها، المسلط عليها، وأن الأرض بما فيها مسخرة لهم، مُذَلَّلَةُ بإذن ربهم، وأن حقوقهم وواجباتهم يحددها الله الذي استعمرهم في الأرض، ومنحهم حق التسلط عليها، ولكننا نفضل أن نصفهم بصفة الاستخلاف التي وصفهم بها الله أكثر من مرة.
والقرآن صريح في أن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - خلق آدم أبا البشر ليكون خليفة في الأرض ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ
стр. 16
بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
والمفسرون مختلفون في ماهية خلافة الآدميين (١) خلفوا جنسًا سابقًا كان يسكن الأرض فأفسد فيها وسفك الدماء، ومن ثم فالخلافة على هذا الرأي خلافة جنس سابق، والبعض يرى أن الخلافة عن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - لا عن جنس آخر، وأن الله سلط الإنسان على الأرض يقيم فيها سننه، ويظهر عجائب صنعه، وأسرار خليقته، وبدائع حكمه، ومنافع أحكامه. وسنرى فيما بعد أن هذا الاختلاف لا أهمية له في بحثنا.
اِسْتِخْلاَفُ البَشَرِ مُقَيَّدٌ بِقُيُودٍ:
ولا جدال في أن الله أوجب على البشر حين أسكنهم الأرض أن يطيعوا أمره وأن ينتهوا بنهيه، وأنه عهد إليهم ألا يعبدوا إلا إياه، وألا يخشوا غيره، وأن يتحلوا بالتقوى، وأن يحذروا فتنة الشيطان، وأعلمهم من اتبع هدى الله فقد اهتدى، ومن كفر بآيات الله وكذب برسله فقد ضل وغوى، وأنه جعل للمهتدين الأمن، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وجعل للكافرين المكذبين النار هم فيها خالدون، " ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ
أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ، اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [يس: ٦٠ - ٦٤].
أَنْوَاعُ الاِسْتِخْلاَفِ:
واستخلاف البشر في الأرض نوعان: استخلاف عام، واستخلاف خاص.
فالاستخلاف العام هو استخلاف البشر في الأرض باعتبارهم مستعمرين فيها ومسلطين عليها ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]، وقد بدأ هذا الاستخلاف بآدم ﵇ ومن بعده كل ذريته فهم جميعًا مستعمرون في الأرض، استعمرهم الله - جَلَّ شَأْنُهُ - فيها، وَسَخَّرَ لهم وسلطهم عليها بإذنه ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠].
والاستخلاف الخاص هو الاستخلاف في الحكم، وهو نوعان: استخلاف الدول واستخلاف الأفراد، والاستخلاف في الحكم هو بنوعيه مِنَّةٌ أخرى يمن الله بها على من يشاء من عباده أُمَمًا وَأَفْرَادًا بعد أن مَنَّ عليهم جميعًا بنعمة الاستخلاف في الأرض ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥]، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].
стр. 19
واستخلاف الدول معناه الأول تحرير الأمة واستقلالها بحكم نفسها وجعلها دولة لها من السلطان ما يحمي مصالح الأمة وَيُعْلِي كلمتها، ومعناه الثاني اتساع سلطان الدولة حتى يشمل فوق أبناء الأمة أممًا وشعوبًا أخرى.
واستخلاف الدول إذا كان بإذن الله وبأمره مِنَّةً يَمُنُّ بها على الأمم، إلاَّ أن للاستخلاف مسبباته التي تباشرها الأمم والشعوب فتؤهلهم للاستخلاف، وتمكن لهم في الأرض، وتتم بذلك سُنَّةُ اللهِ في خلقه ولن تجد لسنته تحويلاً. فلا يمكن أن يجيء الاستخلاف اعتباطًا وبلا عمل، وإنما يجيء نتيجة العمل الشاق والجهد المستمر، ولقد وعد الله - جَلَّ شَأْنُهُ - الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف في الأرض، فلم يجعل الإيمان وحده هو الذي يرشح المؤمنين للاستخلاف، وإنما وعد المؤمنين بالاستخلاف إذا عملوا الصالحات، والمقصود بالصالحات كل ما يصلح شأنهم في الدنيا من الإعداد والاستعداد والتفوق، وما يصلح شأنهم في الآخرة من الطاعة واجتناب المعاصي. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥].
واستخلاف الأفراد هو الاستخلاف في الرئاسة وَقَدْ يُسَمَّى المُسْتَخْلَفُ خَلِيفَةً كما سمي داوود ﵇ ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ
стр. 20
الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦].
وَقَدْ يُسَمَّى المُسْتَخْلَفُ إِمَامًا كما سمي ابراهيم ﵇ وبعض رؤساء بني إسرائيل:" ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣].
وَقَدْ يُسَمَّى المُسْتَخْلَفُ مَلِكًا ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠]، ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧].
سُنَّةُ اللهِ فِي اِسْتِخْلاَفِ الحُكْمِ:
وَسُنَّةُ اللهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - في استخلاف الدول والأفراد أن يستخلف الأمة ما كانت أَهْلاً للاستخلاف، وأن يستخلف الأفراد ما كانوا أَهْلاً لذلك، يبتليهم جميعًا فيما آتاهم ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، فإن استقام المُسْتَخْلَفُونَ على أمر الله، ودعوا إليه، وعبدوه وحده لا شريك له، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وفعلوا الخيرات واجتنبوا
стр. 21
السيئات، وأمروا بالمعروف وَنَهَوْا عن المنكر ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣]، إذا فعل المستخلفون ذلك مكن الله لهم في الأرض، وآتاهم من كل شيء سَبَبًا، كما مكن لذي القرنين وقومه ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤]، وكما مَكَّنَ ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء مِمَّا لم يكن يحلم به أو يتخيله ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف: ٥٦]، وكما مكن لبني إسرائيل في الأرض على ضعفهم وقوة أعدائهم، بعد أن عبدهم الفراعنة واستعبدوهم، وساموهم سوء العذاب يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، فمنحهم الله - جَلَّ شَأْنُهُ - القوة وَبَوَّأَهُمْ السلطان، ورزقهم من الطيبات وجعل فيهم النبوة والملك، وآتاهم مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا من العالمين ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [يونس: ٩٣]، ﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠]، وكما مكن لقوم يونس لما آمنوا فأصلح لهم أحوالهم في الحياة الدنيا ومتعهم إلى حين، ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ
стр. 22
قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨]
والله - جَلَّ شَأْنُهُ - غني عن العالمين، رحيم بهم، فإذا أمرهم أن يأتوا أو يدعوا فإنما يأمرهم بما فيه صلاحهم، بما يؤدي إلى نفعهم، وهو القادر على أن يذهب بالمكذبين ويستخلف أناسًا غيرهم، ولن يعجزه ذلك وقد جاءوا من ذرية غيرهم: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣].
وما استقام المستخلفون في الأرض على أمر الله فهم عند وعد الله لهم في تمكين وعزة، يأتيهم رزقهم رَغَدًا من كل مكان، حتى إذا ما كفروا بأنعم الله وكذبوا بآياته وخرجوا على ما أرسل به رسله، وظلموا وبغوا وافتتنوا بالقوة والسلطان والعلم، أخذهم اللهُ بغتة وهم لا يشعرون، فسلبهم نعمتهم، وأذهب دولتهم واستخلف غيرهم، ولم تغن عنهم عقولهم ولا علومهم ولا أموالهم من شيء، لما جاء أمر ربك وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ، ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٣، ١٤]، ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا
стр. 23
السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦]، ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦].
أمثلة من المستخلفين السابقين:
ولقد ضرب اللهُ لنا من الأمثلة ما فيه مزدجر، وَبَيَّنَ لنا من أخبار السابقين ما فيه غناء لكل ذي لب، فهؤلاء قوم نوح كذبوه واستضعفوه ومن معه فاستحلف الله هؤلاء الضعفاء وأهلك الأقوياء الذين غرتهم قوتهم وحملهم الغرور على تكذيب آيات الله ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [يونس: ٧٣].
وهذا هود يدعو قومه عَادًا ويذكرهم ما حدث لقوم نوح ويخوفهم منه فيقول لهم: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] أي اذكروا كيف استخلفكم اللهُ في الأرض بعد أن أهلك قوم نوح بمثل ما تفعلون، فلما يئس من إصلاحهم قال لهم: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى
стр. 24
كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [هود: ٥٧].
وهذا صالح يُذَكِّرُ قومه بما أنعم اللهُ عليهم، وجعلهم خلفاء من بعد عَادٍ، ويحذرهم عاقبة البغي والفساد في الأرض ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٧٤].
وموسى يشكو له قومه ما نالهم من أذى فرعون وما أصابهم من بغيه وبطشه، فيبشرهم بأن سُنَّةَ اللهِ لا بد آتية، ويظهر خشيته من أن تأتيهم نعمة الله فيكفروا بها ويفعلوا ما كان يفعله غيرهم من المعاصي ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩].
وقارون وفرعون وهامان، تجبروا في الأرض واستكبروا بغير الحق، ونسوا نعمة الله عليهم، فلم ينفعهم ما يملكون وما يعبدون من دون الله شيئًا، وأخذهم الله بذنوبهم، فمنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفت به الأرض، ومنهم من غرق ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ، فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٩، ٤٠].
стр. 25
مركز المستخلفين في الأرض:
علمنا أن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - استخلف البشر في الأرض، وسخر لهم ما في السماوات والأرض جميعًا وألزمهم أن يتبعوا هُدَاهُ وأن يطيعوا أمره وينتهوا بنهيه، ومقتضى ذلك أن الاستخلاف في الأرض رتب للبشر حقوقًا وألزمهم واجبات، فإذا أردنا أن نحدد مركز المستخلفين في الأرض فينبغي أن نعرف معنى الاستخلاف اللغوي وأن نستخرج معناه الفقهي.
والاستخلاف لغة هو إقامة خلف يقوم مقام المستخلف أو مقام الغير على شيء ما، فإذا طبقنا هذا المعنى اللغوي على استخلاف الله - جَلَّ شَأْنُهُ - لآدم وذريته في الأرض قلنا أن البشر إما خلفاء لله أو لغيره.
وهذه النتيجة هي التي انتهى إليها المفسرون في تفسيرهم لقوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، فبعض المفسرين كما قلنا من قبل يرى أن البشر خلفوا خَلْقًا آخر كان يسكن الأرض فأفسد فيها وسفك الدماء والبعض يرى أن الخلافة عن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - لا عن خلق آخر.
ولكن الكثيرين لا يجيزون أن يقال لبشر خليفة الله، وَحُجَّتُهُمْ أنه إنما يستخلف من يغيب أو يموت، والله لا يغيب ولا يموت، كما يحتجون بأن أبا بكر قيل له يا خليفة الله، فقال:
стр. 26
«لَسْتُ خَلِيفَةَ اللهِ وَلَكِنِّي خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ » بينما يجيز غيرهم أن يقال لبشر خليفة الله ما دام قائمًا بأمر الله في خلقه، ولقوله - جَلَّ شَأْنُهُ - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥]. ولا شك أن الرأي الأخير هو الأصح، فما ينبغي أن يقاس بالبشر من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وإذا كان شأن الله أَنْ يُسْتَخْلَفَ وهو شاهد لا يغيب حتى لا يموت، ويكفي قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، ليجوز القول بأن البشر خلفاء الله خصوصًا وأنه استخلفهم في ملكه وسخره لهم ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ﴾ [المائدة: ١٢٠]، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣].
وإذا صح هذا فلا يهمنا أن نتحقق مِمَّا إذا كان البشر خَلَفُوا خَلْقًا سَابِقًا عليهم أم لا، لأن هذا الخلق السابق إنما استخلفه الله في الأرض كما استخلف البشر فإذا خلف البشر من كانوا خلفاء لله فالبشر قد صاروا بذلك خلفاء للهِ أيضًا، ومن ثم تنتهي في كل الأحوال إلى أن خلافة البشر عن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - وليست عن غيره.
أما معنى الاستخلاف الفقهي فهو النيابة أو القوامة بحسب مدركات البشر الفقهية ذلك أن الله استخلف البشر في الأرض
стр. 27
بقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]. وقد حدد اللهُ - جَلَّ شَأْنُهُ - وظيفة البشر في هذا الاستخلاف بقوله: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]. والاستعمار معناه التمكين والتسلط، وهذان المعنيان ظاهران في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠]. وقوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١]. وقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣].
والبشر في تسلطهم على الكون وانتفاعهم بما سخر الله لهم من مخلوقات مقيدون بطاعة الله والاهتداء بهديه والابتعاد عما نهى عنه ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]. ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠، ٦١].
والبشر بعد ذلك ليسوا إلا بعض ما خلق الله ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الروم: ٤٠]. خلقهم من تراب وجعلهم بشرًا ينتشرون في الأرض ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠]. وما خلقهم ليعبدوه حق عبادته ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وسماهم عباده وعبيده، وهو
стр. 28
القاهر فوقهم، يجيزهم بما قدمت أيديهم، فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
فاستخلاف البشر في الأرض معناه أن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - أسكنهم الأرض واستعمرهم فيها ومنحهم حق التسلط على ما في الكون للانتفاع بما فيه من خيرات في حدود أمر الله ونهيه، وإذا كان الله قد أسكن عبيده في أرضه وسخر لهم ما في الكون منحة منه فإن ما في أيدي هؤلاء العبيد من ملك الله إنما هو من الناحية الفقهية عارية ينتفع بها البشر، والقيام على العارية في فقه البشر نيابة، وإن كانت نيابة العبد عن ربه والمملوك عن مالكه، وإذن فكل فرد من أفراد البشر يعتبر نائبًا عن ربه - جَلَّ شَأْنُهُ - فيما سخر الله للبشر من الكون وما سلطهم عليه وهو مقيد في كل تصرفاته بحدود هذه النيابة.
وهكذا لا يكاد معنى استخلاف البشر في الأرض لغة يختلف عنه فقهًا، ونتيجة ذلك أن مركز المستخلفين في الأرض هو مركز الخليفة أو النائب، وأن الخلافة أو النيابة هي عن الله - جَلَّ شَأْنُهُ -، وهي قائمة في حدود ما سخر الله للبشر من مخلوقاته وما سلطهم عليه من ملكه، وما خولهم في ذلك كله من الاستغلال والانتفاع.
ويجب أن لا يفوتنا أن تسخير الكون للبشر وتسليطهم على
стр. 29
ملك الله لا يخرج هذا الذي سخر لهم وسلطوا عليه من سلطان الله، ولا يحد من هذا السلطان شيئًا، فالبشر مثلاً يحرثون، ويلقون فيها الحب ولكنهم يرجون الإنبات والإثمار من الرب، وما يحرثون ويلقون الحب إلا بما منحهم الله من حياة، وبما ركب فيهم من عقول، وبما علمهم من علم، فهم يستخدمون نعمة الله للانتفاع بنعمة الله، ومالهم في ذلك من سلطان إلا سلطانًا منحهم الله إياه.
واجبات المستخلفين في الأرض:
والبشر لم يستعمروا في الأرض ولم يستخلفوا عليها ليفعلوا ما يشاءون دون قيد ولا شرط، وليتركوا ما يشاءون دون حسيب ولا رقيب، إنما استعمرهم الله في الأرض واستخلفهم عليها ليعبدوه وحده لا شريك له، وليطيعوا أمره، وينتهوا بنهيه، فإذا كان استخلافهم في الأرض قد منحهم بعض الحقوق، فإنه قد حَمَّلَهُمْ كثيرًا من الواجبات.
ولقد أوجب الله على البشر عامة يوم أسكنهم الأرض أن يهتدوا بهديه، وأن يتبعوا أمره. ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]. وعهد إليهم ألا يعبدوا الشيطان، وأن يعبدوا الله ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠، ٦١]. وكل من هذين النصين أمر عام باتباع ما أنزل الله وتحريم ما عداه.
стр. 30
ووعد الله - جَلَّ شَأْنُهُ - المؤمنين به، المهتدين بهيده، أن يبدل خوفهم أمنًا، وضعفهم قوة، وأن يستخلفهم في الحكم كما استخلف الذين من قبلهم، وَأَنْ يُمَكِّنَ لَهُمْ ويجعل لهم دولة في الأرض وسلطانًا على الناس والدول، ما داموا قائمين بأمر الله، يعبدونه لا يشركون به شيئًا، ولا ينحرفون عن طاعته، قليلاً ولا كثيرًا ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥].
وبين الله لنا واجبات المستخلفين في الحكم في أخصر عبارة وأجمعها فقال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]. فمن واجبات المستخلفين في الحكم دُوَلاً وَأَفْرَادًا أن يقيموا الصلاة، ولا يقيمها إلا مؤمن يعترف بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وهذا الاعتراف يقتضي واجبات لا حصر لها.
ومن واجبات المستخلفين في الحكم إيتاء الزكاة، ولا يؤتي الزكاة إلا مؤمن يسلم بما عليه من واجبات، ويعترف بما في ذمته للغير من حقوق.
ومن واجبات المستخلفين في الحكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من استقام
стр. 31
على أمر الله، وتمسك بحبله، وحرص على طاعته.
وقد اقتصرت الآية على هذه الواجبات الثلاث، لأن توفرها دليل على توفير غيرها مِمَّا يوجبه الإسلام، فإقامة الصلاة في الأمة دليل على الإيمان والطاعة، وإيتاء الزكاة دليل على أخذ النفس بالحق ورد الحقوق لأربابها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دليل على الاستمساك بما أمر الله ودعوة الغير إليه وكفهم عن الفسوق والعصيان.
والمستخلفون في الحكم ليسوا إلا بشرًا مستخلفين في الأرض، فإذا وجب عليهم كحاكمين أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر فإنه يجب عليهم كبشر مستخلفين في الأرض أن يطيعوا الله ويهتدوا بهديه، وينتهوا عما نهى عنه.
ونخلص من كل ما سبق أن المستخلفين في الأرض سواء كان استخلافهم عَامًّا أو خَاصًّا عليهم واجبات عديدة تدخل كلها تحت عنوان هام هو طاعة الله، أي الائتمار بأمره والانتهاء عما نهى عنه.
جزاء تعدي حدود الاستخلاف:
رأينا فينا سبق أن الله استخلف البشر في الأرض وسخر لهم مخلوقاته وسلطهم على ملكه وخولهم استغلاله والانتفاع به، وأنه قيدهم بطاعته، والاهتداء بهديه، والانتهاء عما نهى
стр. 32
عنه، وانتهينا إلى أن مركز المستخلفين في الأرض هو مركز الخليفة والنائب، وأن الخلافة والنيابة هي عن الله - جَلَّ شَأْنُهُ -.
ومنطق الفطرة يقضي بأن الخليفة أو النائب إذا خرج عن حدود ما منحه من سلطان أو ما قيد به من قيود فعمله باطل بطلانًا لا شك فيه، ولا يصح منه إلا ما يدخل في حدود الخلافة أو النيابة.
وهذا هو نفسه منطق الإسلام دين الفطرة، فنصوص القرآن قاطعة في أن الشرك بالله وكراهة ما أنزل وتكذيب آياته والكفر بعد الإيمان، كل ذلك محبط للأعمال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩]. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٤٧].
﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧].
وحبوط العمل معناه ضياع العمل وبطلانه بحيث يعتبر كأن لم يكن له وجود، وهذا ما نسميه في عرفنا بالبطلان المطلق أي البطلان الذي لاي قبل التصحيح.
وكما يترتب البطلان على الشرك بالله وكراهة ما أنزل وعلى الإلحاد والكفر بعد الإيمان، فانه يترتب أيضًا على عصيان المؤمنين أمر الله ورسوله، فكل مؤمن بالله ورسوله عصى الله
стр. 33
ورسوله في أمر صغير أو كبير أو خرج على الطاعة في أي شيء فعمله الذي عصى به الله ورسوله أو خرج به على الطاعة إنما هو عمل باطل لا يقبل التصحيح، وذلك قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. وقول الرسول ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» أي من عمل عملاً خارجًا على ما جئنا به فعلمه مردود لا أثر له.
ويستخلص من النصوص السابقة أن كل عمل خارج عن حدود الله هو عمل باطل بطلانًا مطلقًا ولا أثر له من الوجهة الشرعية، سواء كان العمل حاصلاً من مؤمن أو كافر ومن معترف بالله أو منكر له، وليس لمسلم أن يعترف بهذا العمل أو يصححه أو يقوم بتنفيذه، أَيًّا كان نوع العمل حُكْمًا أو إدارة أو سياسة أو اقتصادًا أو تثقيفًا أو غير ذلك، وسواء كان تصرفًا شرعيًا أو فعلاً ماديًا، وسواء وقع في دار الإسلام أو في دار غيره.
ذلك هو حكم الإسلام الذي جعله الله للناس دينًا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: ١٩].
وأعلمهم أنه لا يقبل منهم التدين بغيره: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. ودعاهم إلى أن يتمسكوا به ويموتوا عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
стр. 34
المَالُ مَالُ اللهِ:
مَاذَا يَمْلِكُ البَشَرُ فِي هَذَا الكَوْنِ ؟:
رأينا فيما سبق أن هذا الكون خلقه الله الذي خلق كل شيء وأنه سخره لمنفعة البشر، وسلطهم عليه بما وهبهم من عقول، وأنه استخلف البشر واستعمرهم في الأرض ولكنه قيدهم بطاعته والاهتداء بهديه.
ولا شك أن البشر في تسلطهم على الكون، واستغلال ما فيه من قوى، والانتفاع بما فيه من خيرات، ويحتاجون في حفظ حياتهم والاحتفاظ بقوتهم ونشاطهم إلى طعام ودواء ولباس وفراش ومأوى، كما يحتاجون إلى ما يستعينون به على استغلال الكون من أدوات وآلات وحيوانات.
واستغلال الكون بعد ذلك يقتضي البشر أن يسيطروا على
стр. 35
بعض الأرض يستنبتون فيها الزرع أو يرعون ما فيها من حشائش أو يستغلون ما فيها من أشجار، أو يستخرجون ما فيها من معادن أو زيوت، أو يقيمون عليها مساكنهم ومخازنهم ومتاجرهم ومصانعهم وَقُرَاهُمْ وَمُدُنَهُمْ.
ثم إن عجز البشر في طفولتهم وشيخوختهم ومرضهم يدعوهم لأن يدخروا لأبنائهم ما يحييهم في طفولتهم، وإلى أن يدخروا لأنفسهم ما يعينهم على شيخوختهم ومرضهم.
وقد تنمو الرغبة في إدخال القليل وتتحول إلى رغبة في ادخار الكثير، وهذا المدخر يتشكل أشكالاً مختلفة بحسب ظروف كل شخص فيكون عقارًا أو منقولاً أو حيوانات أو معادن.
فهل يمتلك البشر كل هذا الذي يحتاجونه أو يجتازونه أو يدخرونه؟ ما حدود ملكيتهم؟ وهل هي ملكية تامة أو هي مليكة ناقصة؟ وهل هي ملكية مطلقة أم هي مليكة مقيدة؟
المَالُ للهِ وَلِلْبَشَرِ حَقُّ الاِنْتِفَاعِ:
ونستطيع في سهولة ويسر إذا رجعنا إلى ما لدينا من نصوص ورتبنا معلوماتنا ترتيبًا منطقيا أن نصل إلى نتيجة واحدة هي أن المال كله لله وأن البشر لا يملكون منه إلا حق الانتفاع به.
فالله - جَلَّ شَأْنُهُ - هو الذي خلق وما بينهما وما فيهما من شيء ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ
стр. 36
شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [إبراهيم: ٣٢].
ومنطقنا البشري يقتضي أن يكون خالق الشيء هو مالكه، وبهذا المنطق نفسه جاءت نصوص القرآن، فهي قاطعة في أن الله له ملك السموات والأرض وما بينهما: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [المائدة: ١٧ و ١٨]، وأنه يملك كل شيء في السماوات وكل شيء في السموات وكل شيء في الأرض من صغير وكبير سواء كان له قيمة مالية أو لم يكن له قيمة مالية. ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ﴾ [المائدة: ١٢٠]، وأنه - جَلَّ شَأْنُهُ - يملك كل هذا وحده دون أن يكون له في ملكه شريك من البشر أو غير البشر، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١].
ولكن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - استعمر البشر في الأرض: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]، وجعلهم خلائف فيها على ما سبق بيانه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩]، وسخر لهم كل ما خلق في السماوات والأرض وسلطهم عليه بقدر ما يستطيعون من استغلاله واستثماره: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣].
ولم يسخر الله ملكه لفرد دون فرد، أو لفئة دون فئة، وإنما
стр. 37
سخره للبشر جميعًا وجعله مشاعًا بين عباده الذين استخلفهم في الأرض ليعيشوا فيه وينتفعوا به، فما يعيش أحد منهم في ملكه، وما ينتفع إلا بملك الله، وليس أحد مهم أحق بملك الله من غيره، وقد جعل الله منفعته لكل البشر سواء.
ولقد بين الله لعباده الذين استخلفهم في الأرض أنهم حينما يستغلون ما خلق ويستثمرونه ويحصلون على منافعه لا يأتون بشيء من عندهم، وإنما هو رزق من الله يسوقه إليهم، وفضل آخر يغمرهم به: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [سبأ: ٢٤] .. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣]. وإذا لم يكن ثمة من يرزق غير الله فعلى البشر أن يطلبوا الرزق من الله وحده، وأن يبتغوه عنده ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧]، فهو الرازق القوي على خلق الرزق وإيصاله للمرزوقين ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨].
فملك الله مسخر لمنفعة البشر، ولهم جميعًا أن ينتفعوا به ويستغلوه ويستثمروه ويعملوا فيه، والله مؤتيهم ثمرات الملك وغلته وأجورهم رزقًا من عنده، وما لرزقه من نفاد، وما جعل الله هذا كله إلا نعمة منه على البشر، ما يعود عليه من نفع، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا.
ولقد علمنا فيما سبق أن ما في أيدي البشر من ملك الله
стр. 38
وثمراته إنما هو عارية ينتفع بها البشر، وأن القيام على العارية في فقه البشر نيابة وإن كانت نيابة العبد عن ربه والمملوك عن ماله، كذلك علمنا أن مركز المستخلفين في الأرض هو مركز الخليفة أو النائب، وأن الخلافة أو النيابة هي عن الله - جَلَّ شَأْنُهُ -، وهي قائمة في حدود ما سخر الله للبشر من مخلوقاته، وما سلطهم عليه من ملكه، وما خولهم في ذلك كله من الاستغلال والانتفاع.
واذا كان الله - جَلَّ شَأْنُهُ - وهو مالك كل شيء قد سخر ما يملك لينتفع به عامة البشر الذين استخلفهم في الأرض، فإنه - جَلَّ شَأْنُهُ - هو الذي يمنح كل فرد منهم ما في يده من هذا الملك الواسع ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. سواء كان ما في يد الفرد قليلاً لا يزيد على حاجته أو كثيرًا يكفي العشرات والمئات ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]. وما تغير هذه المنح أَيًّا كانت صفة الممنوحين، فما هم إلا بعض أفراد البشر المستخلفين في الأرض يقومون على ملك الله، وما هذا الملك إلا عارية في أيديهم، وما مركزهم من هذا الملك إلا مركز النائب أو الخليفة، وما لهم من سلطان على هذا الملك إلا ما خولهم الله من استغلاله والانتفاع به.
ولقد فرض الله على البشر أن ينفقوا من ماله الذي استخلفهم فيه وجعلهم قوامًا عليه ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]. ولم يترك لهم الخيار في الإنفاق، وعجب ألا ينفقوا، وما ينفقون إلا مِمَّا رزقهم الله وآتاهم إياه ﴿وَمَاذَا
стр. 39
عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٩].
وما أمر الله البشر أن ينفقوا إلا ذكرهم أنهم ينفقون من ماله الذي آتاهم، ورزقه الذي ساقه إليهم، والنصوص في ذلك كثيرة منها قوله ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً﴾ [إبراهيم: ٣١]. ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣].
وإذا كان المال مال الله وهو عارية في يد البشر الذين استخلفهم عليه فليس للبشر أن يتأخروا عن إنفاذ أمر الله في هذا المال فإذا أمرهم أن يؤتوا فئات من الناس شيئًا من هذا المال فعليهم أن يبادروا بذلك ما يؤتونهم إلا من مال الله ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣].
وعلى كل فرد في يده شيء من المال - وكل مال هو مال الله - أن يطيع أمر الله فيه، سواء قَلَّ مَا فِي يَدِهِ أَوْ أَكْثَرَ ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧].
ولا يظنن أحد أن ما في يده من مال الله هو رزق خصها
стр. 40
الله به فيمنعه عن غيره، ويبخل به على من يستحقه، فإن الله يرزق الناس ويؤتيهم ملكه ليقوموا عليه في حدود أمره ونهيه، وإذا فضل الله بعض الناس على بعض في الرزق فلا يحسبن صاحب الرزق الكثير إذا أنفق أو أعطى غيره أنه ينفق أو يعطي من رزقه، وليعلم أنه ينفق من مال الله، وأنه لا يعطي شيئًا من عنده، وإنما هو وسيط أعطى غيره من مال الله كما أخذ لنفسه من مال الله ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١].
ولا يفوتنا أن نلاحظ أن بعض نصوص القرآن نسبت المال لأفراد البشر من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وقوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]. وقوله: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦]. وقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]. وقوله: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩].
وإضافة المال للبشر في هذه النصوص وغيرها لا تفيد أن البشر ملكوا المال، وإنما تفيد أنهم ملكوا حق الانتفاع به، فالمال مال الله كما قدمنا، وهو مالك كل شيء، وإنما سخره للبشر لينتفعوا به، فإذا أضيف إليهم فالإضافة لا يقصد منها إلا