← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96613

شرح زاد المستقنع - أحمد الخليل

أحمد الخليل

Полный текст (2 909 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

مسألة / قال الإمام أحمد ﵀ لكن لا ينبغي للزوج أن يجمع نفسه لإحدى زوجتيه, معنى هذا الكلام لا ينبغي للإنسان إذا كان له زوجتان أن يوفر نفسه في الجماع إلى أن يأتي إلى من يريد ثم يجامع قصداً هذا لا ينبغي، وتلاحظ من كلام الإمام أحمد. أنّ هذا ليس بمحرم لكنه لا ينبغي, والمسألة مفروضة فيما إذا أعطى إحدى زوجتيه حقها من الجماع, فإذا أعطاها الحق الواجب العدل فيما زاد عن الواجب لا يجب, لكن يقول الإمام أحمد لا ينبغي أن يجمع نفسه لإحدى زوجتيه, لأنّ هذا ليس من مكارم الأخلاق، وليس من العشرة بالمعروف. قال المؤلف ﵀: (وعماده الليل لمن معاشه النهار) الضمير يرجع إلى القسم, وكون الليل عماد القسم بلا خلاف بين الفقهاء, والسبب في ذلك أنّ الليل هو وقت السكن والرجوع والنوم، فيجب عليه أن يعدل فيه, وأما النهار فهو وقت طلب المعاش، والمؤلف بيّن حكم الليل وأما النهار فهو تبع لليل في وجوب العدل، والدليل على أنّ النهار تبع لليل في وجوب العدل أنّ عائشة ﵂ قالت توفي رسول الله ﷺ في يومي, ومعلوم أنه ﷺ توفي ضحى يعني في النهار مع ذلك اعتبرت وفاته في يومها ﵂ فدل هذا على أنّ اليوم تبع لليل في القسم. مسألة / هل يجعل اليوم السابق لليل أو اليوم اللاحق لليل هو التابع للمقسوم لها؟ نحن قلنا الآن يجب أن يقسم وأنّ القسم يكون في الليل، فهل يجعل اليوم السابق أو اللاحق؟ الجواب له أن يجعل السابق أو اللاحق إن شاء جعل اليوم السابق لليل وإن شاء جعل اليوم اللاحق لليل, وتعليل ذلك أنّ له أن يتقدم أو يتأخر, أنّ العدل لا يختل بذلك هي لها ليلة ويوم, يعني ليل ونهار سواء كان هذا النهار قبل أو بعد يتحقق المقصود بهذا أو هذا. قال المؤلف ﵀: (والعكس بالعكس) لمن كان معاشه بالليل، فعماد القسم يكون بالنهار، وتنقلب الأحكام تماماً إذا كان معاشه بالليل, كمن يكون دوامه ليلاً في وقتنا هذا فعماد القسم النهار بالنسبة له لأنه وقت السكن والنوم. قال المؤلف ﵀: (ويقسم لحائض , ونفساء , ومريضة , ومعيبة , ومجنونة , مأمونة وغيرها)

стр. 2277

يقصد بغيرها كالتي آلى منها أو ظاهر أو المحرمة بالحج أو المحرمة بالعمرة، ما هو مقصود المؤلف في هذا الكلام، مقصود المؤلف أنه يجب عليه أن يقسم للزوجة وإن كان لا يمكن أن توطأ في هذا الوقت، لأي سبب من الأسباب التي ذكرها، إذا هذا هو ضابط هذه المسائل أنه يجب عليه أن يقسم لزوجته وإن كانت لا يوطأ مثلها لعارض في هذا الوقت، تعليل وجوب القسم وإن لم يمكن الوطء أنّ المقصود من القسم بالإضافة إلى الوطء ما يحصل من الإستئناس والسكينة لوجود الزوج وقربه من زوجته وهذا يحصل بالنوم ولو لم يوجد وطء، ووجوب القسم لمن لم يمكن أن توطأ محل إجماع فيجب عليه أن يبات عندها وإن لم يتمكن من الوطء لحيض أو إحرام أو نفاس أو غيرها. قال المؤلف ﵀: (وإن سافرت بلا إذنه, أو بإذنه في حاجتها, أو أبت السفر معه, أو المبيت عنده في فراشه فلا قسم لها ولا نفقة) ذكر المؤلف أربعة مسائل: المسألة الأولى: إن سافرت بلا إذنه. ... المسألة الثانية: إن سافرت بإذنه في حاجتها. الثالثة: إذا أبت السفر معه. ... الرابعة: إذا أبت المبيت عنده في فراشه. نحن سنتكلم عن ثلاث مسائل من هذه المسائل الأربعة, وهي المسألة الأولى والثالثة والرابعة. ثم نتكلم بكلام آخر عن المسألة الثانية وهي ما إذا سافرت بإذنه في حاجتها، المؤلف جمع بين هذه المسائل والواقع أنّ الأحكام تختلف، نأتي إلى المسائل الثلاث الأولى وهي: سافرت بلا إذنه، أو أبت السفر معه، أو أبت المبيت عنده في فراشه, إذا فعلت ذلك فلا قسم لها ولا نفقة. أما من جهة القسم فلا قسم لها بالإجماع, في هذه المسائل الثلاث, لأنها بعصيانها فوتت على نفسها حق القسم, لأنها سافرت بلا إذنه أو أبت المبيت عنده. وأما النفقة ففيه خلاف, وليس محل إجماع كالقسم, والصحيح في النفقة أنه لا نفقة لها أيضاً, وهذا هو الصحيح من المذهب. وهو الصحيح من حيث الدليل, وستأتي هذه المسألة في كتاب النفقات، لكن نقول الصحيح إن شاء الله أنه لا نفقة لها في هذه المسائل الثلاث يعني إذا سافرت بلا إذنه, أو أبت السفر معه أو أبت المبيت عنده في فراشه، فلا قسم ولا نفقة, إلاّ أنّ الفرق بينهما أنّ القسم محل إجماع والنفقة محل خلاف.

стр. 2278

قال المؤلف ﵀: (أو بإذنه في حاجتها) إذا سافرت بإذنه في حاجتها ففيه خلاف، فالمذهب كما ترون لا قسم لها ولا نفقة, لأنها سافرت لحاجتها فسقط حقها. القول الثاني: أنّ لها القسم والنفقة, والسبب في ذلك أنها وإن سافرت في حاجتها إلاّ أنها سافرت بإذنه فلما أذن لها لم يسقط حقها لا في القسم ولا في النفقة. القول الثالث: أنها إذا سافرت بإذنه في حاجتها سقط حقها في القسم وبقي حقها في النفقة. والسبب في هذا أنها لما سافرت بإذنه النفقة باقية، وأما القسم فهي التي فوتت على نفسها القسم بسفرها فأسقطت حقها بهذا السفر وإن كان بإذنه، هذا القول الثالث اختاره ابن عبوس من الحنابلة، وابن عقيل، وهو كما ترى قوي جداً ووجيه. سؤال / على القول لا قسم ولا نفقة ما معنى هذا القول وهي مسافرة؟ كيف يدخل القسم والنفقة وهي مسافرة؟ يثبت حقها إذا رجعت يقضيها. على القول بوجوب أو بثبوت القسم والنفقة بإذنه فإنّ الحكم إذا رجعت قسم لها بقدر ما غابت، فإذا غابت خمسة أيام يعطيها كم؟ خمسة أيام بقدر ما غابت يعطيها، وكما ترون أنه إذا سافرت لحاجتها كيف نقول إذا رجعت يعطيها كل الأيام التي سافرت فيها لهذا مضرة للزوجات الأخريات كم أنّ السفر كان لحاجتها هي. مسألة / ذكر المؤلف ما إذا سافرت بإذنه لحاجتها, بقينا فيما إذا سافرت لحاجته هو، فإذا سافرت لحاجته لم يسقط قسم ولا نفقة فإذا رجعت قسم لها ويستمر في الإنفاق مدة السفر, لأنّ السفر كان لقضاء حاجة الزوج. قال المؤلف ﵀: (ومن وهبت قسمها لضرتها بإذنه أو له فجعله لأخرى جاز) إذا وهبت إحدى الزوجات نصيبها لزوجة معينة أو وهبته للزوج وجعله هو لزوجة معينة جاز, تعليل ذلك من وجهين: الوجه الأول: أنّ سودة ﵂ جعلت يومها لعائشة ﵂ وهذا نص في المسألة. التعليل الثاني: أنّ الحق لا يخرج عنه وعنها، فإذا رضي بذلك جاز ونفذ، فإذا للزوجة أن تتنازل عن ليلتها لمعينة أو للزوج ليجعلها حيث شاء، وأيهما أفضل أن تتنازل لمعينة أو للزوج فيجعلها هو حيث شاء؟

стр. 2279

أنا أرى أنها تهب يومها لزوجة وليس للزوج لماذا؟ التعليل هو أنه إذا وهبت للزوجة جاز بالإجماع، وفي الآخر خلاف فخروجاً من هذا الخلاف ينبغي للزوجة أن تعطيها زوجة معينة؟ وأيضاً تعليل فعل سودة جميل, لأنه هذا تأسي بسودة وليس كما فعلت أحق. قال المؤلف ﵀: (فإن رجعت قسم لها مستقبلاً) إذا رجعت فالحكم ينقسم إلى قسمين: ١ - أن يكون التنازل عن الليلة مقابل عوض وأن يكون بغير عوض، فإن رجعت بعد أن تنازلت بغير عوض جاز لها الرجوع في المستقبل بالإجماع، لأنّ هذا من الحقوق المتجددة. ٢ ـ أن تكون تنازلت مقابل عوض حينئذ ليس لها الرجوع لأنّ المعاوضات لازمة، إذا هذا حكم الرجوع لكن ينبغي أن تعلم أنّ المعوضة في التنازل عن ليلة محل خلاف والحنابلة يرون أنه لا يجوز ولكن القول الصحيح أنّ للزوجة أن تتنازل عن ليلتها مقابل عوض ونحن ذكرنا التفصيل بناء على القول الصحيح. قال المؤلف ﵀: (مستقبلاً) يعني ما مضى ليس لها أن تتراجع عنه، فإذا قالت أنا تنازلت عن سبع ليالي للتجربة, والآن رجعت فاقسم لي سبع ليالي ليس لها ذلك لماذا؟ لأنّ هذا التنازل في حكم الهبة المقبوضة، والهبة المقبوضة لا يجوز الرجوع فيها. قال المؤلف ﵀: (ولا قسم لإمائه , وأمهات أولاده , بل يطأ من شاء متى شاء) الإماء وأمهات الأولاد ليس لهن قسم, والدليل على هذا أنّ النبي ﷺ اتخذ جاريتين يطأهما ولم يقسم لهما. الدليل الثاني: قوله تعالى ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء/٣] يعني أنّ ما ملكت اليمين لا يجب فيه العدل. الثالث: الإجماع فإنهم أجمعوا أنه لا يجب أن يقسم للأمة فلا إشكال في الأمة. قال المؤلف ﵀: (وإن تزوج بكراً أقام عندها سبعاً ثم دار , وثيباً ثلاثاً) قلنا في أول القسم كنا تحدثنا في أول الفصل عن قسم الابتداء، ما معنى قسم الابتداء؟ إذا كان له زوجة واحدة. أما هذا فالقسم إذا كان له أكثر من زوجة، إذا تزوج البكر فإنه يمكث عندها سبعاً، وإذا تزوج الثيب فإنه يمكث عندها ثلاثاً.

стр. 2280

والدليل على هذا حديث أنس ﵁ أنه قال من السنة إذا تزوج البكر أن يمكث عندها سبعاً وإذا تزوج الثيب أن يمكث عندها ثلاثاً، هذا نص في التقسيم الذي ذكره المؤلف. الدليل الثاني: أنّ النبي ﷺ قال لأم سلمة (إنه ليس بك هوان على أهلك إن شئت سبعت لك وإن سبعت لك سبعت لهن) أو قال (سبعت للبواقي) فهذا الدليلان نص على مسألة أنه إذا تزوج البكر قام عندها كم؟ سبعاً وإن تزوج الثيب أقام عندها كم؟ ثلاثاً، ولا إشكال في هذه المسألة لأنّ النص صريح. قال المؤلف ﵀: (وإن أحبت سبعاً فعل وقضى مثلهن للبواقي) يعني وإن أحبت البكر أو الثيب؟ إذا الضمير يرجع على الثيب إن أحبت الثيبة بقي عندها سبعاً لكن إن بقي عندها سبعاً سبع للبواقي لقول النبي ﷺ (إن سبعت لك وإن سبعت لك سبعت للبواقي)، هنا إشكال كيف يسبع للبواقي ولها حق في ثلاث. كان المتبادر للذهن أن يربع أليس كذلك؟ لأنّ الثلاث حق أصلي. أجاب الفقهاء على هذا الإشكال بأنّ المرأة الثيب إذا تزوجها الرجل فلها حق في الثلاث ما لم تتصل بالسبع، فإن اتصلت سقط حقها بالثلاث يعني لها حق في ثلاث غير متصلة بأربع فإن اتصلت سقط حقها, هكذا أجابوا عن الحديث. القول الثاني: أنه إذا سبع للثيب, فإنه يربع للبواقي، لأنّ الثلاث حق أصلي لها, فإذا يقسم للبواقي الزائد عن هذا الحق الأصلي، وهذا القول قول وجيه من حيث النظر لكن مع ذلك مرجوح لمخالفته السنة الصريحة لهذا الراجح المذهب. فصل قال المؤلف ﵀: (النشوز ... ) النشوز لغة: يطلق على المكان المرتفع من الأرض كأن المرأة ارتفعت عليه واستعصت وهو مشتق من نشز على وزن فلس. أما اصطلاحا فسيذكره المؤلف. قال المؤلف ﵀: (النشوز: معصيته إياه فيما يجب عليها) قصر المؤلف النشوز على الزوجة والصواب أنه يكون منهما ولهذا فالتعريف الأقرب: (امتناع الزوجين أو أحدهما عن أداء الحق الواجب عليه بلا عذر) قال المؤلف ﵀: (فإذا ظهر منها أماراته .... ) الفقهاء من أصحاب المذاهب الأربعة يعتبرون النشوز يحصل بأحد أمرين: ١) امتناعها عن الاستمتاع.

стр. 2281

٢) الخروج بلا إذن ونحوه كأن تغلق الباب دونه أو تمتنع عن السفر معه. فهذا هو المقصود بالحق الواجب إلا أن المالكية أضافوا ترك الفرائض فجعلوه من النشوز، وظاهر كلام الفقهاء أن ترك الخدمة ليس من النشوز، أما على القول بندبه فظاهر، وأما على القول بوجوبه فكذلك لم يذكروه من النشوز أي الامتناع عن الخدمة. قال المؤلف ﵀: (بأن لا تجيبه إلى الاستمتاع مطلقاً أوتجيبه متبرمة) والتبرم هو التثاقل في الاستجابة (أو متكرهة)، يعني مع كراهة الاستجابة فعلمنا من كلام المؤلف أنّ الامتناع عن الاستجابة تماماً نشوز، كما أنّ التكره والتبرم أيضاً ماذا؟ نشوز وليس من علامات النشوز. قال المؤلف ﵀: (وعظها) اتفق الجماهير على أن التأديب على الترتيب فلا ينتقل إلى الثاني إلا بعد تجربة الأول وهكذا، لكن اختلفوا متى يبدأ بأول مراحله، فالقول الأول: وهو المذهب ومذهب الشافعية يبدأ بالوعظ من حين ظهور الأمارات، ولو لم يظهر النشوز فعلاً. القول الثاني: وهو مذهب المالكية والحنفية لا يبدأ بالوعظ إلا بعد ظهور النشوز فعلاً. والأقرب الأول لقوله تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن ... ﴾ فعند الخوف من النشوز يبدأ بالوعظ. قال المؤلف ﵀: (وعظها) المرحلة الأولى من العلاج أن يعظ، يشمل عدة عناصر: العنصر الأول: أن يخوفها بالله، وأن يبيّن لها أنّ عملها من الآثام التي يجب أن تتوب عنها. ثانياً: يبيّن لها عظم المعصية، يعني أولاً يخوفها بالله ثم يبيّن لها أنّ المعاصي لها آثار سيئة على قلب وبدن المسلم. الثالث: أن يبيّن لها ما يترتب على النشوز من ترك النفقة والهجر والضرب, هذه ثلاث عناصر في الوعظ، ويختلف الناس في الوعظ بحسب الحال وبحسب المرأة والرجل. قال المؤلف ﵀: (فإن أصرت هجرها) قوله فإن أصرت يعني فإن أظهرت النشوز حينئذ ينتقل إلى المرحلة الثانية، وهي الهجر فإن أصرت هجرها. قال المؤلف ﵀: (فإن أصرت هجرها في المضجع ما شاء, وفي الكلام ثلاثة أيام) قسم الشيخ الهجر إلى قسمين: قسم الأول: الهجر في المضجع. القسم الثاني: في الكلام.

стр. 2282

القسم الأول الهجر في المضجع، اختلف الفقهاء فيه فمنهم من قال الهجر في المضجع يحصل بترك الجماع، ومنهم من قال في المضجع يحصل بأن يوليها ظهره, ومنهم من قال الهجر في المضجع يحصل بأن ينام في مكان آخر. والصواب أنّ الهجر يقصد منه جميع هذه الأمور، ويستعمل الزوج من هذه الأمور ما يرى أنه الأوفق لحال الزوجة، وهذا من بلاغة وإعجاز القرآن, لأنه أمر بالهجر أو أرشد إلى الهجر وأطلق ولم يبيّن كيفية الهجر ليرجع الزوج إلى المناسب لحالته، فيستخدمه في الهجر. قال المؤلف ﵀: (في المضجع ما شاء , وفي الكلام ثلاثة أيام) للزوج أن يهجر زوجته ثلاثة أيام ولا يزيد, ولو لم ترتدع بالهجر ثلاثة أيام, فإنه لا يجوز له أن يهجر أكثر من ثلاثة أيام. لقول النبي ﷺ (لا يحل للمرء أن يهجر أخاه أكثر من ثلاثة أيام). القول الثاني: أنّ له أن يهجر ما شاء إلى أن تتأدب، لأنّ هذا الهجر يقصد منه التأديب، ولعل الأقرب أنه لا يتجاوز ثلاثة أيام، وله أن يستخدم أساليب أخرى لم ينهى عنها الشارع في التأديب. قال المؤلف ﵀: (فإن أصرت , ضربها ضرب غير مبرح) إذا أصرت انتقل إلى المرحلة الثالثة, وهي الضرب والضرب يشترط له شروط: الأول: أن يظن نفع الضرب في حال زوجته، فإذا ظن أنّ الضرب لا ينفع فلا يجوز له أن يستخدم هذا الأسلوب. الشرط الثاني: أن يضربها ضرباً غير مبرح، ولا يجوز له أن يضرب ضرباً مبرحاً وهو إجماع ولو ظن أو جزم أنّه إن ضرب فإنها سترتدع لا يجوز له أن يضرب إلاّ ضرباً غير مبرح لأنّ هذا ليس من العشرة بالمعروف, ولأنّ النبي ﷺ أرشد ونص على أنّ الضرب يكون غير مبرح. ((انتهى الدرس)).

стр. 2283

الدرس: (١٦) من النكاح قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. باب الخلع قال المؤلف ﵀: (باب الخلع) هذا الباب من الأبواب المهمة , لأنّ حاجة الناس إليه كثيرة. ووضع المؤلف باب الخلع بعد النشوز من الترتيب الحسن, لأنه إذا لم ينفع العلاج القرآني في النشوز, فإن الحل سيكون إما بالطلاق أو بالخلع, وقدّم الخلع هنا لأنّ الطلاق له كتاب خاص. الخلع في لغة العرب هو: النزع والتجريد, ووجه التسمية أنّ كلاً من الرجل والمرأة إذا حصل بينهما عقد النكاح صار لباساً للآخر فإذا خالعته كأنها نزعت هذا اللباس.

стр. 2284

وأما في الشرع: فالخلع فراق الزوج زوجته بعوض, هذا حقيقة الخلع. والخلع مشروع بالكتاب والسنة. فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [النساء/٣] ورفع الجناح يدل على الجواز. وأما السنة فحديث ابن عباس ﵁ وما فيه من قصة ثابت, وستأتينا لأنّ هذا الحديث هو أصل الباب. وأيضاً أجمعت الأمة على مشروعية الخلع, ولم يخالف في هذا إلاّ بكر المزني وهو تابعي مشهور ﵁ ورحمه - ولكن استقرّ الأمر على أنّ الخلع مشروع جائز. بهذا عرفنا تعريف الخلع لغة وإصطلاحاً وأنه مشروع. قال المؤلف ﵀: (من صح تبرعه من زوجة , وأجنبيّ صحّ بذله لعوضه) ذكر المؤلف هنا الضابط فيما يصح أن يبذل العوض, فالضابط أنّ كل من صح تبرعه صح أن يبذل العوض, وخرج بهذا من لايصح تبرعه, ومن أمثلته: المحجور عليه لسفه, لا يجوز له ولا يصح من أن يبذل العوض في الخلع, لأنّ الخلع فيه تبرع ولا يجوز له أن يتبرع، فإذا كانت المرأة سفيهة محجور عليها لسفهها فلا تستطيع أن تخالع. مسألة/ لا تسطيع أن تخالع ولو أذِن لها الولي, لأنّ الولي ليس له الحق فالإذن بالتبرعات. والقول الثاني: أنها إذا خالعت بإذن الولي وكان في هذا الخلع مصلحة لها جاز وإلاّ فلا, فإذا أذن لها الولي لأنّ مصلحتها في المخالعة فحينئذ يصح الخلع, ويصح بذل هذه المرأة للعوض, وهذا القول الأخير إن شاء الله أقرب وهو إختيار العلامة المر داوي ﵀. مسألة /ذكرنا حكم المحجور عليها لسفه, أما المحجور عليها لفلس فهذه يصح تصرفها في الذمة, ولهذا يصح أن تخالع, ويثبت العوض في ذمتها, لأنّ لها تصرفاً صحيحاً في الذمة. قال المؤلف ﵀: (من زوجة , وأجنبيّ (

стр. 2285

أخذنا التفصيل في الزوجة، نأتي إلى الأجنبي يصح عند الأئمة الأربعة, أن يبذل عوض الخلع رجل أجنبي أو إمرأة أجنبية, ولو بغير رضا الزوجة, واستدل الأئمة على هذا بأنّ هذه معاضة فجازت من الأجنبي. القول الثاني: أنّ الأجنبي لا يصح أن يبذل عوض الخلع, وهذا مذهب الفقيه الكبير أبي ثور ﵀. واستدل على هذا بأنّ بذل العوض لمخالعة زوجة الغير سفه, لأنه لا فائدة للباذل من هذا البذل, إذ ماذا ينتفع الإنسان من بذله عوضاً لخلع زوجة الآخر. القول الثالث: أنه يصح للأجنبي بشرط أن يكون القصد من المخالعة تخليص الزوجة من رقّ الزوج لمصلحتها، يعني وإلاّ فلا يجوز، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ﵀ وهو قول قوي, فإذا بذل العوض بقصد مصلحة الزوجة, فهو جائز وهو إن شاء الله مثاب على هذا العمل. قال المؤلف ﵀: (فإذا كرهت خُلُق زوجها, أو خَلقهُ , أو نقص دينه , أوخافت إثماً بترك حقِّهِ أُبيح الخل) انتقل المؤلف لبيان متى يجوز للمرأة أن تطلب الخلع، وذكر أربعة أمثلة, يجوز فيها للمرأة أن تطلب الخلع. المثال الأول: إذا كرهت خُلُق الرجل, يعني كرهت أخلاقه وتصرفه معها وفي البيت. الثاني: إذا كرهت خَلقَه, فإذا صارت تكره خلقه وترى أنه لايعجبها, فلها حينئذ أن تطالب بالخلع. الثالث: نقص دينه, إذا كرهت منه نقص دينه, بأن لا يأتي بالفرائض على وجهها, أو ألاّ يصلي مع الجماعة, أو أن يتعاطى الذنوب أياّ كان نوعها, فإن هذا من الأسباب المسوغة لطلب الخلع. الأخير: خافت إثماً بترك حقه, إذا خافت إثما بترك حقه جاز لها أن تخالع, ولو كانت لا تعيب خلَقه ولا خُلُقه ولا دينه فإنه أحياناً تكره المرأة الرجل بلا سبب, وتكون هذه الكراهة من أسباب عدم قيامها بالواجب عليها, حينئذ يجوز لها أن تخالع, الدليل على جواز الخلع في هذه الصورة الآية والحديث: أما الآية فقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [النساء/٣] فنصت على أنه إذا خافت ألاّ تقيم حدود الله أي ألاّ تؤدي الواجب عليها جاز لها أن تخالع.

стр. 2286

وأما الحديث فهو حديث ابن عباس الذي أشارت إليه, فإنّ زوجة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ وقالت يارسول الله لا أنا ولا ثابت. وفي رواية في الصحيح، قالت لا أعيب عليه في خُلُق ولا دين, ولكني أكره الكفر, ومقصودها بالكفر أي كفران العشير, والنبي ﷺ لما سمعها تقول لا أعيب خلق ولا دين, أقرّها على أنها لو كانت تعيب عليه خلق أو دِين جاز أن تخالعه, فأخذنا من مجموع الآية والحديث, أنه إذا وجدت هذه الأسباب ونظائرها جاز للمرأة أن تطلب الخلع. قال المؤلف ﵀: (وإلاّ كره ووقع) مقصود المؤلف بقوله وإلاّ كره ووقع يعني أنه مع استقامة الحال يكره للمرأة أن تطلب الخلع, واستدلوا على الجواز بقوله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ [النساء/٤] فدلت الآية على أنّ المرأة إذا طابت نفسها بشيء من المهر عوضاً جاز مطلقاً, وإلى هذا ذهب الجماهير يعني ذهبوا إلى الجواز مع الكراهة. القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ ومذهب داود الظاهري واختاره من المحققين ابن المنذر ﵀ أنه لا يجوز في هذه الحالة الخلع, واستدلوا بثلاثة أدلة: الدليل الأول: أنّ الآية إنما أباحت الخلع إذا خافوا ألاّ يقيموا حدود الله, ومع استقامة الحال, لا يتحقق الشرط. الدليل الثاني: قول النبي ﷺ (أيما امرأة طلبت الطلاق من غير ما بأس لم ترح رائحة الجنة) والخلع نوع من الفراق فيقاس على الطلاق. الدليل الثالث: قول النبي ﷺ (المختلعات والمتبرجات هنّ المنافقات)، وحملوا الحديث على المختلعات بغير سبب لأنّ النبي ﷺ أقرّ إمرأة ثابت على طلب الخلع, لكن هذا الحديث الأخير ضعيف. والراجح والله أعلم القول الثاني, وفي ظنيّ أنّ هذه المسألة نظرية, لأنّ المرأة لماذا تطلب الخلع مع استقامة الحال, يعني يبعد أن تطلب الخلع مع استقامة الحال، لكن لو فرض أنّ إمرأة مستقيمة الحال مع زوجها وأرادت أن تخالع هكذا, فإنّ الحكم أنّ الجمهور يرون أنّ عملها مكروه , والصحيح أنّ عملها محرم. قال المؤلف ﵀: (فإن عضلها ظلماً للافتداء)

стр. 2287

إذا عضلها ظلما للافتداء فإنّ الخلع لا يصح, لقوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله﴾ [البقرة/٢٢٩] فالآية نصّت أنه لا يحل للإنسان أن يعضل المرأة لتفتدي منه. وعضل المرأة يكون بالتضييق عليها أو بالضرب أو بمنع الحقوق أو بمنع النفقة. القول الثاني: أنه إذا عضلها لتفتدي ظلماً, فإنّ الخلع صحيح والعوض حق يكون للزوج لكن مع الإثم, وهذا مذهب الأحناف. القول الثالث: أنه إذا عضلها لتفتدي منه, فافتدت منه فإنّ الخلع صحيح ولكن مجاناً فيرد العوض, وهذا مذهب للإمام مالك ﵀ معاملة له بنقيض قصده, فالإمام مالك ألزمه بالخلع يعني بالبينونة الصغرى مع عدم أخذ العوض, كأنه أراد أن يعاقبه على قصده السيئ, انظر الفرق بين مذهب مالك ومذهب أبي حنيفة, تماماً هذا في أقصى الشمال وهذا في أقصى اليمين, وتوّسط بينهما الإمام أحمد, والأقرب والله أعلم مذهب مالك, لأنه عهد في الشرع معاقبة الإنسان بنقيض قصده, فهذا الغال يحرق رحله, ومن امتنع من الزكاة أخذت شطر ماله, فإذا نرى أن الشارع قد يعاقب الإنسان بنقيض قصده, كما أنّ في هذا ردعاً للأزواج الظلمة وإغلاقاً لباب مضايقة المرأة لتفتدي منه بغير حق , فإنّ بعض الأزواج إذا كره زوجته ولم يجد عليها أي خطأ ويريد استرداد المهر صار يظلمها ويعضلها ويضايقها حتى تفتدي, ولاشك أنّ هذا ظلم, لأنه إذا أراد هو أن يطلق فليطلق وليبقى المهر عند الزوجة, لكن بعضهم يتخذ هذا الأسلوب حيلة لاسترداد المهر, وهو مردود عليه. قال المؤلف ﵀: (ولم يكن لزناها) هذه العبارة استثناء من العبارة السابقة, يعني إن عضلها لزناها صح لقوله تعالى: ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [النساء/١٩] والآية نصّ في أنّ إذا أتت المرأة بفاحشة جاز للرجل أن يعضلها وأن يضايقها بمختلف التصرفات حتى تفتدي منه, لأنّ هذه المضايقات والعضل بحق, فهذه الصورة المستثنى من الأول.

стр. 2288

المستثنى الثاني قوله (أونشوزها أو تركها فرضاً ففعلت) يعني إذا عضلها لأنها نشزت عليه بترك الطاعة أو بترك الفرائض, فإنه يجوز له أن يعضلها, وأن يضايقها لتفتدي منه, لأنّ العضل بالضرب ومنع الحقوق حينئذ بحق, وإذا كان بحق جاز له أن يأخذ العوض المترتب عليه، فاستثنى المؤلف من العضل هاتين الصورتين فقط، إذا أتت بفاحشة أوكان العضل بسبب النشوز. قال المؤلف ﵀: (أو خالعت الصغيرة , والسفيهة , والمجنونة , والأمة بغير إذن سيدها لم يصح) إذا خالعت الصغيرة والمجنونة والسفيهة لم يصح, وهذا تأكيد لما سبق لأنه تقدم معنا أنّ من لا يصح تبرعه لا يصح بذله للعوض في الخلع, وهؤلاء المجنونة والصغيرة والسفيهة لا يصح أن يتبرعوا فلا يصح أيضاً أن يبذلوا العوض في الخلع, ويأتي معنا الخلاف السابق إذا بذلوه بإذن الولي, على المذهب لا يصح وعلى القول الثاني يصح, وتقدمت هذه المسألة. قال المؤلف ﵀: (والأمة بغير إذن سيدهالم يصح) يعني ولا يصح للأمة أن تخالع بغير إذن سيدها, تعليل ذلك: أنّ التصرف في الشرع فرع عن الملك, والأمة لا تملك فلا تتصرف، لهذا نقول لا يصح تصرفها وهو باطل إلاّ في حالة واحدة إذا أذن لها السيد. القول الثاني: أنه يصح للأمة أن تخالع إذا خالعت في ذمتها, ولا يصح أن تخالع إذا خالعت بمعيّن, لأنه إذا خالعت بذمتها فإنّ هذا لايضر السيد وبإمكانها إذا عتقت أن تؤدي ما عليها لأنه في ذمتها والصواب إن شاء الله أنّ الأمة لاتخالع إلاّ بإذن السيد مطلقاً، لأنها في ملكه وتصرفها يجب أن يكون تحت إمرته وإذنه. قال المؤلف ﵀: (ووقع الطلاق رجعياً إن كان بلفظه , أو نيته)

стр. 2289

هذا الحكم راجع لجميع المسائل التي ابتدأها بقوله (فإن عضلها ظلماً لتفتدي) بمعنى أنه لما بيّن مجموعة من المسائل لايصح فيها الخلع أراد أن يبيّن ماذا يكون حكمه إذا لم يصح الخلع , فذكر أنه إن خالع بلفظ صريح الطلاق أو بكنايته مع النية, فهو طلاق رجعي، وإن كان بغير لفظ صريح الطلاق ولابنيته فهو لاشيء، إذا عرفنا الآن فهذه المسائل التي حكمنا عليها أنّ الخلع لايصح ماذا يكون بعد ذلك؟ فعند الحنابلة أنّ هذا الخلع الذي لايصح إن كان بلفظ الطلاق الصريح أو بكنايته مع نيته فهو طلاق, وإن كان بغيرهما فهو؟ لاشيء، ولا يعتبر شيئاً, وسيأتينا مسألة هذا الطلاق، هل الخلع بلفظ الطلاق طلاقاً أو فسخاً؟ فصل قال المؤلف ﵀: (والخلع بلفظ صريح الطلاق , أو كنايته. وقصده طلاق بائن) هذه المسألة التي ابتدأ فيها المؤلف هذا الفصل من أهم المسائل, يقول المؤلف ﵀ (والخلع بلفظ صريح الطلاق بائن ( ..... ذكر الشيخ صورتين يكون الخلع فيهما طلاق بائن ومقصوده بكلمة بائن أي بينونة صغرى الصورة الأولى: إذا كان بصريح لفظ الطلاق أو بكنايته مع النية, وإلى هذا القول ذهب الأئمة الأربعة, بل ابن قدامه هو إجماع أنّ الخلع إذا كان بهذا اللفظ فهو طلاق بائن, استدلوا على هذا الحكم الجماهير بأدلة: الدليل الأول: قول النبي ﷺ في صحيح البخاري لثابت: خذ الحديقة وطلقها تطليقه، فقالوا النبي ﷺ إنما يتكلم باللفظ الشرعي فقوله طلقها تطليقه, يعني أنّ هذا الفسخ يكون طلاقاً لكنه بائن بسبب وجود ماذا؟ العوض. الدليل الثاني: أنّ هذا مروي عن ثلاثة من الصحابة عثمان وعلي وابن مسعود ﵃. الدليل الثالث: أنّ الفرقة التي يملكها الرجل إنما هي الطلاق فإذا فارق زوجته فقد طلقها, هذه أدلة الجماهير. نأتي الجواب على الأدلة أما الجواب عن الدليل الأول: فإنّ هذا اللفظ وإن كان في صحيح البخاري إلاّ أنه معلول ولايثبت وهو شاذ، بل من جملة من أشار إلى ضعفها الإمام البخاري في الصحيح فهذا اللفظ لا يثبت إنما اللفظ الصحيح أنه قال ﷺ خذ الحديقة وفارقها.

стр. 2290

الدليل الثاني: الآثار المروية عن الصحابة وقد نصّ الإمام أحمد أنه لا يثبت منها شيء، هي ضعيفة ولا تثبت عن أحد من أصحاب النبي ﷺ . أما الدليل الثالث: فهو استدلال بمحل النزاع هو يقول لاتوجد فرقة إلاّ طلاق، ونحن نقول توجد فرقة هي فسخ وليست طلاق, فليس له أن يستدل بمحل النزاع. القول الثاني: ولاشك أنه لايغيب عن ذهنك أنّ القول حكي إجماعاً, القول الثاني رواية عن الإمام أحمد وهي مذهب قدماء أصحابه كما يقول شيخ الإسلام وهو إختيار ابن القيم وإختيار شيخ الإسلام - رحمهما الله - ولما رأيت أنّ شيخ الإسلام يقول أنّ هذا رواية عن الإمام أحمد واختيار قدماء أصحابه تعجبت من حكاية ابن قدامة الإجماع, لو أنّ شخصاً آخر غير ابن قدامة حكى الإجماع لكان الأمر قريب لكن ابن قدامة أحد المخالفين في الرواية, كما أنّ قدماء الأصحاب وهو يعرفهم اختاروا هذا القول فلا أدري ما وجه حكاية الإجماع هل هو لم يقف على أقوالهم أو يرى أنهم رجعوا، هو في الحقيقة محل إشكال كيف يحكي الإجماع. أدلة القول الثاني الدليل الأول: أنّ هذا ثابت بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه يعتبر هذه الصيغة فسخاً وليست طلاقًا. الثاني: أنّ الله تعالى ذكر في القرآن الطلاق ثم الطلاق يعني ذكر التطليقتين ثم الخلع ثم الطلاق, قال ابن عباس ولو كان الخلع طلاقاً لكان الطلاق في كتاب الله أربعة, والأمة أجمعت أنّ الطلاق ثلاث مرات، الراجح إن شاء الله القول الثاني وضابط هذا القول أنّ أي فرقة تمت بعوض فهي فسخ وليست طلاق مهما كانت صيغة الفراق هذا هو الضابط للقول الثاني, إذا عرفنا الآن الحكم فيما إذا خالع بلفظ صريح الطلاق أوبكنايته مع النية. قال المؤلف ﵀: (وإن وقع بلفظ الخلع , أو الفسخ , أو الفداء ولم ينوه طلاقاً كان فسخاً لاينقص عدد الطلاق)

стр. 2291

إذا خالع بغير اللفظين السابقين, لا بصريح الطلاق ولا بكنايته مع النية، وإنما خالع بألفاظ أخرى, كلفظ الخلع أو الفسخ فإنّ الحكم عند الحنابلة أنه فسخ وليس بطلاق, ولا ينقص به عدد الطلاق, وهذا القول من مفردات الحنابلة, والجماهير أيضاً حتى في هذه المسألة على أنه طلاق, واستدلوا بالآثار المروية عن عثمان وعلي وابن مسعود, فإنها عامة تشمل الخلع الذي يكون بلفظ الطلاق أو بلفظ الفسخ، واستدل الحنابلة بأثر ابن عباس حيث اعتبر هذا فسخاً ولم يعتبره طلاقاً, وإذا كنّا نرجح أنّ الخلع بلفظ صريح الطلاق فسخ فإذا بلفظ الفسخ أو الخلع فمن باب أولى سيكون ماذا؟ فسخاً وليس طلاقاً ولاينقص به عدد الطلاق. قال المؤلف ﵀: (ولا يقع بمعتدة من خلع طلاق ولو واجهها به) معنى ولو واجهها به يعني ولو قال لها في وجهها أنت طالق, ذهب الحنابلة إلى أنّ المختلعة في عدة الخلع لا يلحقها طلاق, واستدلوا بدليلين: الدليل الأول: أنّ هذا مروي عن ابن عباس وعن ابن الزبير ﵄. الثاني: القياس على المطلقة إذا انقضت العدة, والجامع ما هو الجامع في هذا القياس؟ عدم إمكانية المراجعة في الصورتين هذا هو الجامع، وهو جامع صحيح. القول الثاني: للأحناف أنّ الطلاق يقع عليها إذا واجهها به, واستدلوا بقول النبي ﷺ إذا قال للمختلعة في عدتها أنت طالق فقد طلقت, فالحديث فيه قيد أن تكون في عدتها وفيه قيد أن يواجهها به، يعني بلفظ الطلاق والجواب: أنّ هذا الحديث لا أصل له أشد من أن يكون ضعيفاً لا أصل له, والراجح إن شاء الله أنه لايقع عليها طلاق في زمن العدة. قال المؤلف ﵀: (ولا يصح شرط الرجعة فيه) اشتمل كلام المؤلف على مسألتين: المسألة الأولى: أنه لا رجعة في الخلع سواء قلنا هو فسخ أو طلاق, لأنّ الله سمى العوض فداء, ولا يكون فداء إلاّ بذلك, يعني بأن لا يملك المراجعة, وهذا واضح.

стр. 2292

المسألة الثانية: أنه لو شرط المراجعة, فلا يصح أيضاً ويكون الخلع صحيحاً والشرط فاسداً, استدلوا على هذا بأنّ هذا الشرط منافي مقتضى العقد والمقصود منه, فإنّ مقصود المرأة من بذل العوض هو ماذا؟ ألاّ ترجع إليه، ولهذا صححنا العقد وأبطلنا الشرط هذا مذهب الحنابلة وهو واضح. القول الثاني: أناّ نصحح الشرط ولكن يرد الزوج العوض ويكون طلاقاً رجعياً, واستدل هؤلاء بأنّ شرط الرجعة لا يجتمع مع العوض فيتساقطان ويبقى أصل الطلاق. القول الثالث: أنّ الشرط صحيح والعقد صحيح, فيملك الزوج العوض ويملك أن يراجع, لأنّ المرأة رضيت بالشرط بطوعها, ولأنّ الشروط في المعاوضات صحيحة، وشيخ الإسلام يميل لهذا القول, تصحيح الشرط والعقد, والصحيح إن الله المذهب، لأنّ أصل الخلع والمقصود منه أن تملك المرأة نفسها, وأن لا يتمكن الزوج من مراجعتها, فاشتراط ما يسقط هذا المقصود هو في الحقيقة اشتراط اسقاط المقصود بالخلع، والشارع الحكيم إنما شرع عقود المعيّنة لتحقيق المقاصد منها, ولهذا البيع لما كان المقصود منه تلبية حاجات بعض الناس من بعض, لما فقد هذا القصد في الربا أبطله الشارع, كذلك نقول نحن هنا المقصود الشرعي في الخلع لا يجوز شرط اشتراط ما يسقطه. قال المؤلف ﵀: (إن خالعها بغير عوض , أو بمحرم لم يصح) ذكر الشيخ مسألتين: الأولى: إذا خالعها بغير عوض، هذه المسألة أيضاً مسألة ينبني عليها عدة فروع إذا خالعها بغير عوض لم يصح الخلع والسبب في هذا أنّ الله تعالى علّق في القرآن الخلع عل وجود الفدية, فإذا لم توجد الفدية لم يصح الخلع، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام. القول الثاني: أنّ الخلع بغير عوض صحيح, ويكون طلاقاً بائناً واستدل أصحاب هذا القول بالقياس على الطلاق بجامع أنّ في كل من الصورتين مفارقة يعني في كل من الصورتين قصد المفارقة, وهذا القول اختيار شيخ الإسلام, فيكون للشيخ في هذه المسألة قولان.

стр. 2293

تنبيه!!! على القول الثاني إذا صححنا الخلع بغير عوض يجب أن يكون طلاقاً بائناً ولايكون فسخ, والسبب في ذلك أننا لو صححناه فسخاً لا أمكن للإنسان أن يطلق بلا عدد كما كان في الجاهلية, والطلاق بلا عدد منسوخ في الشرع, ولأجل أن نجعله مغلق نقول هو طلاق بائن ويحسب من الثلاث ولا يكون فسخاً، الأقرب والله أعلم أنّ الخلع لايصح بلا عوض. وإذا أراد أن يفارق زوجته فليكن بالطلاق، لكن أصحاب القول الثاني إنما صححوا الخلع بلا عوض لأنه قد يكون مقصود الزوج أن يقطع الطريق على نفسه في مراجعة زوجته ولا يريد أن يأخذ عوض، وهذا لا يكون إلاّ بالخلع بلا عوض واضح, بعض الناس الآن يعلم أنّ بقاء زوجته معه مضر عليه في دينه ولكن نفسه تتوق إلى هذه الزوجة, ولا يريد أن يأخذ منها مال فالطريقة لكي يتخلص من هذه الزوجة أن يطلقها طلاقاً بائناً لا رجعة فيه, ولا يريد هو أن يطلق بالثلاث لأنه لايريد أن يستنفذ الطلقات, حينئذ ليس أمامه إلاّ الخلع بشرط عدم العوض وهذا الذي جعل شيخ الإسلام في الاختيار الثاني يصحح الخلع بلا عوض. نأتي إلى المسألة الثانية وهي إذا كان الخلع محرماً, الخلع المحرم على قسمين: القسم الأول: أن يكون محرماً بعلم الزوجين يعني أن يعلم الزوجان أنه محرم, فإذا علم الزوجان أنه محرم فالخلع باطل لأنّ العوض محرم. القول الثاني: أنه صحيح وللزوج مهر المثل, وهذا القول الثاني هو الصحيح، ولو قيل أنّ للزوج قيمة هذا العوض المحرم لكان وجيهاً جداً لا نقول له مهر المثل, بل نقول له قيمة هذا العوض المحرم. القسم الثاني: إذا كانا لا يعلمان أنّ العوض محرماً, فحينئذ يصح الخلع حتى عند الحنابلة, وله بدله، له بدل هذا العوض المحرم. قال المؤلف ﵀: (ويقع الطلاق رجعياً إن كان بلفظ الطلاق أو نيته)

стр. 2294

هذه العبارة تعود للمسألتين السابقتين, وهي الطلاق بغير عوض, والثانية بعوض محرم, فلما قرر المؤلف أنّ الطلاق بغير عوض أو على عوض محرم لا يصح, أراد كذلك أن يبيّن ماحكم هذا الخلع, والحكم عند الحنابلة أنه إن كان بلفظ صريح الطلاق أو بنيته, فله طلاق رجعي, وإن كان بغير لفظ صريح الطلاق ولا بنيته فهو لا شيء بناء على أنّ الحنابلة يرون أنّ الطلاق بغير عوض لا يصح. إذاً سيكون القول الثاني بناء على تصحيح الطلاق بغير عوض سيكون حكمه في هاتين الصورتين طلاق بائن بينونة صغرى ويحسب من عدد الطلقات, إذاً الآن نرجع لمسألتنا, الشيخ يقول هنا (ويقع الطلاق رجعياً إن كان بلفظ الطلاق أو نيته) وإن كان بغير لفظ الطلاق ولا نيته فهو عند الحنابلة لاشيء بناء على أنّّ الطلاق بغير عوض لايصح عند الحنابلة, وعلى القول بأنّ الطلاق بغير عوض يصح ويكون طلاقاً بائناً يحسب من الثلاث يكون طلاقاً بائناً يحسب من الثلاث, واضح وهذا كله مفرع على قضية أنّ الخلع بلفظ صريح الطلاق أو بنيته يكون طلاقاً. قال المؤلف ﵀: (وما صح مهرا صح الخلع به) لإطلاق الآية ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت﴾ [البقرة/٢٢٩] فأيّ شيء تفتدي به فهو صحيح. قال المؤلف ﵀: (ويكره بأكثر مما أعطاها) هذه المسألة في حكم أخذ الزوج أكثر من المهر الذي بذله في العقد, فالحنابلة يرون أنه يجوز للإنسان أن يأخذ أكثر مما أعطى, لكن مع الكراهة، دليل الحنابلة على أنه يجوز مع الكراهة الجمع بين أدلة الأقوال التي ستأتي. القول الثاني: وهو مذهب الجمهور الجواز بلا كراهة, واستدل الجمهور على الجواز بلا كراهة بأمرين: الأمر الأول: إطلاق الآية فإنّ الله شرع الافتداء ولم يقيّد هذا الافتداء بشيء. الثاني: أنه صح عن الصحابة جواز الخلع بكل شيء, حتى خلعت المرأة في زمن الصحابة بكل شيء حتى ما تربط به رأسها, كل شيء، كل ما تملك ومع ذلك صححه بعض الصحابة, وهو صحيح وثابت عنهم. القول الثالث: عكس الحنابلة أو عكس الجمهور أنه لا يجوز الزيادة مطلقاً, بل لا يأخذ إلاّ ما أعطى, واستدلوا على هذا بدليلين:. الدليل الأول: أنّ هذا مقتضى العدل, فتفتدي نفسها منه بما ملكها به أليس كذلك؟

стр. 2295

الثاني: قالوا أنّ النبي ﷺ قال لثابت خذ الحديقة ولا تزداد, فنهاه عن الزيادة وهذا اللفظ لايصح. الراجح مذهب الجمهور وهو الجواز بلا كراهة لأنّ هذا دلّ عليه الأثر وظاهر القرآن. مع هذا المحاكم يعملون بعمل جيد في الحقيقة, سألت أنا بعض القضاة ماذا تصنعون إذا طلب الزوج مبلغاً كبيراً, فهم في الحقيقة يتوسطون وهو قول نحن انتهينا من المسألة العلمية والترجيح, لكن من حيث تأديب الناس والتعامل معهم قول ممتاز جداً, وهو أنهم يسمحون بالزيادة غير المفرطة، يعني له أن يزيد لكن بلا مبالغة, فهو قول يعني من حيث العمل جيد جداً، نقول خذ لكن بلا مبالغة لاسيما إذا كان من الزوج شيء من التفريط والخطأ وهذا من السياسة الشرعية المحمودة في الواقع. قال المؤلف ﵀: (وإن خالعت حامل بنفقة عدتها صح) الزوج إذا طلق زوجته وهي حامل, فيجب عليه أن ينفق عليها كما سيأتينا في كتاب النفقات, سواء قلنا أنّ النفقة للحمل كما هو مذهب الحنابلة, أو النفقة لها بسبب الحمل, على أي من القولين يصح أن تخالع بهذه النفقة, فتقول النفقة التي تجب عليك لزمن العدة هي عوض الخلع فيصح والمؤلف يريد أن يشير إلى مسألة, وهي أنّ هذا يصح وإن كنا لا نعلم مقدار النفقة، فقد تكون نفقة كبيرة وقد تكون قليلة, ومع ذلك يصح, وهذه المسألة في الحقيقة ترجع إلى المسألة التالية. قال المؤلف ﵀: (ويصح بالمجهول) يعني وبالمعدوم الذي ينتظر وجوده, أما المعدوم الذي لا ينتظر وجوده فلا يصح, ذهب الحنابلة إلى أنه يصح الخلع بالعوض المجهول واستدلوا على هذا بأدلة: الدليل الأول: القياس على الوصية. الدليل الثاني: أنّ الخلع هو عبارة عن إسقاط, فالزوج يسقط حقه من البضع, ونحن مرّ معنا مراراً أنّ الإسقاطات فيها تسامح، وهذا قاعدة في الفقه أنّ ما يكون من باب الإسقاطات فيه تسامح. القول الثاني: أنّ الخلع بالمجهول يصح, لكن يجب عليها مهر المثل، نحن نقول القول الثاني يصح ويجب عليها مهر المثل, والقول الأول يصح وللزوج ما أعطت, أي شيء تعطيه هو العوض لأنّا نصحح العوض المجهول.

стр. 2296

القول الثالث: أنّ الخلع بالمجهول لا يصح, لأنّ الخلع وإن كان فيه شائبة التبرع, إلاّ أنه في الأصل معاوضة, والجهالة لا تصح في المعاوضات، يبدوا لي أنّ شيخ الإسلام يرى المذهب, والسبب في هذا أنّ الشيخ ﵀ صرّح بصحة الخلع الذي فيه غرر، والغرر والجهالة شيء واحد في الفقه، هو لم يصرح فيما وقفت عليه صحة الخلع بالمجهول لكن صرّح بصحة الخلع مع وجود الغرر، فينبغي أن يصحح هذا على كل حال الراجح أنه لا يصح إلاّ أن يكون العوض معلوماً وهو القول الثالث, لأنّ تصحيح الخلع بعوض مجهول يفضي غالباً إلى الشقاق والنزاع, لاسيما وأنّ الخلع يحصل عادة مع الوفاق أو مع النزاع؟ مع النزاع فإنه يندر أن يكون الخلع مع الوفاق فغالباً ما يكون مع النزاع, فإذا زاد هذا النزاع نزاعاً آخر بسبب الجهالة استحكمت العداوة والفرقة، ولهذا نقول إن شاء الله الأصح أنه لابد أن يكون معلوماً. قال المؤلف ﵀: (فإن خالعته على حمل شجرتها , أو أمتها , أو ما في يدها , أو بيتها من دراهم أو متاع , أو على عبد صح) هذه المسائل هي تفريع على القاعدة أو على الضابط وهو تصحيح الخلع بالمجهول, لما صحح الخلع بالمجهول أراد أن يذكر مسائل تنبني على هذا الضابط, وذكر ثلاث نماذج من المسائل, المسألة الأولى: (إذا خالعته على حمل شجرتها أو أمتها) المسألة الثانية: (إذا خالعته على ما في يدها أو ما في بيتها من دراهم أو متاع) المسألة الأخيرة: (إذا خالعته على عبد وأطلقت ولم تبيّن) ففي الصور الثلاث الخلع صحيح, فإذا خالعته على حمل شجرتها أو أمتها فليس له إلاّ ما تحمل الشجرة وكذلك إذا خالعته على حمل الشاة فليس له إلاّ ما تحمل هذه الشاة, ولو حملت الشاة ومات الولد الذي في بطنها ليس له إلاّ هذا الذي في بطنها, لأنها خالعته على الذي في بطنها, كذلك إذا خالعته على ما في يدها أو ما في بيتها من الدراهم ليس له إلاّ ما في يدها وليس له إلاّ ما في بيتها, ولو كانت الدراهم أقل من ثلاث, التعليل أنها خالعته على ما في يدها وهذا ما في يدها ليس في يدها إلاّ درهم واحد, وهو رضي بأن تخالعه على ما في يدها.

стр. 2297

القول الثاني: أنه إذا خالعها على ما في يدها أو ما في الدار من دراهم, ثم تبيّن أنه أقل من ثلاث فله ثلاث يعني دراهم, لأنّ كلمة دراهم لا تصدق على أقل من ثلاث، والراجح المذهب ليس له إلاّ ما في يدها, لأنه رضي بما في يدها وهذا ما في يدها. وأنا أقول هذا الراجح بناء على جواز الخلع بالمجهول، أو متاع إذا خالعته على ما في بيتها من متاع فله ما في البيت من متاع سواء كان المتاع قليل جداً أو كان المتاع كثير جداً له ما في البيت من متاع أيّاً كان قدره. أو على عبد إذا خالعته على عبد ليس له إلاّ عبد لكن كيف نحدد هذا العبد, بالنسبة لمتاع البيت وما في يدها واضح. لكن إذا خالعته على عبد وأطلقت فله أقل ما يصدق عليه مسمى العبد, وليس له أن يعترض لأنها خالعته على عبد وأطلقت ورضي. قال المؤلف ﵀: (وله مع عدم الحمل والمتاع والعبد أقلّ مسماه , وعدم الدراهم ثلاثة) له مع عدم الحمل يعني إذا خالعته على حمل أمتها ولم تحمل، أو خالعته على المتاع فلما دخلنا البيت لم نجد فيه متاعاً مطلقاً، أو خالعته على عبد ووجدنا أنها لا تملك أيّ عبد كان, حينئذ له أقل المسمى من الحمل والمتاع والعبد, فإذا خالعته على حمل شاة فله أقل ما يسمى حملاً سواء كان ذكر أو أنثى أو كبير أو صغير أو أي من نوع من أنواع الشياه , وكذلك العبد وكذلك الحمل, لأنّ الذمة تبرأ بأقل مسمى العوض المذكور. قال المؤلف ﵀: (ومع عدم الدراهم ثلاثة) لأنّ أقل مايسمى دراهم ثلاثة, إذاً الآن إذا خالعته على ما في يدها فإن كانت اليد فارغة كم له؟ وإن كان في اليد درهم واحد فصار أنفع له أن تكون اليد فارغة أو مليئة؟ الأنفع له أن تكون فارغة, لأنها إذا كانت واحدة فليس له على المذهب إلاّ هذا الدرهم وإذا كانت فارغة فسيكون له ثلاثة. فصل قال المؤلف ﵀: (وإذا قال: متى , أو إذا , أو إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق طلقت بعطيته)

стр. 2298

هذا الفصل المؤلف أراد منه بيان مسألة مهمة, عقد الفصل لتحقيق هذا المقصد وهو أنّ الطلاق على عوض كالخلع في أنّ الزوج لا يملك مراجعة زوجته, لأنّ المقصود من الطلاق على عوض أن تفتدي نفسها وأن تتخلص من ضرره وإذا مكناه من المراجعة ذهب هذا الغرض, إذاً مرة أخرى مقصود المؤلف من هذا الفصل بيان أنّ الطلاق سواء كان معلق أو منجز إذا كان على عوض فهو كالخلع في ماذا؟ في عدم جواز المراجعة, وذكرت التعليل على هذا. قال المؤلف ﵀: (وإن تراخى) أفادنا المؤلف - رحمه الله تعالى - مسألتين: المسألة الأولى: أنّ الزوج إذا استخدم هذه الألفاظ صار التعليق لازماً من جهته وليس له الرجوع فإذا قال متى أعطيتني ألفاً فأنت طالق، أصبح لازماً ولا يملك الرجوع ولا فسخ التعليق, واضح. فيبقى الأمر بيد المرأة إلى ما لا نهاية تعليل هذا قالوا أنّ هذه الصيغة اشتملت على تعليق وعوض, أليس كذلك لأنه يقول متى أعطيتني ألفاً فأنت طالق اشتملت على التعليق والعوض لأنه يقول متى أعطيتني كم؟ ألفاً قالوا والمرجح والمغلب في هذه الصيغة هو التعليق لا العوض ولهذا يكون التعليق لازما في حق الزوج , وهذا مذهب الجمهور. القول الثاني: أنّ هذا التعليق ليس بلازم بل للزوج فسخه متى شاء , واستدل أصحاب هذا القول بأنّ حقيقة هذا التعليق أنه تعليق مقابل بعوض فهو بالبيع أشبه منه بالتعليق, وهو يفارق التعليق المحض, التعليق المحض كأن يقول إذا دخل زيد فأنت طالق هذا تعليق محض, هل يوجد عوض في هذا التعليق, إذاً هو تعليق محض فالتعليق المربوط بعوض يفارق التعليق المحض لأنّ التعليق المحض هو في الواقع ايقاع للطلاق وغاية ماهنالك أنه مؤخر، بخلاف التعليق الذي معلق بعوض فالمقصود منه المعاوضة وبهذا أصبح بين الصورتين فرق، وهذا الفرق البديع في الحقيقة ذكره شيخ الإسلام وانتصر لهذا القول الثاني وقوله وجيه وقوي, وعلمنا من هذا التفريق أنّ هناك فرق بين أن يقول الرجل لزوجته إن أعطيتني ألف فأنت طالق وبين أن يقول إن خرجت من هذا الباب فأنت طالق. ففي الصورة الأولى يملك الفسخ وفي الصورة الثانية لا يملك الفسخ. انتهينا من المسألة الأولى التي دلت عليها عبارة المؤلف.

стр. 2299

المسألة الثانية: أنّ هذا الحق يثبت على التراخي, فهو مطلق وليس على الفور بل على التراخي متى أعطته الألف في أيّ وقت طلقت. القول الثاني: أنه إن استخدم متى فهو على التراخي, وإن استخدم إذا وإن فهو على الفور, واستدلوا على هذا بأنّ متى موضوعة للتراخي فأفادت التراخي وأما إذا وإن فإنها لا تدل على التراخي والأصل في العقود والمعاوضات الفور أوالتراخي؟ الفور، وعلى هذا القول إذا قال لها إذا أعطيتني ألفاً فأنت طالق وانقضى المجلس ولم تعطيه ألفاً ثم أعطته بعد يوم فإنها لا تطلق وعلى المذهب تطلق, إذاً اشتمل هذا الكلام على مسألتين مهمتين للغاية, وقد يفعل كثير من الرجال هذا التطليق, فيقول لها إن أعطيتني المهر فأنت طالق، فعلى المذهب أشبه مايكون أنّ المرأة ملكت أمر نفسها, فتستطيع متى شاءت أن تعطيه الألف وتصبح طالق, لأنّ هذا الحق لازم وعلى التراخي, فهي مسألة مهمة وأخذنا الآن التفصيل فيها. قال المؤلف ﵀: (وإن قالت إخلعني على ألف , أو بألف , ففعل بانت واستحقها) هذه المسائل تختلف عن المسائل السابقة في أمرين: ما هي المسائل السابقة؟ إذا قال متى أعطيتني ألف فأنت طالق وما معها من المسائل، هذه المسائل تختلف عنها بأمرين: الأمر الأول أنّ هذا التعليق تعليق جائز وليس بلازم, فللمرأة الفسخ متى شاءت. ((الآذان)) الأولى: أنها تملك الفسخ متى شاءت المرأة فسخت هذا العقد لأنه معاوضة والمعاوضات تفسخ. والثانية: أنه على الفور وليس على التراخي لما تقدم وذكرته الآن, إذاً بين المسألتين فرق, الشيخ يقول هنا ﵀ (وإن قالت إخلعني على ألف) وكذلك إذا قالت طلقني على ألف الحكم واحد. قال المؤلف ﵀: (واستحقها)

стр. 2300

يعني إذا أعطاها الألف، في مسألة المرأة وإن قالت إخلعني على ألف ففعلت، يعني إذا قالت إخلعني على ألف وأعطته الألف استحقها وطلقت، ومقصود المؤلف أنها إذا قالت إخلعني على ألف وأعطته الألف فقد خلعت ولا يشترط أن يقول الزوج خالعتك أو طلقتك مقابل الألف لا يشترط، لأنّ الجواب معاد فيه السؤال، فإذا قالت طلقني على ألف وأخذ الألف. وقال أنت طالق , فكأنه قال أنت طالق على هذه الألف، إذاًً يستحق العوض بمجرد ما يأخذه ويطلق. قال المؤلف ﵀: (وطلقني واحدة بألف فطلقها ثلاثاً استحقها) إذا قالت طلقني واحدة فطلقها ثلاثاً، استحق الألف لماذا؟ لأنه أعطاها ما تريد وزيادة. القول الثاني: أنه لا يستحق العوض لأنّها طلبت واحدة ولم تطلب ثلاثة, وقد يكون للمرأة غرض في الطلقة الواحدة لا في الثلاث، لأنّ الطلقة الواحدة بالإمكان المراجعة, بينما الثلاث لا تراجع إلاّ بعد زوج آخر وفي قول ثالث وسط: بين القولين وهو قول جميل وهو أنه إن رضيت المرأة فله العوض وإن لم ترض فليس له العوض. فإذا قالت طلقني واحدة فطلقها ثلاثاً, نقول للمرأة هل ترضين في الطلاق؟ فإذا رضيت أخذ العوض وإذا لم ترضى لم يأخذ العوض. قال المؤلف ﵀: (وعكسه بعكسه) يعني إذا قالت طلقني ثلاثاً, وطلقها واحدة, فإنه لا يستحق العوض, لأنها طلبت ماذا؟ ثلاث وهو أعطاها واحدة , ولأنّ المرأة قد يكون لها قصد أن لا ترجع إليه إلاّ بعد زوج آخر. القول الثاني: أنها إذا طلبت ثلاث وطلقها واحدة فله ثلث العوض, لأنه أعطاها بعض ما طلبت فاستحق بعض العوض وهذا القول وإن كان ظاهره قوي ويتوافق مع المنطق, إلاّ أنّ الراجح المذهب, لأنّ المرأة لم تطلب الثلاث إلاّ وهي تريد الثلاث والواحدة لا تحقق لها الغرض المقصود من طلبها للخلع. ((انتهى الدرس)).

стр. 2301

الدرس: (١٧) من النكاح قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال المؤلف ﵀: (وليس للأب خلع زوجة ابنه الصغير ولا طلاقها) يعني أن الأب لا يملك أن يخالع مع زوجة ابنه الصغير ولا يملك أيضا أن يطلقها .. هذا مذهب الحنابلة .. واستدلوا بأدلة منها: ١ - قوله ﷺ (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق)، ومن أخذ بالساق هو الزوج. ٢ - أن هذا مروي عن أمير المؤمنين عمر الخطاب وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵄. ٣ - أن في هذا التصرف من الأب إسقاطا لحق الابن وليس له أن يسقط حق ابنه. القول الثاني: أن الأب له أن يفعل ذلك، أي للأب أن يفعل ذلك. واستدلوا على جوازه بأن الأب إذا كان يملك أن يزوج ابنه فيملك أن يفسخ النكاح بخلع أو طلاق. والراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة، إلا أنه يستثنى ما إذا كان الخلع في مصلحة الابن مصلحة ظاهرة واضحة لا تردد فيها حينئذ يجوز للأب أن يخالع ابنه لتحقيق هذه المصلحة وإلا فإنّ الأصل أنه لا يجوز له أن يخالع، وهذا هو الأقرب المتوافق مع فتاوى الصحابة. قبل أن ننتقل عن هذه المسألة حديث (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق) حديث إسناده فيه ضعف وضعفه البيهقي وابن الجوزي ولكن معناه إن شاء الله صحيح. قال المؤلف ﵀: (ولا خلع ابنته الصغيرة بشيء من مالها) يعني ولا يملك الأب أن يخالع ابنته الصغيرة بشيء من مالها، وتقدمت هذه المسألة عند قول المؤلف (كل من صح تبرعه صح بذله للخلع) ذكرنا هل للأب أن يخالع عن ابنته أو لا.؟ ذكرنا الراجح أن له ذلك إذا كانت المصلحة في المخالعة .. وأن هذا اختيار الشيخ المرداوي. قبل أن ننتقل أيضا للمسالة الثالثة، بالنسبة للأب مع الابن ذكرنا أنه لا يملك أن يخالع ولا أن يطلق .. هذا الحديث يتعلق بالأب أما غيره من الأولياء فإنهم لا يخالعون ولا يطلقون .. حكي إجماعا .. لكن هذا الإجماع ليس بتام فإن بعض الحنابلة يرى أن من كان له حق التزويج فإن له حق المخالعة، لكن الصواب أن غير الأب ليس له علاقة ولا يملك أن يخالع أو يطلق. قال المؤلف ﵀: (ولا يسقط الخلع غيره من الحقوق)

стр. 2302

يعني إذا خالعت المرأة زوجها على مال معين فإن هذا الخلع لا يسقط غيره من الحقوق كأن يكون على الزوج نفقة أو يكون على الزوج مهر مؤخر هذه الحقوق وغيرها من الحقوق تبقى لأنه لا علاقة للخلع بغيره من الحقوق الواجبة للمرأة أو للزوجة في ذمة الزوج. قال المؤلف ﵀: (وإن علق طلاقها بصفة ثم أبانها فوجدت ثم نكحها فوجدت بعده طلقت) صورة هذه المسألة: أن يقول الزوج لزوجته إن دخلت الدار فأنت طالق فهنا علق الطلاق على صفة وهي دخول الدار، ثم لما علق الطلاق على هذه الصفة أبانها بخلع أو طلاق أو بأي طريقة للإبانة، ثم لما أبانها دخلت الدار، ثم لما تزوجها مرة أخرى ودخلت الدار مرة أخرى حينئذ يقع الطلاق عند الحنابلة، وعللوا هذا بأن المرأة وجد منها الصفة المعلق عليها الطلاق في نكاح صحيح فاجتمع وجود الصفة والنكاح الصحيح فوقع الطلاق وهذا تعليل واضح. القول الثاني: وهو مذهب الجماهير وأكثر أهل العلم أنه في هذا المثال لا يقع الطلاق. واستدلوا على هذا بأن التعليق انحل بدخول الدار في المرة الأولى واليمين إذا انحلت لا تعود، فإذا دخلت الدار مرة اخرى في النكاح الثاني فإنها لا تطلق وهذا القول واضح القوة وهو الراجح بلا تردد إن شاء الله فإذا دخلت مرة أخرى لم تطلق. مسألة: إن علق الطلاق على صفة ثم أبانها ثم رجعت ولم توقع هذه الصفة حال الإبانة ثم لما ردّها في النكاح الثاني أوقعت الصفة هذه المسألة فيها خلاف أيضاً، لكن الخلاف في هذه المسألة عكس الخلاف في المسألة السابقة ففي هذه المسألة وقوع الطلاق هو مذهب الجمهور لأن اليمين لم تنحل، وقد وجدت الصفة في نكاح صحيح فوقع الطلاق. القول الثاني: أن اليمين تنحل بمجرد الطلاق، وأنها إذا فعلت الصفة لا تطلق ويبدوا والله أعلم أن مذهب الجمهور أقرب وهو وقوع الطلاق. قال المؤلف ﵀: (كعتق وإلا فلا)

стр. 2303

الخلاف في العتق كالخلاف في الطلاق تماماً، إلا أنه يوجد بينهما فرق واحد وهو أنه في العتق عن الإمام أحمد رواية ثانية عدم الوقوع، بينما في الطلاق لا يوجد عنه رواية بعدم الوقوع، وهذا غريب يعني عن الإمام أحمد في المسألة الأولى رواية واحدة خالف فيها الجماهير، بل خالف فيها ما اعتبره بعضهم إجماعاً. وعادة الإمام أحمد في مثل هذه المسائل أن يكون له رواية أخرى لكن لم ينقل عنه ﵀ وغفر له وأسكنه فسيح جناته إلا هذه الرواية. وبهذا يكون انتهى كتاب النكاح ولله الحمد وهذا بتوفيق الله وإعانته وننتقل إلى كتاب الطلاق. ((انتهى الدرس)).

стр. 2304

الدرس: (١) من الطلاق قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال المؤلف ﵀: (كتاب الطلاق) لا نحتاج تعليق على الترتيب فإنه من المنطق أن يكون الطلاق بعد النكاح هو من المنطقي يعني من جهة الترتيب الفقهي ولا يعني هذا؛ أنّ كل نكاح سيكون بعده طلاق , بل نادراً ما يكون طلاق لكن المقصود لما بيّن انعقاد عقد النكاح لابد أن يبيّن طريقة حلّ هذا العقد. الطلاق في لغة العرب/ مأخوذ من الإطلاق وهو الإرسال والترك. وأما في الشرع / حلّ قيد النكاح أو بعضه. والمقصود بقولهم بعضه, يعني الطلاق الرجعي والطلاق مشروع بالكتاب والسنة والإجماع والنظر الصحيح. أما الكتاب فعدة آيات, منها قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ ﴿البقرة/٢٢٧﴾ أما في السنة عدد كبير من الأحاديث منها الحديث المتفق عليه وهو أنّ ابن عمر ﵁ طلقّ زوجته ومنها الحديث الصحيح أنّ النبي ﷺ طلقّ حفصة ثم راجعها، والأحاديث في هذا الباب كثيرة. والإجماع منعقد بين علماء الأمة على مشروعية الطلاق. وأما النظر فهو أنّ الحال المعيشية بين الزوجين قد تصل إلى مفسدة كاملة يكون معها المضي في النكاح مفسدة لا مصلحة فيها, والشرع لا يأتي بمثل هذا. وقول الفقهاء أنّ الطلاق مشروع يعني من حيث الأصل , أما حكمه التكليفي فسيذكره المؤلف , إنما هو مشروع من حيث الأصل. قال المؤلف ﵀: (يباح للحاجة , ويكره لعدمها, ويستحب للضرر ,ويجب للإبلاء , ويحرم للبدعة) سيبيّن المؤلف أنّ الطلاق ترد عليه الأحكام الخمسة, الإباحة والجواز والتحريم .... إلى آخره , كما سيذكره المؤلف

стр. 2305

الحكم الأول , الإباحة عند الحاجة , ويقصد بالحاجة أن يجد الزوج من زوجته سوء عشرة، سوء خُلق أو سوء خَلق أو غير ذلك من الأسباب , فإذا وجدت الحاجة صار الطلاق مباحاً عند الفقهاء مع العلم أنّ الحاجة موجودة لكن لم يرفعوه إلى الاستحباب وإنما جعلوه مباحاً فقط، وكأنهم يشيرون إلى أنّ الصبر في مثل هذه الحالة أولى وأقرب شرعاً من المبادرة بالطلاق. على كل حال الحكم الأول الإباحة عند الحاجة. وضربنا المثال على الحاجة وهذا أمر واضح. قال ﵀ (ويكره لعدمها) الطلاق لعدم الحاجة يعني الطلاق مع استقامة الحال. حكمه أنه مكروه. واستدلوا على الكراهة بقول النبي ﷺ (أبغض الحلال إلى الله الطلاق) ففي الحديث أنّ الطلاق حلال وأيضاً هو مبغوض وينتج من المقدمتين أنه مكروه , هذا الحديث فيه ضعف. التعليل الثاني أنّ في الطلاق إعدام للمصالح الشرعية التي يحبها الله والتي شرع النكاح من أجلها وإعدام هذه المصالح مكروه. القول الثاني: أنّ الطلاق مع استقامة الحال محرم, لأنّ فيه إضرار بالمرأة بلا حاجة, كما أنه من السفه إذ لا حاجة للطلاق ومع ذلك أوقعه وفيه ثالثاً وأخيراً. إعدام للمصالح الشرعية المرجوة من النكاح. والقول بالتحريم قوي إلاّ أنه يشكل عليه فقط أنّ بعض السلف كان يطلق كالحسن ولم ينقل عن الصحابة والتابعين الإنكار عليه ولو كان فعل محرماً لأنكروا عليه , يعني أقول هذا يشكل لكن القول بالتحريم بلا سبب وجيه جداً. يقول ﵀ (ويستحب للضرر) يستحب الطلاق في صورتين. الصورة الأولى أشار إليها المؤلف. وهي إذا وقع الضرر على المرأة فقوله للضرر يتعيّن أن نحمله على المرأة يعني على الضرر الواقع على المرأة. فإذا كرهت المرأة الرجل لسوء عشرته أو لسوء خُلقه أو لسوء خَلقه, أو لأي سبب من الأسباب فإنه يستحب للزوج أن يطلق. تعليل الاستحباب أنّ في هذا الطلاق تخليصاً للمرأة من الضرر. وتخليص الإنسان من الضرر مستحب. النوع الثاني: الذي يستحب فيه الطلاق إذا أخلت المرأة بفرض من فروض الله أو تركت العفة حينئذ يستحب له أن يطلق.

стр. 2306

والقول الثاني: أنّ الطلاق في هذه الحال واجب , إذا أخلت بالفروض أو لم تأمن على عرضها وعفافها وحشمتها فإنها يجب أن تطلق. واستدلوا على الوجوب بأنّ هذه المرأة لا يأمن أن تدخل على فراش الرجل من ليس منه. كما أنّ في إبقاء المرأة إقرار للخنا في أهله ولا يجوز للرجل أن يقرّ الخنا في أهله لأنّ هذا من الدياثة. حينئذ على هذا القول الثاني إذا صارت المرأة تخلّ بالصلوات أو بالصيام بأن تترك بعض الصلوات أو صيام بعض الأيام أو تترك الزكاة أو تترك أي فرض من فروض الله أو كانت ليست محتشمة أو عفيفة فالزوج مخيرّ بين أمرين , إما أن يؤدبها ويعلم أنها أقلعت عن الخلق الذميم أو يطلق لا خيار إلاّ هذين الخيارين. القول الثاني قوي وهو وجوب التطليق إذا لم تستقم المرأة فإنها تطلق. يقول ﵀ (ويجب للإيلاء) الإيلاء: هو الحلف على ترك وطء زوجة وسيخصص له المؤلف كتاباً كاملاً. فإذا حلف وضربت له المدة ولم يفيء فإنّ الطلاق حينئذ واجب إن طلق وإلاّ طلق عليه الحاكم في هذه صورة لوجوب الطلاق. الصورة الثانية: أن يتخذ الزوجان حكمان ويحكم حكمان بالطلاق حينئذ يكون الطلاق واجب ,فإذا رأى الحكمان أنّ الحال لن تستقيم وحكموا بالطلاق فالطلاق يكون واجب ,فإن طلق وإلاّ طلق عليه الحاكم. فهاتان صورتان للوجوب. يقول ﵀ (ويحرم للبدعة) سيتناول المؤلف طلاق البدعة ببحث طويل لكن الذي يعنينا الآن أنّ البدعة تكون بأن يطلق الإنسان في طهر جامعها فيه أو في حيض, أو يطلق أكثر من واحدة فهذا الطلاق محرم , وصاحبه آثم , وأما مسألة الوقوع وعدمه فسيذكرها في الفصل اللاحق. يقول ﵀ (ويصح من زوج مكلف) الطلاق يصح من الزوج المكلف المختار بالإجماع, لأنّ هذا الذي يملك عصمة النكاح له أن يطلق فلا إشكال في مسألة طلاق المكلف. يقول الشيخ ﵀ (ومميّز يعقله) هذه العبارة فيها مسائل. المسألة الأولى: أنّ غير المميز أو المميز الذي لايعقل الطلاق لا يقع طلاقه بالإجماع. المسألة الثانية: أنّ معنى يعقل الطلاق أيّ يعرف معناه ويعلم أنّ إمرأته تبين منه بذلك , هذا معنى يعقله.

стр. 2307

المسألة الثالثة: الخلاف في هذه المسألة تفرّد الحنابلة بالقول بوقوع طلاق المميز قالوا أنّ طلاق المميز يقع واستدلوا على هذا بأدلة: الدليل الأول: الآثار المروية عن بعض أصحاب النبي ﷺ . الدليل الثاني: أنّ هذا المميز عاقل يعرف معنى الطلاق فيقاس على المكلف, بجامع العقل وإن تخلف البلوغ إلاّ أنّ العقل موجود. - القول الثاني: وهو قول الجمهور أنّ طلاق المميز لايقع واستدلوا على هذا بدليلين: الأول: قول النبي ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة والصبي منهم وهو مرفوع عنه القلم فكيف يصح طلاقه. الثاني: أنّ الصبي المميز يقاس على غير المميز بجامع عدم البلوغ , إذاً هذا هو الجامع بينهما , الراجح مذهب الحنابلة اعتماداً على الآثار لكن ينبغي أن يكون المميز تحت ظل وليه وألا يبادر بالطلاق لأنّ المميز الصغير قد يختلف هو وزوجته عند أشياء تافهة. شاب صغير قد يبادر إلى الطلاق , فعلى وليّ الأمر أن يلاحظ ذلك. قال ﵀ (ومن زال عقله معذوراً لم يقع طلاقه) كالمجنون ومن أكره على شرب المسكر بغير حق , وهو دائما بغير حق , فإنه لايقع طلاقه بالإجماع , واستدلوا على هذا بدليلين: الدليل الأول: رفع القلم عن ثلاث. قالوا المجنون حتى يفيق. الثاني: أنّ من فقد عقله لا قصد له ومن لا قصد له لا يعتد بكلامه. فمسألة من فقد عقله بعذر لا إشكال فيها. ثم قال ﵀ (وعكسه الآثم) هذه المسألة هي التي فيها إشكال , يعني أنّ من شرب المسكر عمداً بغير عذر , وفقد عقله فإنّ طلاقه صحيح وواقع وهذا مذهب الحنابلة بل مذهب الأئمة الأربعة استدلوا ﵏ على وقوع طلاق السكران بأدلة: الدليل الأول: قول علي بن أبي طالب ﵁ كل طلاق جائز إلاّ المعتوه. الدليل الثاني: أن أصحاب النبي ﷺ جعلوا السكران كالصاحي في حد القذف , ودليل ذلك أنّ عمر بن الخطاب لما شكي إليه كثرة شرب الناس الخمر شاور الصحابة ﵃ فقال علي ﵁ أنه إذا شرب فقد عقله ثم هذى ثم قذف فأرى أن يحد حد القاذف ثمانون جلدة , فنزل السكران منزلة الصاحي في حد القذف.

стр. 2308

الدليل الثالث: أنّ هذا السكران فقد عقله بغير عذر فليس أهلاً أن يرفع عنه آثار قوله. القول الثاني: أنّ طلاق السكران لايقع وهو مذهب عدد من الفقهاء وعدد من المحققين ﵏ استدلوا على هذا بأدلة: الأول: أنه صح عن عثمان ﵁ أنّ طلاق السكران لايقع , وأنه لم يصح عن صحابي خلاف حينئذ إذا رأينا أنهم ذكروا أنه لم يصح عن غير عثمان ﵁ خلافه نحتاج الجواب عن أثر علي ﵁ الجواب عنه من وجهين: أو الجمع بينه وبين زعمهم أنه لم يصح إلاّ عن عثمان ﵁ الأول: أنه لا يصح ولا يثبت عن علي ﵁ الثاني: وهو الأقرب أنه لا دلالة في أثر علي ﵁ فإنه ذكر أنّ كل الطلاق جائز إلاّ المعتوه , ولم يتحدث عن السكران فلا دلالة في الأثر من الأصل. الدليل الثاني: للقائلين بعدم الوقوع أنّ الله تعالى قال ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ [النساء/٤٣] فدلت الآية أنّ السكران لا يعتد بقوله لأنه لا يعلم ما يقول , وإذا كان لا يعتد بقوله فإنه لا يقع طلاقه. الدليل الثالث: أنّ السكران غير مكلف لأنه فاقد العقل وإن كان فاقد العقل بغير عذر إلاّ أنه فاقد العقل , فوجد فيه وصف رفع التكليف. الراجح إن شاء الله أنه لا يقع , وذكر أنّ الإمام أحمد ﵀ رجع إلى هذا القول, فهذه المسألة من المسائل التي يعرف فيها الرواية الأولى والثانية , فالثانية عدم الوقوع وهذا القول إن شاء الله أقرب. * * مسألة / حد السكر الذي لايقع معه الطلاق , هو ألاّ يعرف ما يقول ولا يفرقّ بين الأعيان فيختلط عليه مثلاً ردائه مع رداء غيره ولا يشترط أن لا يعرف السماء من الأرض , لأنّ المجنون قد يعرف السماء من الأرض ومع ذلك غير مكلف , وهذا الضابط أخذ من الآية , ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ [النساء/٤٣] فإذا علم ما يقول وفرق بين الأعيان وقع طلاقه وإن كان فيه نشوة السكر وإلاّ فلا. قال ﵀ (ومن أكره عليه ظلماً بإيلام له أو ولد ... ) بدأ المؤلف بالكلام عن طلاق المكره والإكراه يحصل بأمرين: الأول: إيقاع الأذى مباشرة. الثاني: تهديد بالأذى

стр. 2309

والمؤلف ذكر النوعين. النوع الأول: يقول الشيخ: ومن أكره عليه ظلماً بإيلام له أو لولده ,أو أخذ مال يضره لم يقع. إذا هدده بإيلام له أو لولده أو لوالديه أو لأقاربه لا يختصر الحكم به وبولده أو أخذ منه مالاً كثيراً أو ضربه فإنّ هذا إكراه. ذهب الجماهير الأئمة الثلاثة وجمهور الأمة إلا أنّ طلاق المكره لايقع. واستدلوا على هذا بقول النبي ﷺ (لا طلاق في إغلاق) وفسروا الإغلاق بالإكراه. القول الثاني: أنّ الطلاق يقع , وهو مذهب أبي حنيفة. واستدل على هذا بأنّ المكره رجل مكلف طلق في نكاح صحيح فيقع. ويكون كغير المكره وهو تفقهه عجيب وبعيد كل البعد لأنّ الأحناف عمدوا للوصف الذي عليه مدار المسألة وهو الإكراه فألغوه وجعلوا المكره كغير المكره وهو غريب جداً , ولهذا لم يوافقهم أحد من أئمة الإسلام الأئمة الأربعة , وقولهم ظاهر الضعف. النوع الثاني: يقول أو هدده بأحدها قادر يظن إيقاعه به لم يقع , النوع الثاني من الإكراه أن يهدده ويشترط للتهديد شرطان: الأول: أن يكون التهديد من قادر. الثاني: أن يكون التهديد ممن يظن إيقاعه. وفهم من كلام المؤلف أنه لا يشترط أن يغلب على ظنه إيقاعه بل مجرد ما يظن فقط أنه سيوقع عليه التهديد فإنّ له أن يطلق , وهذا هو الصحيح أنه لا يشترط غلبة الظن بل يكتفى بالظن المجرد المتساوي الطرفين. فإذا تحقق الشرطان وطلق فإنّ طلاقه لايقع وإلى هذا ذهب الجماهير ما عدا الأحناف. القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد , أنّ مجرد التهديد ليس بمسوغ للطلاق, فإن طلق فهو واقع ويشترط أصحاب هذا القول أن يمسه بعذاب ولا يكتفون بمجرد التهديد. والصحيح أنّ التهديد بهذين الشرطين كافي في عدم وقوع الطلاق , ولا ننتظر إلا أن يعذب

стр. 2310

* * مسألة / يشترط في هذا العذاب أن يكون عذاباً مؤلماً , كالضرب المبرح أو أخذ مبلغ كبير من المال أو إيذاء قريب يعنيه ألاّ يؤذى ونحو ذلك , أما إذا أخذ منه مبلغاً بسيطاً , وقال أكرهت فإنّ هذا ليس بإكراه ولو كان بخيلاً. فإنّ مثلاً المبلغ البسيط عند البخيل يساوي المبلغ الكبير عند الكريم , نحن نلغي الإكراه ونلغي وصف البخل ونقول إذا كان المبلغ يسيراً فإنه لا إكراه والطلاق واقع. يقول المؤلف ﵀ (فطلق تبعاً لقوله) أفادنا المؤلف أنّ عدم وقوع الطلاق فيما إذا كان الطلاق لدفع الإكراه , أما إذا كان الطلاق لا لدفع الإكراه وإنما بقصد إيقاع الطلاق فإنه يقع , وهذا صحيح إذا تصور وقوعه , فإذا أكره الإنسان وفي تلك اللحظة طلق لا يقصد دفع الإكراه وإنما يقصد أن يطلق حينئذ الطلاق واقع , أما إذا قصد دفع الإكراه أو قصد أن يطلق فعلاً لكن بسبب الإكراه فإنه لا يقع. والتفريق بينهما عسر جداً لا يكاد الإنسان يتصور إكراه ثم طلاق بعد الإكراه ويكون قصد الإنسان ماذا؟ الطلاق لا دفع الإكراه هذا لا يكاد يتصور , إلاّ في صورة واحدة وهي ما إذا تكرر الإكراه ثم ضجر الزوج فعلاً من هذا الزوجة بسبب كثرة إكراه أولياءها له على الطلاق ثم طلق قاصداً للطلاق حينئذ الطلاق يقع , أما في الأمور والأحوال الطبيعية , فإنه لا يتصور. ثم قال ﵀ (ويقع الطلاق في نكاح مختلف فيه) الطلاق يقع في النكاح المختلف فيه يعني الذي اختلف فيه الأئمة بسبب فقد شرط كالنكاح بلا ولي وبلا شهود ..... إلى آخره. أو بلا مهر. هذا الطلاق يقع ولو كان المطلق يرى عدم صحة النكاح , ومعنى أنه يقع يحسب طلاق شرعي صحيح , فلو فرضنا أنه نكح هذه المرأة نكاحاً صحيحاً يكون بقي له طلقتان. الدليل على هذا أنّ هذا النكاح المختلف فيه , يثبت النسب والعدة ولا يحد في الوطء فيه وهذه أحكام النكاح الصحيح فيقع الطلاق الدليل الثاني: أنّ هذا الطلاق يحل الزوجة لغيره , لأنه قد يرى هو أنّ النكاح غير صحيح. ولكن ترى المرأة والزوج الثاني أنّ النكاح صحيح , فلا تحل للثاني إلاّ بعد طلاق الأول.

стр. 2311

القول الثاني: أنه لا يصح الطلاق وهو عبث , لأنّ المطلق لا يرى أنّ النكاح انعقد أصلاً فكيف يطلق , والأقرب أنّ الطلاق يقع لمجموع الدليلين. وخروجاً من الخلاف وبقاء المرأة مترددة بين بقاءها في عصمة الأول وصحة زواجها من الثاني. الأقرب إن شاء الله وقوع الطلاق وهو الأحوط , فنقول للزوج الذي تزوّج بغير وليّ طَلِّق , فإن قال أنا أرى أنّ النكاح لم ينعقد سأمضي وتمضي هي , نقول لا طَلِّق , ولو أنّ الحاكم ألزمه لكان وجيهاً , لأنه بهذا تنضبط الأمور ولا تبقى المرأة معلقة. قوله (ويقع الطلاق في نكاح مختلف فيه) يعني وأما النكاح الباطل فإنه لايقع طلاقه, وهذا لا إشكال فيه , وإن كان روي عن الإمام أحمد ﵀ أنّ النكاح الباطل أيضاً يقع طلاقه , لكن الصحيح أنّ النكاح الباطل لا يقع طلاقه لأنّ النكاح الباطل لا قيمة له شرعاً مطلقاً. مثل أن يتزوّج الإنسان أحد محارمه , فهنا لا نقول طلق وليس للطلاق أي قيمة ولا عبرة. قال ﵀ (ومن الغضبان) هذه المسألة تعتبر من أمهات مسائل كتاب الطلاق حقيقة , والحاجة إليها كثيرة جداً طلاق الغضبان عند الحنابلة يقع , وهو مذهب الجماهير. واستدلوا على هذا بأدلة: - الدليل الأول: أنّ الغضبان رجل مكلف عاقل يتصور ما يقول فيقع طلاقه. - الثاني: أنّ في قصة المظاهر الذي ظاهر من زوجته في عهد النبي ﷺ في بعض ألفاظه , فغضب منها وظاهر واعتد النبي ﷺ بظهاره وإن كان غضباناً والظهار كالطلاق. القول الثاني: تقسيم ذكره وتبناه شيخ الإسلام ابن تيمية وأخذه عنه ابن القيم في إغاثة اللهفان الصغرى , وأظن أنّ هذا التقسيم أول من قاله شيخ الإسلام. وهو كالتالي يقول ينقسم الغضبان إلى ثلاثة أقسام: - القسم الأول: أن يكون في بداياته وأوائله بحيث يتصور ما يقول ويعني فهذا لا خلاف في وقوع طلاقه.

стр. 2312

- القسم الثاني: أن يكون في أواخر الغضب بحيث انغلق عليه القصد ولم يعد يتصور ما يقول فهذا يقول ابن القيم عبارته ﴿لا ينبغي أن يكون فيه خلاف﴾ وهذان القسمان أمرهما واضح. لأنّ الغضبان الذي في نهاية الغضب حكمه حكم المجنون والمغمى عليه. بل كثيراً ما يغمى عليه فعلاً من شدة الغضب. - القسم الثالث: من تعدى بداياته ولم يصل إلى نهاياته , فهذا محل الخلاف , ذكر الشيخ ابن القيم وكتابه إغاثة اللهفان لعدم وقوع طلاق الغضبان. أطال في هذه المسألة جداً. ذكر أدلة: أنا أقسّم أدلة الشيخ إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: نصوص القسم الثاني: قواعد شرعية عامة القسم الثالث: تعليلات فقهية نبدأ بالقسم الأول: استدل بحديثين. الحديث الأول (لا طلاق في إغلاق) وذكر أنّ السلف فسروا الإغلاق بالغضب لأنه مع الغضب ينغلق عليه مقصود الكلام ويخرج بلا إرادة. الدليل الثاني: قول النبي ﷺ (لا يقضي القاضي وهو غضبان) وجه الاستدلال أنّ الشارع إنما منع القاضي من الحكم أثناء الغضب , لأنّ الغضب يمنع تصور ما يقول وينغلق عليه فهمه , وهذا ما يقع في الغضبان. لم أرى الشيخ استدل بنصوص إلاّ بهذين النصين. القسم الثاني والثالث: القواعد والتعليلات , هذه القواعد والتعليلات مجموعة من الأدلة يلتمس فيها الشيخ عدم وقوع الطلاق. ومن وجهة نظري أنّ هذه التعليلات والقواعد ضعيفة. السبب الأول: تأملت هذه القواعد والتعليلات كثيراً فوجدت أنّ هذه التعليلات والقواعد تشترك بين القسم الثاني والثالث تستطيع أن تنزلها على القسم المتفق عليه وتستطيع أن تنزلها على القسم المختلف فيه. لم تتمحض للقسم المختلف فيه. ولا يجد الإنسان فيها بغيته من القول بعدم وقوع طلاق الغضبان. السبب الثاني: في الضعف أنّ هذه التعليلات مصادمة لفتاوى الصحابة. فقد صح عن ابن عباس ﵁ أنه يوقع طلاق الغضبان. وصح عن عائشة ﵂ أنها ترى انعقاد يمين الغضبان. واليمين كالطلاق عقد , إذا انعقدت من الغضبان فكذلك في الطلاق. الأمر الثالث: الذي بسببه أرى أنّ التعليلات ليست بقوية. أنه انعقد الإجماع على وقوع طلاق الغضبان.

стр. 2313

الأمر الرابع: ويعرفه كل من يمارس فتوى طلاق الغضبان , وهو أنّ التفريق بين هذه المراتب عسر جداً لا يكاد يظهر إلاّ في صور نادرة وهي ما إذا وصل إلى غضب لا يختلف فيه اثنان. فيما عدا هذه الصورة التفريق بين المرتبة الثانية والثالثة يكاد يكون شكلي. لمجموع هذه الأمور أنا أرى لاسيما الإجماع وآثار الصحابة, أنّ اختيار الشيخين في هذه المسألة غير صحيح وأنّ الإنسان إذا طلق وهو غضبان فطلاقه واقع ما لم يصل إلى مرحلة لا يختلف فيها اثنان أنه لا يتصور ما يقول وخرج عن عقله وطوره. وهذه المرحلة لا يختلف فيها اثنان لوضوحها ما عدا هذه المرحلة وهي المرحلة الثانية فإنه يقع الطلاق , وممن رجح هذا القول وانتصر له بكلام جيد ابن رجب ﵀ فإنه انتصر لهذا القول بل تعجب من هذا القول لأنه يرى أنّ الصحابة رأوا وقوع طلاق الغضبان لأنه غضبان. قال فجعل الذين لم يوقعوه الغضب الذي هو سبب في وقوعه سبب في عدم وقوعه. وهذا عكس فقه الصحابة. على كل حال بعد التأمل ظهر أنا بوضوح أنّ هذا التقسيم نظري وأنه لا يسعف في الواقع , وأنّ الراجح أنّ الغضبان إذا طلق فإنه طلاقه صحيح , ولهذا لما سمع الناس بهذه الفتوى تجد لا يكاد يطلق إلاّ ويقول أنا غضبان. طبيعي أنه غضبان هو لم يطلق إلاّ لذلك ولا واحد بالمائة سيطلق وهو بنفسية هادئة , هذا لا يوجد, إذا غالباً الناس إنما يطلقون حال الغضب ثم يأتي التفريق بين هذه المراتب وهو لا يمكن , كما قلت هذه المسألة مهمة جداً , والإنسان يحتاج أن يستخير وأن يسأل الله التوفيق فيها , لكن هكذا ظهر لي بعد التأمل ولعل بعضكم لو رجع لكلام ابن القيم سيجد مسألة أنّ المعاني التي ذكرها تشترك بين المرتبة الثانية والثالثة. قال ﵀ (ووكيله كهو)

стр. 2314

يعني أنّ وكيل المطلق كالمطلق في استحقاق الطلاق أفادنا المؤلف بهذه العبارة , أنه يجوز للإنسان أن يوكل من يطلق عنه , لأنّ الطلاق عبارة عن فسخ عقد فجاز التوكيل فيه , وأفادنا أنّ الوكيل حكمه حكم الموكل , فمن يجوز له أن يطلق هو بنفسه يجوز أن يُوكَل ومن لا يجوز أن يطلق هو بنفسه فإنه لا يصح أن يُوكَل , فالصغير دون التمييز لا يُوكَل والمجنون لا يوكل وهكذا كل من لا يستطيع هو بنفسه أن يطلق فإنه لا يصح أن نوكله بالطلاق. قال ﵀ (يطلق واحدة) يعني أنّ التوكيل المطلق لا يملك فيه الموكل إلاّ واحدة , لأنّ مقتضى التوكيل المطلق أن يملك طلقة واحدة فقط , فإن طلق أكثر فإنّ الزائد باطل. يقول ﵀ (ومتى شاء) دائما ما سيتحدث الفقهاء في الطلاق عن أمرين الوقت والعدد , فالموكل من حيث العدد يملك كم؟ واحدة , ومن حيث الوقت مفتوح له , فله أن يطلق متى شاء ما لم يفسخ الموكل , والسبب في هذا أنّ عقد التوكيل عقد يقتضي الدوام والتراخي وليس عقدا على الفور فله أن يطلق متى شاء ما لم يفسخ الموكل. قال ﵀ (إلاّ أن يعيّن له وقتاً وعدداً) فإذا عيّن له وقتاً أو عدداً لم يجز أن يخرج عن ذلك لأنّ الحق للموكل في تعيين العدد والوقت فإذا قال له لك أن تطلق ثلاثاً لمدة أسبوع انتهت الوكالة بعد مضي الأسبوع , وإذا قال له لك أن تطلق واحدة لمدة سنة , انتهت الوكالة بسنة وانتهت الوكالة إذا طلق واحدة المهم أنّ الذي الموكل إذا أقتّ العدد والوقت يجب على الموكل أن يلتزم به. قال ﵀ (وامرأته كوكيله في طلاق نفسها) يعني من حيث الزمن والعدد , وفي توكيل الزوج زوجته في الطلاق خلاف سيأتينا لا حقاً إن شاء الله الكلام في توكيل الزوج زوجته أن تطلق وفي جعل العصمة بيد الزوجة فترة مؤقته أو فترة مُطلَقًة ستأتي. (فصل) هذا الفصل في طلاق البدعة والسنة وهو أيضاً من الفصول المهمة. فطلاق البدعة: هو الطلاق الذي يكون على غير شرع الله , وطلاق السنة: هو الطلاق الموافق لشرع الله. هذا من حيث التعريف العام وسيبّين المؤلف طلاق السنة بتفصيل وطلاق البدعة بتفصيل. بدأ الشيخ ﵀ بالسنة لأنه الأصل.

стр. 2315

يقول ﵀ (إذا طلقها مرة في طهر , لم يجامع فيه وتركها حتى تنقضي عدتها فهو سنة) أفادنا المؤلف أنّ طلاق السنة هو ما اشتمل على هذه الأوصاف. وهو أن يطلق مرة وأن تكون هذه المرة في طهر وأن يكون هذا الطهر لم يجامع فيه , فإذا وجدت هذه الأوصاف , فهو طلاق سنة. الدليل على هذا أنّ الله تعالى قال: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق/١] وأنّ السلف فسروا هذه الآية بقولهم أي طاهرات من غير جماع وهذا تفسير مروي عن اثنين من أكبر وأفقه الصحابة. ابن مسعود وابن عباس ﵄ وهذا التفسير نص في المقصود فإذا كان الله أمر بطلاق السنة وبيّن الصحابة هذا الطلاق بهذا التفسير تعيّن المراد. الدليل الثاني: حديث ابن عمر المشهور أنه طلق زوجته وهي حائض. فجاء عمر يستفتي النبي ﷺ فتغير عليه وقال (مره فليراجعها) وسيأتينا هذا الحديث , وجه الاستدلال من هذا الحديث أنّ النبي ﷺ أمره أن يراجعها وأنه ثرّب عليه أنه طلق في الحيض ويمكن أن نستدل بوجه آخر وهو أنّ ابن عمر ﵁ كأنه لم يجرأ أن يستفتي هو وطلب من أبيه أن يستفتي له , وهذا يدل على أنّ الطلاق في الحيض كأنه مستقر عندهم أنه لا يجوز. على كل حال هذا وجه من الاستدلال وإلاّ الحديث نص في المقصود. إذاً هذه هي أدلة , أنّ هذا هو طلاق السنة. يقول ﵀ (وتركها حتى تنقضي عدتها فهو سنة)
следующие страницы →