← Сира

Сира · id 96721

رحمة للعالمين - سعيد بن وهف

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (452 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

يوم حنين؟ قال: لا والله ما ولَّى رسول الله ﷺ ، ولكنه خرج شبان أصحابه (١) وأخفاؤهم (٢) حسرًا (٣) ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح، فلقوا قومًا رماة لا يكاد يسقط لهم سهم، جمع هوازن، وبني نَصْرٍ، فرشقوهم رشقًا (٤) ما يكادون يخطئون، فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله ﷺ وأبو سفيان بن الحارث يقود بغلته، فنزل ودعا واستنصر وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب اللهم نزِّل نصرك» (٥)

стр. 247

قال البراء: «كنا والله إذا احمرَّ البأس (١) نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي ﷺ » (٢). وفي رواية لمسلم عن سلمة قال: «مررت على رسول الله ﷺ منهزمًا (٣) وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله ﷺ : "لقد رأى ابن الأكوع فزعاً". فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: "شاهت الوجوه" (٤) فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله ، وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين» (٥).

стр. 248

وقد قال العلماء: إن ركوب النبي ﷺ البغلة في موضع الحرب وعند اشتداد البأس هو النهاية في الشجاعة والثبات؛ ولأنه أيضًا يكون معتمدًا يرجع الناس إليه، وتطمئن قلوبهم به وبمكانه، وإنما فعل هذا عمدًا، وإلا فقد كانت له ﷺ أفراس معروفة. ومما يدل على شجاعة تقدمه ﷺ وهو يركض بغلته إلى جمع المشركين، وقد فر الناس عنه، ونزوله إلى الأرض حين غشوه مبالغة في الشجاعة والصبر، وقيل: فعل ذلك مواساة لمن كان نازلًا على الأرض من المسلمين، وقد أخبر الصحابة ﵃ بشجاعته ﷺ في جميع المواطن (١). المثال الرابع: شجاعته ﷺ في الحماية لأصحابه: روى البخاري ومسلم، عن أنس ﵁ قال: «كان

стр. 249

النبي ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قِبَلَ الصوت، فاستقبلهم النبي ﷺ قد سبق الناس إلى الصوت، وهو يقول: "لم تراعوا، لم تراعوا"، وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج، في عنقه سيف، فقال: "لقد وجدته بحرًا، أو إنه لبحر» (١). وهذا المثال وغيره من الأمثلة السابقة تدل دلالة واضحة على أن ﷺ أشجع إنسان على الإطلاق، فلم يكتحل الوجود بمثله ﷺ ، وقد شهد له بذلك الشجعان الأبطال (٢). قال البراء ﵁: «كنا والله إذا احمرَّ البأس نتقي به،

стр. 250

وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي ﷺ » (١). وقال أنس في الحديث السابق: «كان النبي ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس. . .». المثال الخامس: شجاعته العقلية ﷺ : كانت هذه الشواهد السابقة لشجاعته القلبية، أما شجاعته العقلية فسأكتفي بشاهد واحد؛ فإنه يكفي عن ألف شاهد ويزيد، وهو موقفه من تعنت سهيل بن عمرو، وهو يملي وثيقة صلح الحديبية، إذ تنازل ﷺ عن كلمة "بسم الله الرحمن الرحيم" إلى باسمك اللهم وعن كلمة " محمد رسول الله" إلى كلمة: محمد بن عبد الله، وقبوله شرط سهيل على أن لا يأتي النبي ﷺ رجل من قريش حتى ولو كان مسلمًا إلَّا ردَّه إلى أهل مكة، وقد اغتاظ الصحابة غيظًا عظيمًا، وبلغ الغضب حدًّا لا مزيد عليه، وهو ﷺ صابر ثابت حتى انتهت الوثيقة، وكان بعد أيام فتحًا مبينًا.

стр. 251

فضرب ﷺ بذلك المثل الأعلى في الشجاعتين: القلبية، والعقلية، مع بعد النظر، وأصالة الرأي، وإصابته؛ فإن من الحكمة أن يتنازل الداعية عن أشياء لا تضره بأصل قضيته لتحقيق أشياء أعظم منها (١). وجميع ما تقدم نماذج من شجاعته ﷺ وثباته، وهذا نقطة من بحر، وإلا فإنه لو كُتِبَ في شجاعته ﷺ بالاستقصاء لكُتِبَ مجلدات، فيجب على كل مسلم، وخاصة الدعاة إلى الله أن يتخذوا الرسول ﷺ قدوةً في كل أحوالهم وتصرفاتهم، وبذلك يحصل الفوز والنجاح، والسعادة في الدنيا والآخرة، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]

стр. 252

المبحث السادس عشر حكمته ﷺ في الإصلاح وجمع القلوب حكمته ﷺ في الإصلاح والتأسيس: عندما وصل رسول الله ﷺ إلى المدينة كان فيها مجموعات من السكان متباينة في عقيدتها، مختلفة في أهدافها، متفرقة في اجتماعاتها، وكانت لديهم خلافات بعضها قديم موروث، وبعضها حديث موجود، وقد كانت هذه المجموعات على ثلاثة أصناف: ١ - المسلمون، من: الأوس، والخزرج، والمهاجرين. ٢ - المشركون، من: الأوس، والخزرج، والذين لم يدخلوا في الإسلام. ٣ - اليهود، وهم عدة قبائل: بنو قينقاع، وقد كانوا حلفاء الخزرج، وبنو النضير، وبنو قُريظة، وهاتان القبيلتان كانتا حلفاء الأوس.

стр. 253

وقد كان هناك خلاف مستحكم بين الأوس والخزرج، وكانت بينهما حروب في الجاهلية، وآخرها يوم بُعاثٍ ولا يزال في النفوس شيء منها (١). [أمثلة تطبيقية لحكمة النبي ﷺ في الإصلاح وجمع شمل المسلمين] لقد قام النبي ﷺ بحل هذه المشكلات كلها، بحكمته العظيمة، وحسن سياسته، وكان حله وإصلاحه لهذه الأوضاع، وجمعه لشمل المسلمين كالآتي: ١ - بناء المسجد والاجتماع فيه أول عمل وحَّد بين القلوب: كان أول عمل قام به ﷺ في الإصلاح والتأسيس بناء المسجد النبوي، واشترك المسلمون جميعًا في البناء، وعلى رأسهم إمامهم محمد ﷺ ، وكان أول عمل تعاوني عام، وَحَّد بين القلوب، وأظهر الهدف العام للعمل، وقد كان

стр. 254

لكل حي في المدينة - قبل قدوم النبي ﷺ مكان يلتقون فيه، فيسمرون ويسهرون، وينشدون الأشعار، فكانت هذه الحال تدل على الفرقة والاختلاف، فعندما بُنيَ المسجد كان مركز المسلمين جمعيًا، ومكان تجمعهم، يلتقون به في كل وقت، ويسألون رسول الله ﷺ فيعلمهم ويرشدهم ويوجههم (١). وبهذا تجمعت الأندية، والتفَّت الأحياء، واقتربت القبائل، وتحابَّت البطون، وانقلبت التفرقة إلى وحدة، ولم تعد في المدينة جماعات، بل جماعة واحدة، ولم تعد زعامات، بل قائد واحد، هو رسول الله ﷺ ، يتلقى من ربه الأوامر والنواهي، ويُعلِّم أمته، فأصبح المسلمون صفًا واحدًا، وامتزجت النفوس والعقليات، وتقوت الوحدة، وتآلفت الأرواح، وتعاونت الأجسام (٢).

стр. 255

ولم يكن المسجد موضعًا لأداء الصلوات الخمس فحسب، بل كان جامعة يتلقى فيها المسلمون تعاليم الإسلام وتوجيهاته، ويجتمعون فيه، وتلتقي فيه العناصر القبلية المختلفة التي طالما نافرت بينها النزعات الجاهلية وحروبها وقاعدة لإدارة جميع الشؤون، وبثِّ الانطلاقات، وموضعًا لعقد المجالس الاستشارية والتنفيذية. ولهذا ما أقام رسول الله ﷺ بمكان في المدينة إلا كان أول ما يفعله بناء مسجد يجتمع فيه المؤمنون، فقد أقام مسجد قباء حين أقام فيها، وصلى الجمعة في بني سالم بن عوف، بين قباء والمدينة، في بطن وادي (رانوناء) فلما أن وصل إلى المدينة كان أول عمل عمله بناء المسجد فيها (١). ٢ - دعوة اليهود إلى الإسلام بالقول الحكيم: ومن قواعد الإصلاح والتأسيس التي قام بها النبي ﷺ

стр. 256

- بعد أن دخل المدينة - الاتصال باليهود بواسطة عبد الله بن سلام ﵁ ودعوتهم إلى الإسلام. فعن أنس ﵁ قال: «بلغ عبد الله بن سلام مقدم النبي ﷺ إلى المدينة، فأتاه، فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة، وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال رسول الله ﷺ : "خبَّرني بهن آنفًا جبريل" قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقال رسول الله ﷺ : "أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها" [قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله]، قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهْتٌ، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بَهَتُوني عندك، [فأرسل نبي الله

стр. 257

صلى الله عليه وسلم فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله ﷺ : "يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقًا، وأني جئتكم بحق، فأسلموا"، قالوا: ما نعلمه، قالوا للنبي ﷺ قالها ثلاث مرات - فقال رسول الله ﷺ : "فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ " قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: "أفرأيتم إن أسلم؟ " قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال: "أفرأيتم إن أسلم؟ " قالوا حاشا لله ما كان ليسلم، قال: "أفرأيتم إن أسلم؟ " قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال: "يا ابن سلام اخرج عليهم"، فخرج فقال: يا معشر اليهود، اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق، فقالوا: كذبت، [شرنا، وابن شرنا]، ووقعوا فيه» (١).

стр. 258

وهذه أول تجربة تلقاها رسول الله ﷺ من اليهود عند دخول المدينة (١). ومن حسن سياسته ﷺ أنه وافق على إخفاء عبد الله بن سلام حتى يسأل اليهود عن مكانته بينهم، وعندما أثنوا عليه، ورفعوا من قدره أمره بالخروج فخرج وأعلن شهادته، وأظهر ما كان يكتمه اليهود من صدق النبي ﷺ . ثم ضبطهم ﷺ بالمعاهدة التي ستأتي. ٣ - المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: كما قام النبي ﷺ بالبدء ببناء المسجد ودعوة اليهود إلى الإسلام، قام ﷺ بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وهذا من الرشد، والكمال النبوي، والنضج السياسي،

стр. 259

والحكمة المحمدية (١). آخى بينهم ﷺ في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلًا، نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، آخى بينهم على المواساة، يتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل الله : ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦]، ردَّ التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوة (٢). ذابت عصبيات الجاهلية، فلا حمية إلا للإسلام، وسقطت فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتقدم أحد أو يتأخر إلا بمروءته وتقواه، وكانت عواطف الأخوة، والإيثار؛ والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة، وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال؛ وفي هذه الأخوة أقوى

стр. 260

مظهر من مظاهر عدالة الإسلام الإنسانية والأخلاقية (١). ولم تكن هذه المؤاخاة معاهدة دُوِّنت على الورق فحسب، ولا كلمات قيلت باللسان فقط؛ وإنما كانت مؤاخاة سجلت على صفحات القلوب، وعملًا يرتبط بالدماء والأموال، لا كلامًا يثرثر به اللسان، إنها مؤاخاة في القول والعمل، والنفس والمتاع والأملاك، في العسر واليسر (٢). ومن أروع الأمثال لذلك ما رواه البخاري في صحيحه: «آخى رسول الله ﷺ بين عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن الربيع، فقال سعد: قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالًا، فسأقسم مالي بيني وبينك نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم تابع

стр. 261

الغدوة ثم جاء يومًا وبه أثر صُفرة، فقال النبي ﷺ : "مَهْيَم؟ " (١) قال: تزوجت امرأة من الأنصار، فقال: "ما سقت فيها؟ " قال: وزن نواة من ذهب، أو نواة من ذهب، فقال: "أولِم ولو بشاة» (٢). وهذه المؤاخاة حكمة فذَّة، وسياسة صائبة، وحلٌّ رائعٌ لكثير من المشكلات التي كان يواجهها المسلمون. ٤ - التربية الحكيمة: وقد كان ﷺ يتعهدهم بالتعليم والتربية وتزكية النفوس، والحث على مكارم الأخلاق، ويؤدبهم بآداب الود والإخاء والمجد والشرف والعبادة والطاعة (٣).

стр. 262

فقد كان يقول ﷺ : «يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» (١). ويقول: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» (٢) «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٣). ويقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٤). ويقول: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا،

стр. 263

وشبك بين أصابعه» (١). ويقول: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله وعرضه» (٢). وقال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (٣).

стр. 264

وقال: «تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين، ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظِروا هذين حتى يصطلحا، أنظِروا هذين حتى يصطلحا، أنظِروا هذين حتى يصطلحا» (١). وقال: «تعرض الأعمال في كل يوم خميس وإثنين فيغفر الله في ذلك اليوم لكل امرئٍ لا يُشرك بالله شيئاًَ إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اركوا (٢) هذين حتى يصطلحا، اركوا هذين حتى يصطلحا» (٣). وقال ﷺ : «انصُر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قيل: يا رسول الله، هذا نصرته مظلومًا، فكيف أنصره إذا كان

стр. 265

ظالمًا؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم فذلك نصره» (١). وقال: «حق المسلم على المسلم ست، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمِّته، وإذا مرض فعُده، وإذا مات فاتبعه» (٢). وعن البراء بن عازب قال: «أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي, وإفشاء السلام، ونصر المظلوم، وإبرار المقسم، ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن الشُّرب في الفضة - أو قال: في آنية

стр. 266

الفضة - وعن المياثر (١) والقسي (٢) وعن لبس الحرير، والديباج (٣) والإستبرق» (٤). وقال: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أَوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم» (٥). «وسئل ﷺ : أي الإسلام خير؟ فقال: تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» (٦). ويقول: «مَثَل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم،

стр. 267

مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (١). وقال ﷺ : «من لا يرحَم لا يُرحم» (٢). وقال: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله » (٣). وقال ﷺ : «سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر» (٤). وسواء وصلت هذه النصوص للأنصار من النبي ﷺ مباشرة، أو سمعوا بعضها من المهاجرين الذين سمعوا من النبي ﷺ قبل الهجرة، فكل ذلك تربية منه ﷺ لأصحابه

стр. 268

جميعًا، ولمن بلغته هذه النصوص إلى يوم الدين. وغير ذلك من النصوص التي ربَّى بها محمد ﷺ أصحابه فقد كان يحثهم على الإنفاق، ويذكر من فضائله ما يشوِّق النفوس والقلوب، وكان يحث على الاستعفاف عن المسألة، ويذكر لهم فضل الصبر والقناعة، وكان يرغبهم في العبادات بما فيها من الفضائل والأجر والثواب، وكان يربطهم بالوحي النازل من السماء ربطًا موثقًا يقرؤه عليهم ويقرؤونه؛ لتكون هذه الدراسة إشعارًا بما عليهم من حقوق الدعوة، فضلًا عن ضرورة الفهم والتدبر. وهكذا رفع ﷺ معنوياتهم، ودربهم على أعلى القيم والمثل حتى صاروا صورة لأعلى قمة من الكمال الإنساني. بمثل هذا استطاع النبي ﷺ أن يبني مجتمعًا مسلمًا أروع وأشرف مجتمع عرفه التاريخ، وأن يضع لمشاكل هذا المجتمع حلًا بعد أن كان يعيش في ظلمات الجهل والخرافات، فأصبح مجتمعًا يضرب به المثل في جميع

стр. 269

الكمال الإنساني، وهذا بفضل الله وحده، ثم بفضل هذا النبي الحكيم، فحَريٌّ بالدعاة إلى الله أن يسلكوا مسلكه، ويهتدوا بهديه ﷺ (١). ٥ - ميثاق المهاجرين والأنصار وموادعة اليهود: بعد أن قام رسول الله ﷺ بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، عقد معاهدة أزاح بها كل ما كان من حزازات الجاهلية والنزعات القبلية، ولم يترك مجالًا لتقاليد الجاهلية، وقد وضع في هذه المعاهدة ميثاقًا للمهاجرين والأنصار، متضمنًا موادعة اليهود بالمدينة، وهذا من أبرز الجهود التي بذلها ﷺ في الإصلاح والتأسيس. كتب رسول الله ﷺ كتابًا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه اليهود، وعاهدهم، وأقرهم على أموالهم، واشترط عليهم، وشرط لهم (٢).

стр. 270

وهذا الميثاق في غاية الدقة، وحسن السياسة، وكمال الحكمة من النبي ﷺ ، فقد ربط بين جميع المسلمين في المدينة وبين اليهود، فأصبحوا كتلة واحدة، يستطيعون أن يقفوا في وجه كل من يريد أهل المدينة بسوء. وهذه الخطوات الخمس: بناء المسجد، ودعوة اليهود إلى الإسلام، والمؤاخاة بين المؤمنين وتربيتهم، وكتابة الميثاق، هي التي حل بها النبي ﷺ بفضل الله تعالى - الخلاف المستحكم بين سكان المدينة، وأزال بها جميع آثار الماضي، ووحَّد بها قلوب المسلمين، وطبَّق بها النظام المتقن داخل المدينة، ومن ثم انتشر هذا النظام، والدعوة إلى الله من هذه المدينة إلى جميع أقطار العالم (١).

стр. 271

المبحث السابع عشر بلاغة النبي ﷺ مما يدل على تأثير القرآن العظيم في القلوب ما قاله جبير بن مطعم ﵁: «سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطُّور، فَلَمَّا بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ - أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ - أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧] كاد قلبي أن يطير [وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي]» (١). وهذا يدل على تأثير القرآن الكريم في القلوب، وكذلك أحاديث رسول الله ﷺ ؛ فإنها الوحي الثاني ولها

стр. 272

تأثير في القلوب أيضًا، ومما يدل على تأثير كلام رسول الله ﷺ في القلوب وبلاغته الأمثلة الآتية: المثال الأول: قصة ضماد ﵁: «عندما قدم ضماد ﵁ مكة، وكان يرقي من الجن، فسمع سفهاءَ من أهل مكة يقولون: إن محمدًا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يديَّ، فلقيه فقال: يا محمد إني أرقي من هذه الريح (١) وإن الله يشفي على يديَّ من شاء، فهل لك (٢)؟ فقال رسول الله ﷺ : إن الحمدَ لله، نحمدُهُ، ونستعينه، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده وسوله. أما بعد، فقال: أعد عليَّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات. فقال: لقد سمعت قول

стр. 273

الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بَلَغْنَ ناعوس البحر (١) فقال؛ هات يدك أُبَايِعْكَ على الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : وعلى قومك؟ قال: وعلى قومي» (٢). المثال الثاني: مع الطفيل بن عمرو ﵁: ومن بلاغته ﷺ ما جاء عن الطفيل بن عمرو ﵁ أنه كان شاعرًا، وسيِّدًا في قومه، فقدم مكة، فحذرته قريش من مقابلة الرسول ﷺ ، وقالوا: إن كلامه كالسحر فاحذره أن يدخل عليك وعلى قومك ما أدخل علينا؛ فإنه يُفرِّق بين المرء وزوجه، وبين المرء وابنه، فما زالوا يحذرونه، حتى حلف أن لا يدخل المسجد إلا وقد سدَّ أُذنيه، فسد أذنيه بقطن، ثم دخل المسجد، فأعجبه فقال في نفسه: إني امرؤ

стр. 274

ثَبْتٌ ما تخفى عليَّ الأمور: حُسْنُها وقُبْحُها، والله لأَسْمَعَنَّ منه؛ فإن كان أمره رُشدًا أخذته منه وإلا اجتنبته، فنزع القطن فلم يسمع كلامًا أحسن من كلامِه، فلحقه إلى بيته ودخل معه وأخبره الخبر، وقال: اعرض عليَّ دينك؟ فعرض عليه ﷺ الإسلام فأسلم (١). فينبغي للدعاة إلى الله أن يعتنوا بتذكير الناس بالقرآن الكريم، وبسنة محمد ﷺ . والله المستعان.

стр. 275

[الوجه الأول الإعجاز البياني والبلاغي] المبحث الثامن عشر معجزاته ودلائل نبوَّته ﷺ من أعظم الأقوال الحكيمة في دعوة أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن تبيِّن لهم البراهين والأدلة القطعية الدالة على صدق رسالة محمد ﷺ إلى الناس أجمعين. ولا شك أن الآيات والبينات الدالة على نبوته ﷺ وعموم رسالته كثيرة متنوعة، وهي أكثر وأعظم من آيات غيره من الأنبياء، وجميع الأنواع تنحصر في نوعين: (أ) منها: ما مضى وصار معلومًا بالخبر الصادق كمعجزات موسى وعيسى. (ب) ومنها: ما هو باق إلى اليوم كالقرآن، والعلم والإيمان اللذين في أتباعه، فإن ذلك من أعلام نبوته، وكشريعته التي أتى بها، والآيات التي يظهرها الله وقتًا بعد وقتٍ من كرامات الصالحين من أمته، وظهور دينه بالحجة والبرهان، وصفاته الموجودة في كتب الأنبياء قبله وغير

стр. 276

ذلك (١) وهذا باب واسع لا أستطيع حصره؛ ولكن سأقتصر في إثبات نبوته ﷺ وعموم رسالته على المطالب الآتية: المطلب الأول: معجزات القرآن العظيم . المطلب الثاني: معجزاته ﷺ الحسية. المطلب الأول معجزات القرآن العظيم المعجزة لغة: ما أُعجزَ به الخصم عند التحدي (٢). وهي أمر خارق للعادة يعجز البشر متفرقين ومجتمعين عن الإتيان بمثله، يجعله الله على يد من يختاره لنبوته؛ ليدلَّ على صدقه وصحة رسالته (٣).

стр. 277

والقرآن الكريم كلام الله المنزل على محمد ﷺ هو المعجزة العظمى، الباقية على مرور الدهور والأزمان، المعجز للأولين والآخرين إلى قيام الساعة (١) قال النبي ﷺ : «ما من الأنبياء نبيٌّ إلا أعطي من الآيات على ما مثله آمن البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» (٢). وليس المراد في هذا الحديث حصر معجزاته ﷺ في القرآن، ولا أنه لم يؤت من المعجزات الحسية كمن تقدمه، بل المراد أن القرآن المعجزة العظمى التي اختص

стр. 278

بها دون غيره؛ لأن كل نبي أُعطي معجزة خاصة به، تحدَّى بها من أُرسل إليهم، وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه؛ ولهذا لما كان السحر فاشيًا في قوم فرعون جاءه موسى بالعصا على صورة ما يصنع السحرة، لكنها تلقف ما صنعوا، ولم يقع ذلك بعينه لغيره. ولما كان الأطباء في غاية الظهور جاء عيسى بما حيَّر الأطباء، من: إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، وكل ذلك من جنس عملهم، ولكن لم تصل إليه قدرتهم. ولما كانت العرب أرباب الفصاحة والبلاغة والخطابة جعل الله - سبحانه - معجزة نبينا محمد ﷺ القرآن الكريم الذي (١) ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].

стр. 279

ولكن معجزة القرآن الكريم تتميز عن سائر المعجزات؛ لأنه حجة مستمرة، باقية على مرِّ العصور، والبراهين التي كانت للأنبياء انقرض زمانها في حياتهم ولم يبق منها إلا الخبر عنها، أما القرآن فلا يزال حجة قائمة كأنما يسمعها السامع من فم رسول الله، ولاستمرار هذه الحجة البالغة قال ﷺ : «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يومَ القيامة» (١). والقرآن الكريم آية بيِّنة، معجزة من وجوه متعددة، من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، والبلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أمر بها، ومعانيه التي أخبر بها عن الله - تعالى - وأسمائه وصفاته وملائكته، وغير ذلك من الوجوه الكثيرة التي ذكر كل عالمٍ ما فتح

стр. 280

الله عليه به منها (١) وسأقتصر على أربعة وجوه من باب المثال لا الحصر بإيجاز على النحو الآتي: الوجه الأول: الإعجاز البياني والبلاغي: من الإعجاز القرآني ما اشتمل عليه من البلاغة والبيان، والتركيب المعجز، الذي تحدى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله، فعجزوا عن ذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ - فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣ - ٣٤].

стр. 281

وبعد هذا التحدي انقطعوا فلم يتقدم أحد، فمدَّ لهم في الحبل وتحداهم بعشر سور مثله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨]، فعجزوا فأرخى لهم في الحبل فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨]، ثم أعاد التحدي في المدينة بعد الهجرة، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤].

стр. 282

فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] أي: فإن لم تفعلوا في الماضي، ولن تستطيعوا ذلك في المستقبل، فثبت التحدي، وأنهم لا يستطيعون أن يأتوا بسورة من مثله فيما يستقبل من الزمان، كما أخبر قبل ذلك، وأمر النبي وهو بمكة أن يقول: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. فعم بأمره له أن يخبر جميع الخلق معجزًا لهم، قاطعًا بأنهم إذا اجتمعوا لا يأتون بمثل هذا القرآن، ولو تظاهروا وتعاونوا على ذلك، وهذا التحدي لجميع الخلق، وقد سمعه كل من سمع القرآن، وعرفه الخاص والعام، وعلم مع ذلك أنهم لم يعارضوه، ولا أتوا بسورة مثله من حين بُعِثَ ﷺ إلى اليوم والأمر على ذلك (١).

стр. 283

والقرآن يشتمل على آلاف المعجزات؛ لأنه مائة وأربع عشرة سورة، وقد وقع التحدي بسورة واحدة، وأقصر سورة في القرآن سورة الكوثر، وهي ثلاث آيات قصار، والقرآن يزيد بالاتفاق على ستة آلاف ومائتي آية، ومقدار سورة الكوثر من آيات أو آية طويلة على ترتيب كلماتها له حكم السورة الواحدة، ويقع بذلك التحدي والإعجاز (١)؛ ولهذا كان القرآن الكريم يغني عن جميع المعجزات الحسية والمعنوية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. الوجه الثاني: الإخبار عن الغيوب: من وجوه الإعجاز القرآني أنه اشتمل على أخبار كثيرة من الغيوب التي لا علم لمحمد ﷺ بها، ولا سبيل لبشر مثله أن يعلمها، وهذا مما يدلُّ على أن القرآن كلام الله

стр. 284

- تعالى - الذي لا تخفى عليه خافية: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. والإخبار بالغيوب أنواع: النوع الأول: غيوب الماضي: وتتمثل في القصص الرائعة وجميع ما أخبر الله به عن ماضي الأزمان. النوع الثاني: غيوب الحاضر: أخبر اللهُ رسولَه ﷺ بغيوب حاضرة، ككشف أسرار المنافقين، والأخطاء التي وقع فيها بعض المسلمين، أو غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله، وأطلع عليه رسوله ﷺ . النوع الثالث: غيوب المستقبل: أخبر اللهُ رسولَه ﷺ بأمور لم تقع، ثم وقعت كما أخبر، فدلَّ ذلك على أن

стр. 285

القرآن كلام الله، وأن محمدًا ﷺ رسول الله (١). الوجه الثالث: الإعجاز التشريعي: القرآن العظيم جاء بهدايات كاملة تامَّة، تفي بحاجات جميع البشر في كل زمان ومكان؛ لأن الذي أنزله هو العليم بكل شيء، خالق البشرية والخبير بما يُصلحها ويُفسدها، وما ينفعها ويضرُّها، فإذا شرع أمرًا جاء في أعلى درجات الحكمة والخبرة ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]. ويزداد الوضوح عند التأمل في أحوال الأنظمة والقوانين البشرية التي يظهر عجزها عن معالجة المشكلات البشرية ومسايرة الأوضاع والأزمنة
следующие страницы →