← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96612

العلمانية - نشأتها وتطورها

سفر الحوالي

Полный текст (715 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الأب، ويسوع الابن، والروح القدس"، طبقاً لهذه العقيدة: أشخاص حقيقيين، عددهم ثلاثة لكنهم واحد أيضا، وبقيت المسيحية وحدانية تثليثها يسمو على الرياضيات (١). وهنا، عند هذه النقطة خاصة تصطدم آراء بولس وكنيسته بالفطرة والعقل اصطداماً مباشراً، فمهما حاول أي عقل بشري أن يتصور أن الثلاثة واحد والواحد ثلاثة، فإنه لا يستطيع إطلاقاً، مع أن الملايين من أتباع الكنيسة يقولون في كل صلاة: باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد ... لقد ظل العقل البشري يلح على الكنيسة أن تعطيه إجابة مقنعة يتخلص بها من سؤال داخلي قاتل وهو: كيف أصدق أن ١ + ١ + ١ = ١؟ فكان رد الكنيسة المتكرر دائما هو أن ذلك سر لا يستطيع العقل إدراكه. هكذا كان رأى القديس أوغسطين (٤٣٠) وهو يواجه حملة آريوس على التثليث الكاثوليكي، وقال: إن كل ما جاء في الأناجيل لا ينبغي للعقل أن يجادل فيه، لأن سلطانها أقوى من كل سلطان أمر به العقل البشري (٢) وكذلك القديس توما الأكويني (١٢٧٤)، فهو "يقرر أن الحقائق التي يقدمها الإيمان لا يقوى العقل على التدليل عليها، ففي استطاعة العقل أن يتصور ماهية الله ( Essence) ، ولكنه لا يستطيع أن يدرك تثليث الأقانيم، ومن دلل على عقيدة التثليث في الأقانيم حقر من شأن الإيمان" (٣).

стр. 37

وهكذا كان رأي الكنيسة وهي تواجه انتقادات " أبيلارد " في القرن الثاني عشر الميلادي الذي أدان رأي أبيلارد وقرر إحراق كتابه وأن يضعه بيده في النار (١) ولا يزال هذا هو رأي الكنيسة وإلا فماذا في إمكانها أن تقول غير ذلك؟ حتى الكنائس الشرقية تذهب إلى هذا الرأي، فالقس باسيلوس يقول: "إن هذا التعليم عن التلثيث فوق إدراكنا، ولكن عدم إدراكه لا يبطله". وزميله توفيق جيد يقول: "إن تسمية الثالوث باسم الأب والابن والروح القدس تعتبر أعماقاً إلهية وأسراراً سماوية لا يجوز لنا أن نتفلسف في تفكيكها أو تحليلها أو أن نلصق بها أفكاراً من عندياتنا" (٢). من هذه الإجابات يتضح أن الكنيسة لم تضع حلاً للمشكلة إلا المشكلة نفسها، فالعقل يسأل الكنيسة عن سر التثليث فتجيب بأن هذا سر ويا ليت أنه كان السر الوحيد، ولقائل أن يقول: إن الأديان بما فيها الإسلام لا تخلو من مغيبات أو حقائق لا يستطيع العقل إدراكها، ولكن يدفع هذا القول أن هناك فرقاً بين ما يحكُم العقل باستحالته كالتثليث وبين ما لا يستطيع العقل إدراكه، والإسلام وإن كان فيه الأخير، فإنه يخلو تماماً من الأول، فليس فيه ما يحكم العقل باستحالته أبداً (٣). إن الكنيسة بتبنيها لعقيدة التثليث قد فتحت على نفسها ثغرة

стр. 38

واسعة يستطيع أعداؤها أن ينفذوا من خلالها إلى هدم الدين البوليسي الكنسي بسهولة، وكانت هذه العقيدة وأضرابها، المقومات الأساسية للفكر اللاديني الذي تستر بستار "النقد التاريخى للكتب المقدسة" ابتداء من القرن السابع عشر، ولا بأس هنا أن نورد قول أحد أقطاب هذا الفكر وهو الفيلسوف الفرنسي " رينان" الذي حرمته الكنيسة وحظرت كتبه: "إنه ينبغي لفهم تعليم يسوع المسيح الحقيقي، كما كان يفهمه هو، أن نبحث في تلك التفاسير والشروح الكاذبة التي شوهت وجه التعليم المسيحي حتى أخفته عن الأبصار تحت طبقة كثيفة من الظلام، ويرجع بحثنا إلى أيام بولس الذي لم يفهم تعليم المسيح، بل حمله على محمل آخر، ثم مزجه بكثير من تقاليد الفريسيين وتعاليم العهد القديم، وبولس، كما لا يخفى، كان رسولاً للأمم أو رسول الجدال والمنازعات الدينية، وكان يميل إلى المظاهر الخارجية الدينية كالختان وغيره، فأدخل أمياله هذه على الدين المسيحي فأفسده، ومن عهد بولس ظهر التلمود المعروف بتعاليم الكنائس، وأما تعليم المسيح الأصلي الحقيقي فخسر صفته الإلهية الكمالية، بل أصبح إحدى حلقات سلسلة الوحي التي أولها ابتداء العالم وآخرها في عصرنا الحالي والمستمسكة بها جميع الكنائس، وأن أولئك الشراح والمفسرين يدعون يسوع إلهاً دون أن يقيموا على ذلك الحجة، ويستندون في دعواهم على أقوال وردت في خمسة أسفار: موسى، والزبور، وأعمال الرسل، ورسائلهم، وتآليف آباء الكنيسة، مع أن تلك الأقوال لا تدل أقل دلالة على أن المسيح هو الله" (١). وإذا كان التثليث يتصف بهذه الصور العقيمة المستغلقة، وإذا كانت الكنيسة تعلم أنها لم تستطع -ولن تستطيع- حلّ هذه المعضلة

стр. 39

-بل إنها غير مقتنعة في نفسها بما تقدم من حلول- فلم هذا الإصرار على تلك العقيدة؟ أهو التقليد الأعمى أم شهوة التسلط على العقول والقلوب؟ إن أحد هذين أو كليهما، لا مرية فيه، لكن الكنيسة تماري زاعمة أنها تتبع روايات العهد الجديد وشروحها. وهنا نجد مرة ثانية، أن الكنيسة تستدل على الدعوى بالدعوى نفسها، فإن منكري التثليث إنما ينكرونه لاعتقادهم أن الكنيسة هي التي أضافته إلى نصوص الأناجيل أو فهمته خطأً من ثناياها، وحينئذٍ تحتاج الكنيسة إلى إثبات صحة الأناجيل وصحة استدلالها منها، وأنَّى لها ذلك؟! أما احتجاج منكري التثليث على الكنيسة بأنها أقحمت العبارات الدالة على التثليث في صلب الأناجيل، فإن له ما يسوغه، وهذا أحد الأمثلة عليه: في الفصل الخامس من رسالة يوحنا الأولى نجد هذه العبارات: "إن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الأب، والكلمة، والروح القدس، وهؤلاء الثلاثة هم واحد، والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة: الروح، والماء، والدم، والثلاثة هم في الواحد" فالمحققون من علماء النصارى أمثال كريسباخ وشولز وآدم كلارك، وحتى المتعصبين مثل: هورن، يرجحون أن أصل العبارة هكذا: "وأن الشهود الذين يشهدون ثلاثة وهم: الروح، والماء، والدم" غير أن معتقدي التثليث أضافوا إليها عبارة " هم في السماء ثلاثة ... إلخ " حتى أصبحت العبارة بهذه الإضافة دليلاً من أدلة الكنيسة على التثليث، ومما يؤيد قول هؤلاء أن المصلح الكنسي " مارتن لوثر " لم يترجم هذه العبارة إلى الألمانية عندما ترجم العهد الجديد إليها (١).

стр. 40

وأما اعتقادهم أن الكنيسة فهمت التثليث خطأ من نصوص الكتب المقدسة، واستنبطته من تأويل بعض عبارات الأناجيل القائلة " أبي": "ابن الله" وأشباهها، فليس بأقل قوة من سابقه، وقد نبه إلى ذلك جرين برنتن، فقال: "يستطيع المرء إذا أخذ بالتفسير الطبيعي لمصادر العهد الجديد أن يزعم أن يسوع لم يدع لنفسه الألوهية قط، وأن مثل هذه العبارات (أي: أبي وابن الله) إنما رويت محرفة، أو استعملت مجازاً أو كانت هذا أو ذاك" (١). ومن اليسير علينا تأييد هذا الرأي بما ورد في الأناجيل والرسائل من إشراك سائر الناس مع المسيح في إطلاق هذه العبارات عليهم وعدم اختصاصه بهذه الصفات جاء ذلك في مواضع كثيرة، منها: ١ - "كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح فقد ولد من الله، وكل من يحب الوالد يحب المولود منه أيضا، بهذا نعرف أننا نحب أولاد الله" (٢). ٢ - في إنجيل متى يقول المسيح: "طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون" (٣). وفيه أيضاً يقول المسيح للتلاميذ: "صلوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك" (٤). ٤ - يقول في إنجيل لوقا: "ومن اعترف بي قدام الناس يعترف به ابن الإنسان قدام ملائكة الله" (٥).

стр. 41

وفي متى عنه: "إن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته". هكذا نجد في العهد الجديد نصوصاً كثيرة تصف الناس جميعاً -المسيح وغيره- بأنهم أبناء الله، وهو معنى مجازي قطعاً، وتصف المسيح بأنه " ابن الإنسان " ويمكن درء التعارض بينها بشأن المسيح برد نصوص المجاز إلى الحقيقة لأنها هي الأصل، وبذلك لا يكون للمسيح ﵇ أية ميزة، عدا كونه رسولاً، إلا أن القدرة الإلهية خلقته من أم (بلا أب). ولكن الكنيسة تماري في هذه الحقيقة الساطعة مستدلة بالأناجيل، لاسيما إنجيل يوحنا، مما يجعل الباحث ينقب عن حقيقة الأناجيل ذاتها ومدى حجيتها على هذه القضية وغيرها (١). ب. تحريف الأناجيل: ليس ثمة شك في أن الله ﵎ إنما أنزل على المسيح ﵇ إنجيلاً واحداً مكملاً للتوراة المنزلة على موسى ﵇، وما من شك أيضاً في أن المسيح حين هتف ببني إسرائيل: " قد كمل

стр. 42

الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل (١)، إنما كان يعني ذلك الإنجيل المنزل، لا شيئاً آخر سواه. والقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي تكفل الله بحفظه بنفسه ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:٩] أما الكتب السابقة فقد وكل حفظها إلى علماء دينها. ((إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ)) [المائدة:٤٤] إذن فقد كان في عهدة الكنيسة أن تحفظ هذا الإنجيل بنصه السماوي وصبغته الإلهية، فلا يمسه عبث عابث، ولا تجترئ عليه يد محرف، لكن الكنيسة -كعادتها- فرطت في واجبها، بل إنها هي التي فتحت للمغرضين باب التحريف والقول على الله بغير علم. إن محرري دائرة المعارف البريطانية، وهم من ذوي الكفاءات العالية في معظم التخصصات - ومنها اللاهوت - لم يتطرفوا أو يبالغوا في القول بأنه "لم يبق من أعمال السيد المسيح شيء ولا كلمة واحدة مكتوبة" (٢)، بل إنما عبروا بذلك عما ينبغي أن يقرره الباحث العلمي المدقق. ونحن المسلمين نؤمن بأن في خبايا الأناجيل شيئاً من أقوال المسيح وتعاليمه التي يحتمل أنها وحي من الله، لكن ذلك لم يثبت لدينا بسند تاريخي موثوق إلى المسيح، وإنما آمنا به لأننا لو عرضناه على الوحي الإلهي المحفوظ "القرآن والسنة" لوجدنا الصلة بينهما واضحة، أما من لا يؤمن بالقرآن ولا يعترف إلا بحقائق البحث

стр. 43

المجرد فليس غريباً أن ينكر الأناجيل برمتها ويقول مثل قولة دائرة المعارف البريطانية هذه. ولندع رأي المعاصرين ولنعد إلى القرن الأول الميلادي حيث احتمال وجود الإنجيل أقوى وأرجح، فماذا نجد؟ يقول آدم كلارك أحد شارحي الأناجيل: "محقق أن الأناجيل الكثيرة الكاذبة كانت رائجة في أول القرون المسيحية، وكثرة هذه الأحوال الغير صحيحة (كذا) هَيَّجت لوقا على تحرير الإنجيل، ويوجد ذكر أكثر من سبعين من هذه الأناجيل الكاذبة والأجزاء الكثيرة من هذه الأناجيل باقية، وكان " فابري سيوس" جمع الأناجيل الكاذبة وطبعها في ثلاث مجلدات" (١). هكذا قفز العدد من واحد إلى سبعين، والمسيحية لا تزال في مهدها، مما دفع لوقا إلى كتابة إنجيله، فأي هذه الأناجيل يا ترى الإنجيل الحقيقي الموحى إلى المسيح ما دمنا مسلِّمين بأن الله لم ينزل إليه إلا إنجيلاً واحداً؟ إن لوقا نفسه ليفتح لنا الطريق إلى الحقيقة النيرة التي تهدم الأناجيل كلها - ومنها إنجيله - وها هي ذي مقدمة إنجيله تنطق بها. يقول لوقا في المقدمة: "إذا كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخُدَّاماً للكلمة، رأيت أنا أيضاً، إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق، أن أكتب إليك على التوالي أيها العزيز تاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علمت به" (٢).

стр. 44

وعلى هذا فلا السبعون الكاذبة ولا إنجيله الصادق وحي من الله ولا أحدها هو منسوب إلى المسيح، بل الكل سير وقصص يكتبها أتباع المسيح عن حياته ودعوته كما سمعوها من أسلافهم الذين رأوا المسيح وخدموه، ولو استعرنا عبارة الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون لقلنا عن الأناجيل: " هي مجموعة من الأوهام والذكريات غير المحققة التي بسطها خيال مؤلفيها (١). إن أشبه الكتب الإسلامية بالأناجيل، من جهة موضوعها لا من جهة ثبوتها، هي كتب السيرة ... فهل يمكن بأي حال من الأحوال القول بأن سيرة ابن هشام مثلاً وحي منزل من الله؟ إن هذا لمحال شرعاً وعقلاً، فكيف وسيرة ابن هشام مقطوع بنسبتها إلى مؤلفها ومتصلة السند بصاحب السيرة ﷺ ومحفوظة بأصلها العربي، لم تتناولها الترجمات، كما هو الحال في الأناجيل، كما أنها لم تفرض بسلطة قانونية أو كهنوتية وإنما أقرها البحث والتدقيق، وكم من علماء مسلمين بلغوا ذروة العبادة والورع لا يعتد الباحثون المسلمون من رواياتهم بشيء؛ لأن شروط التحقيق العلمي لم تتوفر فيهم، أما الكنيسة فلا يكاد راهب ينقطع في صومعة أو عابد يتظاهر بحب المسيح حتى تقول: "إنه مملوء بالروح القدس" وتمنحه لقب "رسول " أو "قديس"، وتعد كلامه وحياً ملهماً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولذلك فليس غريباً أن يكون لدى الكنيسة مائة وعشرون رسولاً (٢) يؤخذ كلامهم -على علاته- قضايا مسلمةٌ وتقدس رسائلهم، كما تقدس الأناجيل. تلك حصيلة المسيحية في قرونها الثلاثة الأولى: سبعون إنجيلاً

стр. 45

يكذب بعضها بعضاً، ومائة وعشرون رسولاً، منهم من ألَّف أناجيل، ومنهم من كتب رسائل، ومنهم من كان يكرز (يعظ) من حفظه ومعلوماته ... وطوائف وفرق تجل عن الحصر تختلف في قضايا أساسية بالغة الأهمية، وكان عام (٣٢٥) يمثل معلما من معالم التاريخ البارزة، ففيه عقد مجمع نيقية الذي ابتدئت به صفحة جديدة في تاريخ الديانات العالمية، وأن هذا المجمع ليستحق أن يقف عنده المرء طويلاً. إن أي مجمع أو مؤتمر يجب أن تتوفر فيه شروط خاصة -لاسيما إذا كان دينيا- ومن أوجب هذه الشروط:- ١ - حرية البحث والمناظرة، سواء في جدول أعماله أو صيغة قراراته، فلا تكون هنالك سلطة قاهرة تفرض على المجتمعين موضوعاً أو قراراً بعينه مهما كانت. ٢ - نزاهة القصد وروح التفاهم، بأن يكون الوصول للحق هدفاً مشتركاً بين المجتمعين بدون تعصب أو إصرار. ٣ - اتخاذ قرارات سائغة ومنطقية مع اعتراف مقرريها بأنها عرضة للخطأ والصواب وقابلة للنقاش، وإلا جاز اتهامهم بالاستبداد الفكري. وهذه الشروط -مع الأسف- مفقودة كلياً في هذا المجمع " المقدس": فأولاً: لم يكن سبب انعقاده ذاتياً نابعاً من الأساقفة أنفسهم، بل إن الامبراطور الرومانى " قسطنطين" هو الذي دعا إلى انعقاده وهو رجل وثني ظل وثنياً إلى أن عُمِّد وهو على فراش الموت (١). ثانياً: حضر المجمع ألفان وثمانية وأربعون من البطاركة

стр. 46

والأساقفة يمثلون مذاهب وشيعاً متناحرة، أبرزها فرقتان: ١ - الموحدون، كما يدعون، أتباع آريوس، وكان عددهم يقارب سبعمائة عضو. ٢ - الثالوثيون، أتباع بولس، وكان عددهم حوالي ثلاثمائة وثمانية عشر عضواً. ٣ - ومعلوم أن وثنية قسطنطين ثالوثية، وهذه في حد ذاتها تمثل قوة معنوية للثالثوثيين، فكيف إذا أضيف إلى ذلك أنه جمع الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفاً في مجلس خاص وجلس في وسطهم وأخذ خاتمه وسيفه وسلمه إليهم، وقال: " قد سلطتكم اليوم على مملكتي .. ". ثالثاً:- لم تكتف قرارات الجمع بالتحيز لقسطنطين ودعاة التثليث، بل لعنت وحرمت من يخالف هذه القرارات، والحرمان عقوبة لها حجمها الكبير في المسيحية (١) وأبرز قرارات المجمع القرار الذي اتخذه بشأن الأناجيل، وهو أن الأناجيل المعتمدة الصحيحة هي الأناجيل الأربعة المنسوبة لـ (متى، لوقا، مرقص، يوحنا) وأما ما عداها فمزيف مكذوب تحرم قراءته ويجب حرقه وإبادته. وهذا بلا شك قرار جائر بحق الدين والتاريخ، ويستطيع المرء أن يحمل المجمع، أو هذا القرار خاصة، مسؤولية ضياع النسخة الأصلية من الإنجيل المنزل، لاسيما وأن الناظر إلى هذه الأناجيل يجد بينها من التضاد الشكلي والموضوعي ما يؤكد أنها ليست وحياً، بل ليست سيرة صادقة للمسيح ﵇.

стр. 47

إن اختيار أربعة مؤلفات من بين سبعين مؤلفاً مع عدم إبداء أسباب تبرر ذلك، لهو إجراء قسرى، يعبر عن روح الرعونة والصلف اللذين لم ينفكا عن الكنيسة في أية حقبة من تاريخها، ولذلك فليس عجيباً أن يعاملها العاقون من أبنائها بمثل ذلك التطرف والغلو، وليت الأمر اقتصر على هذا، لكن الكنيسة لم تحفظ الأناجيل الأربعة نفسها من التحريف بعد أن فرضتها على أتباعها، وكان للأباطرة دخل في هذا التحريف، ولا لوم عليهم فإنما قلدوا الكنيسة في ذلك. يقول "لاندر" أحد مفسري الأناجيل: "حكم على الأناجيل المقدسة لأجل جهالة مصنفها بأنها ليست حسنة بأمر السلطان اناسطيوس في الأيام التي كان فيها "مسالة" حاكماً في القسطنطينية فصححت مرة أخرى" (١). وهذا القول اعتراف بالغ الخطورة، فهو يقرر ثلاث حقائق تاريخية: ١ - أن مؤلفي الأناجيل مجهولون، وظلوا كذلك حتى القرن الرابع الميلادي. ٢ - أن لأهواء الحكام وميولهم يداً فيما تعرضت له الأناجيل من تحريف باسم التصحيح. ٣ - أن التحوير والتعديل ظل يمارس في الأناجيل دون شعور بالحرج، مما يدل على أنه عادي مألوف، قد أورد الشيخ "رحمة الله الهندى" خمسة وأربعين شاهداً على التحريف بالزيادة في الأناجيل، مدعمة بالوثائق والاعترافات، نختار واحداً منها للتمثيل فقط. الآية الثالثة والخمسون من الباب السابع وإحدى عشرة آية من

стр. 48

الباب الثامن من إنجيل يوحنا إلحاقية (مضافة) قال هورن في إلحاقية هذه الآيات: إرازمس وكالوين وبيزا وكروتيس و ... والآخرون من المصنفين الذين ذكرهم ونفينس وكوجز لا يسلمون صدق هذه الآيات " ثم قال: " كرايز ستم وتهيو فلكت ونونسي كتبوا شروحاً على هذا الإنجيل، فما شرحوا هذه الآيات، بل ما نقلوها في شروحهم، وكتب ترتولين وساي برن في باب الزنا والعفة، وما تمسكا بهذه الآيات، ولو كانت هذه الآيات في نسخهما لذكرا أو تمسكا بها يقينا". وقال وارد كاتلك: "بعض القدماء اعترض على أول الباب الثامن من إنجيل يوحنا وحكم نورتن بأن هذه الآيات إلحاقية يقيناً" (١). فهذه اثنتا عشرة فقرة، يكاد يكون هناك إجماع على إضافتها وغيرها كثير، ولا غرابة في ذلك، فليس لدينا حد فاصل بين كلام الله وكلام البشر، بل ليس هناك ضابط يعرف به كلام المسيح من كلام غيره، فالشك وارد على كل فقرة في الأناجيل إلى درجة أن أعظم المتعصبين لها لا يستطيع إقناع الباحث العلمي بسوى ذلك.

стр. 49

ثانياً: تحريف الشريعة: فصل الدين عن الدولة: يحسن بنا قبل الخوض في هذا الموضوع أن نوطئ له بمقدمتين: الأولى: عن الدين في نظر الروم طبيعته والتزاماته. الثانية: عن حالة الشريعة الإنجيلية ومدى تطبيقها في واقع الحياة قبل أن يعتنقها الروم رسمياً. أولاً: الدين في نظر الرومان: نستطيع أن نقول: إن المجتمع الروماني (أي: الجنس الأبيض المستعمر) لم يكن له دين موحد يتعبد به، ولا فلسفة واحدة يؤمن بها، بل كان غارقاً في دياجير جاهلية كالحة متعددة الألوان مختلفة الأنحاء. فالطبقة الحاكمة تشارك الشعب في أعياده الوثنية، وتخدم تماثيل الآلهة الكثيرة، بيد أنها لا تدين في الواقع بغير الشهوة العارمة للتسلط والرغبة الجامحة في الاحتفاظ بكرسي المملكة، لا سيما وأن الامبراطور نفسه كان (إلهاً) يعبده الشعب. أما الطبقة المثقفة فأشتات متفرقة، منها أتباع المدرسة الرواقية الموغلة في التجريد والتصوف، ومنها مريدو المدرسة الأبيقورية المفرطة

стр. 50

في البهيمية والحسيات، ومدارس أخرى متأثرة بالفلسفات والوثنيات الإغريقية في تصوراتها وأفكارها. وأما طبقات العامة من الشعب فهي تميل بطبيعتها إلى التدين، لكن التناحر المزمن بين الآلهة والصراع المرير بين الفلاسفة، أفقدها الثقة في المعتقدات الدينية والفلسفية بجملتها، فآثرت الاستجابة لداعي الهوى والانصياع إلى الملذات الجسدية والإغراق في المتع الحسية. وخلاصة القول أن الروم لم يعتنقوا ديناً اعتناقاً جدياً يجعلهم يستمدون تصوراتهم وعقائدهم ونظام حياتهم منه وحده، نعم كان لهم آلهة ولم تكن آلهة تقليدية "لم تكن سوى محاكاة شاحبة للخرافات اليونانية، لقد كانت أشباحاً سُكِت عن وجودها حفظاً للعرف الاجتماعي، ولم يكن يسمح لها قط بالتدخل في أمور الحياة الحقيقية" (١). وبذلك نستطيع أن نجزم بأن المجتمع الروماني كان مجتمعاً مادياً لا دينياً يعانى عزلة حادة عن معتقداته -أياً كانت- وبين واقع حياته العملي. وقد عبر (سيسرو) عن الانفصال العميق بين الدين ونظام الحياة عند الرومان بقوله: "لما كان الممثلون ينشدون في دور التمثيل أبياتاً معناها: إن الآلهة لا دخل لهم في أمور الدنيا يصغي إليها الناس ويسمعونها بكل رغبة" (٢). ويقول الراهب (أوغسطين): "إن الروم الوثنيين كانوا يعبدون آلهتهم في المعابد ويهزءون بهم في دور التمثيل" (٣). ليس هذا

стр. 51

فحسب، بل إن أبيقور (ق٤) قبل الميلاد - ليعلن على الملأ دعوة علمانية صريحة، فهو يقول: "إن الآلهة لا يشغلون أنفسهم بأمور بني البشر، إنهم موجودون لأنهم يظهرون من آن لآخر للأشخاص (!) بيد أن مسائل العالم الأرضي لا تعنيهم، وما من علامة تدل على أنهم يعنون بعقاب الآثم وإثابة الصالح؟ أيمكن اعتقاد تدخلهم هذا مع ما نراه في هذا العالم؟ " "إن جوبيتير يرسل الآن بالصواعق على معبده، فهل سحق أبيقور الذي يجدف به"؟ "إن الآلهة يعيشون بعيداً عن العوالم ولا يهتمون إلا بشئونهم فلا تعنيهم أمورنا، إنهم يعيشون حكماء سعداء ويعظوننا بهذا المثال الذي يجب أن نسير على منواله، فلنعتبرهم كمثل عليا يقتدى بها، غير أنه يجب علينا ألا نشغل أنفسنا بما يريدونه منا، فإنهم لا يريدون منا شيئاً، فهم لا يعيروننا بالاً فلنفعل نحوهم كما يفعلون نحونا" (١). هذا التصور للآلهة تشترك مع أبيقور فيه الغالبية العظمى من الرومان، ومن الطبيعي جداً أن ينشأ عن هذا التصور الخاطئ للإله تصور خاطئ لمهمة الدين في الحياة وواجب المخلوق تجاه خالقه، ولما كان الصراع هو التصور المشترك لطبيعة الحياة عند الرومان، فقد كانوا يتصورون الآلهة وهي تتصارع في الفضاء كما يتصارع أبطالهم على الحلبة، وليس من شأن البطل أن يشرع للجمهور بل كل همه أن يخرج من الحلبة ظافراً منصوراً. وبما أن آلهة الرومان بطبعها لم تكن لتشرع لهم شيئاً، فقد كان

стр. 52

من الضروري أن يقوم بشر متألهون بمهمة وضع نظم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، ونتيجة لجهود هؤلاء برز إلى الوجود (القانون الروماني) الذي لا تزال أوروبا تعيش عليه أو على امتداده إلى اليوم، أما النظم الأخلاقية وقوانين الآداب العامة -إن وجدت -فقد كانت أبيقورية محضة. وهكذا كان للرومان دين لكنه دين وجداني مجرد، لا تأثير له في السلوك العملي ولا يفرض التزامات خلقية معينة، ولا ينظم من شئون الحياة شيئاً، حتى إننا لنكاد نقول: إن الامبراطورية الرومانية نسخة قديمة من الولايات المتحدة الأمريكية اليوم. كان الفرد الروماني -كالأمريكي اليوم- يخرج من نحلة إلى أخرى، وينتقل من مبدأ إلى نقيضه دون أن يطرأ على حياته العملية وسلوكه الشخصي أي تغيير، فالدين في نظره فكرة مجردة وعقيدة وجدانية فحسب. ثانياً: حالة الشريعة الإنجيلية إلى سنة (٣٢٥م): ليس الإنجيل أول كتاب سماوي أنزله الله ولا هو حتماً آخر كتاب، فهو واحد من مجموعة كتب ابتدأت قبل المسيح بقرون وانتهت بالكتاب الخاتم المنزل على الرسول الخاتم ﷺ . ومهمة الكتاب السماوي وغاية إنزاله بينها الله تعالى في القرآن الكريم أوضح بيان فقال: ((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ)) [البقرة:٢١٣]. فالحكم بالكتاب في كل اختلاف وتطبيقه في كل منحى من مناحي الحياة، واستمداد كل القيم والقوانين والأنظمة والتشريعات منه هو الغرض المقصود من إنزاله، والكتب السماوية هي -كما في الآية- كتاب واحد بالنظر إلى أن منزلها واحد

стр. 53

وموضوعها واحد، وهو تقرير حقيقة واحدة لا تختلف أبداً هي توحيد الله وعبادته وحده بالمعنى الواسع الشامل للعبادة، هكذا كانت التوارة ((وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ)) [الأعراف:١٤٥] فهي شريعة كاملة بالنسبة لعصرها قامت عليها دول تملك خصائص الدولة في ذلك العصر، وكان بعض ملوك هذه الدول من أمثال داود وسليمان ﵉ أنبياء يحكمون بما أنزل الله ويقيمون الحياة كلها على شرعه وأمره، وظلت التوراة ما شاء الله أن تظل منهاجاً وشريعة ((يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ)) [المائدة:٤٤] فما كان يجوز لمؤمن بها أن يستمد تصوراته وأفكاره ولا سلوكه وتشريعاته من سواها. أما ما وقع في حياة بني إسرائيل مما يخالف هذا فهو انحراف لا يقره الله ولا تقبله شريعته، ثم جاء عيسى ﵇ رسولاً إلى بني إسرائيل، وهو آخر رسلهم ليصلح ما فسد ويقيم ما اعوج من عقائد وأخلاق اليهود، وليردهم إلى الأصل الثابت: توحيد الله وعبادته وحده بتحكيم شرعه واتباع منهجه. وبما أنه مبعوث إلى بني إسرائيل خاصة، فلم يكن ناسخاً لشريعة موسى وإنما كان متماً لها، وكان الإنجيل مصدقاً لما بين يديه وإن لم يكن مهيمناً عليه (١). وكان الجديد في شريعة الإنجيل التخفيف من بعض التشريعات التي لم تنزل شرعاً دائماً وإنما جاءت عقوبة مؤقتة لليهود، مع اشتماله على مواعظ بليغة اقتضاها ما جبل عليه اليهود من غلظة في القلوب،

стр. 54

وجفاف في الأرواح، وإغراق مفرط تام في عبودية المادة، وحرصٍ مُصرٍّ على التشبث بالحياة الدنيا. إذن فقد كانت التوراة مضموماً إليها تعديلات الإنجيل شريعة يجب أن تطبق، وعقيدة يجب أن ينبثق منها كل منهج للحياة: ((وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)) [المائدة:٤٦/ ٤٧]، لكن الذي حدث هو أن هذه الشريعة لم يكتب لها التطبيق على المستوى العام لسببين متلازمين: الأول: أنه لم يقم لها دولة تتبناها وتقيمها في الأرض، إذ من المعلوم أن عيسى ﵇، توفاه الله ورفعه إليه وهو لم يزل في مرحلة الدعوة التي تشبه حال الدين الإسلامي قبل الهجرة. الثاني: أنه، ﵇، قد بعث إلى قوم قساة القلوب غلاظ الأكباد، وفي الوقت نفسه كانت المنطقة المبعوث فيها جزءاً من مستعمرات إمبراطورية وثنية عاتية، فكان ميلاد الدين الجديد في محيط معاد كل العداء له ولرسوله ونتج عن ذلك اضطهاد فظيع للمؤمنين به لم يدع لهم فرصة لتطبيقه إلا في النطاق الشخصي الضيق. وكان أول من وضع العراقيل أمام دعوة المسيح وشريعته اليهود قتلة الأنبياء، وتكاد الأناجيل والرسائل تكون وصفاً للعنت الذي لقيه المسيح وأتباعه من الطوائف اليهودية، وقد جللوا عداوتهم بإغراء الحاكم الرومانى بقتله وصلبه، ولكن الله تعالى رفعه إليه ونجاه منهم ومنه.

стр. 55

وبعد وفاة المسيح ﵇، اشتدت المحنة على أتباعه من اليهود والرومان سواءً. أما اليهود فكانوا كما تحدثت رسالة (أعمال الرسل) يقتلون المسيحيين ويرجمونهم ويغرون بهم الولاة ... وكان من أبرز المضطهدين لهم شاؤل اليهودى، الذي تقول عنه الرسالة المذكورة: "أما شاؤل فكان يسطو على الكنيسة وهو يدخل البيوت ويجر رجالاً ونساءً ويسلمهم إلى السجن" (١). على أن أعظم محنة نزلت بالمسيحية -عقيدة وشريعة- هي عملية (الغزو من الداخل) التي قام بها شاؤل: فقد تظاهر باعتناق المسيحية وجاء بتعاليم مناقضة سبق ذكر بعضها، وأخذ يؤلب على المسيحيين الحقيقيين، وبذلك أحدث فوضى عقائدية وبلبلة فكرية، فتضاعف البلاء على المسيحيين، إذ أصيبوا في دينهم وأنفسهم دفعة واحدة. وأما الرومان فقد أنزل أباطرتهم بأتباع المسيح أشد الأذى، واشتهر باضطهادهم (نيرون ٦٤م) و (تراجان-١٠٦م) و (ريسويس-٢٥١م) و (دقلديانوس-٢٨٠م) وبلغ بهم الاضطهاد إلى درجة أن بعض الأباطرة كانوا يضعون المسيحيين في جلود الحيوان ويطرحونهم للكلاب فتنهشهم، أو يلبسونهم ثياباً مطلية بالقار ويوقدونها لتكون مشاعل بشرية يستضيئون بها في مراقصهم (٢) وفي وسع المرء أن يدرك الحال التي تكون عليها شريعة يضطهد أتباعها ثلاثة قرون ويطاردون في معتقداتهم وأفكارهم، وهذه المطاردة كيف يمكن أن تقوم عليها دولة تنافح عنها وتلزم بتعاليمها وتثبت للعالم أنها شريعة كاملة.

стр. 56

وإذا اتضحت لنا هاتان الحقيقتان، نعود إلى فصل الدين عن الدولة الذي مارسته الامبراطورية الرومانية والكنيسة ابتداءً من سنة (٣٢٥). إن الكنيسة لتهتز طرباً إذا ذكر لها عام (٣٢٥)، فهو يمثل في نظرها عام النصر الحاسم على أعداء المسيح وبداية العصر الجديد - عصر السيادة والحرية - بعد عصر الاضطهاد والهوان. لقد حصلت الكنيسة على ما لم يكن ليحلم به آباؤها الأولون ... فبينما عاش المسيح والتلاميذ تحت تهديد الوالي الروماني ينظرون إلى الامبراطورية الفسيحة نظر من لا يطمع منها بشيء، نرى الكنيسة في القرن الرابع تظفر بالامبراطور نفسه صيداً ثميناً وتعمده بالماء المقدس إيذاناً بدخوله دين المسيح. إن هذا النصر كبير، بل كبير جداً في حس الكنيسة وأتباعها، لكن الكنيسة نسيت -وما أكثر ما تنسى- قولة المسيح الصادقة: "ماذا ينتفع الإنسان إذا ربح العالم كله وخسر نفسه" (١). فماذا ينفع الكنيسة إذا ربحت قسطنطين وإمبراطوريته وخسرت دينها وتعاليمها؟ لو أن الكنيسة ربانية حقاً لكان أول عمل عملته بعد انقضاء عهد الاضطهاد المرير هو البحث عن ذاتها هي، ببعث الإنجيل الأصلي ونشره وتحكيمه في شئون الحياة، وكان في إمكانها أن تقنع الامبراطور؛ فإما أن يقبل ذلك فيكون نصرانياً على الحقيقة، وإلا فلتكف منه بصداقته ورعايته وتمارس تطبيق شريعتها على أتباعها الحقيقيين في ظل عطف الامبراطورية، ذلك ما كان مفروضاً أن تضطلع به الكنيسة وأن يرضاه الامبراطور ويتقبله، غير أن الذي

стр. 57

حصل فعلاً هو أنه لا الكنيسة كانت مؤمنة جادة تطمع في هداية الناس ابتغاء مرضاة الله والدار الآخرة، ولا قسطنطين كان مؤمناً جاداً يريد أن يخلع عن عنقه ربقة الوثنية ليخلص دينه لله ويقف بين يديه وقوف العابد أمام المعبود. إن الرابط الذي جمع الكنيسة بالامبراطور هو رابط المصلحة الدنيوية لكلا الطرفين لا غير، وإن كانت مصلحة الامبراطور أرجح وتنازله أرخص. يقول درابر: "إن هذا الامبراطور الذي كان عبداً للدنيا والذي لم تكن عقائده الدينية تساوي شيئاً، رأى لمصلحته الشخصية ولمصلحة الحزبين المتنافسين ... النصراني والوثني؛ أن يوحدهما ويؤلف بينهما، حتى أن النصارى الراسخين أيضاً لم ينكروا عليه هذه الخطة، ولعلهم كانوا يعتقدون أن الديانة الجديدة ستزدهر إذا طعمت ولقحت بالعقائد الوثنية القديمة، وسيخلص الدين النصراني عاقبة الأمر من أدناس الوثنية وأرجاسها" (١). كما أدرك هذه الحقيقة المؤرخ الإنجليزي (ويلز)، فقد شرح بدقة حال الامبراطورية معللاً اعتناق قسطنطين للمسيحية وإعلانها ديانة رسمية بأنه محاولة منه لإنقاذ إمبراطوريته المتضعضعة من التفكك والإنحلال، (٢) وهو ما قال به جيبون من قبل (٣). هذا بالنسبة للإمبراطور، أما الذين اعتنقوا المسيحية من المواطنين الرومان فلم يتغير تصورهم السابق عن الدين ومهمته في

стр. 58

الحياة، وكان التغيير الذي طرأ عليهم هو إحلال مسمى (الأب، والابن، وروح القدس) محل (جوبيتير، ومارس، وكورنيوس) فما كانوا ينتظرون من آلهة بولس وكنيسته من تشريع وتوجيه إلا ما ينتظر من آلهتهم الجامدة الشاحبة، ولم يكن مقام الأب الذي نادت به الكنيسة ليزيد عن مقام جوبيتير الذي صوره أبيقور. وهكذا لم تستطع الكنيسة بتصورها الفاسد أن تقتلع جذور الوثنية المتغلغلة في أعماق النفس الرومانية، ولا أن تسمو بتلك النفوس من عالم الملذات الجسدية إلى عالم الفضيلة والطهر -باستثناء القلة التي ترهبت- ولقد عبر أحد المؤرخين الغربيين عن ذلك بقوله: "إن المسيحية لم تكن عند أكثر الناس غير ستار رقيق يخفي تحته نظرة وثنية خالصة إلى الحياة" (١). وإذ قد عجزت عن ذلك، فمن الطبيعي أن تعجز عن إقامة الحياة: بنظمها وقيمها وأخلاقها على أساس من الدين، وبقي الدين كما كان هواية شخصية محدودة التأثير لم يتغير فيه، إلا أن المراسم الشكلية كانت تؤدى في معابد، فأصبحت تؤدى في كنائس، ولم يقتصر الأمر على هذا، بل إن الكنيسة تزحزحت عن مركز التأثير إلى مركز التأثر، فدخلت الخرافات والأساطير والتقاليد الوثنية في صلب تعاليمها وطقوسها، وامتزجت بروايات الأناجيل وآراء المجامع المقدسة، كما حصل امتزاج وتلاقح بين الشريعة والقانون الروماني فأصبحت المسيحية ديانة تركيبية كما وصفها لوبون (٢). وهذا الضلال والخطل الذي وقعت فيه الكنيسة لا يبرره ما ذهب إليه ليكونت دي نوي، حين قال: (قَبِل الدين الكاثوليكى الذي نشأ على شواطئ المتوسط ذات

стр. 59

المخيلة الواسعة بعض العادات لأنه لم يجد إلى إزالتها سبيلاً وانتهت -أي: الكنيسة- مرغمة إلى قبول المساومة، وقد طغت عليها أمواج الخرافات القديمة الجارفة) (١) فالمؤمن الحق لا يقبل المساومة على دينه مهما قست الظروف والأحوال. كما لا يبرره -من باب أولى- ما ذهب إليه فشر في قوله: "إن حكمة الكنيسة المسيحية هدت آباءها الأولين إلى قبول ما لم يستطيعوا له منعاً من قديم العادات والتقاليد والمعتقدات، بدليل استقبال الكنيسة لمبدأ تعدد الآلهة الراسخ بين شعوب البحر الأبيض المتوسط وتطويع ذلك المبدأ لما تقتضيه عقائدها" (٢). قد يكون جرم الكنيسة أهون لو أنها عدت عملها هذا تصرفاً استثنائياً مؤقتاً تفرضه عليها الضرورة الطارئة، ثم لا تلبث الشريعة أن تبرز إلى حيز التنفيذ على كل نشاطات الحياة، غير أن الذي تم -فعلاً- هو أنها اتخذت ذلك قاعدة ومنهجاً وسارت فيه إلى أبعد شوط. وكان أول من سن سنة التنازل عن الشريعة مقابل قبول العقيدة، هو شاؤل (بولس) يقول برنتن:"كانت العقبة الكبرى في وجه الأمميين الذين وجدوا أسلوب الحياة المسيحية جذاباً قانون اليهود" -أي: شريعة التوراة- ثم يشرح برنتن كيف أن بولس أزال هذه العقبة فأفتى بأن (الإغريق والمصريين والرومان الذين يقبلون المسيحية في حل من الختان وفي حل من التقيد بحرفية القانون) (٣). وبمرور الزمن أصبح هذا الانحراف منهجاً

стр. 60

مقرراً اعتمدته الكنيسة بعد مجمع نيقية ففصلت بين العقيدة وبين الشريعة، بين الدين والدولة وقسمت الحياة البشرية دائرتين مغلقتين: الأولى: (دينية) من اختصاص الله، ويقتصر محتواها على نظام الإكليروس والرهبنة والمواعظ وتشريعات طفيفة لا تتعدى الأحوال الشخصية. والأخرى: (دنيوية) من اختصاص قيصر وقانونه، ويحوي محيطها التنظيمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلاقات الدولية ونظم الحياة العامة. هذه القسمة الضيزى لم تجد الكنيسة غضاضة فيها، ولم تتحرج من جعل قيصر شريكاً لله في ملكه، بل أعظم من شريك، فقسمت الكون شطرين: شطر لله وشطر لقيصر، فما كان لله فهو يصل إلى قيصر وما كان لقيصر فلا يصل إلى الله. ويرى بعض المؤرخين أن السبب الذي أوقع الكنيسة في ذلك هو نظرتها القاصرة إلى الحياة الدنيا .. يقول صاحب (تاريخ أوروبا في العصور الوسطى): (إن المسيحيين الأولين على وجه الإطلاق لم يعمدوا إلى شيء من الإصلاح في المجتمع الروماني الذي نبتوا فيه برغم ما هو معروف من تحريمهم لكثير من العادات والطقوس القديمة، ولم تكن لهم فلسفة في الدولة وأصول الحكم ولا الإيمان بتجديد المجتمع من طريق الإنشاء والتنظيم، ولم يخطر ببال أحد منهم أن في استطاعة جماعاتهم الصغيرة البعيدة عن السلطة والنفوذ أن تحدث بالسياسة الرومانية أو المجتمع الرومانى شيئاً من التعديل، ذلك أنهم أيقنوا أن الدنيا متاع الغرور والشرور، وتعلموا أن الإنسان طريد جنة الخلد وحق عليه العذاب المقيم.

стр. 61

"وتعلموا كذلك أن هذه الدنيا الغرارة لن تلبث حتى تزول، وإن رجعة المسيح إلى الأرض، وهي ما اعتقدها الناس وشيكة الوقوع، سوف تملأ الدنيا عدلاً بعد ما ملئت الدنيا ظلماً وجوراً وخبثاً ونقصاً يمحوه كله المسيح محواً، وإذا كان كذلك فما الذي يحمل المسيحي على إلغاء الرق أو الحرب أو المتاجرة في المحرمات أو الربا أو استعمال القوة الغاشمة التي ساعدت الدولة الرومانية على النهوض، ما دام ذلك كله مقضياً عليه بالزوال، وما دامت المشكلة الكبرى تنحصر في الوسيلة الواقية من العذاب الذي كتبه الله على الناس جزاءً وفاقاً لما ارتكبه آدم من الخطيئة في جنة الخلد، ولذا رضي المسيحيون بجميع ما وجدوا من نظم لا قبل لهم بتغييرها" (١). وهذا التعليل مصيب، لكنه لا يمثل الحقيقة كاملة، فإن للكنيسة مستندات نقلية من نصوص الأناجيل لابد من عرض نموذج لها ومناقشته، وأهمها نصان: ١ - القول المنسوب للمسيح: "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله". هذا القول هو أقوى وأصرح حجج الكنيسة، ولقد ظل شعاراً ترفعه أوروبا كلما أملى عليها الهوى أن تخالف شرع الله وتتمرد على شرعه، وبفضل هذا الشعار أخذ الدين ينكمش وينحسر على مر القرون حتى لم يبق له في أحسن الأحوال إلا ساعة في الأسبوع خاوية من كل معنى .. فما قيمة هذا الدليل بالنظرة العلمية المنصفة؟ لقد سبق لنا أن قلنا: إن كل ما روي عن المسيح من أقوال ليست منسوبة إليه يقيناً، بل ولا ظناً راجحاً، فالكنيسة بدلَّت وحرفت وأضافت وحذفت حتى طمست تعاليمه وأقواله ودفنتها إلى الأبد، وهذا القول مما يجوز أن يقال فيه -مبدئياً-: إن المسيح لم يقله، وإنه من

стр. 62

إضافات الكنيسة، ومادام البحث العلمي يقرر أن الأناجيل كلها ظنية الثبوت ظنية الدلالة، فكيف يسوغ للكنيسة أن تحتج بهذه الظنيات في مسألة بالغة الخطورة كهذه؟ ولندع القيمة العلمية التاريخية للنص وننظر نظرة موضوعية فاحصة في منطوق العبارة ومدلولها فماذا نجد؟ إن هذه العبارة ظاهرها الأمر الصريح بالشرك "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله" فهي تجعل قيصر شريكاً لله في التوجه إليه بالعمل، ومن ينفذها على ظاهرها يقع حتماً في شرك الطاعة والاتباع وهو شرك أعظم، لتنافيه مع توحيد الألوهية، وهذه الدلالة تكفي لنفي صدور العبارة من المسيح ﵇، لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما بعثوا لتحذير الجماعة البشرية من الشرك وتنفيرها منه جليله ودقيقه، فكيف يأمر نبي من أنبياء الله من أولي العزم بالشرك ويدعو إليه بهذه الصورة؟! وهذا في الحقيقة كاف لإسقاط حجية العبارة؛ لكننا سنجامل الكنيسة ونجري مع احتمالها الضعيف جداً مفترضين جدلاً أن المسيح ﵇ تفوه بما نسب إليه، فهل يعني ذلك أن نفهم من العبارة ما فهمته الكنيسة من ظاهرها، ونتخذ من فهمنا هذا قاعدة هي أعظم القواعد الكنسية العملية على الإطلاق؟ لنتتبع معها سياق العبارة فقد يعين على فهمها - إن قبلت - على حقيقتها: يقول متى في إنجيله: "ذهب الفريسيون وتشاوروا لكي يصطادوه بكلمة، فأرسلوا إليه تلاميذهم مع الهيرودوسيين قائلين: يا معلم إنك صادق وتعلم طريق الله بالحق ولا تبالي بأحد، لأنك لا تنظر إلى وجوه الناس، فقل لنا ماذا تظن: أيجوز أن تعطي جزية لقيصر أم لا؟ فعلم يسوع خبثهم، وقال:

стр. 63

لماذا تجربونني يا مرآءون، أروني معاملة الجزية، فقدموا له ديناراً فقال لهم: لمن هذه الصورة والكتابة؟ قالوا له: لقيصر. فقال لهم: أعطوا إذن ما لقيصر لقيصر وما لله لله. فلما سمعوا تعجبوا وتركوه ومضوا". كان المسيح ﵇ وأتباعه قلة مضطهدة تتبنى دعوة جديدة ناشئة، فلم يكن في مقدورها أن تصطدم بالامبراطورية الطاغية، وتواجهها بعداوة سافرة، ولم تكن هذه المواجهة مطلوبة منها وهي لا تزال في طور الدعوة -يقابل ذلك في الإسلام فترة ما قبل فرض الجهاد- وهذا الطور يقتضي الالتزام بمبدأ (كفوا أيديكم) كيلا يستثار عدو باطش فيفتك بالدعوة في مهدها. هذا المنهج في الدعوة لاحظه الفريسيون -أعدى أعداء المسيح- فسولت لهم أنفسهم الحاقدة أن يدبروا مكيدة للمسيح ودعوته، بحيث تخرج الدعوة عن منهجها ومسارها المقرر وتناوئ الأوضاع القائمة مباشرة، وبذلك يجدون طريقة للإيقاع بالمسيح لدى الحاكم الروماني فكان هذا السؤال الخبيث. والواقع أنه ليس في استطاعة المسيح ﵇ والقلة المسلمة معه ولا من منهج دعوته أن يرفضوا دفع الجزية للجابي الروماني، الذي يجمعها من كل رعايا الامبراطورية ويدفعها للطاغوت قيصر، ولكن هذا لا يعني أبداً أن المسيح ﵇ يقر ذلك الواقع الظالم، ويعترف لقيصر بحق مساواة الله في خلقه ويجعله شريكاً له في ألوهيته كما فهمت الكنيسة. فالمسيح ﵇ -لو صحت العبارة- وافق على إجراء مؤقت تقتضيه ضرورة الواقع وطبيعة الدعوة المرحلية.

стр. 64

وإذا كانت دعوة الأنبياء في جوهرها واحدة، فإن أول فرض الجهاد في الإسلام كان إذناً وليس أمراً ((أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)) [الحج:٣٩]. وذلك أن القلة المسلمة في مكة كانت تطمع في الثأر لنفسها من الاضطهاد المرير الذي تلقاه من جبابرة مشركي قريش؛ كأن تغتال بعض المضطهدين مثلاً، أو تسلبهم شيئاً من أموالهم وراحتهم، واستأذنوا الرسول ﷺ في ذلك، فكان الأمر من الله بكف اليد، ولذلك أجابهم الرسول ﷺ : ﴿إني لم أومر بهذا﴾. وذلك كي تظل الدعوة سائرة في منهجها المرسوم لا تستفزها تحركات الأعداء للإيقاع بها وإبادتها في مهدها. ولو قدر للمسيح ﵇ أن تبلغ دعوته من القوة ما بلغت الدعوة الإسلامية عند الإذن بالجهاد لأذن لقومه بأن يرفضوا دفع الجزية لقيصر، بل لأمرهم بجهاد الرومان وإشهار عداوتهم. وبذلك يتضح أنه حتى في حالة ثبوت العبارة فإنها ذات مدلول جزئي مؤقت في مسألة فرعية، ولا يجوز أن يستنبط منه قاعدة أبدية عامة يفضي تطبيقها إلى إهمال شريعة الله، والتخلي عن إقامة دينه في واقع الحياة وإقرار أحكام الطاغوت. ٢ - "مملكتي ليست من هذا العالم" بقطع النظر عن صحة نسبة هذه العبارة إلى المسيح ﵇ أو عدمها، نجد أن الكنيسة فهمتها فهماً خاصاً، وجعلت هذا الفهم منهجاً وأصلاً من أصول عقيدتها تقاوم بها الفطرة البشرية والعقل السليم والتطور الإيماني المستقيم.

стр. 65

فهمت الكنيسة من قول المسيح: "مملكتي ليست من هذا العالم" -إن كان قالها- أن الدنيا والآخرة ضرتان متناحرتان وضدان لا يجتمعان، الدنيا مملكة الشيطان ومحط الشرور والآثام، وعمل الإنسان فيها لتحسين أوضاعه المعاشية ومحاولة تحقيق القسط الملائم من السعادة والرفاهية والتمتع بطيبات وخيرات الكون، كلها أعمال دنسة يمليها الشيطان ليصرف الإنسان عن مملكة المسيح الخالدة (الآخرة)، والفقر وشظف العيش - حسب المفهوم الكنسي- هما مفتاح الملكوت الضامن، وتنسب الأناجيل إلى المسيح قوله: "إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله" (١). وبمقتضى ذلك لا يسأل الإنسان الله شيئاً من متاع الدنيا أو خيراتها العاجلة، بل يقتصر على ما طلبه المسيح حسب رواية الأناجيل (خبزنا كفافا) (٢). والإنسان -حسب هذا المفهوم- يولد موصماً بالخطيئة الموروثة ويدخل إلى الدنيا دخول المجرم إلى السجن، وكما أن أباه أكل من الشجرة فعوقب بالطرد من الجنة وقضي عليه بالحرمان والنكد، فكذلك إذا تمتع بطيبات الدنيا وملاذها فسيعاقب بحرمانه من نعيم الملكوت. إذا كان هذا هو حال الدنيا وحال الإنسان فيها ففيم العناء لإصلاح ما وجد بطبيعته فاسداً؟ وما جدوى تقويم ما خلق من أصله معوجاً؟ ليتحكم الجبابرة في الناس وليستعبدوهم وليعبثوا في الكون كما يريدون، فسوف يحاسبهم المسيح يوم الدينونة! وليجمع الناس المال ويتمتعوا بالحياة الدنيا ويتزوجوا وينجبوا، فسوف يحرمهم ذلك من الدخول في ملكوت الله والفوز في الملأ الأعلى، أما المسيحي الكامل

стр. 66

الإيمان، فما له ولهذه الأمور، أليس كل همه الخلاص من هذا المأزق! مأزق وجوده في هذه الأرض في مملكة الشيطان؟ هكذا استخلصت الكنيسة من تلك العبارة وأشباهها مفهوماً سلبياً ضيقاً للحياة الدنيا، وبالتالي لمهمة الدين فيها، يائسة من إمكان إقامتها على الحق والعدل الإلهي، فحرفت المسيحية من عقيدة شاملة ذات منهج رباني كامل نزلت لتغيير الواقع الجاهلي المنحرف الذي يعيشه الناس، وإقامة واقع جديد تحكمه الشريعة المنزلة إلى نظرة بوذية قاصرة للدنيا، مشفوعة بآمال وأحلام مرتقبة في الآخرة، ورأت أن تنظيم شئون الدولة وتقويم النظم السياسية والاقتصادية وإصلاح الأوضاع الاجتماعية، ليس من دينها في شيء، لأن مملكة المسيح ليست من هذا العالم. ولا يعني هذا أن الكنيسة لم تمارس سلطات سياسية أو نفوذاً اجتماعياً، فقد كان منها ما لم يكن من أعتى القياصرة (١) لكن هذه الممارسة تظل محدودة بنطاق المطامع الشخصية لرجال الدين، وكانت الرغبة في إشباع هذه المطامع، وليست الرغبة في إقامة دين الله وشرعه هما الدافع من ورائها، فكان البابا يهمه بالدرجة الأولى أن يتولى تتويج الملوك ويحصل منهم على الضرائب والجنود ولا يسمح بأدنى تساهل في ذلك، أما حكمهم بغير ما أنزل الله فلا شأن له به؛ لأن ذلك من اختصاص قيصر؛ ولأن مملكة المسيح ليست في هذا العالم. والواقع أن هذه العبارة كسابقتها لا تنهض دليلاً لما زعمته الكنيسة، بل إن لها -إن صحت- معنى آخر يوضحه السياق، وها هو سياقها كما ورد في إنجيل يوحنا: "دخل بيلاطس -أيضاً- إلى دار الولاية، ودعا يسوع وقال له: أنت

стр. 67

ملك اليهود. أجابه يسوع: أمن ذاتك تقول هذا أم آخرون قالوا لك عني؟ أجابه بيلاطس: العلي أنا يهودي؟ أمتك ورؤساء الكهنة أسلموك لي ماذا فعلت؟ أجاب يسوع: مملكتي ليست في هذا العالم، لو كانت مملكتي في هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلَّم لليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا" (١). إن القضية لتبدو واضحة العيان، لقد دبر اليهود مكيدة أخرى، حيث رأوا أنه يمكن إيغار صدر (بيلاطس) على المسيح بتلفيق تهمة ضده، مفادها: أنه يدعي أنه ملك على اليهود، وزعيم سياسي يهدف إلى استقلال أمته عن الاستعمار الروماني والتبعية لقيصر، وهي تهمة كفيلة بتعريض المسيح ودعوته لأقسى العقوبات. تظاهر اليهود بالنصح للحاكم الروماني، والحدب على دولته، فحملوا المسيح إليه موجهين إليه هذه التهمة. حينئذ وقع بيلاطيس بين تيارين نفسيين: تيار النخوة الوطنية الرومانية، وتيار التعقل والروية الذي يبعثه في نفسه علمه بخبث طوية اليهود من جهة، وتيقنه من براءة المسيح من جهة أخرى، لذلك تردد كثيراً في الأمر وهم أخيراً بأن يطلق المسيح، فصرخ اليهود قائلين: (إن أطلقت هذا فلست محباً لقيصر، كل من يجعل نفسه ملكاً يقاوم لقيصر) (٢). ولما رأى إصرارهم على صلب المسيح دفعه إليهم قائلاً: إن لكم شريعة تحاكمون إليها أبناء شعبكم فخذوا ملككم واصلبوه وفق شريعتكم، فصرخوا قائلين اصلبه أنت أما نحن فـ"ليس لنا ملك إلا قيصر" (٣). وأخيراً نجحت المكيدة، بل على الصحيح: هكذا ظن اليهود.

стр. 68

ذلك موجز القصة كما رواها إنجيل يوحنا، وخلال التحقيق مع المسيح وردت هذه الكلمة عنه "مملكتي ليست من هذا العالم" كما يقول الإنجيل - وهو إن قالها، فإنما كان يريد أن يقول لبيلاطس: لست ملكاً من النوع الذي تتصوره أنت واليهود، على طراز قيصر وكسرى؛ فإن الملك الذي تتخيلونه أنتم بمعنى العزة والمجد العريض والشرف الباذخ، ليس حظي منه في هذه الدنيا وإنما هو عند الله في دار كرامته الخالدة، وما دمت لست طامعاً في مناصبكم الدنيوية ومظاهركم الكاذبة، فما الذي يحملكم على تجريمي وبأي حق تدينوني؟ لم يقل المسيح ولم يرد أن يقول: إنني بعثت إلى الضعفاء والعجزة لأعظهم في الكنائس، ولأعمر بهم الأديرة، وتعاليمي ليست سوى طقوس روحانية لا علاقة لها بالحياة، كما فهمت الكنيسة، فقد أعلن دعوته صريحة على الملأ: "لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقى سلاماً بل سيفاً" (١). ولم يقل كما قال اليهود: ليس لي ملك إلا قيصر، ولو قال ذلك أو شيئاً منه لربما سلم من الأذى وبرئ من التهمة، لكن حاشا أن يقول ذلك، وهو رسول الله الذي أرسله لهدم كل سلطان لغير الله في الأرض، ومهما ظل عاجزاً عن هدمه فلن يقر ويعترف به. ومع ذلك فقد كان يعلم من الله أن نهايته قد أوشكت، وأنه لن يكون له سلطان في هذه الحياة الدنيا، ولذلك لم يأمر أحداً من أتباعه بالدفاع عنه، بل أمر رجلاً منهم سل سيفه أن يغمده، وقال ذلك لبيلاطيس صريحاً: "لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكيلا أسلَّم إلى اليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا".

стр. 69

وهكذا نرى -كما رأينا- أن الكنيسة تعمد إلى عبارات تنسبها الأناجيل إلى المسيح قيلت مجازاً، أو وردت في ظروف مؤقتة وملابسات خاصة لتقرر منها قواعد أصولية تؤسس عليها دينها المحرف دون مراعاة لمنطق الاستدلال ومقتضى التحقيق العلمي.

стр. 70

- الفصل الثاني: البدع المستحدثة في الدين النصراني: توطئة: أدَّى التحريف المتعمد لنصوص الوحي المسيحي والتأويلات البعيدة لأعمال المسيح وأقواله، تلك التي فتحت الكنيسة لها الباب على مصراعيه، إلى استمراء وتسويغ التصرفات الخاطئة التي تلت ذلك فيما بعد، ولما كانت تحريفات الكنيسة تخبطات عشوائية لا ترتكز على قواعد محددة وليس لها ضوابط رادعة، فقد ظل المجال فسيحاً لإضافات أكثر وثغرات أعمق، وكان للمطامع الدنيوية والرغبات الشخصية الفضل الأكبر في دفع الموجة قدماً وتوجيهها كما يراد. يضاف إلى ذلك الحماقات التي ترتكب بطريق السذاجة والبله من بعض المنتسبين إلى الدين، ولا تجد من ينكرها أو يحاصرها، فتصبح مع مرور الزمن طقوساً وشعائر دينية. كل ذلك تعرضت له النصرانية، فاستحقت أن توصم بأنها ديانة تركيبية أو بوتقة انصهرت فيها عقائد وخرافات وآراء متباينة، شكلت ديناً غير متسق ولا متجانس. ونظراً لصعوبة التمييز بين الصحيح من الزائف والأصلي من المبتدع في الدين النصراني، فقد تباينت وجهات نظر النقاد الغربيين وتباعدت شقة الخلاف بينهم، فغالى بعضهم إلى حد التصريح بأن

стр. 71

النصرانية ديانة وضعية أرقى تكويناً وأدق تنظيماً من الديانات السابقة التي ابتكرها الإنسان -بزعمهم- منذ فجر التاريخ، وأن طقوسها وشعائرها هي امتداد للطقوس الطوطمية والشعائر الوثنية، التي كانت سائدة بين القبائل الهمجية القديمة. وبالمقابل تعصب آخرون - لاسيما ذوي الميول الدينية - للرأي القائل بأن الدين النصراني - مكتملاً - دين سماوي على الحقيقة، وأن كل ما في الأناجيل وحي صادق، وأن أعمال الكنيسة مشروعة يقرها ويمليها المسيح، فليس شيء منها يستحق أن يوصف بأنه بدعة محدثة أو إضافة خاطئة، وتظل الكلمة الفصل في الموضوع، كما هي دائماً، في القرآن الكريم الذي نزل مهيمناً على ما قبله من الكتب، ويظل الرأي الذي يصح أن يوصف بأنه موضوعي ونزيه - في هذه المسألة وأشباهها - من نصيب الباحث المسلم وحده. لقد سبق أن تحدثنا عن تحريف المسيحية - عقيدة وشريعة - والتحريف في ذاته بدعة خطرة، لكن الأمر لم يقتصر على تحريف ما هو موجود بالفعل، بل انتقل إلى إحداث ما لم يكن وابتداع تعاليم وضعية أُلصقت بالمسيحية وأُدخلت في صلبها، وربما كانت بدعة رجال الدين - كما يسمون - أبعد البدع أثراً، لأن البدع الأخرى لم تكن لتنمو لولا أن رجال الدين هم الذين ابتدعوها وأقروها وأضفوا الشرعية عليها لذلك سنبدأ بالحديث عن هذه البدعة، ثم نعقب ببعض البدع الأخرى لتكون نماذج وأمثلة شاهدة على ما نقول. أولاً: رجال الدين الإكليروس: ترى النظرة الجاهلية للتاريخ المتأثرة بنظرية التطور أن حياة البشر الدينية والاجتماعية مرت بثلاث مراحل رئيسية:

стр. 72

١ - مرحلة السحر والخرافة. ٢ - مرحلة الدين. ٣ - مرحلة العلم. وفي المرحلة الأولى كان الفكر البشري يعيش أدنى أطواره وأحطها، وكان الإنسان آنذاك يرى أن حياته مرتبطة بأسباب خفية لا يستطيع إدراكها، فلجأ إلى السحر والشعوذة اللذين يستطيعان التأثير بطريقة غير محسوسة، وكلما ازداد وعي الإنسان بحياته وتفرعت آماله ومطامعه، ازداد تعلقه بالسحرة والكهان، لدفع الأرواح الشريرة التي تسبب له الضرر في نظره ولجلب المنافع المعيشية المتنوعة، وبمرور الزمن أصبح السحرة والكهان يتمتعون بأسمى المراكز الاجتماعية لدى الهمج، فآلت إليهم زعامات القبائل، وفرضوا سلطاناً مادياً لأنفسهم في أموال ونساء أتباعهم. وبعد اكتشاف الزراعة واستقرار الحياة الإنسانية، بُنيت المعابد والهياكل وأصبح بعض الكهان ملوكاً يتوارثون الحكم، بينما ظل البعض الآخر يرأس المعابد والهياكل التي كانت تدر عليهم الشرف العريض والمال الوفير. وبانتقال الإنسان إلى المرحلة الثانية "مرحلة الدين" بقيت رواسب موروثة عن المرحلة الأولى، من أبرزها طبقة رجال الدين الذين ليسوا سوى امتداد للسحرة والكهان في المرحلة السالفة، وظلوا يقومون بالمهمة نفسها التي كان يتولاها أولئك من قبل، والفارق الوحيد هو أن هؤلاء يستمدون سلطتهم من الدين بينما يستمدها أولئك من

стр. 73

السحر (١) هذا هو التعليل الجاهلي لظهور رجال الدين، وهو تعليل قاصر لأنه ينكر الوحي الإلهي ويغفل، عامداً، الفترات المضيئة التي تخللت التاريخ البشرى منذ البدء، وهي الفترات التي شهدت مبعث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ((وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ)) [فاطر:٢٤]، ويقصر نظره على فترات الانحراف عن منهج الله، تلك التي طغت عليها الخرافات والشركيات، وتحول فيها أتباع الأنبياء إلى سدنة أوثان ومشعوذين وكهان. والتصور الإسلامي للتاريخ ينظر إلى الحياة البشرية على أنها خطان متوازيان: خط مشرق يمثل البشرية حين تهتدي إلى الله وتسلك طريق الأنبياء الذين يتعاقبون لردها إلى جادة الطريق، وخط آخر مظلم يمثل حزب الشيطان وفترات الضلال الذي طرأ على البشرية بعد أن كانت أمة واحدة على الإيمان، والسمة العامة للتاريخ هي الصراع بين الهدى والضلال، بين الحق والباطل. ونحن لا ننكر التشابه الظاهر بين رجل الأكليروس في المسيحية وبين السحرة والكهان في العصور السابقة، لكننا نرجع ذلك إلى كون الطائفتين انحرفتا عن أصل صحيح واحد ولا نمضي أبعد من ذلك، أما التعليل المباشر الذي يوضح الأصل الحقيقي لرجال الدين، فهو أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى ﵇، واحتفظ بها الأحبار من بعده، فكان الأمر يقتضي وجود عدد من ذوي الموهبة والعناية يتفرغون لحفظ الكتاب وشرح تعاليمه وتأويل مشكله وإيضاح أحكامه، كي يسير عليها الفرد والمجتمع، وأمر الله تعالى هؤلاء العلماء أن يكونوا ربانيين بما كانوا يعلمون الكتاب وبما كانوا يدرسون، ونهاهم عن كتمان شيء منه أو تحريفه أو شراء شيء من عرض الدنيا به، لكن الأمر آل إلى أن كثيراً من الأحبار أغرتهم المطامع الدنيوية الزائلة واشتروا بعهد

стр. 74

الله وأيمانهم ثمناً قليلاً، ضيعوا الأمانة وفرطوا في الحفظ وفرضوا لأنفسهم سلطة دنيوية، يأكلون أموال الناس بالباطل ويتقبلون القرابين ويفرضون على الناس العشور باسم الهياكل والبيع، مستغلين منصبهم الديني أسوأ استغلال. وبذلك استحقوا المقت من الله، وكانوا مثلاً سيئاً وقدوة طالحة لمن جاء بعدهم، ثم بعث الله عيسى بن مريم ﵇ ومعه الإنجيل، فحذر أتباعه أبلغ تحذير من اقتفاء أثر أحبار اليهود الذين كان المسيح يسميهم "بائعي العهد، أولاد الأفاعي، عباد الدنيا" ودعا قومه إلى الاتصال المباشر بالله والتوبة إليه والخضوع له وحده دون سواه، وكان يوصي الحواريين والتلاميذ، قائلاً: "رؤساء الأمم يسودونهم والعظماء يتسلطون عليهم فلا يكون هكذا فيكم" (١). لكن القسيسين والرهبان لم يكونوا أفضل حالاً من الأحبار، فقد سلكوا الطريق نفسها وانصاعوا إلى الدنيا مستعبدين أتبعاهم المؤمنين، وساعد وجودهم ضمن الامبراطورية الرومانية على تثبيت مراكزهم وتدعيمها، وذلك بأنهم اقتبسوا من الأنظمة والهياكل السياسية للدولة فكرة إنشاء أنظمة وهياكل كهنوتية، وكما كانت هيئة الدولة تمثل هرماً قمته الامبراطور وقاعدته الجنود، كانت الهيئة الكنسية تمثل هرماً مقابلاً قمته البابا وقاعدته الرهبان، ونتيجة لمبدأ فصل الدين عن الدولة رعت الامبراطورية الهرم الكنسي ولم تر فيه ما يعارض وجودها فرسخ واستقر. يقول المؤرخ الإنجليزي ويلز، في معرض الفرق بين مسيحية المسيح ومسيحية الكنيسة - كما سبق -أن تعاليم يسوع الناصري

стр. 75

تعاليم نبوية من الطراز الجديد الذي ابتدأ بظهور الأنبياء العبرانيين، وهي لم تكن كهنوتية، ولم يكن لها معبد مقدس حبساً عليها ولا هيكل، ولم يكن لديها شعائر ولا طقوس، وكان قربانها "قلباً كسيراً خاشعاً " وكانت الهيئة الوحيدة فيها هيئة من الوعاظ، وكان رأس ما لديها من عمل هو الموعظة. "بيد أن مسيحية القرن الرابع الكاملة التكوين، وإن احتفظت بتعاليم يسوع في الأناجيل "كنواة لها"، كانت في صلبها ديانة كهنوتية من طراز مألوف للناس من قبل منذ آلاف السنين، وكان المذبح مركز طقوسها المنمقة والعمل الجوهري في العبادة فيها، هو القربان الذي يقربه قسيس متكرس للقداس، ولها هيئة تتطور بسرعة مكونة من الشمامسة والقساوسة والأساقفة" (١) وكان من الأسس الباطلة التي بنى عليها رجال الدين مبررات وجودهم مبدأ "التوسط بين الله والخلق"، الذي يقتضي ألاَّ يذهب الإنسان إلى رجل الدين ليعلمه كيف يعبد الله، بل ليعبد الله بواسطته، وليس للمذنب أن يتجه بتوبته إلى الله، طالباً الصفح والمغفرة، بل عليه أن يتجه إلى رجل الدين معترفاً أمامه بذنبه ليقوم بالتوسط لدى الله فيغفر له، وحسب هذا المبدأ نصب رجال الدين أنفسهم أنداداً لله تعالى وأوقعوا أتباعهم في الشرك الأكبر ((اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ)) [التوبة:٣١] وفوق كونه مبدأً باطلاً شرعاً، ساقطاً عقلاً، فإنه ليس في الأناجيل -رغم تحريفها- ما يدل على أن المسيح أقره أو دعا إليه. وقد ترتب على هذا المبدأ آثار سيئة للغاية، منها: احتكار رجال الدين لحق قراءة وتفسير الإنجيل، ثم مهزلة صكوك الغفران،
следующие страницы →