Полный текст (2 909 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
إذا قال لها إن حلفت بطلاقك فأنت طالق ثم قال لها مرة أخرى إن حلفت بطلاقك فأنت طالق , طلقت لأنه بعبارته الثانية حلف بطلاقها. فإن قال إن حلفت بطلاقك فأنت طالق, إن حلفت بطلاقك فأنت طالق, إن حلفت بطلاقك فأنت طالق, فكم تطلق؟ طلقتين
رجل قال لزوجته إن حلفت بطلاقك فأنت طالق , إن حلفت بطلاقك فأنت طالق , إن حلفت بطلاقك فأنت طالق , فالشرط وجد كم مرة؟ مرتين. كلما وجد الشرط وجد الحكم فتطلق مرتين , إذا يحتاج ليطلقها ثلاثاً أن يعيد العبارة كم؟ أربع مرات لأنّ الأولى لا يقع بها شيء لأنها هي التي أسست التعليق.
المسألة الثانية: إذا قال إن كلمتك فأنت طالق , رجل قال لزوجته إن كلمتك فأنت طالق ثم قال لها إن كلمتك فأنت طالق ثم قال لها إن كلمتك فأنت طالق تطلق وإن قال مرة أخرى إن كلمتك فأنت طالق مرة أخرى لماذا؟ لأنه علقّ الطلاق على الكلام ووجد الكلام يستثنى في المسألتين السابقتين. ما إذا أعاد التأكيد أو للإفهام. فإنها لا تطلق. وغالب أحوال الناس أنهم يعيدون للإفهام لا للتأسيس.
فصل
هذه المسألة قريبة من المسألة السابقة.
قال ﵀ (إذا قال: إن كلمتك فأنت طالق فتحققي , أو قال: تنحي , أو اسكتي , طلقت)
لماذا؟
لأنه كلّمها فهو يقول لها إن كلمتك فأنت طالق ثم قال لها تنحي , أو اخرجي , أو اذهبي , أو انصرفي , فحينئذ يقع الطلاق لأنه علق الطلاق على تكليمها وقد كلّمها , وهل يأتي معنا هنا أنه مالم ينوي الإفهام أو التأكيد؟
الحنابلة يقولون في هذه المسألة. إن كلمتك فأنت طالق اسكتي أنها تطلق مالم ينوي إفهاماً أو تأكيداً والذي يظهر لي أنّ الإفهام والتأكيد لا يتأتى في مثل هذه الصورة , لأنه كيف يؤكد إن كلمتك فأنت طالق بقوله تنحي أو اسكتي أو تحققي , لأنّ الإفهام يكون بإعادة العبارة وتأكيد معناها , فالذي يظهر لي أنه إذا قال لها إن كلمتك فأنت طالق ثم غضب وقال اسكتي أو اخرجي فإنها تطلق لأنه في الواقع كلّمها , ولو نوى التأكيد أو الإفهام لأنّ لا مجال للإفهام هنا , كيف يفهمها إن كلمتك فأنت طالق بقوله اخرجي أو اسكتي هذا
ليس بإفهام , فالذي يظهر لي أنه لا يتأتى , والله أعلم.
стр. 2382
قال ﵀ (وإن بدأتك بكلام فأنت طالق , فقالت: إن بدأتك به فعبدي حر انحلت يمينه)
إذا قال لزوجته إن بدأتك بكلام فأنت طالق , فقالت زوجته من الغضب إن كلمتك فعبدي حر فإنه لا يمكن أن يحنث هنا أبداً , لماذا؟ لأنها كلمته قبل أن يكلمها فلا يمكن أن يبدأ بكلامها , حينئذ لا يمكن أن يقع الطلاق في هذه الصورة ولهذا إذا قال الرجل لزوجته إن بدأتك بالكلام فأنت طالق وهي لا تحب الطلاق فالتصرف الذي تتصرفه هو ماذا؟ أن تبادر بتكليمه لأنها لو سكتت وبادر هو طلقت.
قال ﵀ (ما لم ينو عدم البداءة في مجلس آخر)
ما لم يكن نيته بهذا الكلام أن لا يبدأ معها الكلام في أيِّ مجلس , فإن كانت هذه نيته فإنّ هذا التعليق يستمر ولابد في كل مجلس أن تبدأ هي قبله , فإن بدأ هو قبلها ماذا؟ طلقت والغالب من إرادة الناس إن بدأت بكلامك فأنت طالق هو إرادة هذا في كل مجلس ولاّ في هذا المجلس؟ الآن إذا قال الإنسان أنا لا أبدأ بكلامك يقصد الآن ولاّ دائماً؟ الذي يظهر لي أنّ مراد الناس بهذه العبارة يعني دائماً كأن يكون الشخص دائماً هو الذي يبدأ بالحديث ومقابله لا يبدأ فيلاحظ الزوج أنه هو الذي دائماً يبدأ بالحديث مع الزوجة هو الذي يثير الكلام فملّ من هذا الوضع فقال بدأتك بالكلام غير هذه المرة فأنت طالق , يريد أنها تبدأ هي بالكلام في كل مجلس , يبدوا لي أنّ هذا مقصود الناس على كل حال يرجع للنية , فإن كانت نيته في كل مجلس فإنه يجب أن تتحدث هي قبله في كل مجلس وإلاّ طلقت.
فصل
قال ﵀ (إذا قال: إن خرجت بغير إذني , أو إلاّ بإذني أو حتى آذن لك , أو إن خرجت إلى غير الحماّم بغير إذني فأنت طالق)
يقول الشيخ (فخرجت مرة بإذنه ثم خرجت مرة بغير إذنه) فإنها تطلق والسبب أنّ الشرط وجد فوجد الحكم لأنها خرجت بغير إذنه وإن خرجت قبل ذلك بإذنه فإنّ الخرجة الثانية وقعت بغير إذنه فطلقت. وهذا صحيح , ومقصود المؤلف البيان أنّ الزوج إذا قال لزوجته إن خرجت بغير إذني فأنت طالق ثم أَذِنَ لها في مرة واحدة فإنّ المرة الثانية إن خرجت بغير إذنه فهي طالق لأنّ الإذن تناول مرة واحدة وباقي خروجها يحتاج إلى إذنٍ جديد.
стр. 2383
قال ﵀ (أو أَذِنَ لها ولم تعلم)
وخرجت بغير إذنه فإنها تطلق , لأنّ الإذن مع عدم العلم ليس بإذن.
والقول الثاني: أنه إذا أذن لها فإنها لا تطلق ولو لم تعلم لأنّ الشرط لم يتحقق وفي الحقيقة هذه المسألة مشكلة لأنه من جهة هي خالفت الأمر أليس كذلك؟ وخرجت بغير إذن تعلمه يعني بالنسبة لها هي خرجت بغير إذن , ومن جهة أخرى هي في الواقع خرجت مع وجود الإذن. والذي يظهر لي والله أعلم بوضوح وإن كانت مشكلة لكن يظهر لي الآن بعد التأمل أنها إذا خرجت تطلق , لماذا ما السبب؟
أنّا نعلم أنّ الزوج أراد أنّ هذه المرأة متى خرجت بغير إذنه عامدة فهي تطلق وهي الآن مع نفسها خرجت بغير إذنه فوقع المحظور الذي أراد زوجها أن يتفاده , ولهذا نقول تطلق. وهذا الذي مشى عليه الحنابلة وهو في الحقيقة أفقه.
قال ﵀ (أو خرجت تريد الحمّام وغيره)
يعني طلقت.
مع العلم أنه هو قال إن خرجت إلى غير الحمّام بغير إذني طلقت , هي الآن خرجت إلى الحمّام وإلى غير الحمّام ومع ذلك تطلق السبب؟
أنه يصدق عليها أنها خرجت إلى غير الحمّام , وهذا صحيح لأنها خرجت إلى غير الحمّام وإن كانت خرجت أيضاً إلى الحمّام.
قال ﵀ (أو عدلت منه إلى غيره)
يعني لو خرجت لا تريد إلاّ الحمّام , ثم بعد أن انتهت من الحمّام عدلت إلى غيره حينئذ تطلق , والتعليل هو نفسه السابق لأنها خرجت إلى غير الحمّام. ما الفرق بين المسألتين؟
أنها في الصورة الأولى" من حين خرجت وهي تنوي أن تذهب إلى الحمّام وإلى غيره.
وفي الصورة الثانية" خرجت لا تنوي الذهاب إلاّ إلى الحمّام لكنها عدلت إلى غيره.
* لماذا استثنوا الحمّام من هذه المسألة ما السبب؟
لأنه في القديم الحاجة إلى خروج المرأة إلى الحمّام لاسيما بعد نهاية الحيضة والنفاس ملحة جداً لأنّ لا تتيسر في بيوت الناس كما تتيسر منازلنا ولله الحمد الآن , فالحمّامات كانت معّدة للاغتسال وخروج المرأة إليها كان
حاجة ضرورية فجرى العرف أنّ خروج المرأة إلى الحمّام لا يحتاج إلى إذن وإنما الذي يحتاج إلى إذن هو الخروج إلى غير الحمّام.
قال ﵀ (لا إن أَذِنَ فيه كلّما شاءت , أو قال إلاّ بإذن زيد فمات زيد ثم خرجت)
стр. 2384
قال لا إن أذن (فيه) فيه يعود إلى الخروج كلما شاءت , فإذا أذن فيه كلما شاءت فإنه لا يحنث إذا خرجت , لأنه أذن لها في الخروج إذناً مطلقاً , فكأنه نسخ عبارته الأولى وأذن لها في الخروج مطلقاً.
المسألة الثانية: إذا قال لها لا تخرجي إلاّ بإذن زيد , أو إن خرجت بغير إذن زيد فأنت طالق , ثم مات زيد فخرجت فإنها لا تطلق لماذا؟
التعليل: أنه يتعذر إذن زيد بموته. فسقط الشرط وإلاّ لو بقي لبقيت في بيتها إلى الموت ,لأنّ إذن زيد لا يمكن الوقوف عليه بعد موته وهذا لا يتأتى إذاً نعدل إلى الثاني وهو سقوط إذن زيد وجواز الخروج.
فصل
قال ﵀ (إذا علقه بمشيئتها بـ (إن) أو غيرها من الحروف لم تطلق حتى تشاء ولو تراخى)
إذا علقه بمشيئتها فقال متى شئت الطلاق فأنت طالق , فإنّ هذا التعليق يبقى أبداً لماذا؟ لأنّ ذكرنا في أول الفصل أنّ هذه الحروف تفيد التراخي أو الفور , تفيد التراخي مالم تقرن بكلمة لم , وهنا لم تقرن بكلمة لم فتفيد التراخي فيبقى هذا الحق ثابتاً لها دائماً وأبداً فمتى شاءت الطلاق في أيِّ وقت كان طلقت.
* * مسألة / هل له أن يفسخ هذا التعليق فيقول لها لو شئت الطلاق لم تطلقي , وقد فسخت التعليق السابق؟
الجواب أنه ليس له أن يفسخ هذا التعليق , لأنّا أخذنا الخلاف في التعليقات وهو أنّ التعليقات لا تفسخ عند الجماهير فإذاً لا يملك الفسخ في هذه الصورة.
قال ﵀ (وإن قالت: قد شئت إن شئت , فشاء لم تطلق)
يعني قالت المرأة لزوجها قد شئتُ إن شئتَ , قال الزوج شئتُ تطلق أو لا تطلق؟ كلام المؤلف تطلق أو لا تطلق؟ لا تطلق لماذا؟
عللوه بتعليل لطيف جداً: قالوا لأنّ الطلاق معلقّ على مشيئة المرأة , والمرأة هنا لم تشاء وإنما علّقت المشيئة على مشيئة زوجها والمشيئة شيء والتعليق شيء آخر. مع أنّ المتبادر إلى الذهن أنها تطلق أليس كذلك؟
يعني رجل قال لزوجته إن شئت فأنت طالق , فقالت قد شئتُ إن شئتَ فقال الزوج قد شئتُ , فعند الحنابلة لا تطلق مع إنّ المتبادر أنها تطلق , لكن الصحيح أنها لا تطلق وما ذكروه وجيه جداً , لأنه فرق بين التعليق وبين المشيئة.
ولو استمروا هكذا لصار البيت كله شئتُ وشئتِ وانتهى الوقت.
стр. 2385
قال ﵀ (وإن قال: إن شئت وشاء أبوك)
إذا قال إن شئت وشاء أبوك , طلقت فإنّ الطلاق لا يقع حتى يتحقق أمران: -
واحد /أن تشاء هي.
اثنان /ويشاء أبوها , لأنه عبر بالواو.
وقوله (أو زيد) لعّل مراد المؤلف أنه سواء علقّ المشيئة على أحد أقاربها , أو علقّ المشيئة على رجل أجنبي , يعني هذا تخريج لكلام المؤلف وإلاّ قوله أو شاء أبوك يغني عن قوله أو شاء زيد , ما الفرق بين العبارتين؟ إلاّ أنه كما قلت لعله أراد التفريق أو بيان أنه لا فرق بين أن يعلقه على مشيئة الأب وعلى مشيئة زيد , وهذا قد يقع من بعض الأزواج أن يعلق مشيئتها ومشيئة أبيها لأنه يعلم أنّ أباها رجل حكيم وعاقل فلن يوقع الطلاق إلاّ في وقته المناسب.
* * مسألة / هل تعليق الطلاق على مشيئة الزوجة يدخل في الخلاف السابق الذي أخذناه في توكيل أو تمليك الزوجة الطلاق أو لا يدخل؟ لا يدخل لماذا؟ لأنّ هذا ليس بتمليك وإنما هو تعليق , كما أنه إذا علقّ على طلوع الشمس فليس بتمليك للشمس , أليس كذلك؟ وهكذا هنا نقول أنّ هذا ليس من تلك المسألة , فإذا قال إن شئت فأنت طالق وشاءت طلقت ولا تدخل في الخلاف السابق.
قال ﵀ (وإن شاء أحدهما فلا)
يعني إن قال إن شئت أو شاء أبوك فأنت طالق , فحينئذ إذا شاءت أو أبوها , يعني أحدهما فإنها تطلق ولا نشترط الجمع بل يكتفى بأحدهما.
قال ﵀ (وأنت طالق وعبدي حر إن شاء الله وقعا)
إذا قال لها أنت طالق وعبدي حر إن شاء الله , فإنه يقع الطلاق في الحال ويعتق العبد في الحال ,
التعليل: قالوا لأنه علق الطلاق على والعتاق على أمر لا يمكن أن يعلم فسقط الشرط وبقي الطلاق.
القول الثاني: أنه إذا قال لها هذه العبارة فإنها لا تطلق ولا يعتق العبد , وهذا مذهب لبعض الحنابلة واختاره شيخ الإسلام ﵀
الدليل استدلوا بدليلين: -
الدليل الأول: قوله ﷺ (من حلف على يمين فقال إن شاء الله لم يحنث)
الدليل الثاني: أنه علقه على صفة لا يمكن أن تعلم , والأصل بقاء النكاح. فبقي ولم تطلق ولا يخفى إن شاء الله أنّ القول الثاني هو الراجح لأنّ دليله وتعليله قوي جداً.
стр. 2386
قال ﵀ (وإن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله طلقت إن دخلت)
إذا قال للمرأة إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله ثم دخلت فإنها تطلق لأنّ الدخول وجد , وأما المشيئة فهو شرط يسقط لعدم العلم به فتبيّن بهذا أنّ الخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة السابقة تماماً. فإذا قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله فإنها ماذا؟ فإنها لا تطلق.
* يستثنى من هذا. ما إذا قال أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله, أراد تحقيقاً لا تعليقاً فحينئذ فإنها تطلق لأنه لم يرد التعليق بالمشيئة وإنما أراد تحقيق الأمر وهذه العبارة من المستحسن للأزواج أن يستخدموها إذا أرادو الحلف بالطلاق. فإذا أراد بعض الأزواج أن يمنع زوجته من أمر لا يريده فإنّ الأولى أن يقول إن ذهبت إلى السوق فأنت طالق إن شاء الله , هي ستفهم التعليق وهو ينوي ماذا؟ وهو ينوي التعليق أيضاً هي ستفهم أنها إذا خرجت إلى السوق فإنها ستطلق وهو ينوي التعليق , والتعليق على القول الراجح يقع أو لا يقع به الطلاق لا يقع به الطلاق ولهذا نقول استخدام هذه العبارة يحصل فيها منفعة منع الزوجة مما يريد أن يمنعها وفي نفس الوقت عدم إيقاع الطلاق.
قال ﵀ (وأنت طالق لرضى زيد أو مشيئته طلقت في الحال)
إذا قال لها أنت طالق لرضى زيد أو مشيئته فإنها تطلق في الحال, لأنّ معنى العبارة أنت طالق لأنّ زيداً رضي بذلك أو لرضى زيدٍ بذلك فإن كان مقصوده التعليق يعني أنت طالق إن رضي زيد فإنها لا تطلق إلاّ إذا رضي , وإذا ادعى هذا في مجلس الحكم قبل منه لأنّ هذا اللفظ يحتمل هذا المعنى وهذا معنى قول الشيخ فيما بعد هذه العبارة.
يقول ﵀ (فإن قال أردت الشرط قبل حكماً) ثم المسألة الأخيرة ...
يقول ﵀ (وأنت طالق إن رأيت الهلال , فإن نوى رؤيتها لم تطلق حتى تراه وإلاّ طلقت بعد الغروب برؤية غيرها)
إذا قال الزوج لزوجته إن رأيت الهلال فأنت طالق , فإما أن يريد إن رأيتيه بالبصر حقيقة , وإما أن يريد إذا دخل الشهر , فإذا كان مقصوده الأول فإنها لا تطلق حتى ترى الهلال , وإن كان مقصوده الثاني فإنها تطلق بأحد أمرين: -
стр. 2387
١ - إما رؤية الهلال ... أو ٢ - إكمال العدة ثلاثين يوماً
لأنّ الرؤية في الشرع تعني دخول الشهر اللاحق وهو يدخل إما برؤية أو بإكمال العدة , والرؤية المعتد بها عند الحنابلة هو أن يراه شخص آخر بعد غروب الشمس لأنه حينئذ يصدق عليه أنه رآه في الشهر اللاحق , فإذا رآه قبل غروب الشمس فلا عبرة برؤيته ولا تطلق.
القول الثاني: أنه بمجرد ما يراه الشخص الآخر فإنها تطلق لأنّ الطلاق معلقّ على الرؤية وقد وجدت , أيّ الرؤية الشرعية فإذا رؤي الهلال قبل مغيب الشمس بدقائق أو بأكثر أو بأقل فقد طلقت المرأة لأنه تحققت الرؤية الشرعية التي علقّ الطلاق عليها.
* * مسألة أخيرة / قلت أنه ينبغي للزوج إذا أراد أن يعلقّ أن يقول إن شاء الله فهل هذه من الحيل المذمومة؟ لو قال قائل أنتم دائماً تقولون الحيل مذمومة في الشرع وهذا حيلة على عدم وقوع الطلاق المعلقّ فهل هذا من الحيل المذمومة التي نتحدث عنها مراراً أو ليست كذلك؟ الجواب أنها ليست كذلك. التعليل أنّ الضابط عند شيخ الإسلام للحيل المذمومة. هي التحيل على أمر لا يحبه الله ورسوله أما التحيل على أمر يحبه الله ورسوله فهو حيلة محمودة. هنا الزوج أراد تحقيق أمرين: -
الأول: منع زوجته من أمر يحبه هو. ... الثاني: عدم وقوع الطلاق.
وهذان الأمران محبوبان أو مكروهان للشرع؟ محبوبان إذا هو تحيل على أمر محبوب ولهذا صارت هذه الحيلة محمودة وليست مذمومة.
стр. 2388
الدرس: (٦) من الطلاق
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
فصل
قال ﵀ (وإن حلف لا يدخل داراً أو لا يخرج منها فأدخل أو أخرج بعض جسده أو دخل طاق الباب , أو لا يلبس ثوباً من غزلها فلبس ثوباً فيه منه أو لا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه لم يحنث)
جميع هذه المسائل ترجع إلى ضابط واحد , وهذا الضابط إذا حلف أن لا يفعل شيئاً ثم فعل بعضه فهل يحنث أو لا يحنث؟
فهذه المسألة فيها خلاف ,
стр. 2389
فالمذهب كما ترون أنه لا يحنث إذا فعل بعض الذي حلف على تركه , فإذا حلف أن لا يخرج فخرج بعضه
أو أن لا يدخل فدخل بعضه , أو أن لا يشرب من هذا الإناء فشرب بعضه فإنه لا يحنث.
استدلّ الحنابلة بأدلة: -
الدليل الأول: أنّ النبي ﷺ كان يعتكف ويخرج رأسه لعائشة لترجله , ولا يعتبر هذا خروجاً من المعتكف مع أنّ الخروج من المعتكف ممنوع. من مكان الاعتكاف ممنوع , ومع ذلك لم يعتبر النبي ﷺ خروج رأسه خروجاً هذا أولاً.
الدليل الثاني: أنّ فعل البعض لا يتحقق معه فعل الكل وهو إنما حلف أن يترك الكل.
القول الثاني: أنه إذا فعل بعض ما حلف على تركه فإنه يحنث. واستدل هؤلاء على أنه يحنث أنّ حلفه على ترك الكل لا يتم إلاّ بتركه كله كالنهي , فالنهي مثلاً لا يتحقق امتثال النهي إلاّ بترك جميع المنهي.
والراجح مذهب الحنابلة , لحديث عائشة فإنه نص أنّ خروج البعض ليس خروجاً للكل ولا يحنث به الإنسان. عرفنا إذا الخلاف في هذه المسائل التي ذكرها المؤلف. ونحتاج قبل أن ننتقل إلى المسألة التالية إلى تنبيهين:
التنبيه الأول: أنّ محل الخلاف مالم ينو أو توجد قرينة على إرادة البعض. فإذا قال والله لا أشرب هذا الإناء وفي نيته أن لا يشرب الإناء ولا بعض الإناء حينئذ إذا شرب بعضه يحنث. هذا مثال النية
مثال القرينة إذا قال والله أشرب هذا النهر فإنه إذا شرب من النهر فإنه يحنث , والقرينة هي أنّ الإنسان لن يتمكن من شرب النهر فعلمنا أنّ مراده , أشرب من النهر هذا التنبيه الأول ,
التنبيه الثاني: قلت أنّ جميع المسائل لا يدخل داراً لا يلبس ثوباً لا يشرب ماء هذا الإناء كلها ترجع إلى ضابط واحد وذكرت الخلاف في هذا الضابط , يستثنى من هذا قول الشيخ المؤلف (لا يلبس ثوباً من غزلها فلبس ثوباً فيه منه) فإنّ بعض الحنابلة ﵏
يرون أنّ هذه المسألة غير داخلة في الخلاف السابق , فإذا لبس ثوباً فيه من غزلها فإنه يحنث مطلقاً وإلى هذا ذهب الشيخ المجد والمرداوي فاستثنوا هذه المسألة من المسائل السابقة, والصحيح إن شاء الله أنها لا تستثنى وأنّ هذه المسألة كالمسائل السابقة والمذهب في هذا أصح
стр. 2390
ثم - قال ﵀ (وإن فعل المحلوف عليه ناسياً أو جاهلاً حنث في طلاق وعتاق فقط)
يقول الشيخ وإن فعل المحلوف عليه قصده بقوله وإن فعل المحلوف عليه يعني على تركه فإنه إذا فعله ناسياً أو جاهلاً حنث في طلاق وعتاق فقط. إذا فعل الإنسان المحلوف على تركه ناسياً أو جاهلاً فإما أن يكون الحلف بالطلاق أو بالعتاق أو وهو الذي لم يذكره المؤلف باليمين. والشيخ ﵀ يقول (حنث في طلاق وعتاق فقط) يعني دون اليمين.
فإذا فعل الإنسان ما حلف على تركه ناسياً أو جاهلاً وكان الحلف يمين لم يحنث , وإن كان الحلف بالطلاق أو العتاق حنث , ففرقوا بين اليمين وبين الطلاق والعتاق. دليل الحنابلة على هذا التفريق. قالوا إنّ الكفارة في اليمين المقصود منها رفع الإثم ومع الجهل والنسيان لا إثم فلا تشرع الكفارة ولا الحنث تبعاً لها. فكأنهم يقولون إذا فعله في اليمين لم يحنث ولم يأثم ولم يحتج إلى الكفارة.
أما في الطلاق والعتاق فقالوا أنّ الطلاق والعتاق يقصد منه إيقاع الطلاق وإيقاع العتاق عند وجود الصفة فهو معلق على صفة توجد بوجودها نسي أو ذكِر , كان جاهلاً أو عالماً , لأنها من باب ربط الأحكام بأسبابها متى وجدت الصفة وجد الطلاق ووجد العتاق.
والقول الثاني: أنه لا يحنث في جميع الحلف سواء حلف يمين أو طلاق أو عتاق , واستدلّ هؤلاء بقوله تعالى ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة/٢٨٦] وهو عام
وبقول النبي ﷺ (عفي عن أمتي الخطأ والنسيان) وهو أيضاً عام.
وهذا القول الثاني اختيار شيخ الإسلام وهو الصواب أنه لا فرق بين الطلاق والعتاق واليمين , الدليل الثاني لهذا القول أنه لم يقصد المخالفة فلم يترتب على حلفه حنث ولا كفارة, والخلاصة أنّ الصواب التسوية بين هذه الأيمان الثلاثة, الحلف بالطلاق والعتاق واليمين.
قال ﵀ (وإن فعل بعضه لم يحنث إلاّ أن ينويه)
стр. 2391
إن فعل بعضه لا يحنث لما تقدم معنا في القاعدة أنّ من حلف أن لا يفعل شيئاً ففعل بعضه فإنه لا يحنث , يقول الشيخ إلاّ أن ينويه فإذا نواه فإنه يحنث لأنّ المنوي الآن الكل والجزء فإذا فعل أياً منهما فقد حنث ووجبت عليه الكفارة , وهذه العبارة من الشيخ يعني يغني عنها العبارة الأولى إلاّ أنه أراد أن يضيف ماذا؟ إلاّ أن ينويه. قيد النية. وبقي عليه القيد الآخر الذي ذكرناه وهو ماذا؟ القرينة
قال ﵀ (وإن حلف ليفعلّنه لم يبرَّ إلاّ بفعله كله)
إذا حلف أن يفعل الشيء فالحكم يختلف عن ما إذا حلف أن يترك الشيء , فإذا حلف أن يفعل الشيء فإنّ يمينه لا تكون بارّة إلاّ بفعل جميع الشيء فإن فعل بعضه وترك بعضه فإنه يحنث , والسبب في ذلك أنّ اليمين على فعل الشيء تتناول جميع الشيء, فلا يبرأ إلاّ بفعله وهذا التفريق جميل ودقيق فيجب على الإنسان أن يعرف الفرق بين أن يحلف على ترك الشيء وبين أن حلف على فعل الشيء.
فإذا قال والله لا أدخلنّ البيت. ودخل برجله اليمنى فقط. برّ يمينه أو لم يبرّ؟ لا يبرّ في هذا المثال.
لكن لو قال والله لا أخرج من البيت؟ وخرجت رجله. فإنه لا يحنث فلا بد أن نفرق بين الحلف على الفعل والحلف على الترك وهو يشبه نوعاً ما الأوامر والنواهي. فالأوامر علينا أن نأتي بها ما نستطيع منها , وأما النواهي فيجب أن نتركها كلها.
باب التأويل في الحلف
التأويل/ هو الذي نسميه التعريض. فالمؤلف يريد أن يبيّن حكم التأويلات أو التعريض في الحلف.
وقول الشيخ باب التأويل في الحلف يشمل ما إذا حلف باليمين أو بالطلاق أو بالعتاق أو بالنذر أو بأيِّ حلف.
وقوله باب التأويل في الحلف أمثلته كثيرة:
من أمثلته أن يقول هذا أخي ويقصد أخوه في الإسلام , ومن أمثلته أن يقول هذا فراشي
ويقصد الأرض. لأنّ الأرض جعلها الله فراشاً. سيذكر المؤلف أربعة أمثلة للتأويل.
يقول الشيخ ﵀ (ومعناه أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره)
هذا هو تعريف التأويل أو الذي يسميه التعريض. أن يتكلم بكلام يفهم منه خلاف مقصود المتكلم لا احتمال اللفظ للمعنيين.
ثم انتقل المؤلف ﵀ إلى حكمه فقال (فإذا حلف وتأولّ يمينه نفعه إلاّ أن يكون ظالماً)
стр. 2392
يريد المؤلف أن يبيّن متى ينفع التأويل ومتى لا ينفع التأويل , وقبل أن نبيّن متى ينفع ومتى لا ينفع. ما معنى ينفع؟ معنى ينفع أنه لا يحنث ولا يأثم. أيّ أنه إذا تعاطاه فإنه لا يحنث ولا يأثم. نأتي إلى الصور التي ينفع فيها والصور التي لا ينفع فيها.
ينقسم التأويل إلى ثلاثة أقسام: -
القسم الأول: أن يكون مظلوماً , فإذا كان مظلوماً نفعه التأويل والتعريض بالإجماع بلا مخالف ولله الحمد. وسيذكر المؤلف الأمثلة.
القسم الثاني: إذا فعله وهو ظالم , فإنه لا ينفعه بالإجماع والنص. واستدلوا بقول النبي ﷺ (يمينك على ما يصدقك به صاحبك) الحديث عام , لكن حمله الفقهاء على الظالم , واستدلوا بقول النبي ﷺ (اليمين على نية المستحلف) الحديث الأول في مسلم والحديث الثاني في السنن فالقسم الأول والثاني أمرهما واضح إذا كان ظالما أو مظلوماً الحكم واضح
القسم الثالث: إذا لم يكن ظالماً ولا مظلوماً فمن الفقهاء وهو المذهب من يرى جواز التأويل والتعريض حتى بالحلف فله أن يحلف متأولاً معرضاً ولو كان في أمر ليس فيه لا ظالم ولا مظلوم. واستدلوا بالعمومات المنقولة عن النبي ﷺ في التأويل فإنّ النبي ﷺ لما سئل في الغزو قال نحن من ماء
ولما سئل أبو بكر الصديق في الهجرة من هذا الذي معك. قال رجل يهديني الطريق والنبي ﷺ يسمع ولم ينكر. وقال النبي ﷺ للأعرابي إنّا حاملوك على ولد الناقة.
وقال للمرأة إنّ العجوز الكبيرة لا تدخل الجنة. فاستعمل النبي ﷺ مجموعة من التأويلات والتعريضات.
فاستدل بها الحنابلة على الجواز المطلق.
القول الثاني: أنه لا يجوز مطلقاً واستدل هؤلاء بأنه لا حاجة للتعريض مع وجود الظلم فلا يجوز أن نعرض لاسيما في اليمين. وهذا القول هو أضعف الأقوال.
стр. 2393
القول الثالث: وهو رواية عن الإمام أحمد وكأنّ شيخ الإسلام يميل إليه. أنه مع عدم الحاجة يجوز في الكلام دون اليمين , واستدلوا على هذا بأنه في الكلام نقل عن النبي ﷺ التأويل والتعريض كثيراً , وأما في اليمين فإنّ الأحاديث تدل على ما يصدقك صاحبك أو على نية المستحلف , وهي عامة أخرجنا منها صورة ما إذا كان مظلوماً فبقيت الصور على أصل المنع وكما ترى
القول الثالث الأخير هذا وجيه وقوي وهو إن شاء الله الراجح وهو أن نقول يجوز في الكلام دون الحلف ثم سيذكر الشيخ ثلاث أمثلة
قال ﵀ (فإن حلّفه ظالم ما لزيد عندك شيءٌ وله عنده وديعة بمكان فنوى غيره أو بما (الذي)
يعني جاز إذا قال له ظالم هل عند لزيد مال ,وهو ظالم فله حينئذ التأويل والتعريض , وذكر المؤلف صورتين للتعريض والتأويل.
الصورة الأولى: أن يقول ما عندي له شيء ويقصد في هذا المكان والمال في مكان آخر , فيقول ما عندي له شيء وفي نيته يعني في هذا البيت والمال في بيت آخر.
الصورة الثانية: أن يقول ما عندي له شيء ويقصد بما الموصولة للنافية , فكأنه قال الذي عندي لزيد وهو صادق الذي عنده لزيد. بينما فهم الظالم أنه ينفي وجود المال عند زيد. فهذا جائز سواء مع اليمين أو بلا يمين لأنه ظالم.
قال ﵀ (أو حلف ما زيد هاهنا ونوى غير مكانه)
يعني قيل له هل زيد هنا فقال زيد ليس هاهنا , ونوى سوى المكان الذي فيه زيد.
تعرفون القصة المشهورة أنه جاء رجل يطلب المروذي في مجلس الإمام أحمد , وقال أثمّ المروذي , فقال الأثرم ليس هاهنا وأشار إلى كفه والإمام أحمد جالس فتبسم وضحك. فانصرف الرجل , فحملوا الحنابلة على أنّ هذا الرجل إما أنّ المروذي لا يريد أن يقابله أو أنه ظالم , وفي بعض كتب الحنابلة أنّ الذي قال ليس هاهنا الإمام أحمد وهذا ليس بصحيح , الذي قال ليس هاهنا هو الأثرم وليس الإمام أحمد وعلى كل حال أقرّه الإمام كان موجوداً وحملوه على وجود الحاجة وأنّ هذا ليس بحلف وإنما كلام.
стр. 2394
كما أنه حصل تأويل آخر من الأثرم بالنسبة للإمام أحمد كان يريد أن يسمع جزءاً إما من المسند أو من غيره وكان الإمام أحمد كأنه يؤخر الأثرم ويقول له يعني أتلوا عليك الجزء لا حقاً فقال الأثرم للإمام أحمد يا أبا عبدالله إنما أريد أن أخرج يعني إلى بلدي فأسمعني الجزء قال الإمام مادام تريد أن تخرج أسمعك الجزء فجلس وحدّثه بالجزء كاملاً , فلما صار من غدٍ قابله في الطريق فقال أبو عبد الله ألم تقل سأخرج قال وهل قلت غداً , يعني قلت سأخرج لكن لم أقل غداً أخرج متى ما خرجت فضحك أيضاً الإمام أحمد وتبّسم ولم ينكر عليه , وهذا أيضاً ليس فيه يمين.
أما التوسع في التأويل من غير حاجة قد يكون كلام الإنسان كله تأويل. بعض الناس إذا أردت أن تتحدث معه تحتاج إلى محترزات وأن تخرج جميع ما يحتمله الكلام , هذا ليس من طريقة المسلمين , كما أنّ شيخ الإسلام أشار إلى أنّ التأويل ينقسم إلى قسمين: -
تأويل حقيقي. وتأويل يخالف ظاهر اللفظ.
فالتأويل الحقيقي هو الذي يتوافق مع حقيقة الأمر , قال شيخ الإسلام وهو التأويل الذي استعمله النبي ﷺ
القسم الثاني: التأويل الذي يخالف الظاهر تماماً فهذا وإن جاز عند الجمهور إلاّ أنه لا ينبغي استعماله إلاّ عند الحاجة. فالنبي ﷺ لما قال إنّا حاملوك على ولد الناقة. صحيح هو سيحمله على ولد الناقة. والتأويلات التي ذكرت جميعاً متوافقة مع الواقع. لكن تأويل الأثرم الذي عمله مع الإمام أحمد غير متوافق مع الواقع. فهذا ينبغي أن لا يفعله الإنسان إلاّ عند الحاجة الملحة.
قال ﵀ (أو حلف على امرأته لا سرقت مني شيئاً فخانته في وديعة ولم ينوها لم يحنث في الكل)
إذا قال لزوجته والله إن سرقت مني شيئاً فأنت طالق فهذا حلف باليمين ولا بالعتاق؟
стр. 2395
لا باليمين ولا بالعتاق وإنما بالطلاق , هو يقول والله إن سرقت مني شيئاً فأنت طالق , أو يقول إن سرقت مني شيئاً فأنت طالق. فهذا حلف بالطلاق , وإذا قال والله لا تسرقين مني شيئاً هذا حلف بأيش؟ هذا حلف باليمين , وإذا قال إن سرقت مني شيء فعبدي حر بالعتاق , وإذا قال إن سرقت مني شيئاً فا لله عليّ نذر أن أصوم سنة , هذا حلف بالنذر , وأظن الآن تَوَضَحَ الفرق بين الحلف باليمين والطلاق ولا لا والعتاق.
فإذا قال لها ذلك وخانته بوديعة فإنه في هذه الحالة تطلق ولا يلزمه أن يصوم ولا يلزمه عتق العبد لماذا؟ لأنه حلف على السرقة , والخيانة في الوديعة ليست سرقة , إلاّ إن نوى أثناء اليمين أن يشمل الخيانة فحينئذ إذا خانته فإنها تطلق.
باب الشك في الطلاق
قوله باب الشك في الطلاق , المقصود بالشك هنا /مطلق التردد بين أمرين سواء كان راجحاً أو مرجوحاً , فمطلق التردد يعتبر شك عند الفقهاء.
يقول ﵀ (من شك في طلاق , أو شرطه لم يلزمه)
إذا شك في الطلاق يعني أنه شك هل أوقع الطلاق أو لم يوقع الطلاق , وقوله شك في الشرط يعني شك في تحقق الشرط أو عدم تحقق الشرط , فالأصل في جميع هذه الصور عدم وقوع الطلاق وعدم وجود الشرط , ودليل هذه الأحكام كلها القاعدة المشهورة [أنّ اليقين لا يزول بالشك] ودليل هذه القاعدة قول النبي ﷺ (إذا شك أحدكم هل خرج منه شيء فلا ينصرف حتى يسمع أو يجد ريحاً) والمقصود من الحديث حتى يتيّقن لا كما يفهم بعض الناس أنه لا ينصرف ولو تيّقن إلاّ إذا سمع صوتاً أو وجد ريحاً , هذا ليس بمقصود في الحديث , المقصود في الحديث لا ينصرف حتى يتيّقن. وهذا الحديث يستعمل عند الشك لأنه يقول إذا شك أحدكم أو إذا لم يعلم أحدكم أخرج منه شيء أو لا , أما إذا علم أنه خرج منه شيء فإنّ الحديث لا يتناوله ولا يذهب ينتظر أن يجد صوتاً أو ريحاً.
قال ﵀ (وإن شك في عدده فطلقة , وتباح له)
стр. 2396
مقصوده وإن شك في عدده فطلقة وتباح له يعني إذا تيّقن الطلاق وشك في العدد , فحينئذ تعتبر طلقة واحدة , لأنّ الزائد عنها مشكوك فيه ودائماً المشكوك فيه ملغى لأنه في مقابل اليقين , فيعتبر طلقها طلقة واحدة رجعية وله أن يعود إليها إذا لم تكن الثالثة , وهذه الأحكام التي نقررها الآن تتناول الشخص العادي , أما من ابتلي بالوسواس في الطلاق فهذا له أحكام أخرى. فهذا يعذر أكثر من الشخص الطبيعي في مسألة الشك في عدد الطلاق أو الشك في وقوع الطلاق أصلاً , إذا الكلام الآن ليس عن من عنده وساوس
وشكوك وإنما عن الشخص الذي لم يبتلى بالوساوس.
قال ﵀ (فإذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق طلقت المنوية وإلاّ من قرعت)
إذا قال رجل لامرأته إحداكما طالق ,فينقسم الحكم إلى قسمين: -
القسم الأول: أن ينوي إحداهما فإذا نوى إحداهما فهي التي تطلق بلا خلاف ولا نزاع وأمرها واضح , ولو قال إحداكما لكنه بالنية عيّن المرادة.
القسم الثاني: أن لا ينوي إحداهما , يقول إحداكما طالق ولم ينوي أياًّ منهما فالحكم عند الحنابلة أن تحدد المطلقة بالقرعة.
واستدلوا على هذا بدليلين: -
الدليل الأول: أنّ القرعة طريق شرعي لتحديد الحكم الواقع على المتساويين.
الدليل الثاني: أنّ الصحابة حكموا على من طلق ومات قبل أن يعيّن أنه يقرع , فقاسوا عليها هذه المسألة ومن ظن أنّ الفتاوى المنقولة عن الصحابة هي في هذه المسألة فليس كذلك. فالفتاوى المنقولة فيمن طلق ولم يعيّن ثم مات. فهذا أفتى الصحابة بالقرعة لكن نقيس على فتاوى الصحابة صورتنا التي معنا وهي ما إذا قال إحداكما طالق ولم يعيّن.
القول الثاني: أنه إذا قال إحداكما أو إحداكن ولم يعيّن , طلق الجميع وهو قول غاية في الضعف وسببه ضعفه أنّ الزوج لم يطلق إلاّ واحدة فكيف يقع الطلاق على الباقيات.
القول الثالث: في هذه المسألة أنه يوكل إلى الزوج تحديد المطلقة ,وإن لم ينوي عند قوله الطلاق أياًّ منهما وعلل هؤلاء قولهم بأنّ الزوج إذا ملك إنشاء الطلاق ابتداء فأن يملك تعيينه انتهاء من باب أولى. لأنّ من ملك الأصل ملك الفرع. والتعيين فرع الطلاق.
стр. 2397
والطلاق ملك للرجل فالتعيين أيضاً يكون ملكاً له. وهذا القول كما ترى وجيه في الحقيقة وقوي ونقول للرجل عيّن التي تريد أن يقع عليها طلاقك السابق. وهذا القول قوي ويليه في الرجحان القرعة لمجيء نظيره عن أصحاب النبي ﷺ
قال ﵀ (كمن طلق إحداهما بائناً وأنسيها)
إذا طلق إحداهما بائناً وأنسيها فعند الحنابلة الحكم في هذه المسألة كالحكم تماماً في المسألة السابقة , فيكون الحكم ماذا؟ القرعة.
والقول الثاني: أنّ هذه المسألة تختلف تماماً عن المسألة السابقة , ووجه الاختلاف أنّ المطلق الآن طلقّ معينة لا محالة , إنما الذي صار أنه ماذا؟ أنسيها. فالحكم عند هؤلاء أن تبقى الزوجات معلقّات إلى أن يتبيّن أيّهن وقع عليها الطلاق. وفي هذه المدة تكون النفقة على الزوج في جميع الزوجات لأنهن محبوسات بسببه ولا يجوز أن يطأ لأنه ربما يطأ ماذا؟ التي وقع عليها الطلاق
وهذا القول قوي جداً لماذا؟ لأنه يوجد فرق بين أن يطلق واحدة ثم ينساها , وبين أن يقول إحداكن طالق ولم يعيّن أصلاً. ففي المسألة الأولى إذا طلق ونسي فقطعاً إحدى الزوجات وقع عليها ماذا؟ الطلاق فكيف نعيّن بالقرعة ونحن نعلم أنّ إحدى الزوجات وقع عليها الطلاق هذا القول قوي جداً كما ترى ونصره ابن قدامة ﵀ لكن يشكل عليه مسألة واحدة وهي ماذا؟ صعوبة التطبيق هذا القول فيه مشقة بالتطبيق كبيرة لأنه ظاهر اختيار هؤلاء أنّا ننتظر ولو طال الوقت حتى يتبيّن أيّهما , وإذا لم يتمكن من أن يتذكر أيّهما التي وقع عليها الطلاق بقيت الزوجات كلهن معلقات , وهذا فيه مشقة في التطبيق ومشقة التطبيق أحياناً تكون سبباً في تضعيف القول. لأنّ الله ما جعل علينا في الدين من حرج وفي هذا القول شيء من الحرج مع قوة دليله لكن فيه حرج لذلك نقول إنشاء الله الراجح أنه يقرع حتى تأخذ الزوجة طريقها ويأخذ الزوج طريقه.
قال ﵀ (وإن تبيّن أنّ المطلقة غير التي ردت إليه)
стр. 2398
إذا تبيّن بعد القرعة أنّ التي طلقت هي فلانة بأن يجد كتب المطلقة ونسي مكان المكتوب , أو يتذكر بقرينة أو بعلامة أنّ التي طلقت هي فلانة وحينئذ يتبّين أنّ التي وقعت عليها القرعة لم تطلق وأنها مازالت زوجة ,فحينئذ يقبل قوله في الحكم وترجع إليه الزوجة , لأنّ هذا الأمر أمر لا يمكن أن يعرف إلى من قبل الزوج , فإذا قال تبيّن لي أو تذكرت أنّ المطلقة هي غير التي وقعت عليها القرعة قبل منه ورجعت التي وقع عليها القرعة إلى عصمة الزوج. لأنّا تبيّنا أنها لم تطلق.
يقول ﵀ (ما لم تتزوج)
فإن تزوجت فإنها لا ترد ولو تذكر أنّها لم تطلق لماذا؟ لأنها بعد التزوج تعلق بها حق زوج آخر ولا يملك الإنسان أن يسقط حق غيره بقوله. والغير هنا هو الزوج الأول أو الثاني؟ الثاني. وهذا صحيح لا يملك هذا وتبقى مع الزوج الثاني.
قال ﵀ (أو تكن القرعة بحاكم)
يعني إذا صنعت القرعة عن طريق الحاكم وتولاها الحاكم فإنّ تذكره بعد ذلك لا ينفع لماذا؟ لأنّ قرعة الحاكم تعتبر حكم , وحكم الحاكم لا يمكن أن يرفع بدعوى الزوج , إذا بيّن الشيخ المستثنى والمستثنى من المستثنى.
فالمستثنى من المسألة السابقة ما هو؟ الآن هو بيّن المستثنى والمستثنى من المستثنى أليس كذلك؟
فالمستثنى هو إذا تبيّن أنّ التي قرعت ليست هي. هذا مستثنى من الحكم السابق. ويستثنى من هذا الحكم ما إذا تزوجت أو قام الحاكم بأداء القرعة.
قال ﵀ (وإن قال إن كان هذا الطائر غراباً ففلانة طالق , وإن كان حماماً ففلانة , وجهل لم تطلقا)
هذه الصورة إذا قالها الزوج إن كان هذا الطائر غراب ففلانة طالق ............. ) ثم لم يتبيّن بأن ذهب الطير ولم نتبيّن فحينئذ لا يقع الطلاق عند الحنابلة. واستدلوا على عدم وقوعه بدليلين: -
الأول: الإجماع فإنه بلا خلاف لا يقع.
الثاني: ما تقدم وهي القاعدة المشهورة إذا شككنا في وجود الطلاق أو في وقوع الطلاق وعدمه فالأصل عدم وقوع الطلاق ووجه الشك هنا أنّ هذا الطائر ربما لا يكون غراباً ولا حماماً حينئذ لا تطلق ولا تلك. فمع وجود هذا الشك لا يقع الطلاق وهذا صحيح ولهذا صار محل إجماع.
стр. 2399
قال ﵀ (وإن قال لزوجته وأجنبية اسمهما هند: إحداكما أو هند طالق طلقت امرأته)
إذا قال رجل لهند زوجته وهند أخرى أجنبية , إحداكما طالق مباشرة تطلق زوجته ولا ننتظر منه تفسيراً ولا تأويلاً , والسبب أنه لا يملك إيقاع الطلاق إلاّ على هند التي هي زوجته دون الأخرى فإذا تطلق مباشرة لأنه يملك أن يطلق إلاّ هي. لكن أيضاً استثنى الشيخ:
فقال ﵀ (أردت الأجنبية لم يقبل حكماً إلاّ بقرينة)
إن قال أردت الأجنبية ولم أرد زوجتي لم يقبل منه في الحكم في مجلس الحكم لا يقبل لأنه يدعي خلاف لفظه. ونحن قلنا أنّ أيّ إنسان يدعي خلاف لفظه لا يقبل في مجلس الحكم وإن كان الأمر ديانة بينه وبين زوجته فإنه يقبل لماذا؟ لأنّ هذا اللفظ يحتمل. ألا يحتمل أن يكون مقصوده الأخرى بلى! اللفظ يحتمل فإذا كان محتملاً دُيِّن وقبل فيما بينه وبين الله , وجاز لزوجته أن تبقى معه.
يقول الشيخ ﵀ (إلاّ بقرينة)
إلاّ إن دلت القرينة فإنه يقبل ديانة وحكماً , مثال القرينة أن يجبره ظالم على التطليق فيقول هند طالق يقصد ماذا؟ الأجنبية فمع وجود هذه القرينة وهي إجبار الظالم علمنا أنه أراد الأخرى وساغ للحاكم أن يقبل قوله الذي يخالف ظاهر لفظه. وهذا صحيح.
قال ﵀ (وإن قال لمن ظن أنها زوجته: أنت طالق طلقت الزوجة)
يعني إن قال لمن أنها زوجته وتبيّن أنها أجنبية أنت طالق طلقت زوجته , مثال هذه المسألة أن يقابل الإنسان في الشارع امرأة فيظن أنها زوجته فيقول أنت طالق فيتبيّن أنها أجنبية فالحكم أنّ زوجته التي في البيت تطلق , السبب في هذا أنه طلقّ زوجته قصداً وكون اللفظ
وقع على أجنبية لا يغيّر الحكم لأنه زوج في نكاح صحيح طلقّ زوجته المعصومة فتطلق.
قال ﵀ (وكذا عكسها)
إذا قابل في الشارع امرأة يظن أنها ليست امرأته فطلقها على أساس أنها الأجنبية ففوجأ أنها زوجته فعند الحنابلة يقع الطلاق , السبب في ذلك أنه يقع قالوا أنه طلق ماذا؟ طلق بلفظ صريح موجه مخاطب به زوجته فوقع أليس كذلك فهذا الزوج خاطب زوجته بطلاق صريح وهذا هو الطلاق الذي يقع في الشرع.
стр. 2400
القول الثاني: أنه لا يقع الطلاق على زوجته لأنه لم يقصد تطليق زوجته وإذا لم يقصد لم يكن مريداً للطلاق فلا يقع , وهذا صحيح
القول الثاني هو الصحيح أنها لا تطلق لأنه ما أراد أن يطلق زوجته وإنما أراد أن يطلق ماذا؟ الأجنبية وليس له طلاق على الأجنبية.
باب الرجعة
الرجعة/ مسائل الرجعة من المسائل المهمة وغير المؤلف يفرد لها كتاباً , فيقول كتاب الرجعة لأهمية الرجعة.
والرجعة / هي المرة من الرجوع في لغة العرب. وهي مصدر من رجع رجوعاً.
وأما في الشرع / فالرجعة هي رد الزوجة غير البائن من غير عقد في عدتها. هذا التعريف من وجهة نظري من أسلم وأسهل التعاريف فإنه يبيّن ما هي الرجعة الشرعية , والمؤلف سيبيّن هذا من خلال الشروط والأحكام.
يقول الشيخ ﵀ (من طلق بلا عوض زوجة مدخولاً بها أو مخلواً بها دون ماله من العدد فله رجعتها في عدتها ولو كرهت)
قوله من طلق بلا عوض إلى آخره , إذا استوفى الزوج هذه الشروط الأربع فإنّ رجعته صحيحة بالإجماع وقد أشار المؤلف إلى كل شرط بعبارة. فأشار بقوله من طلق بلا عوض.
الشرط الأول وهو أن يكون الطلاق بغير عوض فإن كان الطلاق بغير عوض فليس بطلاق وإنما خلع وتقدم معنا أنّ المخالعة تعتبر بائنة بينونة كبرى ولا صغرى.؟ صغرى
وأشار إلى الشرط الثاني بقوله: زوجة غير مدخولاً بها أو مخلواً , فإذا طلق زوجة مدخولاً بها جاز أن يراجع وأما إذا طلق زوجة لم يدخل بها فلا يتمكن من المراجعة لأنّ غير المدخول بها ليس لها عدة وهي أيضاً بائنة بينونة كبرى أو صغرى , صغرى
يقول مشيراً إلى الشرط الثالث:
دون ما له من العدد يشترط للمراجعة أن يطلق طلاقاً دون ما له من العدد فإن طلق ما له من العدد يعني مستوفياً ما له من العدد وهو الطلقات الثلاث لم يتمكن من المراجعة.
ثم أشار إلى الشرط الأخير بقوله:
في عدتها يشترط لجواز المراجع أن تكون في العدة فإن خرجت من العدة لم يملك أن يراجعها وبانت منه أيضاً بينونة صغرى.
ثم قال ولو كرهت يعني وله أن يراجعها بلا رضاها واستدلوا على هذا بدليلين
الأول: قوله تعالى ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ [البقرة/٢٢٨] فقال أحق بردهن فهم لهم الحق بالرد من غير رضا أحد.
стр. 2401
الدليل الثاني: الإجماع فإنّ الفقهاء أجمعوا على أنّ له أن يراجع بلا رضا الزوجة ولا رضا الأولياء , فصارت الشروط معنا كم شرط؟
ذكرنا أربع شروط. والصواب أنّ الشروط خمسة. ويضاف إلى ما ذكره المؤلف.
أن يكون مريدا بالرجعة إصلاحاً فإن أراد بالرجعة عنتاً أو تضيقاً على المرأة أو تعذيباً لها فإنّ الرجعة لا تصح ولا يمكن منها. ولهذا قال تعالى في ختام الآية ﴿إن أرادوا إصلاحاً﴾ البقرة وإن هذه كما تقدم معنا أداة شرط.
قال ﵀ (بلفظ: راجعت امرأتي ونحوه)
بدأ المؤلف بموضوع مهم جداً , من موضوعات الرجعة , وهي بماذا تحصل الرجعة , تحصل الرجعة بأمرين: -
الأمر الأول: لفظي والأمر الثاني: فعلي.
والأمر اللفظي ينقسم إلى قسمين:
١ - مراجعة لفظية صحيحة.
٢ - مراجعة لفظية كناية.
المؤلف بدأ بالمراجعة اللفظية الصريحة. يقول بلفظ: راجعت امرأتي ونحوه لا نكحتها) يعني تكون المراجعة باللفظ لا بالنية وتكون بلفظ راجعت لأنّ راجعت من الصرائح وقوله ونحوه كقول المراجع رددت أو أمسكت. فراجعت ورددت وأمسكت من الصرائح التي تحصل الرجعة إذا استخدمها الزوج بالإجماع لأنها صرائح.
ثم - قال ﵀ (لا نكحتها)
مراده بقوله لا نكحتها ونحوه يعني مثل تزوجتها وأشار بهذه العبارة إلى الكنايات , فالرجعة لا تكون بالكنايات واستدلوا على هذا بدليلين: -
الدليل الأول: قياس الرجعة على النكاح فالنكاح لا ينعقد بالكنايات فكذلك الرجعة لا تنعقد بالكنايات. والجامع أنّ في كل منهما استباحة بضع المرأة وهذا الجامع موجود في المراجعة والنكاح.
الدليل الثاني: أنّ إثبات الثابت محال. فكيف يقول لمن طلقها طلاقاً رجعياً نكحتك وهي ما زالت منكوحة له , ولما كان إثبات الثابت محال صار هذا اللفظ لغواً لا حكم له.
القول الثاني: أنّ المراجعة تحصل بالكنايات جميعاً لقول النبي ﷺ (إنما الأعمال بالنيات) ولأنه أراد مراجعة زوجته فيحصل بأيّ لفظ يدل على هذا المقصود.
وأما الجواب عن القياس على النكاح فهذا قياس صحيح لكن لا نسلم أنّ النكاح لا ينعقد بالكنايات بل تقدم معنا أنه ينعقد بكل لفظ يدل عليه. إذا الإنسان له أن يراجع زوجته بأيّ لفظ شاء.
стр. 2402
قال ﵀ (ويسن الإشهاد)
الإشهاد سنة عند الجماهير من أصحاب المذاهب الأربعة لقوله تعالى ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ البقرة , هذه الآية فيها الأمر بالإشهاد وأقل مراتب الأمر الاستحباب.
القول الثاني: أنّ الإشهاد واجب وهو مذهب الظاهرية واستدلوا على هذا بأنّ الآية فيها الأمر الصريح (وأشهدوا) أجاب الجمهور بالاستدلال عن هذه الآية بأنّ الله تعالى أمر بالإشهاد في الطلاق وفي الرجعة فأمسكوهن أو سرحوهن , والطلاق لا يجب الإشهاد عليه فكذلك الرجعة.
وأجاب القائلون بالوجوب بأنّ الطلاق أيضاً يجب , وقد روي الوجوب عن ابن عباس , والمسألة مشكلة ولكن يبدو لي أنّ الوجوب قوي لأنه لا جواب عن الآية كما أنّ في وجوب الإشهاد خروج من إشكالات زعم الزوج أنه راجع وهو لم يراجع فالإشهاد قطع لدابر الإشكالات التي تحصل معنا بسبب مزاعم الزوج بالمراجعة , وسيأتينا عند الحنابلة مسائل فيها إشكال بسبب زعم الزوج أنه راجع.
* * مسألة / أجمع العلماء أنّ الإشهاد ليس بشرط لصحة المراجعة ولا الطلاق , ولو قلنا بوجوبه وإنما الخلاف لا في كونه شرطاً للصحة وإنما في كونه واجباً أو ليس بواجب وهذه مسألة مهمة لأنّ بعض الناس يظن أنه إذا قلنا أنه يجب فإنّ المراجعة لا تصح أو أنّ الطلاق لا يصح
قال ﵀ (وهي زوجة , لها وعليها حكم الزوجات
أفادنا المؤلف ثلاث مسائل: -
الأولى: أنها زوجة وهي أم المسائل.
والثانية: أنّ لها ما للزوجات ... الثالثة: أنّ عليها ما على الزوجات.
أم هذه المسائل أن نثبت أنّ الرجعية زوجة , ذهب الفقهاء إلى أنّ الرجعية زوجة واستدلوا على هذا بدليلين: -
الدليل الأول: قوله تعالى ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ [البقرة/٢٢٨] وجه الاستدلال أنه سمي المطلق بعلاً للزوجة الرجعية ولا يكون زوجاً لها إلاّ وعقد النكاح باقي.
الدليل الثاني: وهو جميل جداً وهو أنّ الصحابة أجمعوا على توريث الرجعية ولن يورثوها إلاّ وهي زوجة , فإذا ثبت أنها زوجة سهل علينا أن نقول لها ما للزوجة وعليها ما على الزوجة. فلها السكنى والنفقة ولها كل ما للزوجات إلاّ ما سيأتينا من الاستثناء.
стр. 2403
وعليها ما على الزوجات من الطاعة والبقاء في المسكن وكل ما على الزوجات إلاّ ما سيأتينا استثناؤه , أما من حيث الأصل أنها زوجة لها ما لهن , وعليها ما عليهن.
قال ﵀ (لا قسم لها)
الرجعية زوجة في كل شيء إلاّ أنه لا يقسم لها , لأنها خرجت بالطلاق عن حق القسم وظاهر عبارة المؤلف أنه لا يستثنى إلاّ ماذا؟ القسم لأنه لم يستثني إلاّ القسم , لكن الواقع أنّ بين الرجعية والزوجة فروق تبلغ تسعة: - ذكرها الشيخ ابن رجب في القواعد
أهم هذه الفروق بإمكانكم الرجوع للفروق لأنها فروع فقهية بعيدة الوقوع , لكن أهم هذه الفروق ثلاثة: -
الأول: وهو العمدة أنه لا قسم لها
الثاني: أنّ طلاق الرجعية في أصح الروايتين عن الإمام أحمد بدعي. ونحن لا نتحدث عن الوقوع لكن بدعي على أصح الروايتين. بينما طلاق الزوجة بدعي أو ليس ببدعي , ليس ببدعي إذا وافق الشروط.
الثالث: أنه إذا توفي زوجها , فهل تنتقل إلى عدة الوفاة أو تعتد بأطول الأجلين.
فهذه ثلاث فروق هي أبرز الفروق بين الرجعية والزوجة. فهمنا من كلام المؤلف باستثناء القسم أنه لا يوجد فروق أخرى وهذا يقتضي أنه يجوز للزوج أن يجامع الرجعية وأن يستمتع منها بكل ما يستمتع به الزوج من زوجته , وهذا صحيح أنه المذهب. فالحنابلة يرون جواز جماع الزوج لرجعيته وأن يستمتع منها بما شاء , واستدلوا على هذا القول بأدلة: -
الدليل الأول: أنها زوجة وإذا كانت زوجة جاز له أن يستمتع منها بما يستمتع الزوج من زوجته.
الدليل الثاني: أنّ أمرها بالبقاء في البيت يقصد منه طلب الرضا منه ومنها لترجع إلى عصمته وهذا يكون بتمكينه من الجماع.
القول الثاني: أنه لا يجوز له أن يجامع ولا أن يطأ واستدلوا على هذا بأنّ هذه الرجعية عبر عنها في الحديث بقوله (مره فليراجعها)
وفي الآية (فأمسكوهنّ) فهذه الرجعية خرجت بالطلاق فتحتاج إلى إرجاع وإمساك قبل أن يستمتع بها.
وهذا القول الثاني هو الصحيح
* * تنبيه مهم جداً ..... !
стр. 2404
هذا الخلاف الذي ذكرته سواء أراد بالوطء المراجعة أو لم يرد حتى لا تتداخل هذه المسألة مع المسألة اللاحقة , يعني أنّ الحنابلة يرون أنه يجوز أن يطأ ولو لم ينوي المراجعة , عرفتوا ولا لا , وهذه مسألة دقيقة يجب أن يفرق بين مسألة المراجعة بالوطء وبين مسألة جواز الوطء بغير نية المراجعة. إذا الخلاف الذي ذكرته إنما هو فيما إذا أراد أن يراجع وإذا أراد أن لا يراجع. القول الثاني هو اختيار شيخ الإسلام وهو كما قلت أوجه القولين , كيف نمكن الزوج أن يراجع رجعيته بغير نية المراجعة كأنه يعبث لماذا؟ لأنه إذا كان لا يريد أن يراجع هذه الزوجة لماذا؟ يراجعها إلاّ غالباً وهو يريد الإضرار بها.
قال ﵀ (وتحصل الرجعة أيضاً بوطئها)
لما بيّن المؤلف المراجعة اللفظية انتقل إلى المراجعة الفعلية العملية وذكر أنّ الزوج إذا وطئ زوجته فإنها ترجع , وهي ترجع عند الحنابلة سواء وطئ بنية المراجعة أو بغير نية المراجعة يعني ترجع مطلقاً. واستدلوا على هذا بأنّ الزوج إذا وطئ زوجته فهذا الوطء علامة على رجوعه عن الطلاق وهو أبين وأوضح من ما لو قال راجعتك.
القول الثاني: أنه لا تحصل المراجعة إلاّ بماذا؟ بالوطء مع نية المراجعة واستدل هؤلاء بعموم قول النبي ﷺ (إنما الأعمال بالنيات) وهذا ما نوى أن يراجعها فلا ترجع وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ﵀
القول الثالث: أنه لا يحصل بالوطء مراجعة نوى أو لم ينوي واستدل هؤلاء على هذا القول بأنّ الله اشترط للمراجعة الإشهاد والإشهاد يكون على الأقوال لا على الأفعال فإذا وطئ ولو بنية المراجعة فإنه لا يكون مراجعاً. والراجح إن شاء الله القول الوسط وهو أنّ الوطء مراجعة بنيته. قبل أن نتنقل للمسألة هذه تحدثنا عن الوطء وهل تحصل به رجعة أو لا باقي مسألة هل تحصل الرجعة بالمباشرة ونحوها؟
الصحيح وهو مذهب الجماهير أنّ الرجعة لا تحصل بالمباشرة ونحوها , والسبب في هذا أنّ المباشرة لا تستوي هي والوطء فلا تأخذ حكمه ولهذا نقول لا يجوز أن يعتبر المباشرة بالتقبيل ونحوه مراجعة بل عليه أن يراجع من جديد مراجعة لفظية.
يقول الشيخ ﵀ (ولا تصح معلقة بشرط)
стр. 2405
لا يصح أن يعلق الرجعة بشرط فلا يصح أن يقول إذا دخل شهر الله المحرم فقد راجعتك , واستدل الحنابلة على هذا بالقياس السابق فإنهم دائماً يقيسون الرجعة على النكاح , والنكاح لا يصح معلقاً فكذلك الرجعة.
والقول الثاني: أنّ تعليق الرجعة على شرط صحيح ونافذ , واستدلوا بدليلين: -
الدليل الأول: عموم قول النبي ﷺ (المسلمون على شروطهم) فإنّ هذا يتناول عقد الرجعة
الثاني: أنّ الزوج قد يعلق الرجعة على شرط مقصود له , كأن يقول إن تركت المعصية الفلانية فقد راجعتك , فهذا تعليق مقصود نافع لا يأتي الشرع بإبطاله , ولهذا نقول الصحيح إن شاء الله أنه يجوز تعليق الرجعة على شرط.
ثم - قال ﵀ (فإذا طهرت من الحيضة الثالثة ولم تغتسل فله رجعتها)
يريد المؤلف أن يبيّن بهذه العبارة أنّ الزوج يملك المراجعة إلى أن تنتهي من الاغتسال وأنّ حقه في المراجعة لا ينتهي بتوقف الدم. وهذا في الحقيقة يحتاج إلى دليل وقد استدل عليه الإمام أحمد بأنّ هذا عليه جمهور أصحاب النبي ﷺ فإنهم أفتوا ببقاء حق الزوج في المراجعة إلى أن تغتسل. ولا يعلم بين الصحابة خلاف في هذا.
القول الثاني: أنّ الزوج يفقد حقه بالمراجعة بمجرد توقف الدم لأنّ الله جعل العدة قروء والقرء هو الحيض فإذا توقف القرء أيّ الحيض فقد خرجت من العدة وهذا القول ضعيف جداً وإن كان قوياً في الظاهر والسبب في هذا ما نبهت إليه مراراً نعتبر أنّ أيّ قول يخالف قولاً مروياً عن الصحابة بلا خلاف أنه قول ضعيف مهما ظهر منه قوة في تعليله ولهذا نقول إن شاء الله أنّ الزوج يملك المراجعة إلى أن تنتهي من الاغتسال فإذا سمعها دخلت تغتسل وقال راجعتك فالمراجعة صحيحة فإذا انتهت من الاغتسال الشرعي حينئذ
لا يملك أن يراجعها.
стр. 2406
الدرس: (٧) من الطلاق
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال ﵀ (وإن فرغت عدتها قبل رجعتها بانت وحرمت قبل عقد جديد)
إذا انقضت عدة الرجعية المطلقة قبل أن يراجع الزوج فإنها بانت منه بينونة صغرى ولا يملك أن يرجع إليها إلاّ بعقد جديد ومهر وجميع الشروط اللازمة لصحة عقد النكاح ودليل هذا من وجهين: -
الوجه الأول: قوله تعالى ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ [البقرة/٢٢٨] وقال السلف أنّ في ذلك راجعة إلى العدة يعني أحق بالمراجعة ما دامت في العدة.
الوجه الثاني: الإجماع فإنّ أهل أجمعوا أنها إذا انقضت عدتها ولم يرجع إليها فإنه لا يعود إلاّ بعقد جديد , فهذه المسألة لا إشكال فيها لوضوحها وإجماع أهل العلم عليها.
يقول ﵀ (ومن طلق دون ما يملك ثم راجع , أو تزوج , لم يملك أكثر مما بقي , وطئها زوج غيره , أو لا)
هذه العبارة من المؤلف فيها بيان كم يملك الزوج بعد أن يعود إلى زوجته من عدد الطلقات ولإيضاح هذه المسألة أقول: الطلاق ينقسم إلى ثلاثة أقسام: -
القسم الأول: أن يطلق دون الثلاث ثم يعود إلى زوجته فإنه يعود على ما بقي له من عدد الطلقات بالإجماع سواء راجعها أثناء العدة أو تركها إلى أن تنقضي العدة ويراجعها بعقد جديد ففي الصورتين لا يملك ما بقي من عدد الطلقات وهذه الصورة محل إجماع ولا إشكال فيها.
القسم الثاني: أن يطلق ثلاثاً ثم تعود إليه بعد زوج ووطء فإنها تعود على الطلقات الثلاث فيملك الزوج الطلقات الثلاث. وهذه الصورة أيضاً محل إجماع.
القسم الثالث: أن يطلقها دون الثلاث ثم ترجع إليه لكن بعد زوج آخر ووطء فهذه هي المسألة التي ذكرها المؤلف وهي محل خلاف فالمذهب يرون أنه يعود على ما بقي واستدلوا على هذا أيضاً بدليلين: - الدليل الأول" أنّ هذا الوطء لم يفد إباحة فلم يؤثر في عدد
الطلقات , [يعني من الزوج الثاني لم يفد إباحة فإنها هذه المرأة مباحة له من قبل هذا الوطء ومن بعده فلما لم تفد إباحة لم تؤثر في عدد الطلقات.
الدليل الثاني: وهو الأقوى أنّ هذا مروي عن أكابر الصحابة ,وإنما قيّدنا بأكابر لأنه سيأتينا في القول الثاني أنه مروي عن بعض الصحابة الآخرين على كل حال هذا مروي عن أكابر الصحابة.
القول الثاني: أنها ترجع إليه ويملك الطلقات الثلاث واستدلوا بدليلين: -
стр. 2407
الأول: أنّ الوطء يهدم الطلاق السابق ومقصودهم بالوطء يعني من زوج آخر.
والدليل الثاني: أنّ هذا مروي عن بعض أصحاب النبي ﷺ كابن عباس وابن عمر , والراجح المذهب بلا إشكال إن شاء الله , أولاً لأنه مروي عن أكابر الصحابة ومن القواعد المقررة أنه إذا اختلفوا فمن المرجحات أن يكون أصحاب القول الراجح هم كبار الصحابة وفقهاءهم كأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ.
الثاني أنّ دليلهم أقوى وجه القوة أنّ تعليل أصحاب القول الثاني بأنّ الوطء يهدم الطلاق تعليل مجرد كأنهم يعللون الحكم بحكم كأنّا نقول لهم لماذا تعود؟ فيقولون لأنه وطئها. وإذا قلنا لهم وإذا وطئها؟ يقولون لأنّ يهدم الطلاق , فنحن وإياهم ندور في حلقة مفرغة والتعليل القوي يجب أن يخرج عن محل الخلاف على كل حال العمدة في هذا الباب أنّ أكابر الصحابة يرون أنها ترجع على ما بقي لها ولا يملك أكثر من ذلك.
فصل
هذا الفصل أراد المؤلف فيه بيان متى تنتهي عدة الرجعية , وذكر صورتين تنتهي فيهما العدة:
يقول المؤلف ﵀ (وإن ادعت انقضاء عدتها في زمن يمكن انقضاؤها فيه أو بوضع الحمل الممكن وأنكره فقولها)
وإن ادعت انقضاء عدتها في زمن يمكن انقضاؤها فيه , هذه هي الصورة الأولى أن تدعي في زمن يمكن انقضاؤها فيه.
الثانية أو بوضع الحمل الممكن وأنكره فقولها , هاتان صورتان لانقضاء العدة.
نبدأ بالصورة الأولى" يقول في زمن يمكن انقضاؤها فيه , ما هو الزمن الذي يمكن أن تنقضي فيه؟
قال الفقهاء الزمن الذي يمكن أن تنقضي فيه يرجع إلى الخلاف في أكثر الحيض وأقله , وفي أكثر الطهر وأقله. وعلى المذهب يكون أقل زمن يمكن أن تنتهي فيه هو كما قال المؤلف تسعة وعشرون يوماً ولحظة. وسيأتينا دليل هذا القيد. فإذا ادعت في أقل من هذا فقد ادعت في زمن لا يمكن انقضاؤه فيه يعني عند الحنابلة. هذا أولاً.
الثانية: يقول أن تدعي وضع الحمل الممكن , الحمل الممكن هو ما تبيّن فيه خلق إنسان , فإذا وضعت حملاً تبيّن فيه خلق إنسان فإنّ العدة تنتهي.
يقول الشيخ ﵀ (وأنكره فقولها)
стр. 2408
يعني إذا ادعت في هاتين الصورتين ثم أنكر الزوج فإنّ القول قول المرأة وهذا يعود لقاعدة عند الحنابلة ستتكرر معنا في هذا الباب والكتاب الذي يليه والكتاب الذي يليه والكتاب الذي يليه , وهو أنّ المرأة إذا ادعت شيء لا يمكن أن يطلع عليه إلاّ من قبلها فإنّ القول قولها. والحيض لا يمكن أن يطلع عليه إلاّ من قبل المرأة. فإذا ادعت قبلنا دعواها.
قال ﵀ (وإن ادعته الحرة بالحيض في أقل من تسعة وعشرين يوماً ولحظة لم تسمع دعواها)
إذا ادعت أنها طهرت في أقل من تسعة وعشرين يوماً ولحظة , فإنّ القاضي بجب عليه أن لا يسمع الدعوى أصلاً. وتعليل ذلك: أنها دعوى معلومة الكذب لأنه لا يمكن شرعاً أن تطهر في هذه المدة فتبيّن لنا أنّ ادعاء المرأة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: -
القسم الأول: أن تدعي أنه في أقل من تسعة وعشرين يوماً فإنها في هذه الحالة لا تسمع دعواها لأنها معلومة الكذب.
القسم الثاني: أن تدعي انقضاء العدة في تمام تسعة وعشرين يوماً ولحظة ففي هذه الصورة الثانية تسمع وتقبل لكن بشرط أن تأتي ببيّنة ووجه طلب البيّنة أنّ انقضاء العدة في مثل هذا الزمن ممكن إلاّ أنه قليل الوقوع وإذا كان قليل الوقوع يجب أن تأتي ببيّنة , ودليل هذا حديث المشهور لماّ أفتى شريح بحضرة عليّ ﵁ في المرأة التي زعمت أنّ عدتها انقضت في مثل هذه المدة , فقال إن أتت بشاهد من صالح أهلها قبل وإلاّ فلا. فقال عليّ ﵁ قالون يعني جيّد. فأثنى على فقهه في هذه المسألة فهنا شريح أفتى بأنّ هذه الدعوى مقبولة لا بشرط أن تحضر بيّنة.
القسم الثالث: أن تدعي انقضاء العدة في أكثر من هذا الزمن , فحينئذ نقبل هذه الدعوى بلا بيّنة.
فإذا دعوى لا تقبل مطلقاً ودعوى تقبل ببيّنة ودعوى تقبل بلا بيّنة.
قال ﵀ (وإن بدأته فقالت: انقضت عدتي فقال: كنت راجعتك , أو بدأها به فأنكرته فقولها)
يقول الشيخ وإن بدأته فقالت انقضت عدتي فقال كنت راجعتك , هذه المسألة الأولى.
والثانية: أو بدأها به فأنكرته فقولها.
стр. 2409
المسألة الأولى: يقول الشيخ إذا بدأته فقال ...... ) فقال كنت راجعتك , يعني قالت المرأة لزوجها انقضت عدتي فقال الزوج مباشرة كنت راجعتك فالقول في هذه المسألة قولها , بلا نزاع عند الحنابلة. واستدلوا بدليلين: -
الدليل الأول: وهو العمدة , أنّ الأصل عدم المراجعة وإذا كان هذا هو الأصل فإنه لا يقبل ما يخالفه ,
الثاني" أنّ دعواه جاءت بعد الحكم بانقضاء العدة فلم تقبل لأنه تقدم معنا قاعدة أنّ الدعاوى التي تؤدي إلى إسقاط حق الغير لا تقبل إلاّ ببيّنة وهذه الصورة أمرها واضح ,
نأتي إلى الصورة الثانية يقول , أو بدأها به فأنكرته , بدأها به يعني قال راجعتك فقالت عدتي انتهت , ففي مثل هذه الصورة أيضاً نقبل قول الزوجة والمؤلف ﵀ خالف في هذه المسألة المذهب. يعني في المسألة الثانية , فالمذهب أنه في المسألة الثانية نقبل قول من؟
الزوج , تقدم معنا التعليق هل مسألة مخالفة الشيخ المؤلف ﵀ اختيارات أو ليست كذلك وأنّ الأقرب أنها فيما يظهر لي أنها اختيارات , دليل المؤلف استدل بدليل جيّد. الدليل الأول" ما تقدم معنا أنّ الأصل عدم الرجعة.
الدليل الثاني: أنّ من قبل قوله سابقاً قبل مسبوقاً , مراد المؤلف بهذا الدليل أنّه إذا قبلنا قول رجل إذا تكلم هو الأول فيجب أنّ نقبل هذا القول إذا تكلم ثانياً لأنّ الكلام كونه يأتي أولاً أو ثانياً لا يغير في مجرى الأدلة والحقوق.
أما الحنابلة الذين يرون أنّ القول قول الرجل فقد استدلوا بأنّ اعتراضها جاء بعد وجود المراجعة , عكسوا دليل المسألة الأولى فلا نقبل قولها ويظهر لي أنّ ما ذكره المؤلف خلاف مذهب الحنابلة أقوى وأنه في الصورتين يقبل قول الزوجة وهذه المسائل هي المسائل التي أشرت إليها حين الحديث عن ماذا؟ بالأمس قلت ستأتي مسائل تؤيّد القول بوجوب الإشهاد , لأنّه لو كان الإشهاد واجباً لن تأتي معنا
هذه المسائل لأنّ نقول له أشهد أين الشهود على أنك راجعت أليس كذلك؟ ونخرج من هذا الخلاف لكن الحنابلة اضطروا إلى مناقشة هذه القضية لأنهم يرون أنّ الإشهاد ماذا؟ سنة , هم وغيرهم من الفقهاء.
فصل
стр. 2410
قال ﵀ (إذا استوفى ما يملك من الطلاق حرمت حتى يطأها زوج في قبل ولو مراهقاً)
إذا طلق الإنسان زوجته واستوفى الطلاق أيّ عدده وهو الثلاث فإنها لا ترجع إليه إلاّ بشرطين: -
الشرط الأول: أن تنكح زوجاً غيره , فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره.
الشرط الثاني: أن يطأ هذا الزوج الثاني. ودليل هذا الحديث الذي تقدم معنا أنّ رفاعة ﵁ طلق زوجته ثلاثاً ثم تزوجها عبد الرحمن بن الزبير ﵁ فجاءت زوجته تشتكي إلى النبي ﷺ وتقول يا رسول الله ليس معه إلاّ مثل هذه الهدبة فقال النبي ﷺ أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة , لا , حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك , هذا الحديث نص في أنّ المراجعة لا تكون إلاّ بعد الوطء. وإلى هذا ذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة جميعاً إلاّ واحد , إلى القول باشتراط الوطء ذهب جمهور الأمة الفقهاء الأربعة والسبعة
إلاّ واحد من السبعة وهو سعيد بن المسيّب ﵀ فإنه يرى أنّ مجرد العقد يكفي ولا يشترط الوطء. واستدل على هذا بالآية فقال حتى تنكح زوجاً غيره , وهذه نكحت زوجاً غيره , وليس في القرآن ما يدل على زيادة اشتراط الوطء. ولا شك أنّ هذا الفقيه الكبير قوله ضعيف وهو يحتاج أن نعتذر له بأن نحمل هذا القول على أنه لم يبلغه هذا الحديث الصحيح. وإلاّ لو بلغه فإنّ دلالة النص صريحة , فإنّ عقد عبد الرحمن بن الزبير على امرأة رفاعة كان صحيحاً بإقرار النبي ﷺ ومع ذلك اشترط هو ﷺ الوطء فلا إشكال ولهذا لم يوافق أحد من الفقهاء سعيد بن المسيب في هذه المسألة واستقر الأمر على اشتراط العقد والوطء.
يقول المؤلف ﵀ (ولو مراهقا)
стр. 2411
المراهق هو / من قارب البلوغ فإذا تزوجت المطلقة ثلاثاً مراهقاً , ووطئ فإنها تحل للزوج الأول واستدلوا على هذا بأنّ وطء المراهق هو وطء من زوج في نكاح صحيح , فأشبه بهذا المكلف وهذا صحيح فإنه إذا وطئها المراهق فإنها تحل للزوج الثاني لوجود الشرط وهو الوطء والعقد. ولم يشترط الحديث الإنزال فإنّ الإنزال أمر إضافي لم اشتراطه في الحديث ولماّ قرر المؤلف ﵀ اشتراط الوطء بدأ في بيان شروط هذا الوطء.
فقال ﵀ (ويكفي تغييب الحشفة أو قدرها مع جب في فرجها مع انتشار وإن لم ينزل)
كما قلت لماّ قرر المؤلف اشتراط الوطء بيّن أنه لا يكون الوطء نافعاً إلاّ بهذه الشروط وهي ثلاثة: -
الشرط الأول: تغييب الحشفة وهذا هو القدر الواجب الأقل في الوطء , وتغييب الحشفة هو الذي يعبر عنه الفقهاء في أماكن أخرى بالتقاء الختانين , فإنّ التقاء الختانين هو تغييب الحشفة لأنه بتغييب الحشفة يحصل ماذا؟ التقاء الختانين.
الشرط الثاني: أن يكون الجماع في فرجها , يجب أن يكون الجماع في الفرج فإن جامع في الدبرأو فيما بين الأليتين أو في أيّ مكان دون القبل فإنها لا تحل لزوجها الأول , سيأتينا دليل الشروط الثلاثة.
الشرط الأخير: أن يكون هذا الجماع مع انتشار فلو استدخل الذكر بلا انتشار فإنها لاتحل للزوج الأول.
ما هو دليل هذه الشروط؟ هو قوله ﷺ (حتى تذوقي عسيلته) لأنّ ذوق العسيلة لا يكون إلاّ بوجود هذه الثلاثة أشياء , تغييب الحشفة , وأن يكون في القبل , وأن يكون مع الانتشار , واستدلالهم بهذا اللفظ استدلال صحيح , فالوطء الذي يحل الزوجة لزوجها الأول يشترط فيه هذه الصفات.
قال ﵀ (ولا تحل بوطء دبر)
لا تحل بوطء دبر لأمرين: -
الأول أنه محرم والمحرم لا يفيد التحليل.
الثاني وعليه الاعتماد أنه ليس فيه ذوق العسيلة , فإنّ هذا الذوق والشهوة والاستمتاع لا يكون إلاّ في القبل.
قال ثم - قال ﵀ (وشبهة , وملك يمين , ونكاح فاسد)
هذه ثلاثة. شبهة يعني نكاح الشبهة. وملك اليمين يعني أن يملك هذه الأمة ويطأها بموجب ملك اليمين. والثالث أن يطأ بنكاح فاسد
стр. 2412
ففي هذه الأنواع الثلاثة لا تحل المرأة لزوجها الأول , والسبب أنّ الله قال ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح﴾ [آل عمران/١٨٨] والنكاح الصحيح ينصرف شرعاً إلى النكاح المستوفي الشروط الخالي من الشبهات. ولهذا أخرجنا النكاح بالشبهة أو بملك اليمين أو بالنكاح الفاسد. وهذا أمره واضح أنّ الآية اشترطت نكاحاً صحيحاً , وهذه الأشياء ليست نكاحاً صحيحاً.
قال ﵀ (ولا في حيض , ونفاس , وإحرام , وصيام فرض)
يعني ولا تحل المرأة لزوجها الأول إذا كان نكاح الثاني في حيض ونفاس وإحرام أو في صيام واجب, معنى هذا أنّ الزوج الثاني إذا جامع زوجته وهي حائض فإنّ هذا الجماع لا يؤدي إلى تحليل الزوجة , واستدلوا على هذا بأنّ هذا الجماع محرم لحق الله , وإذا كان محرم لحق الله فإنه لا يفيد تحليل الزوجة لأنه جماع منهي عنه فكيف يكون الجماع المنهي عنه سبباً في إحلال الزوجة لمطلقها الثلاث هذا هو المذهب.
القول الثاني: في هذه المسألة أنه إذا جامعها في هذه الأحوال فإنها تحل للزوج الأول , واستدل هؤلاء بأنّ هذا الجماع جماع في نكاح صحيح فتحقق الشرطان وأما التحريم فهو لأمر خارج عن موضوع التحليل وهو أيّ الزوج الثاني آثم ولكنها تحل للزوج الأول.
وهذا قد يقع فأيُّ القولين أرجح؟ الثاني وهو اختيار ابن قدامة وهو الراجح إن شاء الله.
قال ﵀ (ومن ادعت مطلقته المحرمة وقد غابت نكاح من أحلها وانقضاء عدتها منه فله نكاحها إن صدقها وأمكن)
صورة هذه المسألة أن يطلق الزوج زوجته ثلاثاً ثم تغيب عنه أو يغيب عنها , ثم يلقاها بعد ذلك فتدعي أنها في هذه الغيبة نكحت زوجاً آخر وجامعها وطلقت وانتهت العدة من الزوج الثاني , فحينئذ يجوز لهذا الزوج الأول أن يعقد على زوجته , لكن بشرطين: -
الشرط الأول: أن يصدقها. ... والشرط الثاني: أن يمكن هذا.
стр. 2413
ويشترط عند الحنابلة شرط ثالث , وهو أن يغلب على ظنه صدقها , وهو داخل في أن يصدقها ولعل مراد المؤلف بقوله يصدقها يعني أن يغلب على ظنه فإذا وجدت هذه الشروط جاز له أن يعقد عليها وأن يصدق كلامها , فهم من هذه القيود أنّ الزوج لو لم يغلب على ظنه الصدق وإنما ظن فقط فإنه لا يجوز له أن يتزوجها عند الحنابلة , وعللوا هذا بأنّ الأصل في هذه المرأة أنها محرمة وإنما انتقلنا عن التحريم في الصورة الأولى لوجود غلبة الظن فإذا لم توجد فإنه لا يجوز أن يعقد عليها , والصحيح إن شاء الله أنه إذا غلب على ظنه
أو ظن فقط صدقها فإنه يجوز له أن ينكحها أن يعقد عليها , لأنّ الأصل صحة الأقوال ولأنّ هذا الأمر لا يعلم إلاّ من قبل المرأة لأنه كما تقدم معنا أنّ انتهاء العدة لا يعلم إلاّ من قبل المرأة فصحيح إن شاء الله أنه إذا أمكن وغلب أو ظن فقط أنها صادقة جاز له أن يعقد عليها وهذه الصور كما تعلمون يعني صور قد تكون موجودة في السابق أما اليوم فإنّ هذه الأمور توّثق غالباً ودلائل صحة هذا الأمر أو عدمه معلومة.
بهذا انتهى كتاب الطلاق ولله الحمد. وننتقل إلى كتاب الإيلاء.
стр. 2414
الدرس: (١) من الإيلاء
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كتاب الإيلاء
الإيلاء لغة / الحلف وقال بعضهم الإيلاء في لغة العرب لا يطلق على أيّ حلف وإنما على الحلف الذي يمتنع به الإنسان عن وطء الزوجة فيكون في اللغة معناه قريب من معناه في الشرع.
وأما التعريف الاصطلاحي / فقد ذكره المؤلف يقول ﵀ (وهو حلف زوج بالله تعالى , أو صفته على ترك وطء زوجته في قبله أكثر من أربعة أشهر) ذكر المؤلف في هذه العبارة تعريف الإيلاء وشروط الإيلاء.
فتعريف الإيلاء هو حلف الزوج بالله أو بصفته على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر، وسيأتينا الوقوف علىكل مفردة من مفردات هذا التعريف أثناء كلام المؤلف.
والإيلاء والظهار كانا عند الجاهليين طلاق ثم نسخ هذا في الإسلام كما تقدم معنا من كلام شيخ الإسلام عند الحديث عن مسألة:" أنت عليّ حرام ".
حكم الإيلاء/
الإيلاء محرم لوجهين: -
الأول: القياس على الظهار وسيأتينا أنّ النصوص الصريحة دلت على تحريم الظهار.
الثاني: أنه حلف على ترك واجب , والحلف على ترك واجب محرم.
قال المؤلف ﵀:
(هو حلف زوج بالله)
أفادنا المؤلف أنّ الإيلاء هو حلف الزوج لقوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾ [البقرة/٢٢٦] فحلف غير الزوج لا يعتبر إيلاء، فحلف السيد مثلاً لا يعتبر إيلاء يعني إذا حلف على أمته , إنما الذي يعتبر في الشرع هو الزوج فقط.
وقوله (حلف) يعني أنّ الامتناع بغير حلف ليس إيلاء وسينص المؤلف في آخر مسألة من الإيلاء على مفهوم هذه العبارة.
قال المؤلف ﵀:
(بالله تعالى أوصفته)
لا يكون الإيلاء إيلاء إلاّ إذا حلف بالله أو بصفة من صفاته , أو باسم من أسمائه , خرج من هذا العموم ما لو حلف بالطلاق أو بالنذر أو بالعتاق , فإنه لا يسمى إيلاء، واستدل الحنابلة على هذا بأمرين:
الأمر الأول: قراءة ابن عباس (للذين يؤلون) قرأها (للذين يقسمون) والقسم لا يكون إلاّ بالله أو بصفة من صفاته.
стр. 2415
الدليل الثاني: أنّ الإيلاء عند الإطلاق في الشرع واللغة ينصرف إلى الحلف بالله أو بصفة من صفاته , فإذا حلف بغيرهما لم يكن إيلاء.
القول الثاني: أنّ الحلف بغير الله كالحلف بالطلاق والنذر والعتاق وغيرهما يعتبر إيلاء , واستدلوا أيضاً بدليلين:
الأول: وهو غريب عجيب أثر أيضاً عن ابن عباس كما تلك قراءة عن عباس هذا أثر عن ابن عباس وهو أنه قال كل منع من الجماع فهو إيلاء.
الدليل الثاني: من المعنى وهو أنّ الشارع إنما حرم الإيلاء لما فيه من الإضرار بامتناع الزوج بالحلف عن وطء الزوجة وهذا المعنى موجود إذا حلف بالطلاق أو بالنذر أو العتاق , وهذا القول الثاني اختيار شيخ الإسلام وهو القول الراجح وفي الحقيقة اختيار الحنابلة في هذه المسألة ضعيف وسبب الضعف:
أولاً: لأنه يخالف صريح فتوى ابن عباس.
وثانياً: أنه يفتح باب للتلاعب لأنه إذا علم الزوج أنه لن يلزم بحكم الإيلاء إذا حلف بغير اليمين والقسم فإنه يحلف بغير اليمين وبهذا يتحقق الإضرار بالزوجة ولا يتحقق المقصود الشرعي من مشروعية الإيلاء.
قال المؤلف ﵀:
(على ترك وطء زوجته في قبلها)
يشترط أن يحلف على ترك الوطء في القبل , أما لو حلف على ترك الوطء في الدبر أو ترك الاستمتاع بأيّ مكان من زوجته فإنه لا يعتبر إيلاء , وعلل الحنابلة هذا بأنّ الضرر الذي أراد الشارع رفعه إنما هو فيما إذا حلف على ترك القبل دون غيره من الاستمتاعات.
وهذا صحيح , بل الحلف على ترك وطء الدبر هذا أمر طيّب , فليس من الإيلاء بحال من الأحوال.
إذا الخلاصة / أن يشترط على ترك وطء القبل
قال المؤلف ﵀:
(أكثر من أربعة أشهر)
يشترط ليكون الحلف إيلاء أن يقسم على ترك وطئها أكثر من أربعة أشهر, علمنا من عبارة المؤلف أنه لو أقسم على أربعة أشهر أو أقل فإنه لا يعتبر إيلاء وهذا مذهب الجمهور. واستدل الجمهور بالآية فإنّ الآية جعلت مدة الإيلاء أربعة أشهر , ولو كان الإنسان يصح إيلاءه لمدة أربعة أشهر لكان الإيلاء ينتهي قبل ذلك. وهذا معلوم أنه لا يكون.
стр. 2416
القول الثاني: أنه إذا حلف على ترك وطء زوجته أربعة أشهر يعتبر مولياً , وهؤلاء يتمسكون بالظاهر وهذا الظاهر هو أنّ هذا الزوج حلف على ترك وطء زوجته والإيلاء هو الحلف على ترك وطء الزوجة , فلما وجد منه صح أنه إيلاء , وهذا مذهب الأحناف وهو مذهب ضعيف جداً لأنه مخالف لظاهر الآية ولهذا لم يوافق مالك وأحمد والشافعي أبا حنيفة على هذا القول , والراجح مذهب الحنابلة، علمنا من هذا القول أنه إذا حلف على ترك وطء زوجته أقل من أربعة أشهر فإنه بالإجماع لا يعتبر من الإيلاء وهذا دليل على الأحناف.
قال المؤلف ﵀:
(ويصح من: كافر , وقن , وغضبان , وسكران , ومريض مرجو برؤه)
المؤلف يريد أن يبيّن من هو الزوج الذي يصح منه الإيلاء والزوج الذي لا يصح منه الإيلاء الزوج الذي يصح منه الإيلاء ضبطه الحنابلة بضابط يسير جداً وواضح , فقالوا كل من صح طلاقه صح إيلاءه والمسائل التي أشار إليها المؤلف إنما أشار إليها لوقوع الخلاف فيها , وإلاّ لكفى أن يذكر هذا الضابط العام , وغير المؤلف من الحنابلة ذكر هذا الضابط وهو أحسن لو أنّ المؤلف ذكره لكان أحسن إنما المؤلف نص على مسائل فيها خلاف ليبيّن أنّ ما عداها كل من صح طلاقه صح إيلاءه.
قوله (ويصح من كافر) يعني إذا آلى الكافر من زوجته وترافعوا إلينا فإنّا نلزمه بحكم الإيلاء لماذا؟ لأنّ الكافر يصح طلاقه فيصح إيلاءه.
قوله (وقن) يعني لو أنّ العبد حلف أن لا يطأ زوجته فهو مولي وتضرب له المدة ويأخذ بأحكام الإيلاء والدليل على هذا أنّ القِنّ يدخل في عموم الآية العبد يدخل في عموم الآية.
قال المؤلف ﵀:
(ومميز وغضبان وسكران)
تقدم معنا في كتاب الطلاق الخلاف في طلاق المميز والسكران والغضبان فعلى القول بأنّ طلاقهم يقع إيلائهم أيضاً يقع , وعلى القول بأنّ طلاقهم لا يقع , لا يقع منهم الإيلاء , فالخلاف في الطلاق يأتي معنا هنا.
стр. 2417
قوله (ومريض مرجو برؤه) يعني المريض الذي لا يستطيع الآن أن يجامع لو أقسم على أن لا يجامع فهو إيلاء وعلل الحنابلة هذا بأنّ هذا الزوج يستطيع أن يجامع لولا العارض وهذا العارض سيزول , ولهذا قالوا مرجو برؤه فإذا المريض الذي يرجى برؤه إذا أقسم على ترك وطء زوجته بسبب غضب أو غيره فإنّا نضرب عليه المدة ونعتبره مولياً.
قال المؤلف ﵀:
(وممن لم يدخل بها)
الإيلاء من المسائل التي لاتفترق فيها المدخول عليها أو بها عن التي لم يدخل بها , فإذا قال الزوج قبل الدخول والله لا أطأ زوجتي يقصد في قبلها فإنه مولي وإن كان لم يدخل إلى الآن , وعللوا هذا بأنه داخل في الآية وأيضاً هو زوج وكل زوج أقسم على ترك وطء زوجته فهو مولي.
القول الثاني: أنه إذا آلى ممن لم يدخل بها , فإنه لا يعتبر من الإيلاء لأنه لم يدخل بها إلى الآن ولم يطأ ولم تسلم إليه الزوجة , والراجح المذهب؟ لماذا؟ لأنه يصح طلاقها ولأنّ قضية الدخول وعدمه لا أثر له في الامتناع من الوطء كما ذكرتم أحسنتم أنّ طلاقه صحيح فإيلاءه صحيح.
قال المؤلف ﵀:
(لا من مجنون , ومغمى عليه)
المجنون والمغمى عليه لا يصح منهما الإيلاء لأنه القلم مرفوع عنهما , فإذا هذى بالإيلاء وأقسم فلا عبرة بكلامه ولا يصح منه , لأنه مرفوع عنهما القلم وليسوا بمكلفين.
قال المؤلف ﵀:
(وعاجز عن وطء لجب كامل أو شلل)
يعني إذا كان الزوج أقسم أن لا يطأ زوجته ولكنه مجبوب أو مشلول فإنّ هذا القسم لا يعتبر إيلاء , وإن أقسم على ترك وطء زوجته قاصداً، وعلل الحنابلة هذا بأنّ المانع من الوطء ليس اليمين وإنما المرض أو العلة أو الجب أو الشلل فإذا كان المانع ليس الإيلاء ليس اليمين والقسم فليس بإيلاء في الشرع وهذا صحيح لأنّ المانع الآن ليس القسم حتى نرتبّ عليه أحكام الإيلاء.
قال المؤلف ﵀:
(فإذا قال: والله لا وطئتك أبداً , أو عيّن مدة تزيد على أربعة , أو حتى ينزل عيسى , أو يخرج الدجال)
стр. 2418
فإذا قال والله لا وطئتك أبداً وعيّن مدة تزيد على أربعة أشهر ........ الخ فهو مول , والسبب في هذا أنه أقسم على ترك وطء زوجته مدة تزيد على أربعة أشهر , ولكن الشيخ كما هي عادته المؤلف ﵀ أجاد وأحسن بذكر هذه الأمثلة ليدلنا على قاعدة وهذه القاعدة أو الضابط تقول [كل من أقسم على مدة يغلب على الظن أنها تزيد على الأربعة أشهر فهو مولٍ وإن لم يذكر العدد] وهذا ضابط مفيد فعيسى ﵇ وخروج الدجال لن يكون بغلبة الظن إلاّ بعد مضي أربعة أشهر, وهذا يقاس على ما ذكره كل ما ينطبق عليه الضابط وهو أن يحلف على شيء يغلب على الظن أنه يستغرق مدة تزيد على أربعة أشهر.
قال المؤلف ﵀:
(أو حتى تشربي الخمر)
إذا قال والله لا أطأك حتى تشربي الخمر فهو مول , لماذا؟ وهذا جنس آخر من اليمين مول لأنه علقّ أو منع نفسه من الوطء حتى تفعل المحرم والمحرم معدوم شرعاً فيقاس على المعدوم حساً فكأنه علقّ الوطء على أمر لا يمكن أن يوجد حساً لأنّ المعدوم شرعا كالمعدوم حساً، ولأنه لو فتح هذا الباب لأمكن للإنسان أن يُجَرِأ زوجته على المعاصي باستخدام الإيلاء , والشرع لا يأتي بمثل هذا.
قال المؤلف ﵀:
(أو تسقطي دينك أو تهبي مالك , ونحوه فمول)
أيضاً في هذه الصور يعتبر مول لماذا؟ لأنه حلف عليها بما يؤدي إلى أخذ المال ظلماً , وأخذ المال ظلماً محرم , وإذا كان محرماً رجعنا إلى قاعدة الخمر وهو أنّ تعليق الأمر على فعل محرم يجعله معدوماً حساً. فيصبح مولياً وهذا صحيح فمسألة أخذ المال وشرب الخمر مسألة واحدة. والضابط لهذه المسائل ما هو؟ أن يعلق الوطء على تحقق أمر محرم فإذا الأمثلة الأولى لها ضابط والأمثلة الثانية لها ضابط مستقل.
قال المؤلف ﵀:
(فإذا مضى أربعة أشهر من يمينه ولو قناً)
أفادنا المؤلف أنه إذا أقسم هذا القسم فهو مول , وإذا كان مول فإنّا نضرب له المدة ونبدأ بحساب المدة من حين أقسم وفي هذه العبارة مسائل:
стр. 2419
المسألة الأولى: أنّ ابتداء المدة لا يحتاج إلى ضرب ولا إلى حكم حاكم بل نبدأ باحتساب المدة من حين يقسم ولا نحتاج إلى ضرب مدة وهو بهذا يشبه العدة. بخلاف العنين فإنّ العنين يجب أن يضرب المدة من؟ الحاكم كما تقدم معنا.
المسألة الثانية: أنّ قاعدة مدة الإيلاء أن يحسب عليه عذره دون عذرها , فإذا سافر أو أحرم أو مرض فإنّا نحسب المدة عليه , لأنّ هذا الزوج هو السبب في الامتناع فلم يراعيه الشارع بإيقاف المدة حال عذره. وبالمقابل لا نحسب على الزوج عذرها , فإذا أحرمت أو نشزت أو سافرت أو مرضت مرضاً لا يمكن معه الوطء فإنّا لا نحسب عليه هذه المدة لأنه لا يد له في هذه المدة.
ويستثنى من هذا الحيض فإنّ الحيض يحسب عليه , وإن كان عذراً لها إلاّ أنه يحسب عليه لماذا؟ لأنّا لو حسبنا الحيض لا يمكن أن تنتهي مدة الإيلاء , لأنه في كل شهر حيض أليس كذلك؟ معناه أنّ الأشهر لن تنتهي أبداً لأنه في كل شهر إيلاء في كل شهر حيض وبهذا لن ننتهي. * النفاس هل يحسب عليه أو لا يحسب؟ الحنابلة لم يستثنوا إلاّ الحيض ونصوا على أنّ النفاس يحسب عليه لأنه أمر عارض ليس كالحيض , الخلاصة: أنّ أعذاره كلها تحسب عليه وأعذارها كلها لا تحسب إلاّ الحيض.
قال المؤلف ﵀:
(ولو قناً)
يعني أربعة أشهر لا تنصف بالرق , واستدلوا على هذا بعموم الآية.
стр. 2420
والرواية الثانية عن الإمام أحمد أنّ العبد تنصف له المدة فتكون مدة الإيلاء بالنسبة له شهرين فقط هذه الرواية نقلها أبو طالب وأفادنا جزاه الله خيراً. أنّ الإمام أحمد رجع إليها وهنا علمنا أيّ الروايتين الأولى وأيّ الروايتين الثانية. السبب في رجوع الإمام أحمد لاحظ تعليل الإمام أحمد قال الإمام أحمد وجدنا أنّ كل التابعين على هذا إلاّ الزهري , يعني على تنصيف مدة الإيلاء بالنسبة للعبد إلاّ الزهري فأخذ بإجماع التابعين لأنه لم يخالف إلاّ من؟ الزهري. كما أنّ غير الزهري ولعل هذا ملحظ من ملاحظ الإمام أحمد غير الزهري قد يكون أفقه من الزهري فإذا لم يخالف إلاّ الزهري وبقية الفقهاء الكبار كلهم على التنصيف لاشك أنّ هذا يستدعي من الإنسان الوقوف عند هذا الأمر والرجوع إليه , كما أنّ هذا قد يكون من التابعين بناء على فتاوى تلقوها من الصحابة.
الأمر الثاني: قياس التنصيفات الأخرى كعدد الطلاق , وإقامة الحدود, فكأنّ الشارع ينصف على العبد ما يتعلق بالمدد والأعداد وهذا القول الذي رجع إليه الإمام أحمد هو الصحيح إن شاء الله.
قال المؤلف ﵀:
(فإن وطئ ولو بتغييب حشفة)
أفادنا المؤلف أنّ أدنى ما يكفي في فيئة , أن يغيّب الحشفة فإن وطئ دون ذلك فلم يرجع إلى الآن , ويعتبر مازال مولياً , أما إن وطئها بتغييب الحشفة فإنه يعتبر رجع عن الإيلاء.
قال المؤلف ﵀:
(فقد فاء)
أفادنا المؤلف أنّ الفيئة هي الوطء. وهذا محل إجماع حكاه ابن المنذر وغيره من أهل العلم أنّ الفيئة هي الوطء يعني أنه لا يعتبر فاء لا بالكلام ولا بأيّ عمل سوى الوطء , فإذا وطئ اعتبرناه فاء ورجع.
قال المؤلف ﵀:
(وإلاّ أمر بالطلاق)
أفادنا الشيخ ﵀ أنه لا يقع الطلاق بمجرد انتهاء مدة الإيلاء، بل يأمره الحاكم بأحد أمرين لا ثالث لهما:
следующие страницы →